close

حيازات وهمية وفساد إداري: كيف يُهدر الدعم الحكومي للأسمدة في مصر؟

شيكارة السماد المدعم بـ260 جنيهًا تُباع في السوق السوداء بـ1400، وملاك يصرفون عشرة أطنان برشاوى، بينما مزارعون يزرعون الأرض فعليًا لا يحصلون على كيس واحد.
Picture of آية ياسر

آية ياسر

قبل ثلاث سنوات، اشترى عبد الله محمد، (اسم مستعار)، قطعة أرض زراعية بمساحة 17 قيراطًا، في محافظة سوهاج، واتفق مع البائع، قبل إتمام الشراء رسميًا، على التنازل عن الحيازة الزراعية لتمكينه من صرف الأسمدة ومستلزمات الزراعة وفق الإجراءات القانونية المتبعة.

وعقب ذلك توجه إلى جمعية أولاد طوق الزراعية، بمركز دار السلام، لينقل الحيازة لنفسه، ويستخرج بطاقة الحيازة الزراعية (أو كارت الفلاح الذكي)، وهي وثيقة رسمية تصدرها وزارة الزراعة للمزارعين في مصر لتوثيق حيازتهم للأراضي الزراعية واستغلالها، وتسهل حصولهم على الدعم والمستلزمات الزراعية (كالبذور والأسمدة) من خلال منافذ مخصصة، إلا أن الرد الأول جاءه من الجمعية الزراعية بتوقف نقل الحيازات، مع مطالبته بالانتظار.

مدة الانتظار استمرت ثلاث سنوات، وماطلت الجمعية بذريعة عدم فتح باب النقل، ليستمر في شراء الأسمدة من السوق السوداء، على نفقته الخاصة متحملًا فارق السعر الكبير، الأمر الذي دفعه ليقصد مديرية الزراعة بالمركز التابع له، وهناك أبلغه الموظفون بأن نقل الحيازات متاح، على النقيض حديث موظف الجمعية، كذلك صُدم بأن حيازة البائع ما تزال سارية، وأنه كان يستفيد من صرف الأسمدة المدعمة طيلة الأعوام الثلاثة الماضية، بحسب ما يحكي لـ”زاوية ثالثة”.

ويذكر أنه عند عودته إلى الجمعية الزراعية، تغيرت الرواية ليقال إن الحيازة “حيازة ورثة” لا يجوز التصرف فيها إلا بتنازلهم جميعًا، بزعم وجود خلافات بينهم، وبعد التحري، اكتشف أن لكل وريث حيازة مستقلة، ولا توجد حيازة ورثة مجمعة كما ادعت الجمعية، وأن البائع يمتلك حيازة خاصة باسمه منفردًا، غير أن الجمعية زعمت لاحقًا أن الأرض “غير مصنفة” ولا يصرف لها سماد، رغم أن التصنيف، بحسب القواعد، يستلزم خروج لجنة لمعاينة الأرض وتحديد نوع المحصول، وتختلف مخصصات الصرف باختلاف المحاصيل. 

وبتحري الأمر تأكد “عبد الله” أن الأرض مصنفة بالفعل، على أنها مزروعة ذرة شامية، لصرف خمس شكائر للفدان بدلًا من ثلاث، رغم أنها لم تزرع ذرة منذ ثلاثين عامًا، ويفرض القانون إثبات أي تصنيف في محضر ورقي يوقع عليه المزارع الفعلي ولجنة المعاينة، إلا أن ما جرى، بحسب روايته، هو إدخال بيانات عشوائية عبر الجهاز الخاص بالتسجيل  دون معاينة حقيقية، بهدف استكمال النسبة المطلوبة للنظام.

يقول: “إن المالك السابق للأرض صرف 20 شيكارة سماد مدعم خلال موسم واحد، رغم بيعه للأرض البالغة مساحتها 11 فدان، مقسمة علينا أنا وأبناء عمي، وهو يحتفظ بالحيازة الزراعية، ليستفيد من الفارق الكبير في أسعار الأسمدة المدعمة، التي يبلغ الشيكارة منها 260 جنيهًا، ثم يقوم ببيعها لصالحه، بسعر 1300 إلى 1400 جنيه”.

ويتهم الجمعية الزراعية بالتستر على هذه المخالفات بادعاء وقف الحيازة وعدم صرف أي مستلزمات، الأمر الذي يثير شبهات فساد وتواطؤ، خاصة مع امتلاكه مستندات، اطلعت عليها زاوية ثالثة، تثبت كميات الأسمدة التي صرفت واسم الجمعية التي تم الصرف من خلالها، مُضيفًا: “قدمت شكوى للنيابة الإدارية ضد الجمعية الزراعية، بتهمة إهدار المال العام، وحصلت على رقم المحضر وأنتظر ما ستسفر عنه التحقيقات، وتقدمت بشكوى أيضًا للرقابة الإدارية، لكنها حُفظت، وفي النهاية لجأت للمحكمة لكن الأمر يستغرق سنوات من التقاضي، وأناشد محافظ سوهاج بتشكيل لجنة لمباشرة المخالفات في الجمعيات الزراعية، ووقف إهدار المال العام”.

