أنقذ صيادون قرشًا حوتيًا من شباكهم في البحر الأحمر وأعادوه إلى الماء، ذاع خبره على وسائل التواصل باسم “بهلول”، لكن ما لم يُنقذه أحد هو البحر نفسه.
ما جرى مع “بهلول” هو عَرَضٌ لأزمة تعيشها المياه المصرية في البحر الأحمر. ففي خليج فول، جنوبي مرسى علم، حيث تقع محمية طبيعية بكر تضم جزر الزبرجد ورأس بناس، تتواصل عمليات الصيد الجائر دون توقف.
والأخطر من ذلك أن هيئة الثروة السمكية ووزارة البيئة تواجهان اتهامات بمنح تراخيص للصيد التجاري داخل النطاق الحيوي لمحمية جبل علبة، ما فتح الباب أمام مراكب الجر والشانشولا القادمة من السويس للتوغل جنوبًا، وسط مخاوف من تجريف قاع البحر وتدمير الشعاب المرجانية، وما يترتب على ذلك من أضرار لسياحة الغوص والصيد الرياضي.
وفي الجونة، وعلى هامش بطولة البحر الأحمر الدولية لصيد الأسماك، إحدى أكبر بطولات الصيد في الشرق الأوسط، رصد نشطاء بيئيون مشهدًا لافتًا، مراكب محملة بأقفاص السخاوي، وهي سلال معدنية تعمل كفخاخ لاصطياد الحبار والأسماك، محظورة قانونًا، تتحرك بحرية أمام الموانئ ونقاط السروح. وهو ما فتح تساؤلات جدية حول غياب الرقابة، في الوقت الذي لا تتوقف فيه عمليات الصيد الجائر في خليج السويس والبحر الأحمر.
ورغم أن البحر الأحمر وخليج السويس لا يُنتجان سوى 8.8% من إجمالي المصايد الطبيعية في مصر البالغة نحو 400 ألف طن سنويًا، إلا أن ما يُدمَّر فيهما أكبر بكثير مما يُصاد. إذ تعمل في ميناءي الأتكة والسويس وحدهما نحو 160 مركبًا مركبًا تجمع بين نوعين من أكثر حرف الصيد تدميرًا: الجر، الذي يسحب شباكًا ضخمة مخروطية الشكل تجرف قاع البحر دون تمييز بين الأنواع أو الأحجام، والشانشولا التي تستخدم أضواء شديدة الإضاءة لجذب الأسماك السطحية واصطيادها ليلًا.
ووفق دراسة صادرة عن المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد عام 2022، يتسبب الصيد بالجر في خليج السويس في هالك يبلغ 56.1% (أي نسبة الكائنات البحرية التي تُصاد عرضًا وتُرمى ميتة)، بينما يرتفع في مصائد الروبيان بالبحر الأحمر إلى ما بين 50 و90%. ويُقدّر محمد قداح، رئيس الاتحاد المصري لصيد الأسماك، نسبة الهالك في مراكب الجر بنحو 70%، وفي الشانشولا بين 30 و50%.
يحدث كل ذلك رغم وجود قرارات حظر صريحة. ففي منتصف مايو 2024، صدر قرار محافظ البحر الأحمر رقم 266، ومعه قرار محافظ جنوب سيناء رقم 129، بفرض حظر كامل للصيد لمدة خمس سنوات في معظم مناطق البحر الأحمر جنوب جبل الزيت، شاملًا خليج فول والمناطق الممتدة جنوبًا وخليجي العقبة والسويس، مع السماح بالصيد فقط في نطاق خليج السويس شمالًا، باستثناء المناطق الواقعة داخل المحميات الطبيعية.
وبين مايو ومنتصف يوليو 2024، مُنع تداول أسماك البحر الأحمر وبيعها في الأسواق والمطاعم، وفُرض حظر على صيد الجمبري في المناطق المهددة خلال موسم التكاثر. وفي 2025، امتدت القيود لتشمل حظر الصيد بالجر خارج خليج السويس من منتصف أبريل حتى منتصف يوليو، فيما استمر حظر الشانشولا حتى سبتمبر.
