close

التمويل الاستهلاكي في مصر: نموٌّ متسارع.. وأسئلة مُقلقة

الوجه الآخر لازدهار التمويل الاستهلاكي في مصر.. قفزة غير مسبوقة في عدد المقترضين إلى 9.25 مليون عميل، وديون تتجاوز 75 مليار جنيه، بينما تتراجع القدرة الشرائية وتتعاظم المخاطر الاجتماعية والاقتصادية
Picture of آية ياسر

آية ياسر

شهد العام 2025 طفرة لافتة في نشاط التمويل الاستهلاكي في مصر، تزامنًا مع سياق اقتصادي معقد، يتسم بارتفاع غير مسبوق في أعباء الدين العام، والذي وصل إلى نحو 18.37 تريليون جنيه في موازنة العام المالي (2025/ 2026)، فضلًا عن ارتفاع مدفوعات الدين إلى 4.38 تريليون جنيه، وتفاقم معدلات التضخم، الذي بلغت نسبته 12.5% بنهاية نوفمبر الماضي، واتساع رقعة الفقر مسجلة نسبة تتراوح بين 29% و 30%، بحسب رئيس الوزراء.

وتشير المؤشرات التراكمية إلى ارتفاع عدد عملاء التمويل الاستهلاكي ليصل إلى نحو 9.25 مليون عميل خلال الفترة من يناير إلى أكتوبر 2025، مقابل 3.27 مليون عميل خلال الفترة نفسها من عام 2024، بمعدل نمو بلغ 182.7%، كما ارتفعت قيمة التمويلات الاستهلاكية الممنوحة إلى نحو 74.98 مليار جنيه، مقارنة بنحو 47.45 مليار جنيه خلال الفترة ذاتها من العام السابق، بنسبة زيادة قدرها 58%.

وعلى المستوى الشهري، شهد أكتوبر الماضي قفزة حادة، حيث بلغ عدد المستفيدين نحو 1.15 مليون عميل، مقابل 374.5 ألف عميل في أكتوبر 2024، بمعدل نمو وصل إلى 208.1%. وفي السياق ذاته، ارتفعت قيمة التمويل الممنوح خلال الشهر إلى 8.95 مليار جنيه، مقارنة بـ 5.54 مليار جنيه في الشهر المناظر من العام الماضي، بنسبة زيادة بلغت 61.6%.

وخلال الأشهر الـ9 الأولى من العام 2025، ضخت  شركات التمويل الاستهلاكي 66.03 مليار جنيه للعملاء، مقابل 41.9 مليار جنيه خلال فترة المقارنة عام 2024، بنمو سنوي 57.5%، وفقاً للهيئة العامة للرقابة المالية، ويضم السوق المصري حاليًا 34 شركة مرخصة، عاملة في مجال التمويل الاستهلاكي، أبرزها: فوري للتمويل الاستهلاكي، يو للتمويل الاستهلاكي (فاليو للتمويل الاستهلاكي)، جلوبال كونتكت للتمويل الاستهلاكي، حالا للتمويل الاستهلاكي، بي تك للتمويل، أمان للتمويل الاستهلاكي، وان فاينانس لخدمات التمويل الاستهلاكي، معاك للتمويل الاستهلاكي، أبو ظبي الإسلامي للتمويل الاستهلاكي، تعمل بالتعاون مع البنوك وتجار التجزئة لتقديم حلول تقسيط وسداد للمستهلكين لشراء السلع والخدمات.

ويُقصد بـ التمويل الاستهلاكي كل أشكال التمويل التي تهدف إلى تمكين المقترض من شراء سلعة معمرة بغرض الاستهلاك، مع سداد قيمتها على فترة زمنية ممتدة، وهو يستهدف في المقام الأول القطاع العائلي، ويقع ضمن الأنشطة المالية غير المصرفية الخاضعة لرقابة الهيئة العامة للرقابة المالية، باعتبارها الجهة المختصة وفقًا لأحكام قانون تنظيم نشاط التمويل الاستهلاكي رقم 18 لسنة 2020.

 ويُنظر إليه باعتباره أحد الوسائل الرئيسية لتحقيق العدالة الاجتماعية، إذ يتيح للطبقات المتوسطة ومحدودة الدخل الوصول إلى الخدمات المالية، بما يسهم في تعزيز الشمول المالي، الذي يُعد أحد الأركان الأساسية لأهداف التنمية المستدامة التي أقرتها منظمة الأمم المتحدة، فضلًا عن كونه عنصرًا رئيسيًا في رؤية مصر 2030، غير أن هذا التوسع السريع، الذي يوصف بالطفرة، يثير التساؤلات حول طبيعته وحدوده، وما إذا كان يعكس تحسنًا اقتصاديًا حقيقيًا، أم أنه مؤشر على تعمق أزمة الديون وتآكل القدرة الشرائية للأسر.

