بشعور ممزوج بين الخوف والقلق والحيرة تتابع ماجي عبد الحي أخبار الانتهاكات الجنسية للأطفال داخل المدارس في مصر. ينقبض قلبها في كل مرة تتخيل فيها نجلها، الذي أتم عامه التاسع منذ شهرين ويدرس في إحدى المدارس الخاصة، مكان أحد الضحايا. كل حادثة تقرأ عنها، وكل قصة لطفل انتهكت طفولته داخل مكان يفترض أنه آمن تزيد من ذعرها.
خوف ماجي وقلقها يمثلان جزءًا من واقع يعيشه ملايين الأهالي، إذ تتحول لحظة إرسال الأطفال إلى المدرسة من تجربة طبيعية إلى مصدر توتر وقلق مستمران. في ظل تصاعد ملحوظ لبلاغات الانتهاكات الجنسية التي تستهدف الأطفال داخل المدارس المصرية، سواء كانت حكومية، خاصة، أو دولية.
خلال إجراء هذا التحقيق تم رصد وتوثيق 75 حالة انتهاك جنسي بين تحرش وهتك عرض للطلاب والطالبات في مدارس مصر، في الفترة بين نوفمبر 2023 إلى نوفمبر 2025، ما يشير إلى وجود نمطًا متكررًا يستهدف الأطفال بين سن 4 إلى 16 عامًا. جميع هذه الحوادث وقعت داخل مرافق المدرسة نفسها: الفصول، غرف الأنشطة، دورات المياه، أو أماكن بعيدة عن الأعين والكاميرات. وتشير الوقائع إلى أن المتهمين لم يقتصروا على المعلمين فقط، بل شملوا إداريين وعاملين وكذلك سائقين.
جُمعت هذه الوقائع من أرشيف الأخبار والبيانات الرسمية وقرارات وزارة التربية والتعليم والنيابة العامة والنيابة الإدارية ووزارة الداخلية. وأظهرت البيانات أن بعض المدارس شهدت أكثر من عشرة وقائع متتالية، معظمها اكتُشف بعد الإعلان عن أول حالة، ما يشير إلى أن ما تم الإعلان عنه قد يكون جزءًا من سلسلة حوادث أوسع لم يُكشف عنها بعد.
كذلك رصدت حالات تعامل بعض المؤسسات المدرسية مع هذه الانتهاكات بأسلوب التستر والإخفاء، مما يزيد من خطر تعرض الأطفال داخل بيئة يفترض أنها آمنة. وفيما يتعلق بالإجراءات العقابية، يرصد التحقيق ٧ وقائع فقط أصدرت فيها المحاكم أحكامًا، تنوعت الأحكام خلال الفترة بين ابتدائية واستئناف، وكان من اللافت أن ثلاثة أحكام تم تخفيف الحكم في مرحلة الاستئناف.
كذلك يوثق التحقيق أن جميع الجناة الذين ارتكبوا الوقائع الموثقة كانوا من الذكور، دون تسجيل أي حالة ارتكبتها معلمة أو عاملة داخل المدارس. إلا أنّ بعض المديرات تورطن في بعض الوقائع سواء بسبب التستر على الجناة أو تجاهل الشكاوى. أمّا العقوبات الإدارية فقد تنوعت بشكل لافت بين الإحالة إلى المحاكمات التأديبية أو الجنائية أو الإثنين معًا في بعض الأحيان، كما رُصدت حالات فصل من العمل، أو النقل إلى وظائف إدارية، وصولًا إلى استبعاد بعض المديرات والمدراء الذين تم اتهامهم من مناصبهم. لكن اللافت أنه في بعض الحالات تم الاكتفاء بنقل المدرسين المتهمين بالتحرش من مدارس البنات إلى مدارس البنين، دون عقوبة إضافية.

خطر داخل المدارس
“اختارت ماجي لابنها مدرسة خاصة لغات في أحد أحياء القاهرة الراقية، تتجاوز مصروفاتها ثلاثين ألف جنيه في عامه الثالث من المرحلة الابتدائية، معتقدةً أن ارتفاع التكلفة يعني مزيدًا من الأمان. لكن الوقائع تكشف عكس ذلك؛ فالفئة الراقية ليست بمنأى عن الانتهاكات، كما أن المصروفات المرتفعة لا تشكّل ضمانة لبيئة مدرسية آمنة.
