نهاية يناير الماضي، تقدّم عضو مجلس النواب، أحمد فرغلي، بطلب إحاطة موجّه إلى المستشار هشام بدوي رئيس المجلس، والدكتور شريف فاروق، وزير التموين والتجارة الداخلية، بشأن الفروق السعرية في عمليات استيراد القمح وزيوت الطعام، التي تتم عبر جهاز “مستقبل مصر”، مقارنة بالأسعار العالمية السائدة، موضحًا أن هيئة السلع التموينية تقوم باستيراد القمح من خلال الجهاز بزيادة تُقدّر بنحو 30 دولارًا للطن عن السعر العالمي للقمح الروسي والأوكراني.
“مستقبل مصر” هو كيان حكومي أُنشئ بقرار رئيس الجمهورية رقم 591 لسنة 2022، يرأسه العقيد طيار بهاء الدين محمد الغنام ويتبع القوات الجوية المصرية، ويُدير مشروعات تنموية كبرى تشمل استصلاح أراضٍ زراعية، استيراد سلع تموينية (مثل القمح والزيوت)، إنتاج غذائي، وعقاري، بالإضافة إلى مشاريع صناعية مثل إنتاج ألبان الأطفال، الأمر الذي يثير جدلًا واسعًا حول طبيعة الدور الذي يلعبه وآليات عمله.
وذكر النائب في إحاطته أن مصر تستورد ما يقرب من 5 ملايين طن من القمح سنويًا، في حين يبلغ متوسط السعر العالمي للطن نحو 240 دولارًا، بينما يتم شراؤه لصالح الهيئة بسعر يقارب 270 دولارًا للطن، مشيرًا إلى وجود وضع مماثل في استيراد زيوت الطعام، إذ أن متوسط السعر العالمي لطن الزيت يبلغ نحو 1100 دولار، في حين يستورد بسعر يصل إلى 1250 دولارًا للطن، مع استيراد كميات تُقدّر بنحو 780 ألف طن سنويًا، – بحد قوله-.
وتُظهر بيانات رسمية أن واردات مصر الإجمالية من القمح في العام 2025 وحده، بلغت حوالي 13.2 مليون طن، مقابل 14.2 مليون طنًا عام 2024، بنسبة انخفاض قدرها 8%، مع توقعات بأن تتراوح بين 12.7إلى 13 مليون طن، خلال 2025/2026، بينما الواردات الحكومية منه، – التي تُدار جزئيًا عبر جهاز مستقبل مصر-، انخفضت إلى حوالي 4.5 مليون طن في 2025، بدلًا من 6.5 مليون في 2024.
ولا يوجد مؤشر رسمي ثابت يشير إلى أن السعر العالمي للقمح هو 240 دولارًا للطن ويُظهر مؤشر FAO أن الأسعار العالمية للقمح تتقلّب كثيرًا، وفي بعض الأشهر كانت أعلى من 240 دولارًا للطن عندما يُحسب السعر بالشحن والتأمين أو في أسواق العقود الآجلة، غير أن السعر العالمي للقمح، انخفض منذ مطلع العام الجاري، ليتراوح بين 165-200 دولار/ طن متري، بحسب البنك الدولي.
و تستهلك البلاد 2.2-2.4 مليون طن زيوت طعام سنويًا، وتستورد أكثر من 90% منها، وسجّل المتوسط العالمي لسعر زيت دوار الشمس 1300-1650 دولار/طن، في ديسمبر 2025، وبلغ سعر زيت النخيل 970-1000 دولار/طن، مع توقعات باستقرار الأسعار،
وفي السياق كشف النائب أن مخصصات دعم السلع التموينية تبلغ نحو 160 مليار جنيه سنويًا، مشيرًا إلى أن الزيادة في فروق الأسعار الناتجة عن آليات الاستيراد الحالية تؤدي إلى تآكل قيمة الدعم الفعلي على أرض الواقع بنسبة تتجاوز 13%، منتقدًا آليات التعاقد الحالية لاختلافها عن النظم السابقة التي كانت تعتمد على ممارسات علنية تُعلن عبر وكالات أنباء عالمية، وتحضرها الدول المصدّرة للسلع، وهو ما كان يتيح – بحسب قوله – الحصول على أسعار أقل من السعر العالمي.

