بعد أكثر من عام على إطلاق هيئة الدواء المصرية مبادرة سحب الأدوية منتهية الصلاحية المعروفة بـ”لـ Wash out”، والتي استهدفت تنظيف سوق الدواء من ملايين العبوات المنتهية وتعويض الصيدليات عنها، تتصاعد شكاوى الصيادلة من تعثر التنفيذ واستمرار تكدس “الإكسباير” داخل الصيدليات، في ظل اتهامات لشركات الإنتاج والتوزيع بالمماطلة والانتقائية في استلام المرتجعات وصرف التعويضات.
ففي فبراير 2025 أصدر رئيس هيئة الدواء المصرية قرارًا بسحب المستحضرات الطبية منتهية الصلاحية من المؤسسات الصيدلية، فيما عُرف بمبادرة غسيل الأسواق أو الـ”ووش أوت“، والتي كانت هدفت إلى تنظيف السوق من الأدوية منتهية الصلاحية، قبل 30 أكتوبر 2025.
القرار ألزم الشركات بقبول مرتجعات المستحضرات منتهية الصلاحية التي أنتجتها أو استوردتها، من الصيدليات أو المخازن أو المستودعات، خلال 90 يومًا، اعتبارًا من تاريخ العمل بالقرار، على أن يتم فرزها خلال 30 يومًا اعتبارًا من تاريخ استلامها، وأن يسوى التعويض عن المستحضرات المرتجعة خلال موعد أقصاه 180 يومًا، من صدور القرار.
كذلك ألزم المصانع بإعدام المستحضرات المرتجعة خلال 40 يومًا تحسب من تاريخ استلامها للمستحضرات، على أن تقوم الشركات المستوردة وشركات التصنيع لدى الغير بإعدام مستحضراتها المرتجعة خلال 40 يومًا تحسب من تاريخ إخطار المخزن أو المستودع للشركة باستلام المستحضرات منتهية الصلاحية.
ومع تنفيذ المرحلة الأولى من المبادرة التي بدأت في أول مارس العام الماضي، اصطدم العديد من الصيادلة بتحديات وصعوبات تقنية تتعلق بتسجيل بعض الأصناف الدوائية منتهية الصلاحية على النظام الالكتروني واستخدام أداة البحث عن الأصناف و بياناتها و خاصة كود الصنف، التابعة لهيئة الدواء، بسبب فروقات الأسعار وتركيزات بعض الأدوية، ما جعلهم يعجزون عن تسجيلها، والاستفادة من المبادرة، بحسب ما أفادوا لـ”زاوية ثالثة”.
وفي مايو العام الماضي، أعلنت هيئة الدواء المصرية، تسجيل 22,645 صيدلية عبر الرابط الإلكتروني المخصص لعملية السحب، بنسبة 51.4% من المؤسسات الصيدلية في مصر، متقدمين بطلبات شملت 4 مليون و976 ألفًا و606 وحدات دوائية منتهية الصلاحية، وقامت شركات التوزيع بسحب 3 ملايين و404 آلاف و392 وحدة منها، على أن يتم استكمال سحب مليون و572 ألفًا و214 وحدة متبقية.
وبعد عام، تحديدًا في مايو الجاري تقدمت الهيئة، في بيان لها، بالشكر لبعض شركات الإنتاج التي أتمت تعويض قيمة الأدوية منتهية الصلاحية لشركات التوزيع؛ وطالبت شركات الإنتاج بالالتزام وشركات التوزيع بتعويض الصيدليات قبل نهاية الشهر، وفي المقابل تكشف شهادات ميدانية لصيادلة ونقابيون وخبراء في القطاع الدوائي عن تعثر مبادرة “الووش أوت”، في غسيل السوق من الأصناف الدوائية منتهية الصلاحية، وتعويض الصيدليات، نتيجة ما وصفوه بالتلاعب والتحايل من قبل بعض شركات التوزيع.
