close

خارج حسابات الحكومة.. كيف يضاعف القانون معاناة “أصحاب المعاشات”؟

الحد الأدنى لأجور العاملين بالدولة 8000 جنيه في 2026، والحد الأدنى للمعاشات 1755 جنيهًا، وعجز محتمل يقترب من 30 تريليون جنيه خلال 50 عامًا
Picture of شيماء حمدي

شيماء حمدي

رغم الجدل الواسع والاعتراضات التي صاحبت التعديلات الحكومية على قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019، وافق مجلس النواب نهائيًا على مشروع القانون دون تقديم الحكومة الدراسة الاكتوارية التي طالب بها تقرير اللجنة المشتركة من لجنة الطاقة والبيئة والقوى العاملة ومكتب لجنة التضامن الاجتماعي وحقوق الإنسان في مجلس الشيوخ، فيما تركزت التعديلات بصورة أساسية على إعادة صياغة بعض المواد المنظمة لالتزامات الخزانة العامة تجاه الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي.

وبموجب التعديلات الجديدة، يرتفع القسط السنوي الذي تسدده الخزانة العامة للهيئة إلى نحو 238.55 مليار جنيه خلال العام المالي (2025/2026)، مقابل نحو 227.08 مليار جنيه بزيادة تقارب 11 مليار جنيه، كذلك سيعاد تنظيم آلية الزيادة السنوية للقسط، بحيث تبدأ بنسبة مركبة تبلغ 6.4% اعتبارًا من يوليو 2026، ثم ترتفع تدريجيًا بمعدل 0.2% سنويًا إلى أن تصل إلى 7% بحلول يوليو 2029، إلى جانب إضافة مبلغ ثابت قدره مليار جنيه سنويًا لمدة خمس سنوات متتالية.

وشملت كذلك توسيع نطاق الالتزامات المالية الواقعة على الخزانة العامة، عبر إدراج بنود إضافية تستهدف تسوية التشابكات المالية بين الدولة وصناديق التأمينات، وضمان استقرار التدفقات النقدية اللازمة للوفاء بالالتزامات التأمينية والمعاشات مستقبلًا، بحسب المذكرة الإيضاحية.

وكان مجلس الشيوخ المصري وافق ، في أبريل الماضي على تعديلات القانون، استنادًا إلى تقرير اللجنة المشتركة من لجنة الطاقة والبيئة والقوى العاملة ومكتب لجنة التضامن الاجتماعي وحقوق الإنسان، مع قصر التعديلات على المادة (111) فقط، بعد حذف المادتين (22/ الفقرة الثانية) و(156) الواردتين في مشروع الحكومة. 

وأوضحت اللجنة المشتركة أن حذف المادتين جاء انطلاقًا من أن قواعد تسوية الأجور والمعاشات لا يمكن التعامل معها بصورة جزئية، وإنما يجب أن تُناقش ضمن إطار شامل يرتبط بمنظومة التمويل والتوازن المالي للنظام التأميني، لا سيما في ظل التعديلات الجوهرية التي شملت المادة (111).

كذلك أكدت اللجنة أن أي تعديل يتعلق بآليات التسوية أو احتساب المعاشات يتطلب إجراء دراسة اكتوارية متكاملة تضمن تحقيق التوازن بين الاشتراكات والمزايا التأمينية، والحفاظ على استقرار النظام واستدامته المالية، مشيرة إلى وجود توافق مع الحكومة على إعادة بحث هذه الملفات لاحقًا ضمن رؤية أشمل لمعالجة أوضاع التأمينات والمعاشات. 

في المقابل رأى معارضو التعديلات من النواب أن جوهر الأزمة لا يزال قائمًا، معتبرين أن التركيز اقتصر على إعادة ترتيب الجوانب المالية والمحاسبية دون معالجة حقيقية لتدني قيمة المعاشات وتآكلها أمام التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، مشددين على أن أي زيادات مالية ستظل محدودة التأثير ما لم ترتبط المعاشات بصورة عادلة بالحد الأدنى للأجور ومعدلات التضخم، بما يضمن حماية القوة الشرائية لملايين المتقاعدين.

ذلك إلى جانب غياب الدراسة الاكتوارية المتكاملة لتوضيح الأثر طويل المدى للتعديلات الجديدة، محذرين من أن حساب الفارق بين الالتزامات الواردة في القانون القديم والتعديلات الحالية على مدار نحو 50 عامًا قد يكشف عن عجز يقترب من 30 تريليون جنيه، وهو ما وصفوه بأنه رقم “كارثي” يهدد استدامة نظام المعاشات مستقبلًا.