ويأتي ذلك على هامش تقارير رصدت اتهامات موجهة للجهاز، تتعلق بإهدار المال العام، تخللت صفقات استيراده سلعًا استراتيجية لحساب وزارة التموين، مثل: القمح والزيوت، بسبب فروق الأسعار التي تُقدّر بمئات الملايين من الدولارات على حساب الدعم التمويني للمواطنين، فضلًا عن اتساع صلاحياته الاستثمارية خارج نطاق الرقابة التقليدية ونقل أصول وأراضٍ إلى الجهاز، في مقابل غياب الشفافية بشأن التكلفة والعائد.
نوصي للقراءة: بعد ضم بحيرة البردويل لـ”مستقبل مصر”: مستقبل غامض للصيادين والثروة السمكية

أمن غذائي أم استحواذ واحتكار؟
ومحليًا تولى جهاز “مستقبل مصر” إدارة واردات القمح الحكومية، منذ ديسمبر 2024، مع اعتماد استراتيجية جديدة للشراء تعتمد على شركات مصرية وموردين دوليين مباشرة بدلًا من المناقصات التقليدية، وسط تأخيرات سداد وتوترات مع الموردين، وتعاقد الجهاز على أكثر من 600 ألف طن من موردين دوليين معظمهم من دول البحر الأسود وفرنسا، للتسليم في سبتمبر وأكتوبر 2025.
هذا التوسع أثار جدلاً واسعًا حول فروقات الأسعار وآليات التعاقد، إذ تشير تقارير USDA وUkrAgroConsult إلى أن الأسعار العالمية بلغت نحو 250 دولار/طن في 2025، مع ارتفاع 6%، وطبقًا لتقارير صحفية توجد فروقات تصل إلى 20–30 دولارًا للطن بين السعر العالمي المرجعي وسعر التوريد المحلي، الأمر الذي قد يضيف مئات الملايين من الدولارات إلى فاتورة الاستيراد ويؤثر على الدعم التمويني والموازنة العام.
تتأثر أسعار القمح والزيوت الغذائية، عالميًا بتقلبات حادة ناتجة عن عوامل متعددة، من بينها مستويات الإنتاج، وظروف الحصاد، وأسعار الطاقة والنقل البحري، وسلاسل الإمداد العالمية، وقد لعبت الحرب الروسية-الأوكرانية دورًا محوريًا في إعادة تشكيل خريطة تجارة الحبوب، إذ أدت في فترات سابقة إلى تعطّل أو تباطؤ الشحنات، وارتفاع تكاليف التأمين والنقل، ما دفع مصر إلى البحث عن بدائل وإعادة ترتيب أولوياتها الاستيرادية.
المستشار السابق لوزير التموين وخبير الجمعية العمومية لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، الدكتور نادر نور الدين، يوضح لـ”زاوية ثالثة”، أن جهاز مستقبل مصر، هو المسؤول حاليًا عن استيراد الحصص المقررة للبطاقات التموينية ورغيف الخبز المدعّم، وأن حجم الاستيراد السنوي للقمح تحت إشراف الجهاز يصل إلى نحو خمسة ملايين طن، في حين يغطّي القطاع الخاص ما تبقّى من احتياجات السوق المحلية، والتي تتجاوز 7.5 مليون طن، إضافة إلى استيراد الزيوت التي تُوزع على بطاقات التموين.
ويؤكد المستشار السابق لوزير التموين أن فكرة تمكين جهاز واحد من دمج أدوار الاستيراد والإنتاج والتوزيع ليست الأفضل، بل إن هناك نماذج إدارة السلع الاستراتيجية تعتمد على تنوّع مصادر الاستيراد ووجود منافسة حقيقية بين الجهات، مع مراعاة القيود القانونية والمعايير القياسية لكل سلعة، من حيث الجودة ونسب الشوائب ومطابقة المواصفات، وتطبيق الرقابة عند الوصول إلى الموانئ المصرية.
وفيما يتعلق بدور الجهاز في الزراعة والإنتاج، يقول “نور الدين”: إن “الجهاز أصبح قادرًا على إنشاء شركات وزراعة محاصيل واستيراد تقاوي وإنتاج سلع زراعية وغذائية لتصديرها، لكن هذا التصرف يشبه نشاط القطاع الخاص، إذ لا تمتلك الدولة الأراضي الزراعية الصالحة للتصدير، وإنما القطاع الخاص هو من يدير الإنتاج والتصدير فعليًا”.
