أثارت حادثة تعرض شقيقتين قاصرتين في محافظة المنوفية، للاغتصاب المتكرر من قبل عمهما، والذي تسبب في حملهما، نقاشًا واسعًا حول أحقية ضحايا الاعتداء الجنسي، في الإجهاض، الذي يُجرّمه القانون حتى في حالات الاغتصاب، ويُلزمهن بحملٍ فُرض عليهن قسرًا، مما يتركهن فريسة للوصم الاجتماعي، وإنجاب أطفالًا يحرمون من حقهم الطبيعي في إثبات النسب والهوية القانونية والميراث.
وبحسب تصريحات إعلامية لمحامي الضحيتين، إسلام البنبي، فإن الأطفال، فور ولادتهم، لن يُسمح لهم بالعيش مع أمهاتهم أو أسرهم، بل سيتم إيداعهم في دور رعاية تابعة لوزارة التضامن الاجتماعي، مع منحهم بيانات وأسماء جديدة لحمايتهم قانونيًا واجتماعيًا.
وبالتزامن أطلقت ناشطات نسويات ومؤسسات مجتمع مدني مدافعة عن حقوق المرأة، وسمًا بعنوان: إجهاض_آمن_للفتيات_في_جرائم_الاغتصاب ، فيما اعتبرت مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون أن إجبار طفلة على الاستمرار في حمل ناتج عن الاغتصاب يعد انتهاكًا مضاعفًا لحقوقها، داعيًة إلى ضمان الوصول إلى خدمات الإجهاض الآمن باعتباره حقًا مرتبطًا بالحياة والصحة والكرامة.
وخلال الأعوام الماضية ركّزت مصر على تشديد العقوبات على مرتكبي جرائم الاغتصاب؛ والتي يُعرّفها القانون المصري بالوطء المؤثم قانونًا وقد حصل بغير رضا الأنثى المجني عليها، ويُعاقب مرتكبه بالسجن المؤبد أو الإعدام إذا توافرت ظروف التشديد، مثل أن يكون الفاعل من الأصول أو من لهم سلطة على المجني عليها”، غير أن القانون لم يتطرق إلى حقوق الناجيات أو توفير إطار صحي ونفسي للتعامل معهن، ما يعكس فجوة بين الخطاب الرسمي والممارسة التشريعية.
وعلى الرغم من تصديق مصر على غالبية الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، ومن بينها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (السيداو) والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والتي كانت قد أوصت بضرورة تعديل القوانين المجرّمة للإجهاض، وضمان إتاحة خدمات الرعاية الصحية الشاملة، بما في ذلك الإجهاض الآمن في حالات الاغتصاب، فإن البلاد ما تزال تفتقر إلى تشريع يضمن حماية النساء والفتيات القاصرات فيما يتعلق بالحقوق الإنجابية، خصوصًا في حالات الحمل الناتج عن الاعتداء الجنسي.
وبينما تُعلن الدولة التزامها بالاتفاقيات الدولية، وتُشدد العقوبات على المعتدين، تبقى حقوق الضحايا مُعلّقة بين الخطاب الرسمي والواقع الفعلي؛ فغياب تشريع واضح يتيح لهن حق الإجهاض الآمن، يُبقيهن في مواجهة أعباء نفسية واجتماعية وصحية طويلة المدى، ويجبر بعضهن على اللجوء للإجهاض المنزلي غير الآمن، الأمر الذي يعرضهن لمخاطر تتضمن النزيف الحاد، والتهابات حادة قد تؤدي إلى تعفن الدم وتلف الأعضاء التناسلية، بالإضافة إلى تمزق أو ثقب الرحم أو المهبل، الأمر الذي قد يسبب العقم، أو إصابات مزمنة، أو حتى الوفاة.
وفي الشرق الأوسط، لا تبيح غالبية البلدان بالإجهاض إلاّ إذا كانت حياة الأم في خطر، ولكن أربع دول فقط من أصل 18 تسمح به في حالات الاغتصاب أو اغتصاب المحارم، لكن مصر ليست واحدة منهن؛ إذ يُجرّم القانون المصري الإجهاض بشكل عام، ويعاقب من يقوم بالإجهاض أو يساعد فيه، وتُعاقب المرأة التي تقوم بالإجهاض بنفسها، وتنص المادة 260 من قانون العقوبات المصري على أنه “كل من أسقط عمداً امرأة حبلى بضرب أو نحوه من أنواع الإيذاء يعاقب بالسجن المشدد”.