ففي الوقت الذي تواصل فيه الدولة الاعتماد على الاقتراض الداخلي والخارجي لسد عجز الموازنة الذي ارتفع إلى 3.2% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي خلال أول 4 أشهر من العام المالي الجاري وخدمة الدين الذي ارتفعت فوائده بنسبة 54% مسجلة 695 مليار جنيه من إجمالي الميزانية، تتآكل دخول الأسر تحت ضغط موجات تضخمية متتالية رفعت أسعار الغذاء والطاقة والخدمات الأساسية، وأضعفت القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المجتمع.وتكشف المقارنة التاريخية عن مسار تصاعدي واضح؛ إذ ارتفع عدد عملاء التمويل الاستهلاكي من 323 ألف عميل في الربع الثالث من عام 2021، إلى 686 ألفًا في الفترة نفسها من 2022، ثم إلى 811 ألف عميل خلال الربع الثالث من عام 2023، مع تضاعف قيم التمويل من 4.5 مليار جنيه في 2021 إلى 7.6 مليار جنيه في 2022، ثم إلى 12.1 مليار جنيه في 2023، وارتفع عدد عملاء التمويل الاستهلاكي ليصل إلى 3.27 مليون عميل خلال الفترة نفسها من عام 2024، وسجل نحو 9.25 مليون عميل خلال الفترة ذاتها في 2025، كما ارتفعت قيمة التمويلات الاستهلاكية في الربع الثالث من 2024  لنحو 47.45 مليار جنيه، ووصلت إلى نحو 74.98 مليار جنيه، في الوقت نفسه من العام الجاري.

 

وتُظهر البيانات المتاحة تسارعًا لافتًا في معدلات نمو نشاط التمويل الاستهلاكي في مصر خلال الفترة من 2021 إلى 2025، سواء على مستوى أعداد العملاء أو قيم التمويل الممنوح؛ فخلال الربع الثالث من عام 2022، حقق عدد عملاء التمويل الاستهلاكي محققًا معدل نمو سنوي بلغ 112.7%، فيما قفزت قيمة التمويل الممنوح، بنسبة نمو قدرها 69%، واستمر الاتجاه الصعودي في الربع الثالث من عام 2023، حيث زاد عدد العملاء، بمعدل نمو أبطأ نسبيًا بلغ 18.2%، مقابل ارتفاع قوي في قيمة التمويل إلى 12.1 مليار جنيه%.

وعلى المستوى التراكمي، تكشف الفترة من يناير إلى أكتوبر 2024 عن طفرة غير مسبوقة، إذ ارتفع عدد عملاء التمويل الاستهلاكي، بمعدل نمو سنوي حاد بلغ 303.7% مقارنة بالفترة المناظرة من عام 2023، كما تضاعفت قيمة التمويل بنسبة بلغت 292.6%، وواصل النشاط نموه خلال الفترة من يناير إلى أكتوبر 2025، بمعدل نمو سنوي قدره 182.7%، بينما ارتفعت قيمة التمويل، محققة زيادة بلغت 58%.

وتعكس هذه المؤشرات اختلالًا واضحًا بين تسارع نمو قاعدة العملاء وتباطؤ نسبي في نمو قيم التمويل خلال العام الأخير، ما يشير إلى اتساع دائرة الاقتراض الاستهلاكي بوتيرة أسرع من الزيادة في متوسط قيمة التمويل للفرد.

 

نوصي للقراءة: 2026: عام التعافي الاقتصادي المنتظر أم بداية أزمة ديون جديدة؟

نمو زائف أم شمول مالي؟

بدورها ترى الدكتورة سالي صلاح، – خبيرة التخطيط الاستراتيجي التسويق الدولي-، أن هذا التوسع لا يعكس نجاحًا اقتصاديًا بقدر ما يكشف عن أزمة هيكلية تقوم على تعميق الديون بدلاً من زيادة الدخل أو الإنتاج، موضحة أن حجم التمويل الاستهلاكي خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025 بلغ نحو 75 مليار جنيه، مقارنة بنحو 47.45 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من عام 2024، أي بزيادة تقارب 58%، وهي قفزة تصفها الخبيرة بالزيادة الكارثية للديون، فيما تعتبر أن ارتفاع عدد العملاء من نحو 3.27 مليون عميل إلى أكثر من 9.25 مليون عميل، والذي يعني دخول نحو 6 ملايين شخص جدد إلى دائرة الاقتراض، بنسبة نمو وصلت إلى 182%، لا يعكس شمولًا ماليًا حقيقيًا، بل اتساع لرقعة الاستدانة.

