عقب ساعات فقط من وصوله لمنزله بعد إخلاء سبيله بعد قرابة ١١ عامًا من السجن على ذمة قضايا مختلفة، ألقت قوات أمنية القبض مجددًا على سيد مشاغب أحد مؤسسي رابطة مشجعي النادي الزمالك (الوايت نايتس).
وقالت وزارة الداخلية إنها كشفت ملابسات مقاطع فيديو متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، أظهرت تجمع عدد من الأشخاص بمنطقة بولاق الدكرور في محافظة الجيزة، وقيامهم بإشعال ألعاب نارية، تزامنًا مع الاحتفال بالإفراج عن أحد المنتمين إلى رابطة مشجعين رياضية، سبق اتهامه في قضايا تتعلق بأعمال شغب.
وأضافت، نقلًا عن مصدر أمني، أنه في 16 من الشهر الجاري تلقت الأجهزة الأمنية بمديرية أمن الجيزة بلاغات من الأهالي بشأن تجمع عدد من الأشخاص بأحد الشوارع، وما صاحبه من تعطيل للحركة المرورية وترديد هتافات مرتبطة بالرابطة، وهو ما اعتبرته الوزارة مسببًا لحالة من الترويع.
وأوضحت أنه تم ضبط ستة من المشاركين في التجمع، من بينهم الشخص المفرج عنه، مشيرة إلى أن لهم معلومات جنائية، وأنه تم اتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم. كما أكدت الوزارة استمرارها في التعامل مع ما وصفته بالأفعال المخالفة للقانون، وفق الإجراءات القانونية المتبعة.
وأكد ٣ من أصدقاء “مشاغب” تحدثوا إلى “زاوية ثالثة” من أمام مقر احتجازه، أن قوات أمنية ألقت القبض عليه عقب نحو ٦ ساعات من إخلاء سبيله، فيما نفي المحامي إسماعيل الرشيدي الواقعة وقال إنه بخير وفي منزله، مطالبًا بعدم تداول الخبر، وبسؤاله عن الأخبار المتداولة التي تؤكد خبر القبض عليه، رد:” من ينشر على مسؤوليته الخاصة، سيد بخير.”
وأوضح أصدقاءه أنهم تلقوا تطمينات من المحاميين تفيد باحتجاز مشاغب بسبب الاحتفالات التي نظمها محبيه أمام منزله، في استقباله، ما أثار انزعاج السلطات الأمنية، التي سارعت بالقبض عليه، فيما طمئن محاميه أهله وأصدقاءه أنه سيتم إخلاء سبيله خلال ساعات، بعد انتهاء تحقيقات معه بشأن التجمهر غير القانوني وقطع الطريق.
ويخشى أصدقاءه وذويه أن يتسبب الحديث عنه في تعنت السلطات الأمنية وعدم الوفاء بوعدها بالإفراج عنه مساء اليوم أو صباح الغد، يقول أحدهم: “قضى ١١ عامًا بالسجن، وخرج بمعجزة، نخشى أن يعيدوه ويلفقوا له الاتهامات مجددًا، وهو لم يفعل شيء ولم يفرح أصلًا بخروجه، لم يقضى أكثر من ٣ ساعات بمنزله، وعاودوا القبض عليه دون سبب واضح”.
وينتقد حقوقيون ما يصفونه بـ”الإشارات السلبية” و “سوء التصرف”، من جانب السلطات الأمنية، التي توجهت للقبض على “مشاغب” عقب ساعات من الإفراج عنه دون أي اتهامات رسمية واضحة.
ومن جانبه يدعو المحامي الحقوقي نجاد البرعي الجهات المختصة والنيابة العامة إلى التحقيق في الواقعة وتوضيح أسباب ما حدث، داعيًا إلى الإفراج الفوري عن “مشاغب”، ويطالب المجلس القومي لحقوق الإنسان بممارسة مهامه في هذا الصدد.
ويقول البرعي لـ “زاوية ثالثة”: “نأمل أن تكون الواقعة مجرد خطأ غير مقصود”، مناشدًا السلطات المعنية بضرورة التوسع في قرارات الإفراج عن المزيد من المحبوسين لضمان عودتهم إلى ذويهم وتحقيق الانفراجة المنشودة وليس العكس.