وتتشابه قصته ضمنيًا مع ما يرويه شريف عادل، أحد ملاك الأراضي الزراعية بمحافظة سوهاج أيضًا، حين اشترى، برفقة شقيقيه، أرضًا زراعية منذ عامين بمركز دار السلام، بمساحة فدان، إلا أن الحيازة الزراعية ما تزال مسجلة باسم البائعين، وهم ورثة المالك الأصلي للأرض، ويرفضون التنازل عنها رغم إتمام البيع بعقود رسمية.

ويروي أن الورثة قاموا، عقب وفاة والدهم، بضم الحيازة باسمهم قبل تقسيم الأرض، ثم باعوا معظم المساحة، التي بلغت نحو ثمانية أفدنة، لعدد من المشترين، من بينهم هو وأبناء عمومته، غير أن الحيازة ظلت باسم أحد الورثة، ما أتاح له وللباقين الاستمرار في السيطرة عليها، ورغم أنه اشترى نصيبه من أحد الورثة بعقد بيع وشراء قانوني، إلا أنه فوجئ عند مطالبته بنقل الحيازة بأن البائع يتنصل من المسؤولية، بدعوى أن الحيازة ليست باسمه منفردًا، فيما يرفض باقي الورثة التنازل عنها، ما أدخل الأطراف في حالة شد وجذب مستمرة دون حل.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “إن خطورة المشكلة لا تقتصر على تعطيل نقل الحيازة، بل تمتد إلى قيام الورثة بصرف الأسمدة المدعمة باستخدام بطاقة الحيازة، رغم أنهم لا يزرعون الأرض فعليًا، وقد صرفوا الأسمدة خلال الموسم الصيفي الماضي، بمعدل أربع شكائر للفدان، بينما حُرمنا نحن المالكون الفعليون من حقنا في الصرف”.

ويوضح أن الأرض التي يزرعها حاليًا بنسبة تقارب 70% بالبرسيم، وهو محصول لا يُصرف له سماد، ومع ذلك، بحسب قوله، جرى في مواسم سابقة تسجيل المحصول على أنه قمح أو ذرة، بما يتيح صرف الأسمدة بغير وجه حق، معتبرًا ذلك صورة واضحة للتلاعب والتزوير، لافتًا إلى أنه تقدم هو وشقيقيه بعدد من الشكاوى إلى الجمعية الزراعية والإدارة المختصة، وطالبوا بإجراء معاينة ميدانية للأرض لإثبات المحصول المزروع فعليًا، وقد اشترطت الجمعية نزول لجنة للتصنيف، غير أن أصحاب الحيازة رفضوا الحضور أو الموافقة على المعاينة.

ويضيف: “نحن نمتلك عقد بيع وشراء قانوني، ورغم ذلك نُحرم من الأسمدة المدعمة ولا تُنقل إلينا الحيازة، بدعوى ضرورة الحصول على حكمٍ قضائي، استمرار هذا الوضع يهدد الاستقرار الزراعي ويفتح الباب لمزيد من الأزمات والنزاعات”.

ويوضح أن النزاع أدى، في الموسم الحالي، إلى وقف صرف الأسمدة نهائيًا للأرض محل الخلاف، وهو ما تسبب في أضرار مباشرة للمزارعين الفعليين، خاصة مع الفارق الكبير بين سعر السماد المدعم، الذي يُصرف بنحو 260 جنيهًا للشكارة، وسعره في السوق السوداء، الذي يتجاوز ألف جنيه ويصل إلى 1200 أو 1300 جنيه.

ويشدد على أن المشكلة ليست مجرد حالة فردية، بل تتكرر على نطاق واسعٍ في المنطقة، ما ينذر بتفاقم النزاعات الاجتماعية، مطالبًا بتدخل حكومي واضح يضع آلية قانونية سريعة، لنقل الحيازة تلقائيًا مع عقود البيع، دون إرهاق المزارعين في مسار التقاضي الطويل.

وتُعرف الحيازة الزراعية بأنها كل أرض زراعية يتم استغلالها في النشاط الزراعي، وينص قانون الزراعة رقم 53 لسنة 1966 والذي تم تعديله في 2022 في مادته رقم 90 على أنه: “يُعتبر حائزًا كل مالك أو مستأجر يزرع أرضًا زراعية لحسابه أو يستغلها بأى وجه من الوجوه، وفي حالة الإيجار بالمزارعة، يُعتبر مالك الأرض حائزا ما لم يتفق الطرفان كتابة في العقد على إثبات الحيازة باسم المستأجر.”