يتهم الصيدلاني محمد غلاب، الذي يمتلك صيدلية بمحافظة الإسكندرية، بعض شركات الأدوية في مصر، بالتحايل على منظومة استرجاع المرتجعات أو رفضها استقبال الأدوية “الإكسباير” ضمن نظام الـ “Wash out”، إذ تلتزم الصيدليات ببيع الدواء بـ“الأمبول” أو بـ“الشريط”، وفق تعليمات وزارة الصحة، لكن شركات التوزيع ترفض استرداد المتبقي من العبوات بعد انتهاء صلاحيتها، سواء كانت شرائط أو أمبولات، ويتحمل الصيدلي الخسارة وحده.
ويكشف لـ”زاوية ثالثة” عن أحد أشكال التحايل داخل أنظمة تسجيل المرتجعات، إذ تظهر بعض الأصناف على أنظمة الاسترجاع ببيانات مختلفة عن المنتجات المتداولة فعليًا، سواء من حيث السعر أو التركيز أو عدد الأقراص، ما يؤدي إلى رفض المرتجع بحجة عدم تطابق البيانات.
ويشير إلى أن الأصناف التي تغير سعرها بعد الزيادات الأخيرة، غالبًا ما تظهر على نظام المرتجعات بسعر مختلف تمامًا عن الأسعار التي طُرحت بها العبوات في السوق، وهو ما يؤدي إلى رفض الطلب سواء اختار الصيدلي السعر القديم أو الجديد، بحد قوله، مضيفًا أن بعض الشركات تدرج على أنظمتها تركيزات أو عبوات لم تعد متداولة منذ سنوات، مما يعرقل عملية الاسترجاع ويُفشل المنظومة.
ويضيف أن كثير من الأدوية المستوردة والمكملات الغذائية التابعة لهيئة الغذاء وبعض المستحضرات غير الحاصلة على تراخيص دوائية كاملة، ومنتجات التجميل والنظافة الشخصية لا تُسترد ضمن منظومة “الـ Wash out” وترفض غالبية الشركات استرجاعها كمرتجعات منتهية الصلاحية، مشيرًا إلى أن الصيادلة يتحملون الخسائر المالية الناتجة عن ذلك، منذ سنوات.
ويتفق معه الصيدلاني عمرو عبد الهادي، الذي يمتلك صيدلية بالمنصورة في محافظة الدقهلية، حول تحايل عدد من الشركات، على منظومة سحب الأدوية المنتهية الصلاحية، عبر إدراج بيانات مختلفة للأصناف على أنظمة المرتجعات، مثل تغيير السعر أو عدد الأقراص أو التركيزات، ما يؤدي إلى رفض المرتجع بحجة عدم تطابق البيانات، معتبرًا أن الحل يتمثل في إلزام الشركات بقبول الأدوية منتهية الصلاحية دون قيد أو شرط، مع فرض غرامات على الشركات الممتنعة عن التنفيذ.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “استمرار الأزمة يرجع إلى نظام التارجت والعمولات داخل شركات الإنتاج والتوزيع، فقبول المرتجعات يُؤدي للخصم من مستهدفات البيع الخاصة بالمندوبين والشركات، ما يدفعهم إلى تقليل المرتجعات أو رفضها حفاظًا على نسب الأرباح والعمولات”.
كذلك ينتقد نظم الاسترجاع الشهرية التي تحدد سقفًا ماليًا محدودًا للمرتجعات، مؤكدًا أن الصيدليات تفقد حقها في أي نسبة لم تُستخدم خلال الشهر نفسه، ولا يتم ترحيلها إلى الأشهر التالية، حتى في حال تراكم الأدوية منتهية الصلاحية.
ويقدّر الصيدلاني حجم الخسائر التي تكبدها شخصيًا بسبب الأدوية منتهية الصلاحية بنحو 100 إلى 120 ألف جنيه وفق الأسعار الحالية، معتبرًا أن الصيدلي يتحمل وحده العبء المالي الناتج عن المنظومة الحالية، في ظل ما وصفه بـ”تواطؤ بين بعض أطراف سوق الدواء لعدم استرجاع المرتجعات”.