ويضيف: “الجهاز يتبع مباشرة رئاسة الجمهورية، ويعمل بتعاون داخلي مع وزارات مثل التموين والزراعة لتوريد السلع واستلامها وبيعها، لكنه لا يخضع لرقابة الوزارات التقليدية”، مشيرًا إلى أن مشروعات الجهاز توسعت لتشمل أراضي في مناطق مختلفة، بما فيها الدلتا الجديدة وتوشكى والبحيرة والمنيا، مع إمكانية تنفيذ مشاريع تنموية وتجارية وفندقية ورياضية ولوجستية، ضمن نطاق صلاحياته التي منحتها له الدولة.
ولا يعتبر “نور الدين” الجهاز محتكرًا لاستيراد القمح والزيوت، لأن دوره يقتصر دوره على استيراد الحصص الحكومية، ويرى أن أي فوارق سعرية، مثل عمولة 30 دولارًا لكل طن قمح، تُصنّف ضمن المصاريف الإدارية المتفق عليها بين الجهاز ووزارة التموين، وليست أرباحًا تجارية، لكنه في الوقت نفسه يشير إلى أن جميع عمليات الاستيراد وتوريد السلع إلى هيئة السلع التموينية، يجب أن تكون بالجنيه المصري وليس بالدولار أو غيره من العملات الأجنبية.
ويشدد على أن الهدف من تكليف الجهاز استيراد السلع التموينية هو ضمان وصولها إلى المستفيدين بالأسعار القانونية، وليس تحقيق أرباح أو التفوّق على الأسعار العالمية، مشددًا على أهمية الالتزام بالقوانين والمعايير الدولية لضمان الأمن الغذائي وفاعلية النظام الاستراتيجي في مصر.
نوصي للقراءة: الأمن الغذائي في مصر.. 21% فقر و49% بلا غذاء كافٍ

الأراضي بين التخصيص وحقوق الملاك
في 28 يناير الماضي، أعاد مجلس الوزراء فتح ملف تخصيص أراضي الدولة لصالح جهاز “مستقبل مصر للتنمية المستدامة”، بعد موافقته على مشروع قرار رئاسي بإعادة تخصيص مساحات واسعة من الأراضي المملوكة للدولة لاستخدامها في مشروعات تنموية.
جاء ذلك في سياق، القرار الجمهوري رقم 76 لسنة 2020 في 27 فبراير 2020، بإعادة تخصيص مساحات من الأراضي المملوكة للدولة بمحافظة مطروح لغرض مشروعات تنموية، وإقرار التصرفات القانونية السابقة داخل كردون العلمين وامتدادها، وإيقاف أي تصرفات جديدة، مع تشكيل لجان لحصر الأوضاع والتعاقدات.
غير أن هذه القرارات، فجّرت نزاعات حادة مع ملاك أراضٍ يؤكدون شرائهم تلك الأراضي عبر مزادات رسمية منذ ما يقرب من عقدين، قبل أن يجدوا أنفسهم مهددين بفقدان حيازتهم وتحويل ملكياتهم إلى “حق انتفاع سنوي” بالقوة، وسط تضارب في الولاية والقرارات الرسمية، بحسب ما أفاد به متضررون تحدثوا لـ”زاوية ثالثة”.
بدوره تقدّم أحد المواطنين بشكوى إلى رئاسة الجمهورية، – حصلت “زاوية ثالثة” على نسخة منها-، أوضح خلالها أنه اشترى قطعة أرض صحراوية بمساحة 170 فدانًا، قطعة رقم (26) كراسة رقم (4)، ضمن مشروع الساحل الشمالي، من الهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية، وذلك عبر مزاد علني عام 2006، وتسلّم الأرض على الطبيعة عام 2008، واستصلحها وزرعها، وبقيت الأرض في حيازته الفعلية حتى تاريخه.
يوضح صاحب الشكوى، الذي فضل عدم ذكر اسمه، أنه عقب صدور القرار، نُقلت الولاية على بعض الأراضي من هيئة التعمير والتنمية الزراعية إلى محافظة مطروح، وأدرجت قطعة الأرض محل النزاع ضمن القطعة (أ)، التي لم تشملها التعديلات اللاحقة، وظلت تابعة لمحافظة مطروح، وأُطلق عليها اسم “مدينة زهرة العلمين”.