تُظهر البيانات الموثقة التي جُمعت خلال إعداد هذا التحقيق، أن الانتهاكات الجنسية داخل المدارس ليست حوادث فردية. خلال فترة الرصد من نوفمبر 2023 حتى نوفمبر 2025، تم توثيق 75 واقعة اعتداء جنسي على أطفال. وجاءت القاهرة في الصدارة بـ17 حالة، تلتها الإسكندرية وأسيوط بـ14 حالة لكل منهما، ثم الوادي الجديد بـ13 حالة. وسجلت الجيزة 11 واقعة، بينما سجلت الشرقية حالتين، في حين سجلت البحيرة والقليوبية والدقهلية والمنوفية حالة واحدة لكل محافظة.
رسم(1) يوضح التوزيع الجغرافي للجرائم
والجدير بالذكر أن هناك 5 وقائع لم تُكتشف إلا أثناء التحقيق مع متهم في قضية هتك عرض طالبة داخل حمام المدرسة، إذ اعترف المتهم خلال التحقيق بارتكابه وقائع مماثلة قبل الواقعة السادسة، التي جرى القبض عليه على خلفيتها. كذلك كان لافتًا أن بعض المدارس شهدت وقائع متعددة ومتتالية، وصل عددها في مدرسة واحدة إلى أكثر من ١٠ حالات.
ومن خلال البيانات التي جمعتها وحللتها معدة التحقيق، تبين أن المدارس الحكومية سجلت العدد الأكبر من الوقائع، إذ شهدت 15 مدرسة حكومية 46 حالة انتهاك. أما المدارس الخاصة فبلغ عددها 5 مدارس سجلت 17 حالة، بينما سجلت المدارس الدولية 4 مدارس فقط، لكنها شهدت 12 حالة. وتشير هذه الأرقام أن الانتهاكات منتشرة عبر مختلف أنواع المدارس، وإن كانت المدارس الحكومية هي الأكثر تضررًا. كما تشير الأرقام إلى أن بعض المدارس شهدت أكثر من واقعة واحدة في نفس الفترة الزمنية.
رسم(2) يوضح انتشار جرائم التعدي الجنسي على الأطفال بالمدارس الحكومية والخاصة
من جهته، يرجع النائب عبد المنعم إمام رئيس حزب العدل تزايد الوقائع داخل المدارس الحكومية إلى “غياب شبه تام للرقابة” داخلها، وتراجع الأوضاع الإدارية بما فيها تدنّي أجور العاملين بالقطاع التعليمي، ما خلق حالة من “الإحباط وعدم الرغبة في أداء العمل”، وفتح الباب أمام الإهمال.
ويشدد إمام في حديثه إلى زاوية ثالثة إلى أن مواجهة العنف الجنسي داخل المدارس تتطلب “جهدًا مشتركًا” بين الأسرة والمؤسسات التعليمية والثقافية والرياضية، لضمان أن يمتلك الأطفال الأدوات التي تمكّنهم من التعبير والإبلاغ والوصول للحماية.
بحسب البيانات التي رصدت خلال هذا التحقيق، هناك اختلاف في طبيعة الحوادث التي يتعرض لها الأطفال. فمن بين 75 حالة موثقة، تم تسجيل 41 واقعة تحرش و34 واقعة هتك عرض.
رسم(3) يوضح طبيعة الحوادث التي يتعرض لها الأطفال
اللافت أن معظم هذه الحوادث استهدفت الطلاب الأصغر سنًا، ما يشير إلى أن المعتدين لا يختارون ضحاياهم عشوائيًا، بل غالبًا يكون الاستهداف منهجيًا ومدبرًا. حيث بلغت عدد الوقائع في المرحلة الإبتدائية 59 واقعة، تلتها مرحلة رياض الأطفال بعدد 9 وقائع، ثم المرحلة الإعدادية بمجموع 5 وقائع، أما المرحلة الثانوية فشهدت وقوع حالتين فقط.
رسم(4) المراحل التعليمية
تعليقًا على هذه الاحصائيات، ترى مها عبد الناصر، – النائبة عن الحزب المصري الديمقراطي-، في حديثها لـ “زاوية ثالثة” أن الانتهاكات الجنسية للأطفال داخل المدارس تخطت مرحلة الحوادث الفردية وأصبحت بمثابة الظاهرة التي تستدعي دراسة معمقة تشمل أبعادًا اجتماعية ونفسية. وتشير النائبة إلى أن جزءًا من المشكلة يعود إلى التبرير المجتمعي للتحرش، وإلقاء اللوم على الضحايا، وما يتبعه من تسفيه للجريمة باعتبارها نتيجة “غريزة لا يمكن السيطرة عليها”.