بدورها تؤكد الصيدلانية علا عبد المنعم، التي تمتلك صيدلية بمحافظة أسيوط، أن أزمة الأدوية منتهية الصلاحية تمثل خسارة مزمنة للصيدليات، في ظل قيود تفرضها شركات الأدوية على استرجاع المرتجعات، موضحة أن قبول الأدوية “الإكسباير” يرتبط بحجم تعامل الصيدلية مع الشركة، إذ تُحدد نسب الاسترجاع بناءً على قيمة المسحوبات الشهرية، بينما ترفض بعض الشركات استرجاع أي أدوية منتهية الصلاحية من الأساس.
تقول لـ”زاوية ثالثة”: ” الصيدليات تضطر لتخزين كميات كبيرة من الأدوية منتهية الصلاحية داخل مخازن أو أماكن خارجية بسبب ضيق المساحات وعدم قانونية الاحتفاظ بها داخل الصيدلية، وبعض الصيدليات أصبحت تمتلك مخزونًا من الأدوية المنتهية يفوق حجم الأدوية الصالحة للبيع”.
وتوضح أن المبادرة التي أطلقتها هيئة الدواء العام الماضي دفعت الصيادلة إلى تسجيل كميات كبيرة من الأدوية المنتهية الصلاحية أملاً في استرجاعها، لافتة إلى أن بعض الصيدليات سجلت أدوية بقيم وصلت إلى 20 و30 و50 ألف جنيه، لكن ما تم قبوله فعليًا كان محدودًا للغاية، إذ لم تحصل بعض الصيدليات سوى على خصومات بقيم تراوحت بين 800 و2000 جنيه فقط.
وتضيف: “آلية قبول المرتجعات بدت غير مفهومة، لم تكن هناك معايير واضحة لتحديد الكميات المقبولة أو المرفوضة، والخسائر الفعلية بقيت أكبر بكثير من قيمة ما جرى استرجاعه”.
وتكشف أنها لا تزال تحتفظ بأدوية منتهية الصلاحية تعود إلى عامي 2017 و2018، مشيرة إلى أن جزءًا من هذه الأدوية كان يتم التخلص منه بالحرق أو عبر تسليمه لعمال جمع القمامة مقابل مبالغ مالية، بسبب غياب جهة تتولى سحب هذه المرتجعات بشكل منتظم.
وتربط تفاقم الأزمة بالتغيرات المتكررة في أسعار الدواء بعد تعويم الجنيه، موضحة أن الصيدليات الصغيرة التي لا تمتلك قدرة على التخزين كانت تضطر لشراء العبوات الجديدة بأسعار مرتفعة بعد بيع المخزون القديم بأسعار أقل، كما أن اختلاف أسعار العبوات من التشغيلات المختلفة كان يسبب خلافات مع المستهلكين.
وترى الصيدلانية أن المبادرة، لم تقدم حلاً جذريًا للأزمة، بل اقتصرت على تهدئة غضب الصيادلة، في وقت تعاني فيه النقابة، بحسب قولها، من الجمود الإداري بسبب استمرار فرض الحراسة، ما انعكس على ضعف الدور النقابي في الدفاع عن مشكلات الصيادلة المهنية.
وكانت الدكتورة أميرة محجوب، رئيسة الإدارة المركزية للتفتيش على المؤسسات الصيدلية، أعلنت في أكتوبر 2025، أن 70.5% من المؤسسات الصيدلية سجلت من خلال الرابط الإلكتروني المخصص للعبوات الدوائية منتهية الصلاحية بعدد 56 ألفًا و710 صيدليات، و20 مليونًا و321 ألفًا و303 وحدات جرى تسجيلها من الأدوية منتهية الصلاحية، بينما 23.5% من المؤسسات الصيدلية التي سجلت على الرابط الإلكتروني لم تحتوِ على أدوية منتهية الصلاحية، بعدد 16 ألفًا و701 صيدلية.