يبلغ عدد أصحاب المعاشات في مصر نحو 11.5 مليون مواطن، يحصلون على مستحقات شهرية في إطار أحكام قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019، وبلغ الحد الأدنى للمعاش 1495 جنيهًا، بينما وصل الحد الأقصى إلى 11 ألفًا و600 جنيه، في السنوات الأخيرة، قبل أن تعلن الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي في نوفمبر 2025 عن زيادته اعتبارًا من يناير 2026، ليرتفع  إلى 1755 جنيهًا، فيما ارتفع الحد الأقصى إلى 13 ألفًا و360 جنيهًا، كذلك ارتفع الحد الأدنى لأجر الاشتراك التأميني من 2300 جنيه إلى 2700 جنيه، بينما ارتفع الحد الأقصى 16700 جنيهًا.

ويُقصد بأصحاب المعاشات كل شخص انتهت خدمته الوظيفية في القطاع الحكومي أو العام أو الخاص، وأصبح مستحقًا لصرف دخل شهري من هيئة التأمينات الاجتماعية، سواء بسبب بلوغ سن التقاعد (60 عامًا)، ويصرف للورثة في حالات الوفاة، ويعتبر المعاش، وفق فلسفة نظام التأمينات الاجتماعية، بديلًا عن الدخل الذي كان يحصل عليه المواطن خلال سنوات عمله، في إطار منظومة الحماية الاجتماعية التي تلتزم الدولة بتوفيرها للمؤمن عليهم والمستحقين عنهم.

ويشمل نظام التأمينات فئات متعددة من العاملين بأجر، وأصحاب الأعمال، وأصحاب المهن الحرة والحرفيين وغيرهم من الفئات التي حددها القانون، شريطة خضوعهم للاشتراك التأميني.

 

نوصي للقراءة: صيادو بحيرة ناصر يرفضون منح مستقبل مصر 40% من إنتاجهم دون مقابل

تعديلات تعيد إنتاج الاختلالات

اعتبر الاتحاد العام لنقابات أصحاب المعاشات أن التعديلات الأخيرة على قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات لا تعالج جوهر الأزمة التي يعانيها أصحاب المعاشات، لكنها تعيد إنتاج الاختلالات نفسها المتعلقة بتدني قيمة المعاشات وتراجع العدالة التأمينية، رغم ما تتضمنه التعديلات من حديث رسمي عن تعزيز الاستدامة المالية والحماية الاجتماعية.

وفي مذكرة مطولة أرسلها الاتحاد إلى البرلمان بغرفتيه الشيوخ والنواب، اعتبر أن مشروع القانون يتعارض مع الفلسفة الدستورية المنصوص عليها في المادتين (17 و27) من الدستور المصري، واللتين تلزمان الدولة بضمان معاش يكفل “حياة كريمة” وتقليل الفوارق بين الدخول، إضافة إلى الالتزام بحد أدنى للأجور والمعاشات يحقق العدالة الاجتماعية.

وتأتي اعتراضات الاتحاد بشكل أساسي حول آلية احتساب الحد الأدنى للمعاشات، إذ يرى أن الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي تعتمد في تحديده على الحد الأدنى لأجر الاشتراك التأميني الخاص بالعمالة غير المنتظمة، والذي بلغ 2700 جنيه، بدلاً من ربطه بالحد الأدنى الفعلي للأجور للعاملين المنتظمين بالدولة، والذي ارتفع إلى 8 آلاف جنيه اعتبارًا من يوليو 2026.

وبحسب المذكرة، أدى هذا الربط إلى تثبيت الحد الأدنى للمعاش عند نحو 1755 جنيهًا فقط، وهو رقم أعتبره غير متناسب مع تكاليف المعيشة الحالية أو مع الزيادات المتلاحقة في الحد الأدنى للأجور، ما خلق وفقًا للمذكرة فجوة متزايدة بين دخول العاملين وأصحاب المعاشات، وأفقد المعاشات قدرتها على توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة.

كذلك أوضح الاتحاد إن الأزمة لا تتعلق فقط بقيمة المعاشات، لكن أيضًا بما يصفه بـ”خلل هيكلي” في فلسفة إدارة التأمينات، قائم على المساواة الشكلية بين نظم قانونية مختلفة. فالدستور يميز بين نظم التأمين الاجتماعي الخاصة بالعمالة المنتظمة، ونظم الضمان الاجتماعي للفئات غير المؤمن عليها، إضافة إلى نظم الحماية الموجهة للفلاحين والعمالة غير المنتظمة، بينما تقوم الهيئة – بحسب المذكرة – بدمج هذه المسارات عند احتساب الحد الأدنى للمعاش، وهو ما يعتبره الاتحاد مخالفة دستورية مباشرة.