ويشير إلى أنه فوجئ لاحقًا بحملة ضمّت قوات من الشرطة العسكرية وسيارات تابعة للقوات الجوية، قامت بمطالبته بإخلاء الأرض بدعوى تبعيتها لجهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة. وأضاف أنه قدّم المستندات التي تثبت ملكيته للأرض وشراءها بالمزاد، إلا أن هذه المستندات، بحسب روايته، لم يُعتدّ بها.
ويذكر أن قوات الأمن ألقت القبض على المتواجدين بالأرض، وتحفظت على سيارات محمّلة بمحاصيل زراعية وأسمدة وشبكات ري، وأجبر المالك والمستأجر والتاجر على التوقيع على عقود “حق انتفاع سنوي”، تحت التهديد بعدم الإفراج عن السيارات المحتجزة وإتلاف المحاصيل في حال الامتناع عن التوقيع، مطالبًا بتدخل رئاسة الجمهورية لإخطار جهاز “مستقبل مصر” بعدم التعرض له، وتسليمه نسخًا من العقود والأوراق التي تم توقيعها داخل الجهاز دون علمه بمحتواها، فضلًا عن الإفراج عن السيارات المحتجزة منذ أكثر من شهر.

في سياق متصل، يؤكد المهندس أحمد عيسى، أحد ملاك الأراضي المتضررين في مناطق العلمين ومطروح والساحل الشمالي، لـ”زاوية ثالثة” أن الأراضي التي يمتلكونها تم شراؤها عن طريق المزاد من الهيئة العامة لمشروعات التعمير بين عامي 2004 و2006، ودُفع ثمنها كاملًا مع استخراج بطاقات حيازة رسمية، مشيرًا إلى أن المساحة الإجمالية للأراضي المتضررة في حالة أسرته تبلغ نحو 5 آلاف و400 فدان ضمن 18 ألف فدان مستهدفة من قبل جهاز مستقبل مصر.
يقول: “جهاز مستقبل مصر دخل الأراضي بالقوة العسكرية، إذ توجهت قوات أمنية وعسكرية لتطبيق إجراءات الاستحواذ، وقمنا بعرض الإحداثيات والوثائق الرسمية التي تثبت ملكيتنا للأراضي، بما في ذلك قرار رئيس الجمهورية، دون أن نحصل على حل يضمن حقوقنا، وأصبحنا بأوامر الجهاز مجبرين على تحويل ملكيتنا الفعلية للأراضي إلى حق انتفاع سنوي يخضع لعقد غير واضح المحتوى”.
ويضيف: “الملاك واجهوا تهديدات من الجهاز لمستأجري الأراضي، بما في ذلك مصادرة عربيات ومعدات زراعية، ما اضطر البعض لدفع مبالغ مالية لتفادي خسائر أكبر، مؤكدًا أن معظم الأراضي الآن فارغة وخالية من الزراعة، وأن الخسائر المادية وصلت بالنسبة له إلى أكثر من 400 ألف جنيه بسبب توقف النشاط الزراعي وتعطل شبكة الري.
ويكشف أن عدد المتضررين يبلغ حوالي 25 مالكًا، يمتلكون نحو 30 إلى 32 قطعة أرض، مبيّنًا أن الأراضي الواقعة ضمن نطاق النزاع تشمل أهم الطرق في العلمين، مثل الطريق الساحلي البحري، وطريق الجيش، وطريق البترول، وأن الخرائط وقرارات رئيس الجمهورية تثبت ملكيتهم القانونية للأراضي.
ويُبيّن أن الأراضي الواقعة ضمن قرار رئيس الجمهورية لإنشاء “مدينة زهرة العلمين” تم نقل ولايتها من وزارة الزراعة الى محافظة مطروح، ثم استحوذ عليها جهاز مستقبل مصر تحت مسمى “مؤسسة وطنية للتنمية المستدامة”، مؤكدًا أن الجهاز طالب المستفيدين من الأراضي بوضع اليد بدفع مبلغ 5000 جنيه للفدان كإيجار سنوي، وهو ما اعتبره تعديًا على حقوق الملاك الأصليين.