وأضافت أن عدد الوحدات منتهية الصلاحية المطلوب سحبها من قبل شركات التوزيع بعد المراجعة وحذف الوحدات غير المدرجة بقرار رئيس الهيئة رقم (47) لسنة 2025، بلغ 18 مليونًا و300 ألفٍ و42 وحدة، مؤكدة سحب العبوات منتهية الصلاحية من الصيدليات إلى الموزعين بنسبة إجمالي سحب بلغت 94.2%، لعدد 17 مليونًا و247 ألفًا و51 وحدة منتهية الصلاحية، من إجمالي 18 مليونًا و300 ألفٍ و42 وحدة.
نوصي للقراءة: كيف تحولت تجارة الأدوية منتهية الصلاحية إلى سوق مربحة؟

تلاعب الشركات وخسائر الصيدليات
من جانبه يصف الدكتور محمود فتوح، عضو مجلس إدارة شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية، ملف الأدوية منتهية الصلاحية بـ“القنبلة الموقوتة” داخل قطاع الصيدليات، في ظل تصاعد الخسائر التي تتحملها الصيدليات الصغيرة والمتوسطة نتيجة تكدس كميات كبيرة من الأدوية غير القابلة للبيع.
ويوضح لـ”زاوية ثالثة” أن قرار هيئة الدواء المصرية بسحب الأدوية منتهية الصلاحية يستهدف بالأساس حماية المريض والحفاظ على سلامة تداول الدواء، لكن لا توجد آليات واضحة وعادلة لتحميل تكلفة السحب والتعويض، ومواجهة الصيدليات لإجراءات مطولة تشمل إعداد كشوف تفصيلية بالأدوية المنتهية وإرسالها للشركات، دون ضمان استرجاع كامل الأصناف أو حتى نسب كبيرة منها.
ويضيف: “بعض الشركات لا تستقبل سوى أصناف محددة وبنسب محدودة للغاية، وقد يستغرق الرد على طلبات المرتجعات فترات طويلة، وبعض الوسطاء أو مندوبي الشركات يستغلون نسب الخصم المخصصة للمرتجعات مقابل الحصول على مبالغ نقدية أقل، ما أضعف فعالية منظومة سحب الأدوية المنتهية”.
ويلفت إلى أن الأدوية المنتهية تشغل مساحات تخزينية داخل الصيدليات على حساب الأصناف المطلوبة، فضلًا عن قلق الصيادلة من احتمالات التعرض للمساءلة أو الغرامات حال وجود عبوات منتهية الصلاحية أثناء حملات التفتيش.
ويؤكد أن حماية المريض يجب أن تقترن أيضًا بحماية الحلقة الأخيرة في منظومة الدواء، وهي الصيدليات، عبر إلزام الشركات بسحب المرتجعات بصورة مرنة وسريعة، ووضع آليات واضحة وعادلة لتعويض الصيادلة عن خسائر الأدوية منتهية الصلاحية.
ومن جانبه، يؤكد الدكتور مصطفى الوكيل، وكيل النقابة العامة للصيادلة، أن أزمة الأدوية منتهية الصلاحية تمثل مشكلة مزمنة داخل سوق الدواء المصري، وتفتح الباب أمام سوق خفي لتداول الأدوية منتهية الصلاحية، بصورة غير مشروعة، في ظل غياب منظومة فعالة وملزمة لاسترجاعها من الصيدليات، معتبرًا أن الأزمة في مصر تتمثل في أن نسب استرجاع “الإكسباير” تخضع في النهاية لقرارات شركات التوزيع، التي تتحكم في الكميات المقبولة من الصيدليات بالتنسيق مع الشركات المنتجة.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “منظومة تداول الدواء تضم ثلاثة أطراف رئيسية: المصنع، وشركة التوزيع، والصيدلية، وشركات التوزيع هي التي تضع القواعد المنظمة لاستلام المرتجعات من الصيدليات، بينما تمارس بعض الشركات المنتجة ضغوطًا لتقليل نسب الأدوية المسترجعة”، مشيرًا إلى أن النقابة حاولت أكثر من مرة إنشاء منظومة متكاملة للـ “Wash out”، لم تحقق النتائج المرجوة، قبل أن تطرح هيئة الدواء المبادرة بعد ضغوط من النقابة، لكن التنفيذ لم يجرِ بالشكل المتفق عليه، – بحسب وصفه -.