وفيما يتعلق بتعديل المادة 111 الخاصة بسداد مديونية الخزانة العامة للدولة تجاه صندوق التأمينات، اعتبر الاتحاد أن التعديل المقترح “يهدد الاستدامة المالية للصندوق”، لأنه يقوم على سداد المديونية على مدد زمنية طويلة وبعوائد منخفضة مقارنة بمعدلات الفائدة الحقيقية في السوق، خاصة عوائد أذون الخزانة.

من جهته يوضح كمال عباس المدير التنفيذي لدار الخدمات العمالية والنقابية، أن التعديلات التي أقرها البرلمان على قانون التأمينات والمعاشات اقتصرت على الجوانب المالية المرتبطة بمديونية الخزانة العامة تجاه الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، بينما تجاهلت بصورة واضحة الأزمة الأساسية المتعلقة بتدني المعاشات وتراجع القدرة المعيشية لأصحابها.

ويشير في حديثه لـ”زاوية ثالثة” أن تعديل (المادة 111) ركّز على إعادة هيكلة التزام الخزانة العامة بسداد المديونية المستحقة للهيئة، عبر رفع قيمة القسط السنوي وزيادة نسبته تدريجيًا، “لكن دون أي معالجة حقيقية لأوضاع أكثر من 11 مليون صاحب معاش يواجهون ضغوطًا معيشية متفاقمة”.

ويضيف أن المناقشات البرلمانية شهدت اعتراضات من بعض النواب بشأن غياب دراسة جدوى واضحة للتعديلات، فضلًا عن تجاهل إصلاح قواعد احتساب المعاشات وربطها بمستويات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، إلا أن التعديلات “مرّت بصورة متعجلة بسبب ارتباطها بالموازنة العامة الجديدة”.

ويؤكد “عباس” أن أموال التأمينات الاجتماعية “ليست أموالًا حكومية، وإنما أموال خاصة مملوكة للمشتركين وأصحاب المعاشات”، مشيرًا إلى أن الدستور يكفل حمايتها ويُلزم الدولة بضمانها، ما يستوجب إدارة أكثر شفافية ومشاركة حقيقية من أصحاب المعاشات في القرارات المتعلقة بأموالهم. محذرًا  من استمرار “التشابكات المالية” بين الخزانة العامة وصناديق التأمينات، معتبرًا أن تحميل الصناديق أعباء إضافية دون إصلاح هيكلي شامل يثير مخاوف تتعلق باستدامة النظام التأميني وقدرته على الوفاء بالتزاماته مستقبلًا.

ويدعو المدير التنفيذي لدار الخدمات العمالية  إلى “إدارة ديمقراطية” لـ”الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي” تضمن تمثيلًا حقيقيًا لأصحاب المعاشات والمشتركين في إدارة أموال التأمينات، مطالبًا بفتح حوار مجتمعي شامل حول تعديلات القانون بمشاركة النقابات وأصحاب المعاشات والخبراء الاقتصاديين والاجتماعيين.

واستندت مذكرة الاتحاد العام لنقابات أصحاب المعاشات، في اعتراضها على تعديلات قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019، إلى المواد الدستورية المنظمة للحق في الضمان الاجتماعي والعدالة الاجتماعية، وفي مقدمتها المواد (17) و(27) و(138)، التي تُلزم الدولة بضمان معاش يكفل حياة كريمة، وحماية أموال التأمينات والمعاشات، وتحقيق التوازن الاجتماعي والشفافية في إدارة وصرف الحقوق التأمينية والتقاعدية.

 

نوصي للقراءة: اشترِ حياتك: التصالح في جرائم القتل

معاش لا يكفي الفتات

من جانبها تعتبر النائبة إيرين سعيد، رئيسة الهيئة البرلمانية لحزب الإصلاح والتنمية، أن التعديلات لا ترتقي إلى مستوى التوقعات، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة، موضحة لـ”زاوية ثالثة” أن المشروع لم يتضمن أدوات كافية لتعزيز الحماية الاجتماعية، متسائلة عن غياب الدراسات الاكتوارية التي تبرر نسب الزيادات المقترحة، وما إذا كانت قادرة فعليًا على مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة، مشددة على ضرورة إعادة النظر في التعديلات لضمان تحقيق التوازن بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية.