ووفقًا لقرار رئاسة الوزراء رقم 4248 لسنة 1998 ، يجوز نقل حيازة الأراضي الزراعية من خلال التقدم بطلب للجهاز المركزي للتنظيم والإدارة ووزارة الاستصلاح الزراعي والري، شريطة تقديم صورة البطاقة القومية، ووجود اتفاق كتابى موقع عليه من الحائز الحالي للأرض-المالك- ومقدم طلب نقل الحيازة له، إضافة إلى صورة عقد بيع ابتدائى للأرض(في حالة البيع)، وصورة محضر قسمة عرفى مسجل في الشهر العقارى أو ممضي من رئيس مجلس إدارة الجمعية التعاونية الزراعية المختصة وعضوين من اعضائها، (كذلك يجب تقديم الأصل للإطلاع)، أو يجب تقديم صورة حكم قضائى نهائى فى مسألة حيازة الأرض، مع النظر في الأصل، أو أن تُقدَم صورة عقد نقل ملكية مشهر بالسجل العقاري وأصله للإطلاع. كما يحق للبائع بالاحتفاظ بالحيازة بصفته مستأجراً أو صاحب حق انتفاع، أو يُقدَم إعلام وراثة شرعى فى حالة وفاة المالك أو المستأجر الحائز، على أن يقدم الحائز إقرار بتحمله جميع الديون المستحقة على الأرض من ضرائب وغرامات ونحو ذلك.

 

نوصي للقراءة: ما بين رفع أسعار الأسمدة والتقاوي.. لماذا يغادر الفلاحون الأرض في صمت؟


التلاعب بحيازات الأراضي

لا تختلف القصة كثيرًا بالنسبة لعزت حمدي، الذي اشترى فدانًا بإحدى الأراضي الزراعية بمحافظة سوهاج، كان قد تعاقب عليها ثلاثة ملاك قبله، وهذا التسلسل حال دون تمكنه من تسجيل الحيازة الزراعية باسمِه، والحصول على ما يُعرف بـ”كارت الفلاح” الذي يُتيح له صرف الأسمدة المدعمة من الدولة.

ويحكي عزت أن المالكين السابقين لا يزالون محتفظين بالحيازة، وأن موظفي الجمعية الزراعية يتواطؤون معهم، إذ يُسمح لهم بصرف الأسمدة على اعتبار أن الأرض لا تزال باسمهم، بينما يظل المالك الجديد، وهو المزارع الفعلي، عاجزًا عن الاستفادة من الدعم الحكومي، موضحًا أنه حاول التواصل مع الجمعية لنقل الحيازة، لكنه واجه رفضًا، إذ يشترط تنازل جميع الوسطاء والمالكين السابقين قبل تسجيل الحيازة للمشتري الحالي.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “إن الأرض المزروعة بالقمح تحتاج إلى كمية كبيرة من السماد، ويصل سعر شراء “الشكارة” من السوق الحر إلى 1400 جنيه، بينما تكلفتها المدعمة من الجمعية حوالي 280 جنيهًا فقط، والموسم الصيفي يحتاج إلى خمس شكائر للفدان  والموسم الشتوي يتطلب خمس شكائر أيضًا، وعدم صرف الأسمدة المدعمة لي كمالك فعلي يعني اضطراري لتحمل كامل التكاليف من السوق السوداء، مما يضاعف تكلفة الإنتاج ويسبب لي خسارة مادية كبيرة”.

التلاعب بحيازات الأراضي وصل إلى حد تسجيل المحاصيل المزروعة بطريقة غير دقيقة أو تسجيل الأرض كمحصول آخر للحصول على كميات أكبر من الأسمدة، وهذا التلاعب يأتي أحيانًا بالتنسيق بين الموظفين وأصحاب الأرض الأصليين، بحسب ما يؤكد عزت، داعيًا إلى ضرورة وقف الحيازة عن المالكين السابقين، وتمكين المزارع الفعلي من تسجيل الأرض باسمه لصرف الأسمدة المدعمة واستكمال زراعة الأرض دون عبء إضافي، مطالبًا بتدخل الجهات الرسمية لحل هذه المشكلة وإنهاء التواطؤ الذي يمنع انتقال الدعم إلى مستحقيه الفعليين.

وتوفر الحكومة الأسمدة المدعمة بأسعار مخفضة للمزارعين لضمان استقرار الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي، وتتضمن أنواعًا مختلفة كالأسمدة المعدنية مثل (نيتروجين، فوسفور، بوتاسيوم) ذات النسب المتوازنة، بالإضافة إلى الأسمدة “المدعمة بيولوجيًا” التي تعزز العناصر الصغرى مثل الزنك والحديد لتحسين القيمة الغذائية للمحاصيل، وتُصرف هذه الأسمدة عبر آليات رقابية لضمان وصولها للمستحقين، كبطاقات الفلاح، وتبلغ احتياجات مساحات الأراضي الزراعية في مصر من الأسمدة المدعمة نحو 2.1 مليون طن كل عام، من إجمالي نحو 2.4 مليون طن تحصل عليها الوزارة من المصانع سنويًا، بحسب وزير الزراعة المصري، علاء فاروق.