كذلك نصت المادة 261 أن “كل من أسقط عمدًا امرأة حبلى بإعطائها أدوية أو باستعمال وسائل مؤدية إلى ذلك أو بدلالتها عليها سواء كان برضاها أم لا، يعاقب بالحبس”، في حين جرّمت المادة 262 “المرأة التي رضيت بتعاطي الأدوية مع علمها بها أو رضيت باستعمال الوسائل السالف ذكرها أو مكنت غيرها من استعمال تلك الوسائل لها وتسبب الاسقاط عن ذلك حقيقةً، وعاقبتها بالعقوبة السابقة”، وعاقبت المادة 263 المُسقِط إذا كان طبيبًا أو جراحًا أو صيدليًّا أو قابلة، بالأشغال الشاقة المؤقتة.
وتظهر ورقة بحثية بعنوان: “مراجعة عالمية للعقوبات المفروضة على الجرائم المتعلقة بالإجهاض في 182 دولة”، استخدمت بيانات من قاعدة بيانات سياسات الإجهاض العالمية (GAPD) لتحليل العقوبات الجنائية المفروضة على من يسعون إلى الإجهاض، ويقدمونه، ويساعدون فيه في 182 دولة، أن 134 دولة تجرّم الإجهاض على من تطلبه، بينما 181 دولة تجرّم مقدّمي الخدمة في الإجهاض، وهناك 159 دولة تضع عقوبات على من يساعد في الإجهاض، وفي معظم الدول، تتراوح العقوبة القصوى للنساء الساعيات للإجهاض بين 0 إلى 5 سنوات سجن، لكن في دول أخرى قد تكون العقوبة أشد، وإلى جانب السجن، قد تُفرض غرامات على بعض مقدمّي الخدمة، أو يُمنع ممارستهم مهنيًا، وهي تدابير تضيف عبئًا إضافيًا على من يساعد في الإجهاض.
بحسب منظمة الصحة العالمية تُجرى سنوياً نحو 73 مليون حالة إجهاض متعمّد في جميع أنحاء العالم. ويُنهي الإجهاض المتعمّد ست حالات من أصل كل 10 حالات حمل غير مقصود (61%) و3 حالات من أصل كل 10 حالات حمل مقصود إجمالاً (29%)، وهناك 45% تقريباً من حالات الإجهاض إجمالاً هي حالات غير مأمونة، منها نسبة 97% في البلدان النامية.
ويمثل الإجهاض غير الآمن أحد الأسباب الرئيسية لوفيات الأمهات عالميًا، حيث يشكل نسبة تصل إلى 13% من وفيات الحمل والولادة، وتتراوح تقديرات الوفيات السنوية بسبب الإجهاض غير الآمن حول العالم بين 29,000 و 78,000 امرأة، تحدث معظم هذه الوفيات في الدول النامية، حيث تكون قوانين الإجهاض مقيدة والوصول إلى الرعاية الصحية محدودًا، بينما تُقدر أعداد عمليات الإجهاض غير الآمنة بنحو 22 مليون حالة كل عام، وتتلقى ما يقرب من 7 ملايين امرأة العلاج في المستشفيات سنويًا بسبب المضاعفات.
نوصي للقراءة: فقدان العذرية شرط للعدالة؟ ثغرات قانونية تُسقط صفة الاغتصاب عن المعتدين على الأطفال

غياب بروتوكول التعامل مع الضحايا
الناشطة النسوية ميار مكي، مؤسسة مبادرة “بر أمان”، ترى أن تعريف الاغتصاب في القانون المصري يعاني قصورًا بنيويًا؛ إذ يقتصر التعريف على تعريفات محددة، بينما لا يعترف القانون بالأشكال الأخرى للاغتصاب، وهو ما تعتبره ثغرة قانونية واسعة؛ إذ تُعرف جريمة الاغتصاب تحديدًا بأنها “مواقعة أنثى بغير رضاها” عبر اتصال جنسي مهبلي كامل، بحسب تعديلات قانون العقوبات الصادرة عام 2011، بينما يُصنف القانون كل أشكال الاعتداء الجنسي الأخرى، مثل الإيلاج الشرجي، أو استخدام اليد، أو الأدوات، أو إجبار الضحية على ممارسة جنسية فموية، أو الاعتداء الجنسي على الذكور، أو إدخال إصبع أو جسم غريب في المهبل حتى لو أدى لفض غشاء البكارة، بأنها “هتك عرض”، كما أن القانون المصري لا يعترف بجريمة الاغتصاب الزوجي.