وتشدد الخبيرة في حديثها لـ”زاوية ثالثة”، على أن التمويل الاستهلاكي لا يمثل مصدرًا للنمو، لأنه قائم على الديون لا على الإنتاج، موضحة أن غالبية القروض تُستخدم لتغطية احتياجات أساسية مثل الغذاء، العلاج، التعليم، والأجهزة المنزلية، وليس للإنفاق الترفيهي، وهو ما يعكس تآكل القدرة الشرائية للمواطنين في ظل ارتفاع الأسعار وثبات الدخول، محذرة من أن استمرار هذا النمط سيؤدي إلى انهيار مالي للأسر، خاصة مع توقع زيادات جديدة في أسعار الكهرباء والضرائب والخدمات، في وقت تلتهم فيه الأقساط أغلب الدخول الشهرية.

وعلى مستوى الاقتصاد الكلي، تعتقد سالي صلاح أن ما يحدث يمثل نموًا زائفًا يقود حتمًا إلى ركود تضخمي، حيث ترتفع المبيعات مؤقتًا بفعل الديون، ثم ينكمش الطلب الحقيقي مع تآكل الدخل المتاح بعد سداد الأقساط، معتبرة أن ارتفاع أرباح شركات التمويل لا يعكس صحة السوق، بل يعكس تضخمًا في الدين، سرعان ما ينقلب إلى تعثر واسع النطاق.

تقول: “إن الاقتصاد المصري يعاني من خلل بنيوي كونه اقتصادًا استهلاكيًا غير إنتاجي، في ظل غياب التوسع الصناعي وضعف خلق فرص العمل، واستمرار العجز التجاري الذي يقدر بنحو 50 مليار دولار، ما يضغط على العملة المحلية ويدفع الدولة لمزيد من الاقتراض”.

وتحذر من أن أزمة الدين الداخلي تمثل خطرًا أشد من الدين الخارجي، مشيرة إلى أن الحكومة تستحوذ على السيولة من السوق عبر الاقتراض من البنوك بأسعار فائدة مرتفعة، ما يزاحم القطاع الخاص ويعوق الاستثمار والإنتاج. وأوضحت أن الدين الداخلي لا يمكن إعادة هيكلته بسهولة، ويؤدي إلى شلل اقتصادي تدريجي.

 وتلفت إلى أن ارتفاع نسب التعثر، التي تتراوح حاليًا بين 3 و4%، مرشح للتصاعد، ما ينذر بموجة حجز على ممتلكات الأفراد، ويعمّق الأزمات الاجتماعية، في ظل تراجع جودة الخدمات العامة، خاصة التعليم والصحة، وانخفاض الإنفاق الحكومي عليهما مقارنة بالنسب الدستورية، مؤكدة أن النمو الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الإنتاج، والتصدير، وخلق الوظائف، وليس عبر توسيع دائرة الديون، التي تمثل “قنبلة اجتماعية واقتصادية موقوتة”.

وفي السياق نفسه يعتبر ساهر السعدي، مستشار الأعمال وعضو رابطة الاقتصاد العالمي، أنّ التوسع في القروض الاستهلاكية وقروض المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر عبر شركات التمويل الخاصة يُعد مؤشرًا خطِرًا على الاقتصاد، محذرًا من أنّ هذا المسار لا يقود إلى تنمية حقيقية، بل يفتح الباب أمام أزمات ديون داخلية ومشكلات اجتماعية واسعة النطاق.

ويوضح السعدي أنّ تجارب دولية سابقة، وعلى رأسها التجربة الصينية، تُظهر بوضوح مخاطر التوسع غير المنضبط في الإقراض عبر شركات خاصة وتطبيقات إلكترونية، مشيرًا إلى أنّ الصين شهدت في فترات سابقة انتشارًا واسعًا لشركات الإقراض السريع، التي منحت قروضًا بسهولة شديدة عبر التطبيقات، ما دفع أعدادًا كبيرة من المواطنين إلى الاقتراض دون دراسة لقدرتهم على السداد، غير أن أنّ تعثر المقترضين لاحقًا أدى إلى لجوء تلك الشركات إلى أساليب ضغط وتهديد وتشهير، وهو ما دفع الدولة في نهاية المطاف إلى التدخل الحاسم، وإلغاء نشاط هذه الشركات، وقصر الإقراض للأفراد على البنوك الخاضعة لرقابة الدولة والبنك المركزي، مع إلغاء القروض والفوائد التي منحتها الشركات غير القانونية.