ويحكي المزارع علي عبد الجواد، من مركز طما بمحافظة سوهاج، أنه بتاريخ 12 مارس 2025 تنازل عمه عن الحيازة الخاصة به والبالغة مساحتها سبعة أفدنة، وتم حذفها من “السيستم”، إلا أنه لم يتم إضافتها لديه، بحجة أن نظام الجمعية الزراعية بقرية الدوير يعاني من أعطال ومشاكل تقنية.

ويؤكد لـ”زاوية ثالثة”، أنه منذ ذلك التاريخ وهو يتوجه إلى الجمعية الزراعية والإدارة الزراعية بطما، كما قابل وكيل وزارة الزراعة بسوهاج، الذي أخبره بأن مشكلته لا حل لها لدى الإدارة. ويشدد علي أنه لم يتمكن طوال العام من صرف أي كيس كيماوي، واضطر إلى شرائه من السوق السوداء.

ويشير إلى أن الموظفين لا يفيدونه، مما حال دون تمكنه من صرف مستلزمات أرضه، وضياع سماد الموسم الصيفي، ومخاوفه من ضياع محصول الشتوي أيضًا، مؤكدًا أنه قدم كافة المستندات وسدد جميع المصاريف، إلا أنه لا يعرف متى سيحصل على بطاقة الفلاح الخاصة به.

وفي السياق ذاته يُبيّن الباحث الزراعي، محمود راغب، أن شكاوى المزارعين تتكرر حول عدم حصولهم على كامل حصصهم من الأسمدة، إذ قد يُخصص لهم عدد معين من الشكائر ولا يحصلون إلا على جزء منها، أو يطلب منهم الانتظار دون مبرر واضح، أو يريط صرف السماد بإجبارهم على شراء مستلزمات أخرى، مؤكدًا أن هذه الوقائع باتت معروفة ومتداولة على نطاق واسع بين الفلاحين.

ويلفت إلى أن الإشكالية الأساسية تتعلق بتداخل أطراف متعددة في منظومة الحيازة والدعم، معتبرًا أن هناك طرفين مظلومين في هذه المعادلة، هما الدولة والمزارع الفعلي، إذ تصرف الدولة الأسمدة بناء على بيانات الحيازة المسجلة، وهذا الأمر يسمح لأشخاص لا يزرعون الأرض بالحصول على الدعم وبيعه في السوق، لافتًا إلى أن الخلل الحقيقي يكمن داخل بعض الجمعيات الزراعية، إذ لا تسير الأمور دائمًا وفق القواعد المنظمة، ما يفتح الباب أمام ممارسات غير قانونية.

ويقول لـ”زاوية ثالثة”: “إن غالبية الأراضي الزراعية مؤجرة، يحتفظ مالك الأرض بالحيازة بينما يؤجر الأرض لمزارع آخر، ثم يتوجه المالك إلى الجمعية الزراعية لصرف الأسمدة المدعمة، في حين يجبر المزارع الذي يزرع الأرض فعليًا على شراء السماد من السوق السوداء بأسعار مرتفعة”.

ويؤكد راغب أن بعض المزارعين يواجهون ضغوطًا مباشرة من موظفين داخل الجمعيات، تصل أحيانًا إلى طلب مقابل غير رسمي لتسهيل صرف السماد، بينما يمتنع آخرون عن الصرف تمامًا في حال حدوث خلاف مع المزارع، موضحًا أن هذه الممارسات تضع المزارعين والدولة معًا في دائرة الضرر.

ويستشهد بحالات يملك فيها بعض الأشخاص مساحات كبيرة من الأراضي تصل إلى عشرة أفدنة أو أكثر، ويقومون بتأجيرها بالكامل، ثم يحصلون على الأسمدة المدعمة لكل فدان بأسعار منخفضة، قد لا تتجاوز 250 جنيهًا للشكارة، ليعاد بيعها في السوق الحرة بأسعار تصل إلى 1500 جنيه للشيكارة الواحدة، وهو ما يحقق لهم أرباحًا ضخمة من فارق السعر دون أي جهد زراعي فعلي، معتبرًا أن هذا الفارق السعري الكبير هو جوهر الأزمة ومصدر التلاعب الرئيسي في منظومة الأسمدة.

ويعتقد راغب أن حل المشكلة لا يكمن في تعقيد الإجراءات أو تحميل المزارعين أعباء إضافية، بل في تفعيل الرقابة الصارمة، سواء على الجمعيات الزراعية أو على مستحقي صرف الأسمدة، موضحًا أن الرقابة وحدها قادرة على كسر حلقة التلاعب وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الفعليين، في وقت يعاني فيه المزارعون من ارتفاع تكاليف الزراعة وتراجع العائد، ما يهدد استقرار القطاع الزراعي بأكمله.