وتنص المادة (267) من قانون العقوبات على معاقبة مرتكب الاغتصاب بالسجن المؤبد أو الإعدام إذا كانت الضحية دون 18 عامًا أو كان الجاني من أقاربها أو المسؤولين عن تربيتها أو رعايتها أو من العاملين لديها أو تعدد المعتدون. أما جريمة هتك العرض التي تنص عليها المادة (268)، فتتراوح عقوبتها بين السجن المشدد من ثلاث إلى سبع سنوات، مع إمكانية رفع العقوبة إلى الأشغال الشاقة المؤقتة إذا كانت الضحية دون 16 عامًا أو توفرت ظروف مشددة، أو الأشغال الشاقة المؤبدة إذا اجتمع الشرطان. بينما تنص المادة (269) على عقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة أو الحبس بحسب سن وظروف الضحية إذا وقع الاعتداء دون عنف مباشر.
وتوضح مؤسسة مبادرة “بر أمان”، أن الناجيات من الاغتصاب يتحملن عبئًا مضاعفًا، في ظل غياب بروتوكول واضح للتعامل معهن داخل المؤسسات الرسمية، مشيرة إلى أن الناجية التي تتقدم ببلاغ لا تتلقى غالبًا وسائل منع الحمل الطارئة، ولا الفحوص أو العلاجات اللازمة للأمراض المنقولة جنسيًا، ما يؤدي إلى تفاقم الأضرار الطبية والاجتماعية المترتبة على الاعتداء.
تقول لـ”زاوية ثالثة”: “القانون المصري يجرم الإجهاض بشكل قاطع دون أي استثناءات، على خلاف دول عربية وأخرى من الجنوب العالمي، مثل السودان والإمارات، التي عدلت قانونها عام 2024 ليشمل استثناء يسمح بالإجهاض في حالات الاغتصاب، بينما يتيح القانون السوداني هذا الاستثناء منذ سنوات؛ أما في مصر، فالعقاب يشمل ليس فقط المرأة، بل أيضًا الطبيب أو الصيدلي الذي يساعد في إجراء الإجهاض”.
وتشير إلى حادثة وقعت في الفيوم عام 2025، تعرضت فيها فتاة لاغتصاب من أحد أقاربها وحملت نتيجة ذلك، وبعد الإبلاغ، جرى توقيف الجاني كما قُبض على الطبيب الذي أجرى الإجهاض، رغم كون الحالة اغتصاب محارم، لافتة إلى أن القانون يصنف هذه الحالات تحت بند “زنى المحارم”، وهو ما تقول إنه يمثل إشكالًا آخر في المنظومة القانونية.
وتعتقد ميار أن هذه الحوادث تكشف طريقة تعامل الدولة مع قضايا الاغتصاب والإجهاض، بما في ذلك الحالات الأكثر خطورة، مبينة أن النتائج المترتبة على الوضع القانوني القائم تضع النساء أمام سيناريوهين؛ فإما أن تُجبر الناجية على استكمال الحمل وتحمل مسؤولية طفل في ظل غياب أي رعاية نفسية أو طبية مناسبة تعالج صدمتها، وإما أن يُترك الطفل لاحقًا في الشارع أو أمام دور العبادة، لينتهي به الحال ضمن فئة أطفال الشوارع.
وتخلص إلى أن المنظومة الحالية تقوم على تحميل النساء كامل مسؤولية الحمل، سواء كان ناتجًا عن علاقة رضائية أو عن عنف جنسي، بينما لا يتحمل الشريك أو الجاني أي عبء مماثل، ولا تتدخل الدولة لتخفيف هذا الحمل عن الناجيات أو عن الأطفال الناتجين عن هذه الحالات.
وكان التقرير النصف السنوي لعام 2025، الصادر عن مرصد جرائم العنف الموجّه ضد النساء والفتيات، التابع لمؤسسة إدراك للتنمية والمساواة، قد سجّل 10 وقائع اغتصاب، خلال الأشهر الستة الأولى من العام، إضافة إلى واقعتين شروعًا في الاغتصاب لم ينجح فيهما الجناة، وسُجّلت 8 وقائع منها في المحافظات المركزية (القاهرة – الجيزة – القليوبية)، بينما سُجلت واقعتان في محافظات الوجه البحري.