غير أن ما أثار حفيظة قطاع الصيد الرياضي هو شمول الحظر لمراكبهم ومسابقاتهم ويخوت النزهة، في حين يرى ممثلو القطاع أن آليات التطبيق تفتقر إلى التوازن بين الحماية البيئية واستدامة الأنشطة السياحية المرتبطة بالبحر.
يُقرّ محمد قداح، رئيس الاتحاد المصري لصيد الأسماك، بأن قرار الحظر يُطبَّق فعلًا، وأن مراكب مخالفة تُوقَف وتُسحب تراخيصها. لكن الصيادين التجاريين طالبوا بتوسيع الحظر ليشمل الصيد الرياضي وصيد الهواة أيضًا، وهو ما حدث لفترة، قبل أن تُفتح أمامهم منطقة فول بديلًا. المشكلة أن الوصول إليها من ميناء الأتكة بالسويس يستغرق يومين إبحارًا متواصلًا، ما يجعل الرحلة مكلفة وغير مجدية، فتنتهي بعض المراكب إلى الاصطياد على امتداد الساحل مرورًا بالغردقة وسفاجا ومرسى علم.
وفي تشخيصه لجوهر الأزمة، لا يتردد قداح: مراكب الجر والشانشولا هما المشكلة. فمركب الجر تعمل كجرافة تكنس قاع البحر، وما بين 70 و80% مما تصطاده يُعاد إلى البحر نافقًا لأنه لا قيمة تجارية له، وهي بالضبط الكائنات التي تحفظ التوازن البيولوجي للبحر الأحمر. أما الشانشولا فتصطاد الأسماك السطحية وتلتقط معها الزريعة، وتعمل أحيانًا داخل نطاق المحميات الطبيعية.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “هذه الممارسات تقتل الزريعة وتمنع البحر من التعافي، واستمرارها سيقضي على الأسماك والشعاب المرجانية التي تقوم عليها سياحة الغوص”، مضيفًا أن خليج الفولي، القريب من محمية جبل علبة، يتعرض لصيد مكثف يتعارض مع توجهات الدولة لإقامة مشروعات استثمارية في منطقة رأس بناس.
وتكتمل الصورة بأرقام لافتة: 160 مركبًا تنطلق من ميناء الأتكة وحده، تُباع تراخيصها بين 10 و15 مليون جنيه، وبعض الملاك يبيعون الترخيص منفصلًا عن المركب. ويذهب قداح إلى أبعد من ذلك، إذ يربط بين الصيد الجائر وظاهرة اقتراب القروش من الشواطئ، مرجعًا ذلك إلى استنزاف الأسماك التي تتغذى عليها، داعيًا إلى تركيب أنظمة تتبع على مراكب الصيد التجاري لمراقبة تحركاتها ومنع الانتهاكات.
نوصي للقراءة: «رأس حنكوراب».. صراع بين المال والبيئة في محمية وادي الجمال

الضغط على النظام البيئي
لا تختلف الدكتورة سحر مهنا، أستاذة ديناميكا التجمعات السمكية بالمعهد القومي لعلوم البحار والمصايد، في تشخيص الأزمة، لكنها تضيف إليها بُعدًا اجتماعيًا يجعل الحل أكثر تعقيدًا. فالصيد بالجر، رغم كونه من أكثر حرف الصيد تدميرًا للبيئة البحرية عالميًا، وقد حظرته دول عديدة أو استبدلته بحرف أقل ضررًا، يظل في مصر مصدر رزق لآلاف الصيادين الذين لا يعرفون سواه منذ عقود. ولهذا فهي لا تدعو إلى إلغائه كليًا، بل إلى تقنينه بصرامة وإدخال تحسينات فنية تقلل من أثره، مع خفض عدد المراكب وتحديد مناطق الصيد المسموح بها.
والأرقام تعكس هشاشة المشهد الاجتماعي: متوسط دخل الصياد الحرفي لا يتجاوز 54% من متوسط دخل سكان الريف المصري. ورغم أن الصيد الحرفي يمثل بين 70 و80% من إجمالي النشاط، فإن الصيد الصناعي والتجاري، الذي لا يتجاوز 20 إلى 30% من حجم المصيد، يستأثر بأكثر من نصف الإيرادات.