 

نوصي للقراءة: خسائر القطن.. من يحمي الفلاح من الحكومة؟ 

حيازات وهمية وحصر وهمي

لا تقتصر الإشكاليات المتعلقة بصرف الأسمدة المدعمة عبر بطاقة الحيازة الزراعية أو كارت الفلاح الذكي، على نزاعات الورثة وبائعي ومشتري الأراضي، بل تمتد إلى ما يصفه العديد من المزارعين، الذين تحدثوا إلى “زاوية ثالثة”، بالحيازات الوهمية للأراضي والحصر الوهمي للمحاصيل، والذي يرتبط بتسجيل محاصيل كثيفة الاستهلاك للأسمدة لأراضي زراعية بعينها، على غير الحقيقة، ليستفيد أصحابها من الفارق السعري لكميات الأسمدة الإضافية المدعمة، والتي تجد طريقها لاحقًا لتباع في السوق السوداء.

ويحكي صلاح عبد الحليم، أحد ملاك الأراضي الزراعية بمركز كفر الدوار في محافظة البحيرة، والذي يملك حيازةً زراعية مسجلة رسميًا،  أنه لم يتمكن حتى الآن من صرف أي كمية من الأسمدة المدعمة، رغم زراعة أرضه فعليًا بمحصول القمح.

ويتهم عبد الحليم الجمعية الزراعية التابع لها بأنها تضم عددًا كبيرًا من الحيازات الوهمية مشيرًا إلى أنه تقدّم، برفقة مزارعين آخرين، بعدّة شكاوى ومطالبات لمطابقة الحيازات المسجلة مع الأراضي المزروعة على أرض الواقع، إلا أن هذه المطالب لم تلق أي استجابة تذكر.

يقول لـ “زاوية ثالثة”: “المشكلة تتفاقم مع وصول جرار الكيماوي إلى الجمعية إذ يشهد المكان تكدسًا غير طبيعي منذ ساعات الفجر الأولى، ويتسابق الشباب وكبار السن والأطفال أمام شباك الصرف، في محاولة للوصول إلى مدير الجمعية وتكون الأولوية في الصرف تكون لأصحاب العلاقات الشخصيّة من الأقارب والمعارف، وكذلك لأصحاب الحيازات الوهمية”.

ويكشف عن أن بعض المنتفعين يصرفون كميات كبيرة من الأسمدة المدعمة قد تصل إلى عشرة أطنان، مقابل دفع مبالغ مالية (رشاوى)، موضحًا أن هذه الممارسات لا تعد فسادًا من وجهة نظر القائمين عليها، بل تعامل باعتبارها ترضية، حيث إذ المسؤول على رشاوى قد تصل إلى عشرة آلاف جنيهٍ، بينما يحرم المستحق الفعلي من حقه المشروع.

ويوضح عبد الحليم أن المشهد يتكرر في كل مرة، إذ يُعلن مع حلول الظهيرة عن نفاد الكميات، مع وعد بصرف الأسمدة في المرة القادمة، دون أن يتغير الوضع، مؤكدًا أن كبار السن وذوي الأجساد الضعيفة ومن لا يستطيعون التدافع والزحام يكون مصيرهم الحرمان، والانتظار دون جدوى، مطالبًا الجهات الرسمية بالتدخل لمطابقة الحيازات مع الواقع، باعتبار أن الأسمدة سلعة مدعمة من الدولة.

وبالنسبة إلى محمود عزوز، أحدُ ملاك الأراضي الزراعية بمركز الفشن في محافظة بني سويف، فإن إشكاليات صرف الأسمدة المدعمة بدأت تتفاقم خلال السنوات الأربع أو الخمس الأخيرة، إذ يحكي أن الجمعيّات الزراعية باتت تُعلق صرف الأسمدة المدعمة على إجراءات مطولة بحجة التأكد من المحصول المزروع، حتى في الحالات التي يكون فيها صاحب الحيازة هو نفسه المزارع الفعلي، وتكون الذريعة المتكررة من قبل الجمعيات هي نفاد الكميات فور وصولها، وهو ما يدفع المزارعين إلى شراء الأسمدة من السوق الحرة بأسعار مرتفعة.

ويعزي ذلك إلى وجود حيازات وهمية تصرف كميات كبيرة من الأسمدة دون أن تكون هناك زراعة فعليّة، بينما يُحرم المزارع الحقيقي من حقه، مشيرًا إلى أن تشديد الرقابة على السوق السوداء كشف عن توافر الأسمدة لدى التجار في محافظات عدة، من بينها الفيوم وبني سويف وسمسطا والعدوة ومغاغا، وبأنواع وأصناف معروفة المصدر.

ويرى “عزوز” أن الخلل الحقيقي يقع على عاتق مسؤولي وزارة الزراعة ومديري الجمعيات التعاونيّة الزراعيّة وبعض الموظفين، الذين وصف إدارتهم للمنظومة بأنها تتسم بالفوضى والعبث، محذّرًا من أن استمرار حصول بعض الملاك على الحيازة واحتفاظهم بها دون زراعة، سيؤدي إلى عزوف المزارعين عن الزراعة، وتراجع الكتلة الزراعيّة.