ورصد المرصد واقعتين لاغتصاب فتيات من ذوات الإعاقة، ارتكب إحداهما ابن الخالة، والأخرى الأخ، كما تم تسجيل 3 وقائع اغتصاب لفتيات على يد الآباء، شملت إحداها اغتصاب أب لابنتين، إحداهما طفلة، ورُصدت واقعة اغتصاب لأم وطفلتها على يد الزوج، انتهت بمقتل الجاني، كما تم رصد واقعة اغتصاب لفتاة على يد زوج الأم نتج عنها حمل وولادة طفلة، واقترنت العملية بتزوير شهادة ميلاد المولودة قبل وفاة الأم، إضافة إلى تصوير الضحية وابتزازها وإجبارها على توقيع إيصالات أمانة لمنعها من الإبلاغ.، ورُصدت أيضًا واقعة اغتصاب لسيدة أجنبية على يد طالب تحت التهديد والابتزاز، إضافة إلى واقعتي شروع في الاغتصاب، نجت في إحداهما فتاة بعد تدخل المارة أثناء محاولة الاعتداء داخل سيارة، وفي الواقعة الأخرى تمكنت فتاة أجنبية تعمل منزليًا من الدفاع عن نفسها بطعن الجاني وقتله.
بينما سجّل المرصد 62 واقعة اعتداء جنسي على أطفال وطفلات خلال النصف الأول من عام 2025، تراوحت بين التحرش والاعتداء الجنسي وصولًا إلى الاغتصاب الذي اقترن في بعض الحالات بالقتل، تضمنت 48 واقعة اعتداء جنسي على طفلات، بينها 9 وقائع اغتصاب، و 9 وقائع اعتداء جنسي على أطفال ذكور، و5 وقائع اعتداء جنسي بحق أطفال من ذوي الإعاقة (4 ذكور وفتاة واحدة)، وتم تسجيل 12 واقعة اعتداء ارتكبتها محارم، كان الأب في 3 وقائع، والجد في واقعتين، والعم أو الخال أو الأخ في باقي الحالات.
نوصي للقراءة: تضاعف معدلات العنف ضد النساء والقاهرة الكبرى تتصدر خريطة العنف

غياب الحدّ الأدنى من الحماية
الإشكالية الجوهرية لا تكمن فقط في النصوص القانونية الخاصة بجرائم العنف الجنسي، بل في فلسفة التشريع نفسها، والتي تصفها الكاتبة والناشطة النسوية شيماء طنطاوي، إحدى مؤسِّسات مبادرة براح آمن، بأنها فلسفة أبوية لا تضع الناجية في مركز الاهتمام عند صياغة الحلول أو تطوير القوانين، مشيرة إلى أنّ التشريعات، حتى تلك التي شُدّدت عقوباتها، لا تستند إلى رؤية تجعل من المرأة الناجية محورًا للعدالة، ولا تراعي الأبعاد الاجتماعية أو الاقتصادية المرتبطة بتجربة العنف الجنسي، بما فيها الوصم، والتمييز، وصعوبة الحصول على فرص عمل، أو التعرض للمضايقات في بيئة العمل.
وفيما يخص قضايا الاغتصاب التي ينتج عنها حمل، توضّح أنّ الوضع يكون أكثر قسوة، إذ لا تمتلك المرأة أي أدوات فعّالة تساعدها على النجاة، لافتة إلى أنّ التشريعات المصرية لا تتيح الإجهاض الآمن، ولا تمنح المرأة حتى حق اختيار الاحتفاظ بالطفل من عدمه، وبالتالي فإنّ النساء اللواتي يتمكنّ من إجراء الإجهاض غالبًا ما يلجأن إلى طرق غير آمنة، وبتكلفة مالية مرتفعة، وفي ظروف صحية شديدة الخطورة.
تقول لـ”زاوية ثالثة”: “لا توجد في مصر منظومة واضحة لحماية الناجيات من العنف الجنسي، هناك غياب للسياسات الفعلية التي يمكن الاعتماد عليها، والعدالة الناجزة غير متحققة في الواقع، لا سيما أنّ إجراءات التقاضي طويلة ومرهقة نفسيًا، في ظل غياب الدعم النفسي والاجتماعي والاقتصادي، وعدم وجود أي آليات رفع للوصم عن الضحية”.