ويناشد المحامي الحقوقي الأجهزة الأمنية والنائب العام بضرورة فتح تحقيقات جادة في بعض الوقائع الإجرائية، مطالبًا وزارة الداخلية بتبني نهج أكثر مرونة و”رحابة صدر” في التعامل مع المواطنين، وتجنب ممارسات التضييق التي تزيد من حالة الاحتقان.
وينتقد البرعي ما وصفه بـ “الإشارات السلبية” التي ترسلها بعض الممارسات الأمنية، لاسيما واقعة إخلاء سبيل الأشخاص ثم إعادة احتجازهم بعد ساعات قليلة، مؤكدًا أن مثل هذه المواقف تترك أثرًا سيئًا وكان من الممكن تلافيها بإجراءات إدارية بسيطة أو تقديم النصح دون اللجوء للاحتجاز، تفاديًا لتصدير صورة أكثر سلبية عن المسار الحقوقي.
ويدعو “البرعي” كافة الأطراف، بما في ذلك المفرج عنهم وأسرهم، إلى التحلي بالتعقل ووضع الظروف الراهنة في الحسبان، مجددًا تطلعه إلى أن تشهد الفترة المقبلة موجات إفراج واسعة وشاملة، بدلًا من التوسع في إجراءات القبض والسجن.
ومطلع أبريل الجاري، قررت النيابة إخلاء سبيل سيد علي فهيم الشهير بـ”مشاغب”، إلى جانب عدد من سجناء الرأي أبرزهم شريف الروبي ونرمين حسين، وسط ترحيب سياسي وحقوقي.
إشارات متضاربة.. بين العفو عن علاء عبد الفتاح وحبس إسماعيل الإسكندراني

رسائل أمنية وسياسية
من جانبه يؤكد المحامي الحقوقي حليم حنيش أن واقعة إعادة إلقاء القبض على “مشاغب”، بعد ساعات من إخلاء سبيله تحمل رسائل سياسية وأمنية، فضلًا عن أنها تفتقر إلى أي سند قانوني سليم، وتأتي في سياق سياسي يستهدف معاقبة النشاط العام وإرسال رسائل ترهيبية للمواطنين.
ويوضح “حنيش”، لـ “زاوية ثالثة”، أن الاتهامات التي قد تُوجه لمشاغب بـ “التجمهر” هي اتهامات باطلة من الناحية الموضوعية؛ إذ إن الرجل كان في طريقه إلى منزله وفوجئ بوجود مواطنين في انتظاره، معقبًا: “حتى لو افترضنا وجود إشكالية قانونية في التجمع، فهي لا تقع تحت طائلة مسؤولية مشاغب قانونًا، لكن القضية في جوهرها ليست قانونية بل هي سياسية بحتة”.
ويربط “حنيش” بين ما يتعرض له مشاغب وبين محاولات التضييق المستمرة على رموز أخرى مثل أحمد دومة، معتبرًا أن وزارة الداخلية تصر على الاستمرار في نهج “تكميم الأفواه” وفرض حالة من الحصار النفسي على المجتمع. ويقول: “الرسالة واضحة؛ السلطة لا تريد لأحد أن يشعر بالفرح أو يحدوه الأمل في حدوث أي تغيير إيجابي، وهي سياسة تهدف إلى وأد أي بادرة احتفال بالحرية”.
ويضرب “حنيش” مثالًا بحالة الناشط أحمد دومة، مشيرًا إلى أنه رغم ابتعاده عن الصدام المباشر أو الكتابة الناقدة بحدة منذ خروجه، إلا أن ملاحقة الآخرين مستمرة. كذلك لم يُحتجز بسبب مواقفه السياسية العامة أو القومية، بل بسبب حديثه عن الانتهاكات داخل السجون، مؤكداً أن “إعادة حبس سيد مشاغب اليوم ليس لها سبب سوى احتفاء الناس بخروجه، وهي رسالة واضحة بأنه لا يُسمح لأحد بفتح فمه أو حتى التعبير عن سعادته”.