من ناحيته يشرح حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين، أن صرف الأسمدة المدعمة يتم حصرًا لصاحب الحيازة الزراعية، باعتبار أن الحيازة هي الأساس المعتمد لدى الجمعيات الزراعية في التعامل وصرف مستلزمات الإنتاج، وليس بالضرورة أن يكون صاحب الحيازة هو المالك الفعلي للأرض أو القائم بزراعتها بنفسه.

ويوضح لـ”زاوية ثالثة” أن هناك توجهًا خلال الفترة الأخيرة لأن يتم استبدال هذه الأوضاع بإجراء حصر فعلي للأراضي حتى يحصل من يزرع الأرض بالفعل على الأسمدة، شريطة امتلاك المُزارع مستندًا قانونيًا يثبت علاقته بالأرض، مثل عقد إيجار أو عقد بيع حتى لو كان عقدًا ابتدائيًا، خاصة في حالات شراء الأراضي، إلا أن هذا التوجه لم يتم تفعيله بشكل كامل على أرض الواقع.

ويشير إلى أن سبب تعطل هذا التوجه يعود إلى أن صاحب الحيازة المسجل قد ينكر عملية البيع في حال عدم امتلاك المشتري عقدًا رسميًا، وهو ما يدفع الجهات الزراعية إلى الالتزام بالأوراق والمستندات فقط، مؤكدًا أن كارت الفلاح لا يصدر إلا لصاحب الحيازة المسجلة رسميًا.

يضيف: “من يشتري أرضًا ويحدث خلاف حول نقل الحيازة، وكان بحوزته عقد بيع، يمكنه اللجوء إلى الحلول العرفية أو القضاء، وفي النهاية يحصل على حقه حتى لو كان العقد ابتدائيًا وتم تسجيله لاحقًا، أما من يزرع الأرض دون أي سند قانوني أو دون عقد، سواء بوضع اليد أو غيره، فلا يحق له المطالبة بصرف الأسمدة، لأن الجهات الحكومية لا تتعامل إلا بالمستندات الرسمية”.

كذلك يتطرق إلى المشكلات المرتبطة بحالات انتقال الحيازة بعد وفاة المالك، موضحًا أنه في هذه الحالات يجب عمل إعلان وراثة لتحديد الورثة، وأن يكون الشراء قد تم منهم بشكل واضح، أو اللجوء إلى القضاء إذا تم الشراء من المتوفى قبل توزيع التركة، لافتًا إلى أن بعض الورثة قد يتهربون من نقل الحيازة، ليس فقط للاستفادة من الأسمدة، بل أحيانًا للطعن في البيع ذاته أو لابتزاز المشتري ماليًا، خاصة في حال تعدد الورثة.

ويعتبر “أبو صدام” أن هذه الحالات تظل محدودة وليست ظاهرة عامة، وغالبًا ما تنتج عن أخطاء في إجراءات الشراء، مثل: عدم نقل الحيازة في نفس توقيت إتمام البيع، أو عدم النص في العقود على التزام الورثة مستقبلًا، مؤكدًا أن العقد هو الأساس القانوني المنظم للعلاقة بين الأطراف.

ويبين نقيب الفلاحين أن الحيازة تختلف عن الملكية، فالحيازة لا تثبت الملكية بالضرورة، إذ قد تكون الأرض في حيازة شخص يقوم بتقنين وضعه ولم يسدد كامل مستحقات الدولة بعد، فيحصل على حيازة مؤقتة دون أن يصبح مالكًا للأرض، بينما الملكية تعني نقل جميع الحقوق المرتبطة بالأرض، بما في ذلك الحيازة والتكليف.

وبشأن الدعم المقدم عبر كارت الفلاح، يشير إلى أن الدعم الفعلي المتاح حاليًا يتمثل أساسًا في الأسمدة المدعمة، إلى جانب إمكانية الحصول على تقاوي معتمدة أو مبيدات في بعض الأحيان، وكذلك قروض ميسرة بضمان الحيازة، مؤكدًا أن الأسمدة تظل العنصر الأهم في منظومة الدعم؛ إذ أن الفارق السعري بين الأسمدة المدعمة والأسمدة في السوق الحر كبير، ويصل إلى نحو 15 ألف جنيه للطن الواحد، وهو ما يفسر حدة النزاعات المرتبطة بالحيازات وكارت الفلاح.

 

نوصي للقراءة: ارتفاع الأسمدة يهدد “مائدة المصريين”: هل يدفع الغلاء الأمن الغذائي إلى الهاوية؟ 

حرمان المستأجرين من الدعم

بحسب المهندس الزراعي محمد خضر تعود الإشكاليات المرتبطة بحيازات الأراضي الزراعية وكارت الفلاح بالأساس إلى سيطرة المالك المسجل على الحيازة، باعتبارها مرتبطة بالملكية في التطبيق العملي، وهو ما يمنحه التحكم في صرف الدعم، حتى في الحالات التي لا يكون فيها هو القائم الفعلي بزراعة الأرض.