وتؤكد الناشطة أنّ غياب مفهوم العدالة التعويضية يشكّل فجوة كبيرة في التعامل مع النساء الناجيات، مشيرةً إلى أنّ التشريع لا يأخذ في الاعتبار السياقات المتعددة التي تمر بها المرأة بعد الحادث، ولا يوفر أي ضمانات لحمايتها أو دعمها، لافتة إلى أنّ هناك خمس مواد في قانون العقوبات المصري تُستخدم لتخفيف العقوبات في قضايا العنف ضد النساء، وهي المواد: (7، 17، 60، 237، و274).
وبشأن الوصم الاجتماعي الذي تتعرض له ضحايا الاعتداءات الجنسية، توضح الكاتبة النسوية أنّ المجتمع المصري يخضع لتقاطعات مكانية وثقافية واجتماعية متباينة، غير أنّ القاسم المشترك، من وجهة نظرها، هو طبيعة المجتمع المحافظة التي غالبًا ما تتعامل مع المرأة بوصفها مصدرًا للعار لا ضحية تستحق الدعم، وبالتالي فإنّ قطاعات واسعة تميل إلى إنكار الحادث أو إخفائه، بينما تمارس قطاعات أخرى وصمًا مباشرًا وشديدًا بحقها، ويتم لوم الضحية، أو البحث عن “الضحية المثالية” التي تتوافق مع معايير المجتمع الضيقة.
وتشير إلى أنه حال أنجبت الضحية طفلًا نتيجة للاغتصاب، فإنّه يواجه قدرًا كبيرًا من الوصم والرفض الاجتماعي، مؤكّدةً أنّ المجتمع لا يتقبله ولا يعترف به، وكثيرًا من الأمهات الضحايا يضطررن لترك مجتمعاتهن بالكامل للنجاة بأطفالهن وتربيتهم بعيدًا عن أجواء العنف والتمييز، مضيفة أنّ هذا الرفض المجتمعي يساهم في زيادة حالات الأطفال مجهولي النسب الذين يتم التخلي عنهم تحت ضغط الظروف الاجتماعية القاسية التي تواجهها الأم الناجية، مؤكدة على أنّ غياب الحماية القانونية والاجتماعية والاقتصادية للناجيات يجعل من عملية التعافي أو الوصول للعدالة أمرًا بالغ الصعوبة، معتبرةً أنّ الواقع الحالي بعيد تمامًا عن توفير الحدّ الأدنى من الحماية أو الدعم المستحق لهؤلاء النساء.
وطبقًا للقانون المصري يثبت نسب كل مولود إلى أمه بمجرد ثبوت الولادة دون قيد أو شرط، ويثبت النسب للأب بالفراش أو بالإقرار أو بالبينة، ولا يعترف القانون بنتائج تحليل البصمة الوراثية “DNA” لإثبات نسب الطفل الناتج عن اعتداء جنسي على الأم أو علاقة جنسية رضائية؛ إذ يشترط لصحة دعوى إثبات النسب أن يكون الزواج ثابتًا بوثيقة رسمية، كما يشترط وجود شهود، واستيفائه أركانه وسائر شروط صحته الشرعية، سواء وثق رسميًا أو أُثبت بمحرر عرفي أو كان بعقد غير مكتوب، وذلك وفق الطعن رقم 44 لسنة 51 أحوال شخصية.
ولا يثبت نسب الطفل في القانون المصري للأب؛ إلا من خلال زواج صحيح، حتى وإن ثبت ذلك بالبصمة الوراثية، ولكن يُنسب إلى أمه وفقًا لدار الإفتاء التي تعتبر أن “ماء الزنا الهدر”، وتكون الأم هي المسؤولة قانونيًا عن تسجيل الطفل المولود خارج إطار الزواج ورعايته وإعطائه اسمًا وهي المسؤولة عن تربيته ونفقته.
ويأتي ذلك رغم نص المادة الرابعة من قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 المعدل بالقانون رقم 126 لسنة 2008 على أن “للطفل الحق في نسبه إلى والديه الشرعيين والتمتع برعايتهما، وله الحق في إثبات نسبه الشرعي إليهما بكافة وسائل الإثبات بما فيها الوسائل العلمية المشروعة”.