ويوضح أن التصور الأصلي للمبادرة كان يقوم على استرجاع جميع الأدوية منتهية الصلاحية، باستثناء بعض الأصناف التابعة لهيئة الغذاء أو منتجات الألبان والتغذية، إلا أن ما حدث فعليًا هو أن الشركات بدأت تنتقي أصنافًا معينة لاسترجاعها وترفض أخرى، ما أدى إلى استبعاد جزء كبير من الأدوية الموجودة لدى الصيدليات.
ويضيف: “الكميات التي جرى سحبها من الصيدليات لا تمثل سوى أقل من ربع الأدوية منتهية الصلاحية الموجودة فعليًا، والصيدليات لم تحصل كذلك على التعويضات الكاملة الخاصة بالأدوية التي تم استلامها ضمن منظومة “Wash out”، بعض الصيدليات لم تحصل سوى على ما يتراوح بين 5% و10% فقط من قيمة المرتجعات المستحقة، رغم إعلان شركات التوزيع أن بعض المصانع بدأت بالفعل في تعويضها عن الأدوية المستلمة”.
ويشير إلى أن الأزمة تفاقمت خلال العام ونصف الماضيين، بسبب توقف شركات التوزيع عن تطبيق النظام التقليدي الذي كان يقضي بسحب نسبة شهرية من الأدوية منتهية الصلاحية من الصيدليات، ما أدى إلى تراكم كميات جديدة، مؤكدًا أن المشكلة لا تزال قائمة رغم الوعود الأخيرة بصرف مستحقات الصيدليات خلال شهر مايو.
ويدعو وكيل الصيادلة إلى وضع قواعد مُلزمة وواضحة تُجبر الشركات المنتجة على استرداد الأدوية منتهية الصلاحية الخاصة بها، مع إلزام شركات التوزيع بتعويض الصيدليات، بما يضمن إغلاق أي منافذ لإعادة تداول الدواء المنتهي الصلاحية داخل السوق.
فيما يسلط الخبير الدوائي الدكتور أحمد أبو طالب، عضو نقابة الصيادلة، الضوء على خلل جوهري في آليات تنفيذ منظومة الـ “Wash out”، تتمثل في غياب نظام ملزم وموحد لاسترجاع الأدوية منتهية الصلاحية من الشركات المنتجة، إذ أن التطبيق الحالي اعتمد على إجراءات متعددة ومعقدة شملت تسجيلات وإخطارات عبر أكثر من جهة، وهو ما ساهم – برأيه – في إضعاف فاعلية المنظومة.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “المنظومة في صورتها الحالية لم تحقق النتائج المرجوة، بل أُفشلت بسبب تعدد الخطوات الإجرائية وتداخل الأدوار بين شركات الإنتاج والتوزيع والصيدليات، ما أتاح مساحة للمماطلة وعدم الالتزام من بعض الأطراف”.
ويعتبر أن تحميل الصيدليات وحدها أعباء الأدوية منتهية الصلاحية والغرامات المرتبطة يمثل خللًا في العدالة التنظيمية، في حين أن الشركات المنتجة هي الطرف الأكثر قدرة على تحمل مسؤولية استرجاع الأدوية والتعامل مع المرتجعات باعتبارها كيانات كبيرة داخل السوق.
وينتقد الخبير الدوائي فرض هيئة الدواء المصرية لغرامات ورسوم على الصيدليات، تشكل عبئًا متزايدًا على الصيدليات الصغيرة والمتوسطة في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل والتضخم، خاصة مع اعتبارها مشروعات تجارية تتحمل الضرائب والمصروفات التشغيلية كاملة، ما يهدد دورها بوصفها “خط الدفاع الأول” عن المنظومة الصحية في مصر، على حد تعبيره.
ويدعو إلى تطبيق نظام مباشر وملزم يُحمّل الشركات المنتجة المسؤولية الكاملة عن استرجاع الأدوية منتهية الصلاحية وتعويض الصيدليات، مع رقابة صارمة على التزام الشركات، بدلًا من تعدد الخطوات الإجرائية التي تعيق التنفيذ وتضعف المنظومة.