وتشدد عبد الناصر على أهمية التربية الجنسية في المدارس، معتبرة أنها ضرورة أساسية لتوعية الأطفال بحقوقهم وحدود أجسامهم، وحمايتهم من أي اعتداء محتمل. وتشير إلى أن برامج التوعية يجب أن تكون جزءًا من المناهج الدراسية على مستوى جميع المدارس، بما يضمن فهم الأطفال لحقوقهم ومهارات الدفاع عن أنفسهم بطريقة مناسبة لأعمارهم.
فيما يرى محب عبود، – الخبير التربوي ووكيل نقابة المعلمين المستقلة-، أن الانتهاكات الجنسية والعنف داخل المدارس المصرية ليست مجرد حوادث فردية، بل نتاج أزمة مجتمعية عميقة تنعكس على الأطفال. ويصف الوضع بأنه ثمار مريرة لنبت شرير زرع في المجتمع، وأشار إلى أن الطلاب يمثلون “ترمومترًا حساسًا” يُظهر بوضوح عناصر الانحراف الموجودة في المجتمع.
ويؤكد في حديثه لـ”زاوية ثالثة” أن هذه الظواهر تعكس سلوكيات وتناقضات المجتمع ككل، بما في ذلك نماذج الفساد، مشيرًا إلى الدعاوى المرفوعة ضد وزير التربية والتعليم بالتشكيك في شهاداته التعليمية والتي لم يُبت فيها قضائيًا حتى الآن رغم الدعاوى المرفوعة ودون أي تحرك حكومي. ويشدّد على أن الإصلاح لا يقتصر على المدارس فقط، بل يجب أن يشمل المجتمع بأسره، مع التركيز على ترسيخ قيم نبذ العنف والتربية الأخلاقية منذ الصغر.
نوصي بالقراءة: زواج القاصرات في مصر: أطفال بلا نسب وقوانين بحاجة للتعديل

الإناث والذكور
يزداد قلق ماجي لأن نجلها لا يزال في المرحلة الابتدائية، وهي المرحلة التي شهدت النصيب الأكبر من حالات الانتهاكات خلال الفترة التي يرصدها التقرير. وما يزيد من رهبتها أن هذه الانتهاكات لم تقتصر على الإناث، فبالرغم من أن النسبة الأكبر من الحوادث كانت ضد الفتيات بواقع 64 واقعة، لم تسلم الذكور أيضًا إذ سجلت وقائع الاعتداء عليهم 11 واقعة.
رسم(5) الوقائع بالنسبة لجنس الضحايا
وبمعنى آخر، تتعرض الفتيات لمثل هذه الاعتداءات بمعدل يفوق الذكور بنحو ست مرات، ما يبرز هشاشة الفتيات بشكل خاص أمام هذه الانتهاكات.
رسم (6) نسبة الإناث إلى الذكور
تفسر الدكتورة ألفت علام، – استشارية العلاج النفسي-، استهداف المعتدين للأطفال الأصغر سنًا مثل (المرحلة الابتدائية ورياض الأطفال) لأنهم الأكثر هشاشة واعتمادهم الكامل على الكبار، إذ يرى المعتدي في الطفل “كائنًا ضعيفًا” يسهل السيطرة عليه، ولا يملك القدرة على الرفض أو كشف ما يتعرض له.
وتضيف استشارية العلاج النفسي في حديثها لــ”زاوية ثالثة” أن الفئة العمرية بين أربع وعشر سنوات سنوات الأكثر عرضة، بحسب علام، لأن الطفل في هذا العمر يفتقر للوعي والقدرة على التمييز، ويمكن استدراجه أو ابتزازه بسهولة. وتشير إلى أن استهداف البنات تحديدًا يرتبط بالبنية الثقافية للمجتمع التي تضفي الطابع الجنسي على الفتيات منذ سن مبكر حتى في سن الطفولة، إذ يُنظر إليها باعتبارها “أنثى” حتى قبل أن تنضج، مما يجعلها هدفًا للمعتدي رغم صغر سنها.