وتوضح مهنا أن الجر محظور أصلًا في مناطق الشعاب المرجانية، إذ إن طبيعة القاع الصخري تمزق الشباك بالضرورة، وأن المناطق المسموح بالجر فيها تقتصر على خليج السويس وخليج فول جنوبًا حيث القاع الرملي أو الطيني. لكنها تحذر من خطر أشد: حرف صيد أخرى تمارَس داخل نطاق الشعاب، كالشباك الثلاثية والخيشومية المستخدمة في صيد طعم السنار، وهي محظورة قانونًا لكنها تمارَس بعيدًا عن أعين الرقابة.
تقول لـ”زاوية ثالثة”: “كثرة المخالفات مقابل محدودية الضبطيات شجّعت بعض الصيادين على التمادي، وحتى الصيد الرياضي وصيد الهواة تحوّلا في بعض الحالات إلى نشاط تجاري غير منظم نتيجة غياب الرقابة”.
وإلى جانب ذلك، تلفت إلى خطر الشباك الشبحية، تلك الأدوات المفقودة في أعماق البحر التي تتحول إلى فخاخ صامتة تودي بحياة السلاحف والدلافين خنقًا أو إعاقةً للحركة. وتبرز مشكلة الصيد العرضي المصاحب لصيد الجمبري بالجر، إذ تُصاد أنواع غير مستهدفة من أسماك صغيرة وزريعة وكائنات ذات أهمية بيئية لا تُستهلك غذائيًا، وهي مشكلة تفاقمت حين تحوّل هذا الصيد إلى سلعة تباع لمزارع الأسماك أو تدخل في تصنيع مسحوق السمك، فأصبح له سوق يُغري باستمراره.
وتحظر القوانين المصرية صيد أو إيذاء أنواع بحرية محمية، من بينها القرش الحوتي، السلاحف البحرية، وبعض أنواع القروش والدلافين، استنادًا إلى قانون البيئة رقم 4 لسنة 1994 (المعدل بالقانون 9/2009) وقانون المحميات الطبيعية رقم 102 لسنة 1983، كما يُمنع استخدام معدات صيد غير قانونية مثل السخاوى (الأقفاص أو الشباك المخالفة)، والشباك ذات الفتحات الصغيرة، والصيد بالديناميت أو الكهرباء، إضافة إلى حظر صيد الزريعة والأسماك غير الناضجة.
وتنص المادة 31 من القانون رقم 146 لسنة 2021 بإصدار قانون حماية وتنمية البحيرات والثروة السمكية على حظر صيد أو جمع أو نقل أو حيازة زريعة الأسماك والسلاحف والقواقع البحرية وغيرها من الكائنات المائية من البحيرات أو من شواطئها أو من أي مسطحات مائية أخرى إلا بترخيص من جهاز حماية وتنمية البحيرات والثروة السمكية.
وتشدد “مهنا” على أن أدوات الصيد الصناعية الثقيلة، مثل الجر والشانشولا، تمثل خطرًا على الشعاب المرجانية إذا مورست في غير المناطق المحددة لها، رغم ذلك ترى أن المشكلة لا تكمن في نوع الحرفة بحد ذاته، بل في عدم الالتزام بالمواصفات الفنية والقانونية، خاصة ما يتعلق باتساع فتحات الشباك، مشيرة إلى أن استخدام شباك ضيقة الفتحات يؤدي إلى صيد أحجام صغيرة وغير ناضجة جنسيًا، ويفاقم ظاهرة الصيد الجائر.
من ناحية أخرى تشير، إلى أهمية دراسة “الحمل السياحي” للمناطق البيئية المهددة، لوضع حد أقصى للأنشطة السياحية اليومية التي يمكن للمنطقة استيعابها دون الإضرار بمواردها، لافتة إلى أن تجاوز هذا الحد يؤدي إلى تدهور الشعاب، سواء عبر الرسو العشوائي للمراكب أو الممارسات غير المنضبطة لبعض الزوار، موضحة أن بيئة الشعاب في البحر الأحمر تُعد من أغنى البيئات السمكية عالميًا، وتضم أكثر من ألف نوع، وأن تدميرها لا يهدد التنوع البيولوجي فحسب، بل ينعكس أيضًا على قطاع السياحة.