وفي سياق متصل تقول هويدا السيد، رئيسة نقابة معاشات الشركة المصرية للاتصالات، إن تجربتها الشخصية مع المعاشات تكشف بوضوح حجم الخلل في المنظومة، رغم مسيرة مهنية امتدت لنحو 37 عاماً شغلت خلالها منصب مدير إدارة الموارد البشرية، وكانت تسدد اشتراكات التأمين على الحد الأقصى.

وتوضح في حديثها لـ”زاوية ثالثة”  أنها فوجئت عند التقاعد بأن أول معاش حصلت عليه لم يتجاوز 3000 جنيه، رغم موقعها الوظيفي السابق، معتبرة أن هذه القيمة لا تعكس حجم ما تم سداده طوال سنوات العمل، وتشير إلى أن الحد الأدنى الفعلي للمعاشات، حتى مع تعديله ليصل إلى 1755 جنيهاً، لا يكفي لتغطية أبسط الاحتياجات المعيشية.

وتشير “هويدا” إلى أن أموال التأمينات مملوكة لأصحاب المعاشات”، لكنها تُدار بعوائد منخفضة، وتعتبر محاولات جدولة هذه الأموال على فترات طويلة تقلل من قيمتها الحقيقية بمرور الوقت، وتصف وضع أصحاب المعاشات بالـ “قاسٍ”، في ظل عجز البعض منهم  عن تحمل تكاليف العلاج أو العمليات الجراحية، ما يضعهم أمام خيارات صعبة تمس حياتهم بشكل مباشر.

وتلفت كذلك إلى التحولات الاجتماعية، مثل تأخر سن الزواج، ما يؤدي إلى خروج كثير من الموظفين للمعاش بينما لا يزال أبناؤهم في مراحل التعليم، وهو ما يضاعف الأعباء المالية في وقت يتراجع فيه الدخل.

من جهتها ترى الباحثة في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية ورئيسة مجلس أمناء مؤسسة نون للأسرة، منى عزت، أن ربط المعاشات بالحد الأدنى للأجور يمثل خطوة ضرورية لتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية.

وتوضح “منى” في حديثها لـ”زاوية ثالثة” أن منظومة المعاشات تعكس تباينات واضحة بين القطاعات المختلفة؛ إذ يتمتع العاملون في القطاع الحكومي بمستوى أعلى من الاستقرار نتيجة الالتزام بتطبيق الحد الأدنى للأجور وتوافر مزايا إضافية، بينما يأتي القطاع الخاص في مرتبة تالية مشروطًا بانتظام سداد الاشتراكات، في المقابل، يظل القطاع غير المنظم الأكثر هشاشة، بسبب غياب الحماية التأمينية تاريخيًا وضعف معدلات الانضمام للمنظومة الحالية.

وتشير إلى أن المعاشات الحالية لم تعد كافية لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ما تصفه بـ”العلاقة العكسية” بين الدخل والإنفاق؛ حيث ينخفض دخل الأسرة بعد التقاعد، بينما تتزايد التزاماتها، مدفوعة بارتفاع تكاليف السكن، والتضخم المستمر، والأعباء الصحية، إلى جانب استمرار مصاريف التعليم نتيجة تأخر سن الزواج.

وفيما يتعلق بالعمالة غير المنظمة، تؤكد الباحثة في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية أن التعامل معها لا يزال قائمًا على الإعانات المؤقتة، وليس ضمن إطار حماية اجتماعية مستدامة، رغم وجود نصوص قانونية تسمح بدمجها في نظام التأمينات. وترجع ضعف الإقبال إلى غياب الدخل المنتظم، وانخفاض الوعي التأميني، وأولوية الاحتياجات اليومية على الادخار طويل الأجل.

وترى أن معالجة الأزمة تتطلب الانتقال من الحلول المؤقتة إلى إصلاحات هيكلية، تشمل تحسين ظروف العمل، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، وتوفير منظومة تأمينية شاملة تضمن التأمين الصحي وتعويضات العجز ومعاشات الوفاة، بما يعزز ثقة المواطنين في النظام ويضمن لهم حياة كريمة بعد التقاعد.