نوصي للقراءة: “تضاعف جرائم قتلهن”.. النساء يسددن فاتورة الفقر مرتين

فجوة الحماية القانونية والاجتماعية
بالتزامن مع اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة وحملة الـ16 يومًا لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي، أطلقت مؤسسة قضايا المرأة المصرية، حملة بعنوان “مش ذنبي”، في الـ19 من نوفمبر المنقضي، وأصدرت المؤسسة توصيات موجهة لمؤسسات الدولة طالبت فيها بتخصيص أقسام في المستشفيات العامة لرعاية الناجيات من الاغتصاب، وتدريب العاملين في القطاع الصحي على تقديم الرعاية المأمونة والمحترمة في مجال الإجهاض، وتبنّي نص تشريعي صريح يسمح بالإجهاض في حالات الاغتصاب واغتصاب المحارم خلال 120 يومًا.
وتوضح ماجدة سليمان، مسؤولة برنامج الحقوق الصحية والإنجابية بمؤسسة قضايا المرأة المصرية، أن الحملة التي أطلقتها المؤسسة بشأن الإجهاض الآمن جاءت مستلهمة من دراسة، – قيد النشر-، أعدّتها المحامية الحقوقية عزة سليمان، بعنوان «إجهاض المغتصبة ما بين التشريع والشريعة»، مشيرة إلى أن الحملة جاءت في إطار استراتيجية برنامج الحقوق الصحية والإنجابية داخل المؤسسة، إذ يستهدف البرنامج منذ سنوات العمل على قضية الإجهاض، واختار التركيز على إجهاض المغتصبة نظرًا لكونه من أكثر الحالات التي تتعرض لظلم تشريعي ومجتمعي بالغ. وتؤكد أن القوانين المصرية الحالية تجرّم الإجهاض بشكل كامل، بما في ذلك الحالات الناتجة عن الاغتصاب، خصوصًا حين يتعلق الأمر بزنى المحارم أو الحمل الناتج عن اعتداء جنسي قاسي.
وترى مسؤولة برنامج الحقوق الصحية والإنجابية، أن الإبقاء على هذا الوضع القانوني يجعل الناجية تعيش معاناة مضاعفة، ناتجة عن التعرض لاعتداء جنسي يحمل في حد ذاته وصمة اجتماعية تستمر طوال العمر، ثم الاضطرار إلى استكمال حمل فُرض عليها قسرًا ومن دون إرادة، بكل ما يحمله ذلك من تبعات نفسية واجتماعية واقتصادية قاسية؛ لذا تطالب بأن يتضمن القانون استثناء واضحًا يبيح الإجهاض في حالات الاغتصاب على الأقل، باعتباره الحد الأدنى من العدالة الممكنة للناجيات.
تقول لـ”زاوية ثالثة”: “المشكلة مركبة، إذ يتداخل فيها الجانب الديني مع الجانب القانوني، حيث توجد في الشريعة الإسلامية مدارس فقهية متعددة وتفسيرات متنوعة، بعضُها يجيز الإجهاض في مراحل معينة من الحمل. في المقابل، يقف التشريع المصري موقفًا أكثر تشددًا، ويمنع الإجهاض منعًا مطلقًا باستثناء حالات ضيقة للغاية تتعلق بخطر داهم على حياة الأم أو بتشوهات خطيرة في الجنين”، مشيرة إلى أن هذا التباين يكشف عن خلط واضح بين الفقه والتشريع، وعن غياب رؤية تشريعية تستجيب لضرورات الواقع الاجتماعي.
وتؤكد أن الناجية من الاغتصاب تتعرض لنوع بالغ القسوة من الوصم والاتهام، إذ لا تستطيع غالبًا التصريح بتعرضها للاعتداء، ولا تجرؤ على التوجه إلى قسم الشرطة للإبلاغ خوفًا من المعاملة القاسية وسوء الظن بها، حيث يجري التعامل معها – كما تقول – وكأنها الجانية لا الضحية، مشيرة إلى ضرورة بناء ثقة بين المواطنين والشرطة، ووضع آليات واضحة لكيفية استقبال بلاغات العنف الجنسي والتعامل الإنساني مع الضحايا.