وترى ألفت أن الاعتداءات على الفتيات الصغيرات جزء من صورة أوسع للعنف الممارس ضد النساء في المجتمع، وأن التطبيع مع هذا العنف وغياب الردع القانوني الحقيقي يفتحان الباب أمام تكرار الانتهاكات بحق الأطفال. وتختم استشارية العلاج النفسي حديثها بأن قناعة المعتدين بضعف احتمالية محاسبتهم، إلى جانب حالة الفوضى الاجتماعية العامة، يسهمان في تفاقم الظاهرة وانتشارها.
واقع المدارس.. ماذا تقول الأرقام؟
تزايد قلق وغضب ماجي خلال الأشهر الأخيرة مع ارتفاع معدل الوقائع، خاصة بعد متابعة الأخبار التي أظهرت تنوع المعتدين بين معلمين ومدراء وعمال داخل المدارس، بالإضافة إلى بعض الحالات التي ارتكبها أشخاص غرباء دخلوا إلى ساحة المدرسة لتتبع ضحاياهم حتى باب دورات المياه (الحمام)، وهو ما سجل في 7 وقائع خلال الفترة التي يغطيها التقرير.
وبتوزيع الاعتداءات الجنسية بحسب وظيفة المعتدي، فكان المدرسون الأكثر ارتكابًا للانتهاكات بعدد 49 حالة، تلاهم العاملون بالمدرسة بعدد 11 حالة، ثم الأشخاص الغرباء عن المدرسة بعدد 7 حالات ارتكابهم شخصان فقط. كما سجلت حالتان ارتكبهما سائقو الأتوبيس المدرسي، و3 حالات من قبل مديري المدارس، وثلاث حالات ارتكبهما موظفون بالمدرسة. ويبرز هذا التوزيع أن غالبية الانتهاكات تأتي من داخل البيئة المدرسية نفسها.
رسم (7) المعتدون ووظائفهم
أما أماكن وقوع الاعتداءات، فقد كان أغلبها في ساحة المدرسة مناطق بعيدة عن الكاميرات أو المراقبة داخل المدرسة بعدد 38 واقعة، تلتها الفصول الدراسية بعدد 16 حالة، ثم حمامات المدرسة بعدد 11 واقعة. وسُجلت حالتان داخل أتوبيس المدرسة، وست حالات في غرف المدرسين والمخازن والممرات الجانبية غير المراقبة، بالإضافة إلى حالة واحدة داخل حجرة مخصصة للعامل وأخرى في مكان معزول داخل المدرسة. ويشير هذا التوزيع إلى أن المعتدين غالبًا ما يستغلون الأماكن المعزولة أو غير المراقبة لتنفيذ انتهاكاتهم.
رسم(8) أماكن الوقائع داخل المدارس
في السياق، تقول منى عزت، – رئيسة مجلس أمناء مؤسسة نون لرعاية الأسرة-، إن تصاعد الكشف عن الانتهاكات الجنسية داخل المدارس لم يكن حدثًا مفاجئًا، بل نتيجة تراكم سنوات طويلة من العمل الذي قادته منظمات نسوية سلطت الضوء على مختلف أشكال العنف ضد النساء والأطفال، من بينها تزويج القاصرات والختان. هذا الجهد، كما توضح، مهّد الطريق لكشف أنماط أخرى من الانتهاكات، بينها العنف الجنسي ضد الأطفال، قبل أن تنتقل الدائرة لاحقًا إلى اهتمام مؤسسات الدولة والإعلام، مما شجع مزيدًا من الأسر على الإفصاح والإبلاغ.
وفيما يخص الإجراءات الوقائية داخل المدارس، تؤكد منى ضرورة إجراءات فورية لا تحتمل الانتظار، بينها: إجراء تحليل مخدرات دوري للعاملين، إنشاء آليات رصد مبكر تعتمد على استبيانات دورية للطلاب، وصناديق شكاوى، وفرق مختصة قادرة على قراءة مؤشرات الخوف أو القلق لدى الأطفال، بالإضافة إلى عودة الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين بشكل فعال داخل المدارس مع منحهم صلاحيات حقيقية للمتابعة والدعم والإبلاغ.
وتضيف رئيسة مجلس أمناء نون للأسرة، أن الجمعيات الأهلية تتحمل دورًا أساسيًا في الضغط لضمان تطبيق هذه الإجراءات، وفي رفع وعي الأسر، من خلال تدريب الوالدين على ملاحظة التغييرات السلوكية لدى أطفالهم، وتشجيعهم على الحديث اليومي حول ما يمرون به داخل المدرسة، كمساحة آمنة للكشف المبكر عن أي انتهاك.