ويؤكد السعدي لـ”زاوية ثالثة” أنّ القروض الشخصية، سواء كانت استهلاكية أو موجهة لمشروعات صغيرة ومتناهية الصغر، لا تؤدي في الغالب إلى انتعاش الاقتصاد، موضحًا أنّ صاحب المشروع الذي يعتمد على الاقتراض يظل أسيرًا لسداد الأقساط والفوائد، التي تلتهم أرباحه وتمنعه من التوسع أو النمو. واعتبر أنّ الفكرة الشائعة بأن القروض تساعد على تحقيق قفزات اقتصادية للمشروعات الصغيرة هي وهم شائع، لأن شركات الإقراض، بحسب قوله، يكون هدفها الأساسي تعظيم الفوائد، بل والاستفادة من تعثر المقترضين.

ويشير إلى أنّ التوسع في هذا النوع من القروض يُحوّل المشروع من كونه ملكًا لصاحبه إلى كونه “ملكًا للدَّين”، مؤكدًا أنّ تمويل المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر يجب أن يكون حصريًا تحت إشراف الحكومة ورقابة البنك المركزي، وليس عبر شركات خاصة، حتى وإن كانت مرخصة، لأن طبيعة هذا النشاط تمسّ الأمن الاقتصادي والاجتماعي للمواطنين.

وفيما يخص القروض الاستهلاكية المنتشرة في الريف والمناطق الفقيرة، يوضح السعدي أنّ لجوء المواطنين إلى الاقتراض لتزويج الأبناء أو تغطية نفقات صحية أو سداد ديون سابقة يؤدي إلى الوقوع في دائرة مغلقة من الاستدانة، حيث يتم سداد الدين بدينٍ آخر، وهو ما يفاقم الفقر بدلًا من تخفيفه، معتبرًا أنّ هذا النمط من الإقراض الاستهلاكي لا يخدم سوى الشركات المقرضة، التي تسعى إلى إخضاع أكبر عدد ممكن من المواطنين لالتزامات مالية طويلة الأجل.

يقول: “الإقراض لا ينبغي أن يتم إلا بضوابط صارمة وتحت رقابة حكومية مباشرة، القروض يجب أن تُمنح بهدف تحقيق عائد اقتصادي، لا لتغطية نفقات استهلاكية طارئة، كما أنّ التوسع في التمويل الاستهلاكي يشبه، في جوهره، خلق أزمة قروض، تنتهي بعجز المواطنين عن السداد، واضطرارهم إلى بيع ممتلكاتهم أو تعرضهم للحجز عليها لصالح الشركات المُقرضة”.

وحول تصنيف التمويل الاستهلاكي ضمن ما يُعرف بـ”بنوك الظل” أو الاقتصاد غير البنكي، يحذّر السعدي من المخاطر الجسيمة لهذا القطاع، وعلى رأسها شبهات غسل الأموال، موضحًا أنّ الأموال المتداولة داخل شركات الإقراض الخاصة لا تخضع، في كثير من الأحيان، للرقابة الصارمة نفسها المفروضة على البنوك الخاضعة للبنك المركزي، متسائلًا عن مصادر الأموال الضخمة التي تُضخ في السوق عبر هذه الشركات، وسرعة انتشارها الجغرافي، وكثافة العروض الترويجية التي تقدمها، معتبرًا أنّ هذه المؤشرات تثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة التدفقات المالية.

ويضيف أنّ تطبيقات التكنولوجيا المالية أسهمت بقوة في تسريع وتيرة التوسع في التمويل الاستهلاكي، نتيجة السهولة الشديدة في الحصول على القروض، التي باتت تُمنح أحيانًا خلال ساعات أو أيام قليلة، دون دراسات ائتمانية كافية، مشيرًا لوجود تحذيرات عالمية من ارتباط بعض شركات الإقراض غير البنكية بشبهات غسل أموال، -على حد تعبيره-.

ويؤكد على أنّ التوسع غير المنضبط في القروض الاستهلاكية وقروض المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر يمثل خطرًا اقتصاديًا واجتماعيًا، ويتطلب إعادة نظر جذرية في منظومة الإقراض، بما يضمن خضوعها الكامل لرقابة الدولة، وحماية المواطنين من الوقوع في فخ الديون.