وتضيف: “الناجية من الاعتداء الجنسي تعيش آثارًا نفسية ممتدة طوال حياتها، بينما يظل المجتمع قاسيًا في أحكامه، إذ يتحول التعاطف الأولي إلى لوم مباشر، وترسيخ لفكرة أن الضحية مسؤولة عما تعرضت له”.
وتشير إلى وقوع حوادث اغتصاب للمحارم داخل المجتمع المصري، ولاسيما الفتيات القاصرات، واللاتي يواجهن معاناة مركبة تمتد لسنوات طويلة، مؤكدة على أن غياب تشريع ينظم الإجهاض في حالات الاغتصاب، مقرونًا بالوصم الاجتماعي والمعاملة القاسية داخل منظومة العدالة، يجعل رحلة الناجيات شديدة القسوة، ويضاعف من فجوة الحماية القانونية والاجتماعية التي يفترض أن تؤمن لهن حقًا أساسيًا في السلامة الجسدية والإنصاف.
وعلى المستوى الفقهي، شهدت مصر خلال السنوات الماضية فتاوى بجواز الإجهاض في حالات الاغتصاب، استنادًا إلى قواعد مقاصد الشريعة وحفظ النفس والكرامة، ومن بينهم مفتي مصر الأسبق نصر فريد واصل والشيخ محمد سيد طنطاوي، إضافة إلى عدد من أعضاء المجامع الفقهية، ويتوافق ذلك مع المرجعيات الدولية التي اعتبرت الصحة الإنجابية—ومنها الإجهاض الآمن—جزءًا من حقوق الإنسان، منذ مؤتمر القاهرة للسكان والتنمية عام 1994، الذي أكد أن تجريم الإجهاض لا يمنع حدوثه، بل يدفع النساء إلى مسارات غير آمنة، كما صنّف نظام روما الأساسي الاغتصاب والحمل القسري كجرائم ضد الإنسانية.
نوصي للقراءة: قتل النساء باسم «الشرف»: هل تستطيع مصر التخلص من هذه الفوضى؟

عقوبة سالبة للحرية
من ناحيته يؤكد عبد الفتاح يحيى، – مدير الوحدة القانونية بمؤسسة قضايا المرأة المصرية-، أن قانون العقوبات الصادر عام 1950 يجرّم الإجهاض بشكل كامل، سواء جرى باستخدام العقاقير أو بالاعتداء أو بأي وسيلة أخرى، دون استثناء واضح لحالات الاغتصاب أو زنا المحارم.
ويرى أن هذا الوضع يتعارض بصورة مباشرة مع المواثيق الدولية المعنية بالحق في السلامة الجسدية، ويتصادم بشكل أشد مع أوضاع الناجيات من الاغتصاب، حيث تجد الضحية نفسها مهددة بعقوبة سالبة للحرية إذا لجأت إلى إنهاء الحمل، رغم أنها ضحية فعل إجرامي، موضحًا أن هذا الوضع يخلق أزمة اجتماعية كبرى، إذ قد تكون الأم طفلة قاصرة تُجبر على إنجاب طفل، ويصبح الاثنان معًا ضحيتان في آن واحد.
ويشير مدير الوحدة القانونية إلى أن الدول المجاورة لا تتعامل بهذه الصرامة، إذ تسمح تشريعات في دول مثل السودان وتونس بالإجهاض في حالات الاغتصاب وزنا المحارم، كما تجيز بعض القوانين الإجهاض إذا كان الجنين مصاباً بتشوهات خطيرة أو كان الحمل يهدد السلامة الجسدية للأم أو الطفل. ويعتبر أن هذه التشريعات تمنح النساء حق تقرير المصير، بينما يحرم القانون المصري النساء من هذا الحق إلا في حالة واحدة هي وجود خطر داهم على حياة الأم.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “القوانين المصرية الخاصة بالاعتداءات الجنسية تعاني من قصور شديد، حيث لا توفر حماية كافية للناجيات، ولا تضمن سرية بيانات المبلّغات أو حمايتهن، ولا توفر لهن دور إيواء أو دعمًا نفسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، وهناك حاجة ماسة إلى قانون موحد لمناهضة العنف ضد النساء يتعامل مع هذه الجرائم بأدوات مناسبة للواقع”.