لكن منى تشدد أيضًا على أن جزءًا من الأزمة يتعلق بسلوك بعض إدارات المدارس التي تتستر على المتهمين، وتضغط على الأطفال وأسرهم حتى لا تُرفع الشكاوى. وتقول إن هذا النمط من التستر يجب أن يواجه بإجراءات حاسمة، ليس بالغلق المؤقت، بل بسحب ترخيص المدرسة بالكامل أو وضعها تحت إدارة جديدة تابعة لوزارة التربية والتعليم، بما يضمن رقابة صارمة وحماية حقيقية للأطفال.
من جهتها تشدد النائبة مها عبد الناصر على أهمية اعتماد سجلات عامة للمعتدين وفرض فحص خلفية شامل لجميع العاملين في المدارس، بما في ذلك الجانب النفسي، قبل تعيين أي موظف، لتجنب تكرار الجرائم. وتشير عبد الناصر إلى أن الكاميرات، يجب أن تعمم في جميع المدارس وتغطي جميع المرافق باستثناء الحمامات من الداخل، مع وجود متابعة مستمرة لضمان السلامة.
وتوضح مها، أن غياب هذه الإجراءات، رغم بساطتها، يعود جزئيًا إلى عدم وجود تعاون كامل بين الجهات المعنية، بما في ذلك وزارة التربية والتعليم.
من جانبنا، حاولنا التواصل مع شادي زلطة، المتحدث الرسمي لوزارة التربية والتعليم، للحصول على تعليق حول الإحصائيات التي تم رصدها وتوثيقها خلال إجراء هذا التحقيق، وكذلك للاستفسار عن الخطة الإجرائية التي تعتزم الوزارة اتخاذها خلال الفترة المقبلة للحد من هذه الانتهاكات، إلا أنه لم يرد على اتصالاتنا أو رسائلنا حتى تاريخ نشر هذا التحقيق.
نوصي بالقراءة: فقدان العذرية شرط للعدالة؟ ثغرات قانونية تُسقط صفة الاغتصاب عن المعتدين على الأطفال

تستر وإخفاء
توزع موقف الإدارات تجاه حالات الانتهاكات الجنسية داخل المدارس، وفقًا للرصد والتوثيق الذي أُجري خلال هذا التحقيق، على النحو التالي: سجلت حالتان اتسمتا بالتجاهل أو التستر على الجريمة، فيما ظهرت 7 حالات أخرى شهدت تجاهلًا مصحوبًا بتهديد أو تعنيف للطالب أو الطالبة لثنيهم عن الحديث عمّا تعرضوا له. أما الغالبية، وعددها 66 حالة، فبقي موقف الإدارة فيها غير محدد، نتيجة غياب المعلومات.
رسم(9) موقف الإدارات من الشكاوى
وبالنسبة لطرق الإبلاغ عن هذه الانتهاكات، فقد تباينت مساراتها؛ إذ تقدمت أسر الضحايا بـ 41 بلاغًا إلى أقسام الشرطة ومديريات الأمن، بينما سُجّلت 27 شكوى داخل الإدارات التعليمية. كما جرى الكشف عن 5 حالات من خلال اعتراف المتهم نفسه أثناء التحقيق، إضافة إلى حالتين قُدّمتا للنيابة الإدارية. وتشير هذه الأرقام إلى أن غالبية البلاغات اتجهت نحو الجهات الأمنية، ما يشير إلى تذبذب الثقة بين الأسر وآليات المحاسبة داخل المدارس والإدارات التعليمية، وافتقار البيئة التعليمية لبروتوكولات حماية فعّالة وشفافة تحفّز الضحايا وذويهم على الإبلاغ من داخل المؤسسة نفسها.
في سبتمبر 2023، أصدرت وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني خطابًا عاجلًا للمديريات التعليمية بشأن تركيب منظومة كاميرات مراقبة في المدارس، بهدف تأمينها ضد السرقة وأعمال التخريب، إضافة إلى تسجيل بيانات الزائرين في دفاتر الزيارات، مع تحديد يوم أو يومين فقط لمقابلة أولياء الأمور من خلال لجان الحماية المدرسية لمتابعة أبنائهم، ضمانًا لعدم تأثر سير العملية التعليمية. ورغم أهمية هذه الإجراءات في تعزيز الانضباط، فإن الخطاب لم يتطرق مطلقًا إلى السياسات أو الخطوات التي تعتزم الوزارة اتخاذها لمواجهة تزايد حالات الاعتداء الجنسي بحق الطلاب والطالبات داخل المدارس.