 

نوصي للقراءة: هل تخدعنا مؤشرات التعافي؟ ما تكشفه أرقام التعداد الاقتصادي السادس عن هشاشة النمو في مصر

تغيّر أنماط الاستهلاك

من ناحيته يعتقد الدكتور إيهاب الدسوقي، – أستاذ الاقتصاد بأكاديمية السادات-، أنّ التوسع في التمويل الاستهلاكي يحمل دلالات متباينة، تختلف باختلاف زاوية النظر إليه؛ إذ أنّ التمويل الاستهلاكي يتيح للمستهلكين، في ظل الارتفاع الكبير في الأسعار، شراء السلع المعمّرة مرتفعة التكلفة، مثل السيارات والأجهزة الكهربائية، التي يصعب الحصول عليها نقدًا، موضحًا أنّ الأمر قد يكون إيجابيًا من منظور المستهلك، لكنه يطرح إشكاليات حقيقية على مستوى الاقتصاد الكلي.

في المقابل، يشير إلى أنّ المشكلة الأساسية تكمن في سلوك البنوك والمؤسسات المالية، التي يُفترض أن يكون دورها الرئيسي توجيه التمويل نحو القروض الاستثمارية المخصّصة لرجال الأعمال والمشروعات الإنتاجية، بما يساهم في زيادة الاستثمار والإنتاج داخل الاقتصاد المصري.

 إلا أنّ تراجع القروض الاستثمارية، بحسب الدسوقي، دفع البنوك إلى التوسع في الاستثمار في أذون الخزانة ثم في التمويل الاستهلاكي، نظرًا لما يحققه من أرباح مرتفعة قد تفوق في بعض الأحيان أرباح القروض الإنتاجية، وهو ما ينعكس سلبًا على الاقتصاد عبر تقليص حجم الاستثمارات الإنتاجية.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “لا توجد مشكلة في حد ذاتها في وجود أو حتى توسع أنشطة التمويل الاستهلاكي أو الأنشطة المالية غير البنكية، فالنمو الاقتصادي يستهدف في النهاية تمكين المستهلك من الاستهلاك، غير أنّ الخطورة تظهر عندما يتجاوز نمو التمويل الاستهلاكي معدلات نمو الاستثمارات الإنتاجية، بما يخلّ بالتوازن المطلوب بين الاستهلاك والإنتاج.

وفيما يتعلق بدلالات الارتفاع الكبير في الاعتماد على التمويل الاستهلاكي، يشدد أستاذ الاقتصاد على أنّه لا يعكس تحسنًا في القوة الشرائية للمواطنين، بل يشير بالأساس إلى تصاعد الضغوط التضخمية على دخولهم، مضيفًا أنّه: “لو كانت القوة الشرائية في تحسن، لما اضطر المستهلكون إلى اللجوء للقروض، خاصة مع ارتفاع تكلفتها”، معتبرًا أنّ هذا الاتجاه يعكس في جوهره تآكل الدخول وانخفاض القدرة على الشراء دون الاقتراض.

وكذلك يشير إلى أنّ هذا الوضع أدى إلى تغيّر ملحوظ في أنماط الاستهلاك لدى الأسر المصرية، حيث أصبح المواطنون يميلون إلى التركيز على شراء السلع الأساسية، والابتعاد عن السلع الرفاهية، نتيجة التضخم المرتفع وضعف نمو الأجور، بما لا يسمح بالاستهلاك بحرية كما كان الحال سابقًا.

ويخلص الدسوقي إلى أنّ استمرار التوسع في التمويل الاستهلاكي، دون توازٍ حقيقي مع نمو الاستثمارات الإنتاجية، يعكس اختلالًا هيكليًا في الاقتصاد، مؤكد ًا أنّ معالجة الأزمة تتطلب سياسات تعيد الاعتبار للإنتاج وزيادة الدخول، بدلًا من الاعتماد المتزايد على القروض لتغطية الاحتياجات المعيشية.

وبحسب رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، فإن السلع المعمرة والسيارات تُمثّل نحو 80% من محافظ التمويل الاستهلاكي وطبقًا لتقرير الربع الثالث (يوليو– سبتمبر) من العام 2025، الصادر عن الهيئة العامة للرقابة المالية،  فقد استحوذت الإلكترونيات والأجهزة الكهربائية على النصيب الأكبر من قيمة التمويل الاستهلاكي الممنوح، خلال تلك الفترة بقيمة بلغت نحو 4.96 مليار جنيه، وبنسبة 17.80% من إجمالي قيمة التمويل، وجاءت السيارات والمركبات في المرتبة الثانية بنسبة 17.75%، وبقيمة بلغت حوالي 4.94 مليار جنيه، فيما حلّت الأجهزة الكهربائية والمنزلية في المرتبة الثالثة، بقيمة تمويل بلغت نحو 4.6 مليار جنيه، وبنسبة 16.65%.