وفيما يتعلق بتعريفات الاغتصاب وهتك العرض، يوضح يحيى أن قانون العقوبات يشترط لتحقق جريمة الاغتصاب حدوث إيلاج للعضو الذكري، وأن عدم حدوثه قد يُكيف الجرم على أنه “هتك عرض”، ويعتبر أن هذه التعريفات قديمة وتعود إلى نصوص تعود لعام 1950، ولم تعد مناسبة لطبيعة الجرائم الحديثة، وتحتاج إلى مراجعة شاملة تضمن حماية فعالة للناجيات.
وبشأن إثبات نسب الأطفال الناتجين عن الاغتصاب، يوضح يحيى أن التشريعات المصرية تستند إلى فتاوى فقهية تعتبر أن “ماء الزنا مهدر”، وبالتالي تُسقط نسب الطفل الناتج عن علاقة جنسية قسرية، لافتًا إلى أن تحليل الحمض النووي (DNA) يُستخدم أمام المحاكم الجنائية لإثبات ارتكاب الجريمة، لكنه لا يُعتد به لإثبات نسب الطفل للمغتصِب، ما يترتب عليه أن تتحمل الأم وزرين معًا: كونها ناجية من اعتداء جنسي قاسٍ، وكون طفلها لا يثبت نسبه الشرعي لأبيه ولا يحصل على حقوقه الكاملة، رغم أن الدستور يكفل لكل طفل الحق في هوية رسمية وإثبات النسب.
ويٌبيّن أن قانون الأحوال المدنية يمنح الطفل في هذه الحالات اسم الأم واسما وهميًا للأب إذا لم تكن الجريمة زنا محارم، أما في حالات زنا المحارم، فلا يُسجَّل باسم الأم أو الأب، بل يمنح اسمًا مختلفًا تماماً، وهو ما يعدّه ثغرة تشريعية خطيرة تؤدي إلى تضارب كبير بين أحكام الأسرة والقانون الجنائي، وتكشف عن عجز المنظومة القانونية عن توحيد آليات إثبات النسب اعتماداً على الوسائل العلمية الحديثة.
ويُحذر من أن هذا الاضطراب التشريعي يفتح الباب لاختلاط الأنساب، حيث تلجأ بعض الأسر إلى تسجيل الطفل باسم جدّه أو خاله لتجنب الوصم الاجتماعي، فيصبح الجد أو الخال أبًا قانونيًا، ويُسجَّل الطفل رسميًا على أنه شقيق لأمه أو ابن شقيقها، معتبرًا أن هذا الوضع يعكس غياب رؤية تشريعية واضحة ويخلق مساحة كبيرة للتلاعب القانوني والاجتماعي.
وفي ظل المعطيات الراهنة، تبدو الناجيات من الاغتصاب محاصرات بين عنف الجريمة من جهة، وعنف القانون والمجتمع من جهة أخرى؛ فالتشريعات الحالية، التي تُغلِق الباب أمام الإجهاض الآمن وتُقصي الاحتياجات الصحية والنفسية للضحايا، تُسهم في إعادة إنتاج الألم بدل تضميده، وتحوّل مسار العدالة إلى سلسلة جديدة من الانتهاكات، وبينما تُشدّد الدولة عقوباتها على الجناة وتعلن التزامها بالاتفاقيات الدولية، تبقى النساء والفتيات بلا حماية حقيقية، وبلا منظومة متكاملة تضمن لهن الرعاية والدعم والنجاة.
وبينما تشير البيانات إلى ارتفاع معدلات الاعتداءات الجنسية وتنوع أنماط العنف، يتضح أن غياب بروتوكولات واضحة للتعامل مع الضحايا، وغياب العدالة التعويضية، واستمرار الأحكام الأبوية في التشريع، كلها عوامل تجعل من رحلة الناجية طريقًا مفروشًا بالخوف والوصم والعقبات.
وفي ظل غياب إطار قانوني ينحاز للضحايا، واستمرار السياسات التي تجرّم الإجهاض دون استثناءات، فإن الضحية تُعاقَب مرتين: مرة حين تُنتهك إرادتها، ومرة حين تُجبر على تحمّل نتائج جريمة لم ترتكبها.
وفي المقابل، يُترك الأطفال المولودون جراء العنف الجنسي لمواجهة حياة تبدأ بالوصم والحرمان من الهوية القانونية، وهنا تظهر الحاجة إلى تغيير تشريعي جذري يعيد للعدالة معناها، وللضحايا حقهن في أجسادهن وكرامتهن.