وفي المقابل، توالت قرارات وزير التربية والتعليم بشأن إخضاع بعض المدارس الخاصة والدولية للإشراف المالي والإداري عقب الكشف عن حوادث اعتداء داخلها، كما حدث في مدرسة “سيدز” الدولية، ومدرسة في الإسكندرية التي تم اكتشاف أربع حالات هتك عرض داخلها خلال شهر نوفمبر، إلى جانب مدارس أخرى شهدت وقائع مشابهة. دون الإعلان عن استراتيجية واضحة وشاملة لحماية الأطفال داخل البيئة المدرسية. والإشراف المالي والإداري يعني أن وزارة التربية والتعليم تتولى إدارة المدرسة بشكل مباشر ومؤقت، لضبط الأوضاع داخل المدرسة.
من جهته يرى الخبير التربوي محب عبود، أن المدارس تحتاج إلى إعادة ديمقراطية العملية التعليمية، وتمكين الطلاب والمعلمين من مزيد من الحريات وفرص التعبير عن مشاكلهم اليومية، بدلاً من التركيز على العقوبات الصارمة فقط.
ويؤكد عبود في حديثه معنا أن المواجهة الحقيقية تتطلب مراقبة صارمة ومحاسبة حقيقية داخل المؤسسات التعليمية، بعيدًا عن ثقافة التكتم والتبرير التي تهيمن على بعض المدارس، والتي تحمي المعتدين على حساب الأطفال. ويشدد على أهمية وجود أنظمة واضحة للمساءلة، وإجراءات صارمة ضد التواطؤ، وفصل المؤسسات التعليمية عن النفوذ السياسي أو الشخصي لضمان حماية الطلاب.
وفيما يتعلق بالمسؤوليات الرسمية، يرى عبود أن وزارة التربية والتعليم والبرلمان المصري لم يوفّرا الحلول اللازمة، حيث استمر الوضع على ما هو عليه بسبب اختيار قيادات غير مؤهلة، وعدم تطبيق معايير دقيقة للتعيين، أو متابعة حقيقية لتطبيق اللوائح التربوية، ما أدى إلى استمرار الانتهاكات داخل المدارس.
ويختم عبود بأن البيئة المدرسية التي تتجاهل الانتهاكات أو تبررها تزيد من تعقيد المشكلة، وأن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب إصلاحًا نظاميًا شاملًا يشمل المناهج، الإدارة، ثقافة المدارس، وتعاون المجتمع بأسره لضمان حماية الأطفال من كل أشكال العنف والاستغلال.
من جهته يوضح النائب عبد المنعم إمام، أن إدارات مدارس عديدة تختار التستر على الوقائع خشية المساس بسمعة المؤسسة وانخفاض الإقبال عليها، واصفًا ذلك بأنه “خطأ فادح” يسهم في تفاقم حجم الانتهاكات بدلًا من الحد منها. ويضيف أن وضع المدارس تحت الإشراف الإداري يعد أقصى إجراء تستطيع وزارة التربية والتعليم اتخاذه حاليًا، معتبرًا أن إغلاق المدارس ليس خيارًا عمليًا، لما قد يترتب عليه من تأثير مباشر على مستقبل مئات الطلاب والطالبات.
لكن النائبة مها عبد الناصر ترى أن الحلول الحالية التي تقوم بها وزارة التربية والتعليم والتي ترتكز على وضع المدارس الدولية والخاصة تحت الإشراف الإداري والمالي التي يُكتشف فيها انتهاك دون اتخاذ خطوات حقيقية لحماية الأطفال غير كافية وتعتبر مسكنات للوضع. مشيرة إلى ضرورة وضع استراتيجية وخطة تعمم على كافة المدارس لحماية الأطفال.
وعن احتمالية وجود مسألة برلمانية مثل الاستجواب لوزير التربية والتعليم بخصوص تكرار الانتهاكات ترى عبد الناصر أن الاستجوابات صعبة لكنها بصدد تقديم طلب إحاطة مع أول دور انعقاد.
تخفيف العقوبات
لا تزال معظم القضايا المتعلقة بالاعتداءات الجنسية داخل المدارس قيد التحقيق أمام النيابة أو منظورة أمام المحاكم بعد قرارات الإحالة، بينما رُصدت سبعة أحكام فقط صدرت حتى الآن، عكست في معظمها مسارًا متباينًا بين البراءة وتخفيف العقوبة أو إقرار أحكام مشددة في الدرجة الأولى.