وتعتقد أستاذة ديناميكا الأسماك أن الإدارة الرشيدة للمصايد تقوم على التنظيم لا المنع المطلق، وعلى الاستناد إلى أسس علمية توازن بين حماية البيئة وضمان سبل عيش الصيادين، بشكلٍ تتكامل معه الأدوار بين البحث العلمي والجهات التنفيذية والمستخدمين للموارد البحرية، بما يحافظ عليها للأجيال المقبلة.
ويتفق معها الدكتور علاء الحويط، العميد السابق لكلية تكنولوجيا المصايد والاستزراع المائي بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، حول التأثير البيئي لمراكب صيد الجر وكونها ليست المسؤولة وحدها عن تدهور البيئة البحرية في البحر الأحمر، والذي يرجعه في الأساس إلى الضغط على النظام البيئي نتيجة التوسع العمراني الكثيف في القرى السياحية، وأعمال الردم والإنشاءات الساحلية، وتصريف بعض المخلفات في البحر، إضافة إلى الزيادة الكبيرة في أعداد يخوت النزهة ورحلات الغوص، معتبرًا أن هذه العوامل مجتمعة كان لها أثر بالغ في تدهور الشعاب المرجانية.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: إن “أعداد المراكب، سواء التجارية أو الترفيهية، وتضاعف أعداد الرحلات البحرية واليخوت مقارنة بما كان مخططًا له في تسعينات القرن الماضي، يتجاوز القدرة الاستيعابية البيئية للمنطقة، ما يعكس وجود صيد زائد وسياحة غير منظمة في آن واحد، تتسبب في التدهور البيئي”.
ويضيف: “ملف تدهور البيئة البحرية يجب تناوله من منظور شامل يضم الصيد التجاري، والصيد الترفيهي، والتوسع السياحي، والأنشطة العمرانية، لا أن يقتصر على فئة بعينها”، كما يعتقد أن تضارب الاختصاصات بين الجهات المعنية بقطاع الصيد يمثل عقبة رئيسة، إذ تتداخل قرارات وزارات ومحافظات عدة، ما يخلق حالة من عدم الاتساق التنظيمي، في حين يجب تمكين جهة واحدة تتولى إدارة ملف المصايد بصورة كاملة، وتوحيد المرجعية التشريعية والتنفيذية، مع إلزام الجهات الأمنية بتطبيق القوانين الصادرة عنها.
مياه عكرة وأرزاق تتراجع: كيف تُستنزف الثروة السمكية في بحيرة المنزلة؟
يُعدّ الصيد التجاري (القانوني) في البحر الأحمر المصري أحد مكونات قطاع الثروة السمكية، إذ يسهم في دعم الإنتاج الطبيعي للأسماك وتوفير فرص العمل والدخل، غير أن تحديات الصيد الجائر والضغوط البيئية، تمثل عامل ضغط، ويتراوح متوسط الإنتاج السنوي من البحر الأحمر بين 43.6 و51.5 ألف طن خلال الفترة من 2012 إلى 2021، بمتوسط يقارب 48 ألف طن سنويًا، بما يمثل نحو 11.5% من إجمالي المصيد الطبيعي في مصر، ويأتي ذلك في سياق إنتاج كلي للأسماك يقترب من مليوني طن سنويًا، يعتمد معظمه على الاستزراع السمكي.
ويُعد خليج السويس المنطقة الأكثر إسهامًا في الإنتاج، خاصة عبر الصيد الصناعي باستخدام الجر والشبكات الطوقية، فيما يمثل البحر الأحمر الجنوبي، خصوصًا برنيس وشلاتين، نطاقًا رئيسيًا للصيد الحرفي منخفض الدخل، أما خليج العقبة، فتقتصر أنشطته على الصيد الحرفي ذا الدخل المنخفض بنسبة 100%.
وتشمل الأنواع الرئيسية للأسماك والكائنات البحرية التي يتم اصطيادها، عائلات الإمبراطور، والوقار أو القراميط ، والكارنج والماكريل، والسردين واللوتجان أو الدنيس البحري، إضافة إلى الجمبري والحبار، خاصة ضمن أنشطة الصيد بالجر التي تمثل نحو 45% من إيراداته، ورغم تنوع المصيد إلى أكثر من 55 نوعًا تجاريًا، تشير التقديرات إلى أن نحو 90.9% من هذه الأنواع تتعرض لضغط صيد مفرط، وتتركز أنشطة التفريغ والتداول في موانئ رئيسية، أبرزها ميناء عتاقة بالسويس، إلى جانب موانئ الغردقة، الطور، برنيس، شلاتين، ونويبع.