بالتزامن مع هذا الجدل، يناقش مجلس النواب المصري مشروع قانون أخر يستهدف تعديل بعض أحكام قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات للمرة الثانية على التوالي. ويتضمن المشروع الجديد مقترحات لرفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 4000 جنيه، إلى جانب ربط الزيادة السنوية للمعاشات بمعدلات التضخم، بحيث تُصرف زيادة دورية اعتبارًا من أول يوليو من كل عام وفق متوسط معدل التضخم السنوي، مع وضع حد أقصى للزيادة لا يتجاوز 20%، بما يوازن بين تحسين دخول أصحاب المعاشات والحفاظ على الاستدامة المالية للنظام التأميني.

ويشمل مشروع القانون إعادة احتساب الأجر التأميني بما يتوافق مع مستويات الأجور الحالية والمتغيرات الاقتصادية، بهدف تحسين قيمة المعاشات المستقبلية، فضلًا عن استحداث مكافأة مالية إضافية تُصرف للمؤمن عليهم الذين تتجاوز مدة اشتراكهم التأميني 35 عامًا، ويتضمن المشروع أيضًا السماح باستمرار المؤمن عليه في العمل بعد بلوغ سن الستين حال عدم استكمال مدة الاشتراك اللازمة للحصول على معاش الشيخوخة، مع استمرار سداد الاشتراكات التأمينية حتى استيفاء المدة المطلوبة لاستحقاق المعاش.

في السياق يقول النائب فريدي البياضي، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، إن تدني القيمة الحقيقية للمعاشات في مصر لم يعد مجرد تحدٍ اقتصادي، بل يمثل إخلالًا واضحًا بالالتزامات الدستورية.

ويوضح لـ”زاوية ثالثة ” أن المادة (17) من الدستور المصري،  تُلزم الدولة بكفالة خدمات التأمين الاجتماعي وضمان حياة كريمة لأصحاب المعاشات، وهو ما لا يتحقق في ظل التآكل المستمر للقدرة الشرائية، مشددًا على أنه “لا يجوز تحميل أصحاب المعاشات تكلفة الأزمات الاقتصادية”، مؤكدًا أنهم أدّوا دورهم كاملًا تجاه الدولة، ومن غير المقبول أن يصبحوا الفئة الأكثر تضررًا وعجزًا عن تلبية احتياجاتها الأساسية.

ويؤكد عضو مجلس النواب في أن الحد الأدنى للمعاشات يجب ألا يقل عن الحد الأدنى للأجور، بل ينبغي أن يكون مساويًا له على الأقل، في ظل الأعباء الصحية والمعيشية المتزايدة التي يتحملها أصحاب المعاشات دون أي قدرة على زيادة دخلهم.

وينتقد استمرار تعطيل اللائحة التنفيذية لقانون حقوق كبار السن رقم 19 لسنة 2024، رغم إقراره والتصديق عليه، معتبرًا أن هذا التأخير يمثل حرمانًا لملايين المواطنين من حقوق واجبة النفاذ. داعيًا إلى تحرك عاجل يشمل؛ زيادة فورية واستثنائية للمعاشات تتناسب مع معدلات التضخم، مع وضع آلية دائمة لربطها بمؤشرات الأسعار. 

إلى جانب الإسراع بإصدار اللائحة التنفيذية لقانون حقوق كبار السن وتفعيل مزاياه، وإعادة هيكلة منظومة المعاشات بما يضمن حدًا أدنى عادلًا لا يقل عن الحد الأدنى للأجور وتوجيه برامج الحماية الاجتماعية بكفاءة أكبر لصالح أصحاب المعاشات محدودي الدخل، ويؤكد أن قضية المعاشات “حق دستوري أصيل، وليست منحة”، وأن استمرار الأوضاع الحالية يمثل تقصيرًا في تنفيذ التزام الدولة تجاه فئة تستحق الرعاية والحماية.

من جهته يرى كمال عباس أن “أوضاع أصحاب المعاشات لم تعد تحتمل المزيد من التأجيل أو التسويف”، معتبرًا أن أي إصلاح حقيقي لمنظومة التأمينات يجب أن ينطلق من تحسين مستوى معيشة المتقاعدين وضمان حقهم في معاش يوفر الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي والاجتماعي.

وعن آليات احتساب  قيمة المعاش طالب عباس بإعادة النظر فيها  بحيث ترتبط بالأجر الحقيقي للمؤمن عليه، إلى جانب إقرار زيادات دورية تتناسب مع معدلات التضخم وتضمن حدًا أدنى عادلًا للحياة الكريمة، فضلًا عن إصلاح نظام المعاش المبكر وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية للعمالة غير المنتظمة.