الزيادة الكبيرة في معدلات التمويل الاستهلاكي تعكس في الأساس حالة الركود التي تعانيها الأسواق المصرية، وفقًا للخبير الاقتصادي الدكتور زهدي الشامي، القيادي بحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، الذي يعتبر أنّ هذا التوسع ليس مؤشرًا إيجابيًا على تعافي الاقتصاد، بل أداة مؤقتة لمواجهة تراجع الطلب وضعف الحركة الاقتصادية.

ويوضح الشامي لـ”زاوية ثالثة” أنّ التوسع في التمويل الاستهلاكي يأتي على حساب التمويل الموجّه للأنشطة الإنتاجية، مثل الصناعة والزراعة، مشيرًا إلى أنّ جزءًا معتبرًا من التمويلات يتجه إلى قطاع العقارات، وهو ما يعطي مؤشرًا سلبيًا على مسار التنمية الاقتصادية الحقيقية، التي يفترض أن تتركز في القطاعات الإنتاجية القادرة على خلق قيمة مضافة وفرص عمل مستدامة.

“زيادة التمويل الاستهلاكي ترتبط، بشكلٍ غير مباشر، بالظروف الاقتصادية العامة، وعلى رأسها معدلات التضخم”.. يقول، إلا أنّه لا يرى أنّ هذا النوع من التمويل يستهدف الشرائح الفقيرة في الأساس، موضحًا أنّ المستفيدين الرئيسيين منه ينتمون غالبًا إلى الشرائح المتوسطة والمتوسطة العليا، التي تلجأ إلى القروض لشراء سلع معمّرة، مثل السيارات وغيرها من السلع غير الأساسية، بهدف التكيف مع ارتفاع الأسعار، وليس لتلبية احتياجات معيشية ضرورية.

ويضيف: “الفئات الفقيرة لا تملك فرصًا حقيقية للاقتراض المنظم، باستثناء الأشكال الهشة وغير الآمنة، مثل القروض غير الرسمية أو تطبيقات الإقراض، وهو ما يفاقم من هشاشتها الاقتصادية بدلًا من تحسين أوضاعها”.

وحول انتشار القروض الصغيرة عبر التطبيقات الإلكترونية، خاصة في الريف المصري، يُحذّر الشامي من أنّ هذه الأنماط من الاقتراض قد تنطوي على مخاطر كبيرة، وقد تفتح الباب أمام ممارسات احتيالية تستهدف صغار المقترضين، وتدفعهم إلى الوقوع في دائرة مفرغة من الديون، شبيهة بما شهدته مصر سابقًا في قضايا الغارمات، واصفًا هذه الممارسات بأنها “شكلًا من أشكال استغلال الفئات الأضعف، التي تلجأ إلى الاقتراض لتدبير احتياجات عاجلة، دون إدراك كامل لتبعات الفوائد المرتفعة وآليات السداد”.

وفيما يتعلق بتأثير السياسات الاقتصادية الحكومية، يؤكد الخبير أنّ ارتفاع معدلات التضخم يؤدي بالضرورة إلى زيادة معدلات الفقر، إذ أنّ التضخم يُعدّ بمثابة ضريبة غير مباشرة تُفرض على أصحاب الدخول الثابتة، من أجور ومعاشات، يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية لدخولهم بشكل مستمر، بينما تظل الزيادات والتعويضات الاجتماعية أقل من معدلات التضخم الفعلية، مؤكدًا على أنّ استمرار هذا المسار، القائم على تغليب التمويل الاستهلاكي على حساب الإنتاج، يعمّق الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية، بدلًا من معالجتها جذريًا.

 

نوصي للقراءة: بيع أصول الدولة.. الصكوك السيادية المصرية بين خفض الدين ورهن المستقبل

تراجع مستوى المعيشة

 الارتفاع الكبير في التمويل الاستهلاكي يعكس بالأساس عمق الأزمة الاقتصادية وتأثيرها المباشر على أنماط الاستهلاك، وليس تحسنًا في أوضاع المواطنين أو توسعًا حقيقيًا في النفاذ العادل للتمويل، بحسب محمد رمضان، – الباحث في العدالة الاقتصادية والاجتماعية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية-، الذي يُرجع الطفرة في أرقام التمويل الاستهلاكي إلى التحول في بنية القطاع المالي، إذ ظل القطاع البنكي التقليدي “معاديًا للشرائح غير المدخرة” وغير القادرة على تقديم ضمانات، ما جعل سؤال النفاذ للتمويل أحد الإشكاليات المزمنة في مصر. 