ويبلغ إجمالي عدد الصيدليات المرخصة التي تزاول النشاط في مصر نحو 71 ألفًا و796 صيدلية، ويُقدَّر عدد الصيادلة في مصر بنحو 330 ألف صيدلي، منهم حوالي 216 ألف صيدلي مُسجلين رسميًا في النقابة العامة.
ويوجد في مصر أكثر من 170 مصنع لإنتاج الأدوية، بينما يهيمن على سوق توزيع الأدوية عدد محدود من الشركات الكبرى، أبرزها: “ابن سينا فارما”، التي تتصدر سوق التوزيع بحصة سوقية تتجاوز 31%، والشركة المصرية لتجارة الأدوية، أقدم موزع دواء حكومي في مصر، والمتحدة للصيادلة UCP، و”فارما أوفرسيز” و”أونو فارما”.
نوصي للقراءة: نزيف الأدوية.. نقص الدولار يُهدّد صحة المصريين

أبواب خلفية لـ”تجارة الإكسباير”
من جانبه يشرح الدكتور علي عبد الله، مدير المركز المصري للدراسات الدوائية والإحصاء ومكافحة الإدمان، أن تقاعس الشركات عن سحب الأدوية منتهية الصلاحية من الصيدليات بشكل دوري، أدى إلى تراكم كميات كبيرة منها، فكان بعض الصيادلة يتخلصون منها بإلقائها في القمامة، بينما لجأ آخرون إلى بيعها لـ”تجار الإكسباير”، ما خلق سوق موازية للأدوية منتهية الصلاحية تعمل عبر أبواب خلفية وبمشاركة بعض مندوبي شركات الأدوية، الذين يرفضون رسميًا استلام المرتجعات.
ويكشف أن الشركات كانت تختار الأصناف التي ترغب في استلامها، ضمن مبادرة الـ “Wash out” وترفض أصنافًا أخرى دون معايير واضحة، مؤكدًا أن الصيادلة لم يحصلوا حتى الآن على كامل مستحقاتهم المالية الخاصة بالأدوية التي جرى تسليمها ضمن المبادرة.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “عملية التعويض شهدت مماطلة وتسويف منذ الإعلان عنها في أكتوبر الماضي، شخصيًا لي مستحقات تقارب نصف مليون جنيه مقابل أدوية منتهية الصلاحية، لم أحصل سوى على نحو ألفي جنيه فقط”.
ويضيف: “انتهاء صلاحية بعض الأصناف لا يرتبط بتقصير الصيدلي، وإنما بعوامل متغيرة داخل السوق، مثل تغير بروتوكولات العلاج، أو تحول الأطباء إلى وصف بدائل أخرى، أو توقف الحملات الدعائية لبعض الأصناف، أو انتهاء أزمات صحية كانت قد رفعت الطلب على أدوية بعينها، مثل جائحة كورونا أو علاجات فيروس “سي””.
ويعتقد أن شركات الأدوية، التي تستطيع توزيع أدوية بمليارات الجنيهات سنويًا، تملك في القدرة اللوجستية على جمع الأدوية منتهية الصلاحية من الصيدليات بصورة منتظمة، عازيًا الأزمة إلى تقاعس الشركات وضعف آليات الرقابة والتنفيذ، إذ أن بعض الصيدليات الكبرى أو السلاسل تستطيع فرض استرجاع الأدوية على الشركات بحكم حجم تعاملاتها، بينما تواجه الصيدليات الصغيرة صعوبات أكبر.
ويشير إلى أن استمرار الأزمة ينعكس بصورة مباشرة على المرضى، إذ أن الصيدلي عندما يدرك صعوبة استرجاع الأدوية منتهية الصلاحية، يصبح أكثر تحفظًا في شراء بعض الأصناف، ما قد يؤدي إلى نقص توافر أدوية معينة داخل الصيدليات.