الأمر نفسه أشارت إليه هويدا السيد ، إذ توضح أن استمرار تجاهل أصحاب المعاشات في قرارات رفع الحد الأدنى للأجور التي تصدر تباعًا للعاملين بالدولة، مشيرًا إلى أن الحد الأدنى للأجور ارتفع من 1200 جنيه عام 2014 إلى 8 آلاف جنيه في 2026، بينما لم يحصل أصحاب المعاشات على زيادات موازية تحقق “العدالة النسبية” أو تعوض تراجع القوة الشرائية لمعاشاتهم.

في السياق، طالب الاتحاد العام للمعاشات  بإدخال تعديلات تشريعية تضمن ربط الحد الأدنى للمعاشات بنسبة لا تقل عن 80% من الحد الأدنى لأجر الاشتراك التأميني للعاملين المنتظمين، إلى جانب مساواة أصحاب المعاشات بالعاملين في الدولة في العلاوات الاجتماعية وزيادات الحد الأدنى للأجور.

كذلك طالب عدد من أعضاء لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، بضرورة تعظيم العائد من استثمارات أموال التأمينات والمعاشات، بما ينعكس على رفع كفاءة النظام التأميني وتحسين قدرته على الوفاء بالتزاماته تجاه المستفيدين.

 

نوصي للقراءة: أين تذهب مخصصات التغذية المدرسية في مصر؟

أموال التأمينات من الصندوق إلى جيب الحكومة 

منذ عام 2019، بدأت الحكومة المصرية تنفيذ أحكام قانون التأمينات والمعاشات الجديد بإعادة أموال صناديق المعاشات إلى حساب الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي على أقساط سنوية، في محاولة لحل أزمة المتأخرات التي تراكمت عبر سنوات طويلة. 

وتعود الأزمة إلى عام 2005، حين أصدر آنذاك وزير المالية يوسف بطرس غالي قرارًا بضم أموال صناديق التأمينات الاجتماعية إلى الموازنة العامة للدولة، لتتحول مسؤولية صرف المعاشات من وزارة التأمينات إلى وزارة المالية، ويسمح للخزانة العامة بالتصرف في هذه الأموال كما لو كانت جزءًا من مواردها العادية “بدلًا من أن تبقى في حساب منفصل مخصص فقط لأصحاب المعاشات”.

وبحسب تصريحات صحفية سابقة لرئيس النقابة العامة للعاملين بالمعاشات سعيد الصباغ، بلغت مديونية الحكومة لصناديق المعاشات نحو 642 مليار جنيه في الفترة بين 2006 و2018، نتيجة الاستدانة المتكررة من أموال هذه الصناديق لتمويل عجز الموازنة.   فيما وصف رئيس اتحاد أصحاب المعاشات الأسبق البدري فرغلي،  في تصريحات صحفية ما حدث بأنه “اعتداء على أصحاب المعاشات وأموالهم، وأن أصحاب المعاشات يواجهون تجويعًا ممنهجًا”.

وفي إطار تسوية أزمة صناديق المعاشات، أصدر البرلمان المصري قانون التأمينات والمعاشات رقم 148 لسنة 2019، الذي وضع آلية لسداد مديونية الحكومة تجاه الصناديق. وينص القانون على أن تقوم الحكومة بسداد مستحقاتها على أقساط سنوية تمتد لمدة تصل إلى 50 عامًا، لاستعادة أموال الصناديق تدريجيًا وتحقيق استدامة مالية لمنظومة المعاشات.

وفقًا للخبراء وأصحاب التجارب الذين تحدثوا إلينا، فإن التعديلات التي شهدها القانون مؤخرًا لم تضع أصحاب المصلحة في المقدمة، وأن  أزمة تدني الدخل بعد التقاعد لا تتناسب مع الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة وأسعار الوقود والسلع الأساسية، إلى جانب الأعباء الصحية المتزايدة التي يتحملها أصحاب المعاشات، فيما يؤكد الخبراء أن ربط المعاشات بمؤشرات التضخم والأسعار أصبح ضرورة ملحة لضمان الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية وتوفير حياة كريمة لملايين المتقاعدين الذين فقدت معاشاتهم جزءًا كبيرًا من قيمتها الشرائية خلال السنوات الأخيرة.

شيماء حمدي
صحفية مصرية، تغطي الملفات السياسية والحقوقية، وتهتم بقضايا المرأة. باحثة في حرية الصحافة والإعلام والحريات الرقمية.

Search