وفي المقابل، يرى الباحث أن القطاع المالي غير المصرفي، خاصة شركات التقسيط والتمويل الاستهلاكي، لعب دور الوسيط بين البنوك والمستهلكين النهائيين، مستفيدًا من انتشار تطبيقات التكنولوجيا المالية (Fintech)، وهو ما سمح لهذا القطاع بالنمو السريع خلال السنوات الأخيرة، مشيرًا إلى أن اللافت في هذا التوسع هو حدوثه رغم الارتفاع الكبير في أسعار الفائدة خلال العامين أو الثلاثة الماضية، خاصة منذ عام 2023، وهو ما كان من المفترض أن يؤدي إلى إحجام عن الاقتراض، لكن ما حدث، بحسب رمضان، أن الأزمة الاقتصادية دفعت الأسر إلى استخدام أدوات التقسيط والتمويل الاستهلاكي كوسيلة لمواجهة الضغوط المعيشية.

ويؤكد لـ”زاوية ثالثة” أن ما حدث هو توسع في قدرة شرائح مختلفة على شراء السلع الاستهلاكية بالتقسيط، وليس توسعًا في قدرتهم على الحصول على تمويل يدعم الإنتاج أو خلق فرص عمل، و”هذا التوسع لا يعني تحسن نفاذ الفئات الأفقر إلى التمويل المنتج”، موضحًا أن التمويل الاستهلاكي الفردي ينمو بوتيرة مرتفعة، في حين يظل تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة محدودًا للغاية، مقارنة بحجم القروض الموجهة للشركات الكبرى أو بحجم أصول وودائع القطاع البنكي. 

ويوضح أن الأسر في الأوضاع الطبيعية تلجأ إلى المدخرات لمواجهة ارتفاع الأسعار، لكن في ظل غيابها واضطرار الأسر للاحتفاظ بمستوى استهلاك أساسي لا يمكن الاستغناء عنه، يصبح اللجوء إلى التقسيط خيارًا شبه إجباري، مشيرًا إلى أن ضعف البيانات المتاحة حول طبيعة المستفيدين من التمويل الاستهلاكي يحد من القدرة على تحديد الفئات الاجتماعية الأكثر انخراطًا في هذه الديون.

رغم ذلك يرى الباحث في العدالة الاقتصادية أن ديون الأسر في مصر ما تزال محدودة نسبيًا مقارنة بحجم الدين العام أو ديون الحكومة أو حتى بأصول القطاع البنكي التي تقدر بتريليونات الجنيهات، لكنه في المقابل حذّر من أن هذه الديون تمثل ترحيلًا للفقر إلى المستقبل، حيث تلجأ الأسر إلى الاقتراض للحفاظ على مستوى معيشتها الحالي في ظل الأزمة، على أن تتحمل كلفة ذلك لاحقًا على شكل أقساط وفوائد تمتد لسنوات، في ظل غياب حلول جذرية لضعف الأجور وارتفاع الأسعار.

وسبق أن أصدرت الهيئة العامة للرقابة المالية، برئاسة الدكتور محمد فريد، القرار رقم 138 لسنة 2025 بتعديل القرار رقم 81 لسنة 2023، برفع الحد الأقصى لمبلغ التمويل النقدي المُسبق لأغراض استهلاكية الممنوح للعميل الواحد لكافة العمليات المُمولة إلى 50 ألف جنيه من 10 آلاف جنيه.

وفي الوقت الذي تعد فيه القروض الاستهلاكية أداةً مالية مهمة لتلبية احتياجات الأفراد، إلا أنها تنطوي على مخاطر جسيمة إذا لم تُدار بشكلٍ رشيد، سواء على مستوى المقترض أو المؤسسات المالية أو الاقتصاد الكلي، أبرزها: زيادة عبء المديونية على المقترضين، بما يؤدي إلى تراكم الأقساط والتهم جزءًا كبيرًا من الدخل الشهري، وهو ما ينعكس سلبًا على القدرة على الوفاء بالالتزامات الأساسية، كما أنّ التعثر في السداد، الناتج عن فقدان الوظيفة أو انخفاض الدخل المفاجئ، قد يترتب عليه غرامات وإجراءات قانونية، فضلًا عن تراجع القدرة الادخارية، والدخول في حلقة مفرغة من الديون، بحسب الدكتور عادل عامر، أستاذ القانون العام والاقتصاد الدولي ومدير مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية.

وبشأن المخاطر على مستوى البنوك والمؤسسات المالية، يشرح عامر لـ”زاوية ثالثة” أنّ التوسع غير المدروس في القروض الاستهلاكية يرفع من مخاطر الائتمان، ويؤدي إلى تدهور جودة المحافظ الائتمانية، خاصة إذا زادت القروض الاستهلاكية على حساب القروض الإنتاجية، وهو ما قد يضعف ربحية البنوك واستقرارها المالي على المدى الطويل، مُحذّرًا من المخاطر التشغيلية المرتبطة بالضغط على نظم التقييم الائتماني والتحقق من الدخل، بما قد يؤدي إلى منح قروض لعملاء غير مؤهلين.