ويُظهر عقد بيع ابتدائي صادر عن الهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية، التابعة لوزارة الزراعة المصرية، ومحضر تسليم يتعلقان بأراضٍ صحراوية مخصصة للاستصلاح ضمن مشروع 42.5 ألف فدان بالساحل الشمالي الغربي، بتاريخ 9/9/2007، – حصلت “زاوية ثالثة”، على نسخة منهما-، أن مساحتها الإجمالية تبلغ 18 فدانًا و3 قيراط و21 سهمًا، وتقع ضمن مشروع الحمام الضبعة في محافظة مطروح، وسبق أن تم تخصيصها وفق الإجراءات الرسمية للمزاد العلني، لاستغلالها ضمن نطاق المشروع المخصص للاستصلاح الزراعي.
بدورها أرسلت وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، ممثلة في هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، قطاع التخطيط والمشروعات، خطابًا إلى المهندس أحمد محمد عبد الرازق، المشرف على مكتب السيد الوزير، تضمن توجيهات بشأن التخطيط المستقبلي لاستخدامات أراضي القرار الجمهوري رقم 76 لسنة 2020، الذي أُنشئت بموجبه مدينة العلمين الجديدة جنوب الطريق الدولي الساحلي.
وأشار الخطاب إلى قرار الرئاسة المتعلق بتعديل حدود القرار الجمهوري لتخصيص بعض المناطق لصالح جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، مع استثناء قطعة الأرض (أ) بمساحة 100 فدان الواقعة أقصى الجنوب الشرقي للقطعة (ج)، مقترحًا مخاطبة المركز الوطني لتخطيط استخدامات أراضي الدولة لدراسة الموضوع واتخاذ الإجراءات اللازمة لتعديل حدود القرار الجمهوري وفق القواعد المقررة.

ويؤكد هذا المستند الرسمي الإجراءات الرسمية لتعديل حدود القرار الجمهوري، بما يخص تخصيص أراضي مدينة العلمين الجديدة لجهاز مستقبل مصر، مع استثناء قطعة الأرض المحددة جنوب شرق المشروع.
نوصي للقراءة: رأس المال يتمدد على شواطئ مصر.. البحر “ملكية” غير معلنة

إضعاف اختصاصات الوزارات
يعكس تولي جهاز “مستقبل مصر” مسؤولية الاستيراد تحولًا هيكليًا في إدارة السلع الاستراتيجية، يحمل في طياته فرصًا للمرونة وسرعة التعاقد، لكنه يطرح في الوقت ذاته تساؤلات حول التسعير، والشفافية، وتأثير فروقات الأسعار العالمية على الأمن الغذائي المصري.
الجهاز الذي بدأ كمشروع في عام 2017، وتم تغيير اسمه في 2022 ليصبح “جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة”، ويُصنّف رسميًا على أنه تابع للقوات الجوية المصرية، كان هدفه الأساسي استصلاح الأراضي الصحراوية، وشملت صلاحياته استيراد السلع الأساسية، بما في ذلك الحبوب والزيوت، مع توسع لاحق في مشروعات البنية التحتية، بما في ذلك الطرق، وشبكات الكهرباء والمياه والطاقة الشمسية العائمة، فضلًا عن امتداده إلى مشروعات عقارية وصناعية وغذائية، بحسب الباحث في سياسات التعاقدات وتعاون الدفاع، مؤمن أشرف.
ويشرح الباحث في تصريحات لـ”زاوية ثالثة”، أن الجهاز بدأ يسيطر على استيراد الحبوب الاستراتيجية، ما أدى إلى سحب مجالات عمل مهمة من وزارة التموين ووزارة التجارة ووزارة الزراعة، بما يتعارض مع الدور التقليدي للقوات المسلحة في مجالات الاستيراد والتخزين، لافتًا إلى أن ذلك يطرح “خطرًا على الحوكمة والرقابة والمحاسبة” ويضع مؤسسات الدولة أمام جهاز غير معروف للجمهور والرقابة البرلمانية.