وفي السابع من أبريل الجاري، وعقب ساعات من إخلاء سبيل عدد من سجناء الرأي في مصر، أبرزهم نرمين حسين وسيد مشاغب وشريف الروبي، وسط ترحيب حقوقي وسياسي، قررت نيابة أمن الدولة، سجن الناشط السياسي والشاعر أحمد دومة 4 أيام، على ذمة القضية 2449 لسنة 2026، وهي السابعة منذ صدور عفو رئاسي عنه في أغسطس 2023.
ووجهت النيابة إلى “دومة” اتهامات بنشر أخبار وبيانات كاذبة داخل البلاد وخارجها، من شأنها تكدير السلم العام وإثارة البلبلة، وذلك على خلفية منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي ومقال نشره على موقع “العربي الجديد” بعنوان: “سجن داخل الدولة ودولة داخل السجن”، بحسب ما ذكره المحامي خالد علي.

السلطة لا تريد أحد سعيد!
وفي قراءته للمشهد العام، يصف “حنيش” هذه الممارسات بأنها “غير مفهومة” وتتناقض مع السياق الراهن، متسائلًا عن جدوى وجود فواعل سياسية أو أحزاب وحركة مدنية في ظل غياب أدنى ضمانات حرية التعبير، ويضيف: “كيف يمكن ضمان انضمام المواطنين للأحزاب أو ممارسة العمل السياسي في بيئة يُقبض فيها على الأشخاص لمجرد كتابة (بوست) أو حتى بسبب شعور أهاليهم بالفرح؟”.
ويؤكد المحامي الحقوقي على عبثية إعادة التنكيل بشخص قضى نحو 12 عامًا من عمره خلف الأسوار، مشددًا على أن استمرار هذا النهج الأمني يقوض أي فرص لفتح المجال العام أو تحقيق استقرار حقوقي حقيقي.
ويُعد مشاغب، من أكثر الشخصيات ارتباطًا بتاريخ روابط الألتراس في مصر، إذ برز خلال السنوات التي أعقبت ثورة يناير 2011 بوصفه قائدًا لرابطة “وايت نايتس”، التي لم يقتصر حضورها على المدرجات، لكن بردت في النظاهرات والاحتجاجات السياسية والاجتماعية في تلك الفترة.
ارتبط اسم مشاغب بعدد من القضايا التي طالت روابط المشجعين في مصر، خصوصًا عقب تصاعد التوتر بين السلطات ومجموعات الألتراس. وواجه اتهامات شملت الانضمام إلى جماعة محظورة، ونشر أخبار كاذبة، إلى جانب اتهامات سابقة مرتبطة بأحداث شغب وعنف رياضي.
أبرز القضايا التي لاحقته ما عُرف إعلاميًا بقضية “الدفاع الجوي”، المرتبطة بأحداث فبراير 2015، حين قُتل عدد من مشجعي الزمالك أمام استاد الدفاع الجوي أثناء توجههم لحضور مباراة لكرة القدم، في واحدة من أكثر الوقائع دموية في تاريخ الملاعب المصرية.
وظل مشاغب رهن الحبس منذ توقيفه في مارس 2017، بينما تحدث محاموه خلال السنوات الماضية عن أخطاء في احتساب مدة العقوبة، مطالبين بالإفراج عنه بعد استيفائه المدة القانونية.
وكانت مجموعة “أولتراس وايت نايتس” رحبت بخروج سيد مشاغب، الكابو التاريخي لجماهير نادي الزمالك، من سجن العاشر في السابع من أبريل تزامنًا مع بدء إجراءات إخلاء سبيله، معتبرة أن القرار يمثل “لحظة تاريخية” لجمهور النادي.
وتوجهت المجموعة بالشكر إلى المسؤولين على ما وصفته بالاستجابة لمناشدات جماهير الزمالك في ملف الجماهير، كما أعربت عن تقديرها لكل من ساهم في إتمام الإفراج عنه، واعتبرت ذلك مؤشرًا على “فتح صفحة جديدة” في التعامل مع ملف مشجعي كرة القدم في مصر.
ودعت الرابطة في بيانها إلى النظر في أوضاع باقي المحبوسين من جماهير الكرة بمختلف انتماءاتهم، مشيرة إلى جمهور النادي الأهلي على وجه الخصوص، قبل أن تختتم بالتأكيد على أن سيد مشاغب يظل “الكابو التاريخي” وأحد أبرز رموزها في المدرجات.