بدوره يكشف الدكتور كريم كرم، مسؤول ملف الدواء بالمركز المصري للحق في الدواء، أن خطورة الأدوية منتهية الصلاحية تكمن في إعادة تدوير الأدوية المنتهية الصلاحية وإعادة طرحها في السوق، موضحًا أن بعض المرتجعات يتم إعادة تعبئتها ووضع تواريخ صلاحية جديدة عليها قبل بيعها مجددًا بخصومات كبيرة ومن دون فواتير، وهو ما يفسر انتشار عروض بيع أدوية بخصومات غير منطقية مقارنة بالسوق الرسمية.
ويُبيّن لـ”زاوية ثالثة”، أن بعض هذه الأدوية يعاد تدويرها داخل ورش أو مصانع غير مرخصة، مشيرًا إلى وجود أسواق شعبية معروفة تُباع فيها أدوية منتهية الصلاحية أو شرائط دوائية مستعملة بأسعار منخفضة، نتيجة لجوء بعض الفئات محدودة الدخل إليها بسبب ارتفاع أسعار العلاج.
ويربط بين انتشار هذه الظاهرة بالأوضاع الاقتصادية وارتفاع أسعار الأدوية، إذ أن بعض المرضى، خصوصًا من أصحاب الدخول المحدودة والعمالة غير المنتظمة، باتوا غير قادرين على شراء العبوات الكاملة، ما يدفعهم للبحث عن بدائل أرخص في الأسواق غير الرسمية.
ويعتبر أن مبادرة الـ “Wash out”، واجهت مشكلات عديدة في آليات التنفيذ، أبرزها امتناع بعض شركات الإنتاج عن استلام المرتجعات من شركات التوزيع، ووجود شركات أغلقت نشاطها أو توقفت عن التعامل مع موزعين بعينهم، فضلًا عن مشكلات تقنية في أنظمة تسجيل الأصناف.
يقول: “هناك منظومة مشابهة جرى تطبيقها عام 2015 خلال ولاية وزير الصحة الأسبق عماد عبد الغفور، وحققت نتائج أفضل نسبيًا لأنها اعتمدت على استرجاع الأصناف التابعة لكل شركة بشكل مباشر، رغم وجود مشكلات وقتها أيضًا”.
ويشير إلى أن هيئة الدواء أصدرت تعليمات لشركات التوزيع الخمس الكبرى، بينها ابن سينا فارما وفارما أوفرسيز، تلزمها بخصم قيمة الأدوية المقبولة بنسبة 100% خلال فترة محددة، مع التلويح بتوقيع غرامات أو إجراءات تنظيمية ضد الشركات غير الملتزمة، رغم ذلك يرى أن تقييم نجاح المنظومة يجب أن يرتبط بمدى تنفيذ الخصومات فعليًا على حسابات الصيدليات.
ويرى أن تطبيق منظومة التتبع الإلكتروني للأدوية، التي تعتمد على تقنيات مثل “GS1” و”GTN”، ستساعد على تضييق مساحات التهريب وإعادة التدوير، عبر ربط كل عبوة دوائية ببيانات إنتاج وتوزيع دقيقة يمكن تتبعها إلكترونيًا.
وكانت هيئة الدواء المصرية، أطلقت في مارس 2026 منظومة التتبع الدوائي (Track and Trace) لتعزيز حوكمة سوق الدواء، حيث يتم تعيين رقم تسلسلي (Serial Number) فريد لكل عبوة لضمان تتبعها من المصنع وحتى المريض، للحد من الأدوية المغشوشة، وضمان سلامة الإمداد، وتفعيل الرقابة اللحظية على حركة تداول المستحضرات الدوائية.
وبينما تؤكد هيئة الدواء ارتفاع نسب سحب الأدوية منتهية الصلاحية من الأسواق، تكشف شهادات الصيادلة والخبراء عن فجوة واسعة بين الأرقام الرسمية وواقع التنفيذ، في ظل استمرار تراكم “الإكسباير” داخل الصيدليات، وتعثر صرف التعويضات، واتهامات لشركات التوزيع والإنتاج بالمماطلة والانتقائية.