 ويرى “خضر” أن المشتري الجديد للأرض الزراعية  يمكنه، بموجب عقد البيع، إلزام البائع بنقل الحيازة باسمه من خلال الجمعية أو الإدارة الزراعية، كما أن العرف السائد يقتضي احتفاظ المشتري بجزء من ثمن الأرض إلى حين استكمال إجراءات نقل الحيازة، في المقابل، يعتقد أن الأزمة الحقيقية تتركز في أوضاع المستأجرين، الذين يزرعون الأرض فعليًّا دون أن تكون لهم حيازةٌ مسجّلةٌ، ما يحرمهم من الاستفادة من الدعم.

ويشرح أن المستأجر يمكنه الحصول على حصته من الأسمدة المدعّمة إذا حرر له المالك عقدًا رسميًّا لدى الجمعية الزراعية، مشيرًا إلى أن التحكّم في هذا الأمر يظل بيد المالك الأصلي، إلى جانب قصور الدولة في توفير العدد الكافي من المشرفين.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “الأصل هو حصول المزارع الفعلي على الدعم، إلا أن هذا المبدأ يصطدم بضعف آليات الحصر الزراعي، نتيجة التراجع الحادّ في أعداد المشرفين الزراعيين، في السابق كان هناك مشرفٌ لكل 50 أو 60 فدانًا، أو حتى 100 فدان، بما يسمح بمعرفة من يزرع الأرض فعليًّا، بينما تقلّص هذا الدور حاليًّا إلى حد قد لا يتوافر فيه سوى مشرف أو اثنين في الجمعية الزراعية، أو لا يتوافر على الإطلاق”.

ويوضح أن هذا القصور ينعكس أيضًا على ما يُعرف بـ”تصنيف الحيازة”، إذ يتوجه صاحب الحيازة المسجل إلى الجمعية الزراعية لتحديد نوعية المحاصيل المزروعة، في حين قد تكون الأرض مؤجرة فعليًا، ويزرعها المستأجر بمحاصيل مختلفة، وهو ما يؤدّي إلى صرف الأسمدة المدعّمة للمالك وليس للمزارع الفعلي، بما يفتح الباب أمام إساءة استخدام الدعم.

وحول الامتيازات المرتبطة بكارت الفلاح، يؤكد خضر أن الدعم الحالي يقتصر بشكلٍ أساسي على الأسمدة المدعمة، مشيرًا إلى أن الفارق السعري كبير، إذ يتجاوز سعر شيكارة السماد في السوق الحر 1200 جنيه، وقد يصل إلى 1400 جنيه في أوقات النقص، بينما يحصل عليها صاحب الحيازة من الجمعية الزراعية بسعر يتراوح بين 300 و350 جنيهًا. 

“هذا الفارق السعري هو السبب الرئيسي في تسرب الأسمدة المدعّمة إلى السوق السوداء،  التلاعب يحدث نتيجة صرف الدعم لأشخاصٍ غير مستحقّين”. 

ويشدد على أن الاعتماد على الحصر الفعلي للمزارعين، وربط صرف الدعم بعقود إيجارٍ موثقة في الجمعيات الزراعية، من شأنه الحد من هذه الظاهرة، لكنه يتطلب زيادة أعداد المشرفين الزراعيين أو إشراك جهاتٍ أخرى في عملية الحصر.

وبشأن ما يُعرف بكارت الفلاح المؤقت، يشير إلى أنه يُمنح غالبًا في حالات الورثة المتّفقين فيما بينهم، أو للمستأجرين الذين يحرّر لهم المالك عقدًا مؤقتًا في الجمعية الزراعية، بما يتيح لهم الاستفادة من الدعم، هذا الإجراء ينقل المسؤولية القانونية إلى المستأجر في حال مخالفة نظم الزراعة. 

 

“حصاد مُرّ”: الطماطم تغرق السوق.. والفلاح يغرق في الخسائر

بحسب الدكتور طارق أبو موسى، أستاذ الاقتصاد الزراعي بمركز البحوث الزراعية، تعد مشكلة الحيازات الوهمية للأراضي الزراعية، من أبرز المشكلات التي تواجه القطاع الزراعي في مصر، لا سيما فيما يتعلق بصرف الأسمدة المدعمة من الدولة عبر الجمعيات الزراعية، مشيرًا إلى أن العديد من الأراضي تباع لأغراض البناء وليس للزراعة، وبالتالي لا يتم نقل الحيازة الزراعية للمشتري، وهو ما يساهم في تضخيم حجم الحيازات الوهمية، إذ تتجمع القراريط الصغيرة لتشكل مساحات بالأفدنة، وتظل مسجلة كأرض زراعية رغم كونها بور وغير صالحة للزراعة، محملًا الجمعية الزراعية المسؤولية لعدم تشكيلها لجان للمعاينة على الطبيعة.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: ” العلاقة بين المالك والمستأجر تمثل مشكلة أخرى، إذ يُفترض أن يكون المستأجر هو من يصرف الأسمدة المدعمة ويزرع الأرض فعليًا، بينما يقوم بعض الملاك بصرف الأسمدة وبيعها في السوق السوداء، مما يضع المستأجر في موقف صعب ويدفعه لشراء الأسمدة بأسعار مرتفعة من السوق الحرة”.