يقول: ” هذا التوسع يجعل الجهاز أحد أخطر الأجهزة في الدولة المصرية، إذ يضعف اختصاص الوزارات ويحوّلها عمليًا إلى مكاتب سكرتارية تتبع الجهاز، وتكمن الخطورة في غياب الرقابة القانونية، وفي ظل وجود قانون أصدره الرئيس المؤقت عدلي منصور، أثناء ولايته، يحصّن العقود التي تبرمها الحكومة من الطعن عليها قضائيًا، فإن ذلك يحمي الجهاز من المساءلة”
ويرى الباحث أن هذا التوسع يهدد تراكم الخبرة والمعرفة البيروقراطية في الدولة، ويغيّب موظفي الدولة ذوي الخبرة في الوزارات عن عمليات اتخاذ القرار، ما يجعل الدولة ككل تعتمد على جهاز لا يعرف أحد تفاصيله أو أعضاؤه، – بحسب تعبيره-.
من ناحيته يرى محمد رمضان، الباحث الاقتصادي بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن جهاز “مستقبل مصر” يُعدّ جهة سيادية تتبع القوات الجوية، لكن طبيعته القانونية غير واضحة بشكل كامل من منظور الرقابة والمساءلة المالية، فهو على الأرجح غير خاضع للجهاز المركزي للمحاسبات.
ويوضح لـ”زاوية ثالثة”، أن إسناد استيراد السلع الاستراتيجية، مثل القمح والزيوت، للشراء المباشر دون مناقصات علنية يثير تساؤلات اقتصادية مهمة، فيما قد يؤدي إلى فروق سعرية تزيد من تكلفة الدعم الحكومي على المواطنين، مشيرًا إلى أن الهيئة العامة للسلع التموينية كانت تدار مدنيًا، ما يوفر قدرًا من الشفافية والرقابة، بينما تحول الملف الآن إلى جهاز سيادي، ما يحد من الإفصاح عن التفاصيل ويضع البرلمان أمام تحديات الرقابة الفعلية.
ويشرح الباحث أن القطاع الخاص ما زال مسموحًا له بالاستيراد ويشارك بنحو نصف واردات القمح السنوية، فيما يقتصر دور جهاز “مستقبل مصر” على الحصص المخصصة للدعم الحكومي، لكن غياب الشفافية والحوكمة في عمليات الشراء يمكن أن يؤدي إلى زيادة التكاليف على الدولة، خصوصًا إذا ثبت وجود فروق سعرية بين الأسعار العالمية وسعر التوريد المحلي، ما ينعكس على الموازنة وفعالية الدعم التمويني.
يقول: “النموذج الاستثماري الذي يتبعه الجهاز، سواء في إدارة الأراضي الزراعية أو نقل الأصول، يثير تساؤلات حول الاستدامة، لا سيما في ظل التحديات المائية والأمن الغذائي وقيود التجارة العالمية”، مؤكدًا أن التركيز يجب أن يكون على مدى قدرة هذا النموذج على دعم السيادة الغذائية للبلاد، وتحقيق القيمة المضافة للاقتصاد، بدلًا من الاكتفاء بالتركيز على إجراءات الجهاز الفردية.
ويعتبر “رمضان” أن نقل الأراضي الزراعية والممتلكات إلى تبعية الجهاز من شأنه أن يثير شبهات بشأن الشفافية والتسعير، خاصة مع القانون الذي يُحصّن العقود الحكومية من الطعن عليها قانونيًا، لكنه يشير إلى أن القضايا الأهم تتعلق بكفاءة النموذج الاستثماري ذاته، ومدى استدامته في مواجهة الأزمات المحلية والعالمية، مشددًا على أن الاهتمام الأساسي ينبغي أن ينصب على السياسات العامة لإدارة الأمن الغذائي، مؤكدًا أن أي جهاز، سيادي أو غير سيادي، لا يمكن أن يحل الأزمة بمفرده، بل يجب أن تكون هناك خطوات استراتيجية شاملة لضمان استدامة التوريد الغذائي للشعب المصري.
تكشف هذه المعطيات عن مشهد معقّد تتقاطع فيه إدارة السلع الاستراتيجية مع ملف الأراضي وحقوق الملكية، في ظل تمدّد جهاز “مستقبل مصر للتنمية المستدامة” خارج الأطر التقليدية للإدارة والرقابة؛ فبينما تبرّر الدولة هذا التوسّع باعتبارات تتعلق بالأمن الغذائي وتسريع التنفيذ، تظل الأسئلة الجوهرية مطروحة حول الشفافية، وأسعار الاستيراد، وآليات المساءلة، وحماية المال العام وحقوق الملاك.