ويُعد الصيد الجائر أحد أبرز التهديدات التي تواجه المخزون البيولوجي للثروة السمكية، خاصة الزريعة التي تمثل مخزونًا استراتيجيًا لإنتاج الأسماك مستقبلًا، موضحًا أن بعض حرف الصيد، وعلى رأسها صيد الجر، تسهم في تدمير هذا المخزون عبر كنس قاع البحر وجرف الكائنات البحرية بمختلف أنواعها، سواء القابلة للتسويق أو غير القابلة له، بحسب الدكتور أشرف شبل، رئيس قسم الاقتصاد بكلية الثروة السمكية بجامعة السويس، يكشف أن إنتاج كيلوغرام واحد من الأسماك القابلة للبيع قد يتسبب في تدمير نحو عشرة كيلوغرامات من الأصناف البحرية، لا سيما الأنواع عالية القيمة التي تعتمد عليها الصادرات السمكية.
ويوضح لـ”زاوية ثالثة” أن استخدام وحدات صيد تفوق القدرة الاستيعابية للمصايد الطبيعية، سواء من حيث عدد المراكب أو قوتها الميكانيكية أو أدوات الصيد المستخدمة، تعد واحدة من صور الصيد الجائر، مشددًا على أن لكل مصيد قدرة إنتاجية محددة ترتبط بعمق المياه وطبيعة النظام البيئي فيه، وأن تجاوز هذه الحدود يؤدي إلى تدمير المخزون البيولوجي وإضعاف البيئة البحرية.
يقول: “تأثير الصيد الجائر لا يقتصر على تراجع الإنتاج السمكي على المدى الطويل فقط، بل يمتد إلى تدمير الموائل البحرية، مثل الشعاب المرجانية وأشجار المانجروف، التي تمثل بيئات حيوية لتكاثر الأسماك ونموها، وهذه الموائل تُعد أحد أشكال رأس المال الاجتماعي الذي يجب الحفاظ عليه، لما له من دور بيئي واقتصادي وسياحي”.
ويؤكد أن تدمير الشعاب المرجانية لا ينعكس على التنوع البيولوجي في البيئة البحرية، فحسب، بل يمتد إلى قطاع السياحة البحرية وسياحة الغوص، التي تعتمد على جمال هذه النظم البيئية، محذّرًا من أن استمرار الصيد الجائر يهدد بفقدان مصدر مهم للدخل القومي، ويؤثر سلبًا على القدرة التنافسية للمقاصد السياحية المصرية في البحر الأحمر مقارنة بالدول الأخرى المطلة عليه.
ويضيف: “الصيد الجائر يُعد أحد العوامل التي تؤثر سلبًا على الاقتصاد الأزرق، والذي لا يقتصر على إنتاج الأسماك فقط، بل يشمل العديد من الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالموارد البحرية، وتعزيز الاستفادة الاقتصادية والبيولوجية من المساحات المائية التي تمتلكها مصر، المٌقدّرة بنحو 13 مليون فدان، بما يحافظ على المخزون البيولوجي للمصايد”.
وبحسب دراسة علمية لجامعة بلفاست، استندت إلى مسح ميداني شامل لصيادين حرفيين في ساحل البحر الأحمر المصري، أفاد 83% من صيادي البحر الأحمر بأن معدّل صيدهم انخفض خلال السنوات العشر الماضية، ويرى 61% من الصيادين الحرفيين أن الصيد الجائر يمثل السبب الرئيسي لتراجع المخزون السمكي، بينما 16% فقط ذكروا أن الإغلاق الموسمي هو التهديد الأبرز، فيما يعتقد 80% من الصيادين أن الحظر لا يحمي المخزون السمكي و 58% يرون أن توقيته لا يتزامن مع مواسم تكاثر الأنواع المهمة.