ويلفت إلى أن جزءًا كبيرًا من التلاعب يحدث بسبب نقص المهندسين الزراعيين والمرشدين في الجمعيات، وعدم وجود جهاز إرشادي فعال للقيام بحصر دقيق للمساحات المزروعة على الطبيعة، ما يتيح بعض الموظفين فرصة للتلاعب بتسجيل المحاصيل وإضافة أسمدة أكثر لأراض مزروعة بمحاصيل أقل تكلفة، مثل تسجيل البرسيم على أنه بنجر أو ذرة، للحصول على كميات أكبر من الأسمدة.

ويضيف أن هذه الممارسات تؤثر سلبًا على الإنتاجية الزراعية، كما تؤدي إلى استنزاف الموارد المالية للدولة المخصصة لدعم الزراعة، وتقلل من فعالية الدعم الحكومي، مشددًا على أنَّ الحل يكمن في تعزيز الرقابة على الجمعيات الزراعية، وضمان وجود مهندسين ومرشدين زراعيين للمعاينة المباشرة، وربط صرف الأسمدة بالمستأجر أو المزارع الفعلي، مع اتخاذ إجراءات صارمة ضد أي تلاعب أو فساد إداري، مع تطبيق نظام حصر دقيق ومسؤول لضمان العدالة الزراعية والحفاظ على الإنتاجية القومية.

وفي سياق متصل يرى الدكتور خالد فتحي سالم، أستاذ بيوتكنولوجيا المحاصيل بمعهد الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية بجامعة مدينة السادات، أن تفتت الحيازات الزراعية في مصر، يعد من أبرز التحديات التي تواجه القطاع الزراعي، لا سيما فيما يتعلق بتمكين المزارع الفعلي من الاستفادة من الدعم الحكومي المخصص للأسمدة عبر “كارت الفلاح”. 

 ويشرح لـ “زاوية ثالثة” أن تفتت الحيازات نتج عن نظام المواريث، حيث يتم تقسيم الفدان الواحد على الأبناء بشكل متتابع عبر الأجيال، ما يؤدي إلى حصول كل فرد على مساحة صغيرة قد لا تتجاوز قراريط معدودة، وهو ما يؤثر على قدرة المزارع على تنظيم الزراعة والري وفق الحاجة الفعلية.

وبخصوص “كارت الفلاح”، يوضح أن الهدف منه هو ضمان وصول الدعم الحكومي لمستحقيه الفعليين، سواء كانوا مالكين جدد للأراضي أو مستأجرين يزرعونها فعليًا، مشيرًا إلى أن الحيازة يجب أن تنتقل فور بيع الأرض من المالك القديم إلى المالك الجديد عبر الجمعية الزراعية، حيث تُعتبر الحيازة ركيزةً أساسيةً لتنظيم الزراعة وضبط توزيع مستلزمات الإنتاج المدعمة كالأسمدة.

ويضيف أن “بعض المزارعين يواجهون صعوبة في استلام الأسمدة المدعمة، إذ يحتفظ المالك القديم بالحيازة ويستفيد من الأسمدة وبيعها في السوق السوداء، بينما يضطر المستأجر أو المالك الجديد لشراء نفس الأسمدة بأسعار مرتفعة، مما يشكل عبئًا إضافيًا ويؤثر على خصوبة التربة والإنتاجية على المدى الطويل”.

ويعتقد أن “كارت الفلاح” يتيح متابعة المحاصيل المزروعة وتسجيلها، بما يوفر حصرًا دقيقًا للمساحات، ويساعد في الحد من التلاعب ومنح الدعم للأشخاص غير المستحقين، وأنَّ الدولة اعتمدت هذا النظام لمعالجة الثغرات السابقة وضمان وصول الدعم إلى من يزرع الأرض فعليًا.

ويرى سالم أن الحل الأمثل يكمن في توسيع دور الدولة في نقل الحيازة، وزيادة الرقابة على الجمعيات الزراعية، وربط صرف الأسمدة بعقود موثقة مع المستأجرين والملاك الجدد، وذلك لضمان الاستفادة الفعلية من الدعم، والحفاظ على خصوبة الأرض، وتحقيق إنتاجية مستدامة، خاصةً في ظل الفروقات الكبيرة بين أسعار الأسمدة المدعمة وسوق السوق الحرة.

وتكشف الوقائع والشهادات الواردة في هذا التحقيق عن خلل بنيويّ عميق في منظومة الحيازة الزراعية وصرف الأسمدة المدعمة في مصر، لا يقتصر على حالاتٍ فردية أو نزاعات عارضة، بل يمتد ليشكل نمطًا متكررًا من إهدار المال العام وحرمان المزارع الفعلي من حقه المشروع في الدعم. 

 

آية ياسر
صحافية وكاتبة وروائية مصرية حاصلة على بكالوريوس الإعلام- جامعة القاهرة.

Search