ففي إحدى القضايا البارزة، قضت محكمة جنايات مستأنف دمنهور بتخفيف الحكم الصادر ضد المتهم في واقعة هتك عرض الطفل ياسين داخل مدرسة خاصة بمدينة دمنهور بمحافظة البحيرة من المؤبد إلى عشر سنوات. وفي الوراق، عدّلت محكمة جنايات مستأنف الجيزة الحكم على متهم بهتك عرض تلميذة، ليخفف من السجن المشدد 15 عامًا إلى 7 سنوات بعد قبول الاستئناف شكلًا.
كما قضت محكمة جنايات مستأنف القاهرة بقبول الاستئناف المقدم من أحد المدرسين على الحكم الصادر ضده، وقررت تخفيف العقوبة من السجن المشدد 6 سنوات إلى 3 سنوات، في قضية اتهامه بهتك عرض طالبة داخل أحد الفصول بمدرسة في منطقة النزهة بالقاهرة.
وفي أسيوط، أصدرت محكمة جنايات أسيوط حكمًا ببراءة مدرس من تهمة التحرش بـ13 تلميذة بمدرسة ابتدائية للغات بمدينة الخارجة، وهي قضية أثارت جدلًا واسعًا عند الكشف عنها.
وفي المقابل، أصدرت المحاكم عدة أحكام مشددة، حيث قضت محكمة جنايات الجيزة بالسجن المشدد 7 سنوات لمدرس أدين بهتك عرض مجموعة من التلميذات داخل مدرسة أحمد زويل بالعمرانية. أما في القاهرة، فقد قضت محكمة جنايات القاهرة بالسجن المشدد 15 عامًا لمتهم بهتك عرض طفلة تحت التهديد داخل إحدى مدارس المرج، وقد اعترف بارتكاب خمس وقائع مشابهة قبل القبض عليه في الواقعة السادسة.
كما قضت محكمة جنايات الإسكندرية بمعاقبة مدرس بالسجن المؤبد، لإدانته بارتكاب جريمة هتك عرض 10 طالبات داخل إحدى المدارس الابتدائية بدائرة قسم شرطة الرمل أول. وتندرج الأحكام الثلاثة المشددة ضمن أحكام الدرجة الأولى، وهي المرحلة التي قد تشهد لاحقًا تخفيف العقوبة عند نظرها في الاستئناف، كما حدث في سوابق قضائية مشابهة.
رسم (10) الأحكام التي صدرت
من جهتها ترى منى عزت، أن الاعتداء على طفل في سن ثلاث أو أربع أو خمس سنوات هو “جريمة مروّعة تستوجب أقصى درجات العقاب”، خاصة أن مرتكبيها غالبًا أشخاص بالغون يستغلون مواقع قوة. وتشير إلى أن بعض الوقائع الأخيرة تُظهر اعتداءات جماعية وتواطؤ داخل المؤسسات، من اخفاء تسجيلات كاميرات المراقبة إلى تجاهل غياب الأطفال. وتعتبر أن هذا “انحرافًا يكاد يرقى إلى سلوك عصابي داخل بعض المؤسسات”، وهو ما يستدعي – في رأيها – تشديد العقوبات إلى أقصى مدى ممكن.
الجدير بالذكر أنه في فبراير 2020، أصدرت المحكمة الإدارية العليا في مصر حكمًا نهائيًا بمنع مدرس من ممارسة مهنة التعليم بعد إدانته بالتحرش الجنسي بـ120 تلميذة في المرحلة الابتدائية بمحافظة الإسكندرية. وتعود الواقعة إلى عام 2013، وقد تم فصل المدرس إداريًا في نفس العام من المدرسة التي كان يعمل بها. وعقب ذلك، أصدرت المحكمة الإدارية حكمًا بالفصل، لكنه طعن به أمام المحكمة الإدارية العليا، التي أكدت صحة قرار الفصل النهائي، دون الإحالة إلى المحاكمة الجنائية.