في هذا السياق يؤكد “شبل” أن الصيد الجائر، إلى جانب التلوث الناتج عن الصرف الصناعي والزراعي والصحي، والتغيرات المناخية، عوامل تؤدي إلى تدهور جودة البيئة البحرية، وارتفاع درجات حرارة المياه، ما يسهم في ظاهرة ابيضاض الشعاب المرجانية، التي تعني موتها وفقدان وظائفها البيئية، وتهدد بتغيير التركيب الصنفي للأسماك في المصايد الطبيعية، حيث تميل الأنواع عالية القيمة إلى الهجرة، ما يضعف القدرة التنافسية للأسماك المصرية في الأسواق الخارجية.
ويشدد على أهمية الالتزام بفترات منع الصيد، التي تُخصص لحماية مواسم تكاثر الأسماك وإنتاج الزريعة، محذرًا من أن تجاهل هذه الفترات يؤدي إلى تدهور المخزون السمكي، ولتحقيق ذلك يرى ضرورة توفير بدائل اقتصادية وبرامج دعم للصيادين خلال فترات التوقف، حتى لا يضطروا إلى ممارسة الصيد الجائر، على أن تشارك الجمعيات التعاونية في توعية الصيادين والحفاظ على مصادر دخلهم.
وبجانب تفعيل الرقابة الصارمة لضمان الالتزام بالقوانين المنظمة للصيد وحماية الموارد البحرية، فإن شبل يدعو إلى وضع سياسات تضمن التوازن بين حماية الموارد البحرية والحفاظ على دخل الصيادين، من خلال تحديد أعداد المراكب المسموح بها في كل مصيد، وتنظيم قدراتها التشغيلية، وتطبيق القوانين المنظمة لفترات الصيد، بما يسهم في تحقيق الاستدامة البيئية والاقتصادية للثروة السمكية في مصر.
فيما يشير المهندس حسام محرم، المستشار الأسبق لوزير البيئة، إلى أن البيئات البحرية التي تضم شعابًا مرجانية تُعد من أهم وأندر النظم البيئية في العالم، لما تحتويه من تنوع حيوي هائل يشمل مئات الأنواع من الأسماك والكائنات البحرية، لكنها تواجه تهديدات متزايدة بسبب ممارسات الصيد الجائر واستخدام وسائل صيد مدمرة أو ضارة كالشباك الضيقة التي تصطاد الأسماك الصغيرة قبل أن تتكاثر، أو الصيد باستخدام السموم أو المتفجرات، تهدد استدامة الثروة السمكية والشعاب المرجانية.
يقول لـ “زاوية ثالثة”: “خطورة هذه الممارسات لا تقتصر على تراجع أعداد الأسماك، بل تمتد لتشمل كائنات بحرية مهددة بالانقراض، وإحداث خلل في التوازن الطبيعي للسلاسل الغذائية داخل البحار، وهو ما قد يؤدي إلى تدهور طويل الأمد يصعب تعويضه”.
ويشدد محرم على أن الاستمرار في الصيد غير المنظم يمثل خسارة اقتصادية حقيقية، حيث يهدد مصادر رزق الصيادين، ويؤثر بالسلب على قطاع السياحة البيئية المرتبط بسلامة الشعاب المرجانية وجمال الحياة البحرية، داعيًا إلى تكثيف الرقابة على أنشطة الصيد، وتفعيل فترات منع الصيد خلال مواسم التكاثر، والحفاظ على التنوع البيولوجي في المحميات البحرية، مع الاستعانة بالتقنيات الحديثة لمتابعة السفن المخالفة.
ختامًا يمكن القول إن أزمة خليج فول مجرد خلاف بين صيادين وجهات تنظيمية، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على إدارة مواردها البحرية وفق منطق “الاقتصاد الأزرق” الذي يوازن بين الحماية والتنمية. كذلك يهدد استمرار الضغوط الناجمة عن الصيد التجاري والأنشطة البشرية الأخرى في البحر الأحمر، التوازن البيئي، بما ينعكس على الاقتصاد السمكي والسياحي على حد سواء، وفي المقابل يمكن أن تحقق استدامة الصيد التجاري في البحر الأحمر بتعزيز الرقابة على تطبيق القوانين، وتحديث نظم الرصد والإحصاء، وتدريب الصيادين على ممارسات مستدامة، تراعي العدالة الإجتماعية.