من جهته دعا النائب عبد المنعم إمام، إلى إعادة النظر في العقوبات المتعلقة بجرائم العنف الجنسي ضد الأطفال، معتبرًا أنها تحتاج إلى مزيد من التغليظ لضمان الردع، خصوصًا في ظل وصول بعض القضايا إلى أحكام مخففة في درجات التقاضي اللاحقة. مشيرًا إلى أن حزبه يعتزم التقدم بتعديلات تشريعية مع بداية الفصل البرلماني الجديد لمعالجة هذه الفجوات القانونية.

من يتحمل المسؤولية؟
يرى المحامي الحقوقي عبد الرازق مصطفى أن تصاعد الانتهاكات الجنسية التي يتعرض لها الطلاب والطالبات داخل المؤسسات التعليمية في مصر بات يمثل أزمة مجتمعية وحقوقية خطيرة، تستوجب تحركًا حاسمًا ومراجعة شاملة لبنية المسؤوليات والإطار القانوني الحاكم. فهذه الانتهاكات لا تمس فقط الحق في التعليم الآمن، كما نصّت عليه المواثيق الدولية وفي مقدمتها اتفاقية حقوق الطفل، لكنها تمثل اعتداءً مباشرًا على السلامة الجسدية والنفسية لفئة هي الأكثر هشاشة في المجتمع.
ويؤكد مصطفى أن المسؤولية في هذه القضية تتشابك على عدة مستويات: أولًا: المسؤولية الجنائية الفردية التي تقع مباشرة على الجاني، وتُشدَّد وفق قانون العقوبات المصري، خاصة في الحالات التي يمتلك فيها المعتدي سلطة تعليمية أو وظيفية على الضحية، وفقًا لنصوص المادتين 268 و269.
بالإضافة إلى مسؤولية المؤسسة التعليمية والتي تتحمل الإدارة المدرسية مسؤولية مهنية ومدنية واضحة، تشمل:”الإهمال الجسيم في الرقابة على الطلاب والعاملين، التقاعس عن الإبلاغ أو التستر على الواقعة، ما يضع المدرسة في خانة الشراكة بالجريمة، ضعف إجراءات اختيار العاملين وغياب فحص نفسي وسلوكي دقيق قبل التعيين، وخاصة للوظائف الحساسة.”
فضلًا عن مسؤولية وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني والمسؤولة بحكم اختصاصها التشريعي والتنفيذي والإشرافي، وتشمل مسؤولياتها:”فرض رقابة فعالة ومفاجئة على المدارس، وضع وتفعيل معايير إلزامية للسلامة المهنية وكود سلوك لجميع العاملين، محاسبة الإدارات التي تتورط في الإهمال أو التستر.”
ويشدد مصطفى في حديثه معنا على ضرورة تبني إجراءات عاجلة للحد من الانتهاكات وتعزيز الثقة بين الأسر والمؤسسات التعليمية: من خلال تفعيل آليات الرقابة والإبلاغ بإنشاء نظام مستقل وسري للإبلاغ الفوري عن الاعتداءات، يضمن حماية المُبلِّغ، وإلزام المدارس بتطوير منظومة كاميرات شاملة تغطي جميع المساحات العامة والفصول، مع متابعة مستمرة. بالإضافة إلى إجراء فحص نفسي وسلوكي دوري لجميع العاملين، خصوصًا من لهم احتكاك مباشر بالطلاب، ووضع ضوابط صارمة لوجود عمال الصيانة والخدمات في الأماكن الحساسة دون إشراف مباشر.
ويختتم مصطفى حديثه بأن المنظومة التشريعية الحالية، رغم احتوائها على نصوص تُجرّم التحرش وهتك العرض، ما تزال تتضمن ثغرات تتطلب معالجة. ويقترح إصدار تشريع مُكمّل بعنوان “الأمان المدرسي” يُحدد معايير الحماية الواجب توافرها داخل المؤسسات التعليمية، ويتضمن عقوبات صارمة بحق المدارس والإدارات المتورطة في الإهمال أو التستر، بما يضمن ردع الجناة وحماية الطلاب من تكرار هذه الجرائم.
يوضح هذا التحقيق أن الانتهاكات الجنسية في المدارس المصرية ليست حوادث منفردة، بل باتت ظاهرة متكررة تكشف هشاشة الإجراءات الوقائية وضعف الرقابة داخل المؤسسات التعليمية، سواء الحكومية أو الخاصة أو الدولية. وفي ظل استمرار التأخر في المحاسبة وتخفيف العقوبات، يبقى الأطفال أكثر الفئات هشاشة، معرضين لخطر مستمر داخل بيئة يفترض أن تكون آمنة.