وفيما يخصّ الاقتصاد الكلي، يؤكد مدير المركز أنّ التوسع المفرط في القروض الاستهلاكية يشجع على الاستهلاك غير المنتج، ويحدّ من توجيه الموارد نحو الاستثمار والإنتاج، ما يخلق ضغوطًا تضخمية نتيجة زيادة الطلب دون زيادة موازية في العرض، لافتًا إلى أنّ ارتفاع معدلات التعثر الجماعي قد يهدد الاستقرار المالي ويؤثر على الثقة في الجهاز المصرفي.

ويتطرق الخبير إلى المخاطر الاجتماعية المترتبة على القروض الاستهلاكية، موضحًا أنّ تراكم الديون قد يسبب ضغوطًا نفسية وأسرية ومشكلات اجتماعية، فضلًا عن تراجع مستوى المعيشة، حيث يضطر الأفراد إلى تقليص الإنفاق على التعليم أو الصحة بسبب التزامات السداد.

وعلى الصعيد القانوني يوضح أنّ العقوبات في حال تعثر المقترض عن السداد تختلف من شركة لأخرى، مشيرًا إلى أنّ بعض الشركات تلجأ إلى إيصالات الأمانة، التي غالبًا ما تنتهي بالبراءة، بينما تعتمد شركات أخرى على الكمبيالات، التي تُنظر أمام المحاكم المدنية وتؤدي إلى أحكام إلزام بالسداد والحجز على أموال المدين، وفي أغلب الحالات، يكون الضامن هو المتضرر الأساسي عند تعثر المقترض.

ويشير عامر لكون قانون تنظيم نشاط التمويل الاستهلاكي رقم 18 لسنة 2020، استهدف تحجيم الأنشطة غير القانونية ومكافحة غسل الأموال، من خلال إخضاع شركات التمويل الاستهلاكي للترخيص والرقابة من الهيئة العامة للرقابة المالية، والالتزام بقواعد الحوكمة والإفصاح، وربط النشاط بمنظومة مكافحة غسل الأموال ووحدة غسل الأموال بالبنك المركزي، موضحًا أنّه ألزم الشركات بإجراءات “اعرف عميلك”، والإبلاغ عن العمليات المشبوهة، وتوثيق العقود والبيانات المالية، واستخدام قنوات دفع رسمية، بما يضيّق فرص تمرير الأموال مجهولة المصدر أو غير المشروعة.

كذلك يشير إلى أنّ القانون منع التمويل الوهمي أو الصوري عبر ربط التمويل بسلع وخدمات حقيقية، ما أسهم في سدّ أحد المنافذ الشائعة لغسل الأموال تحت غطاء البيع بالتقسيط، لكنه يشدّد على أنّ فاعلية القانون تبقى مرهونة بحسن التنفيذ والرقابة الصارمة، محذرًا من أنّ أي تراخٍ رقابي قد يفتح الباب لظهور أشكال جديدة من التحايل، خاصة في ظل تطور التكنولوجيا المالية.

مخاطر التمويل الاستهلاكي لا يمكن فصلها عن السياق الأوسع للأزمة الاقتصادية التي تمرّ بها البلاد، إذ أنّ التوسع الكبير في هذا النوع من التمويل يعكس تدهور الأوضاع المعيشية، وليس مجرد خلل تشريعي أو تنظيمي، بحسب ما يخلص إليه المحامي الحقوقي مالك عدلي، مدير المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

ويعتقد المحامي الحقوقي أنّ قانون تنظيم التمويل الاستهلاكي رقم 18 لسنة 2020 لم يوفّر حماية حقيقية للمواطنين من مخاطر الاقتراض، بل سمح، في رأيه، بإفراطٍ واسعٍ في استخدام التمويل الاستهلاكي، لدرجة امتداده إلى تمويل سلع استهلاكية بسيطة للغاية، وهو ما يكشف عن عمق الأزمة الاقتصادية وضغوط الفقر على شرائح واسعة من المواطنين.

ويوضح أنّ عدم سداد القروض، سواء المرتبطة بالتمويل الاستهلاكي أو بغيره، ينتهي في كثير من الأحيان إلى عقوبات سالبة للحرية، بشكل مباشر أو غير مباشر، مُبينًا أنّ الديون المرتبطة بالشيكات وإيصالات الأمانة تقود مباشرةً إلى الحبس، بينما تؤدي الديون المدنية الخاصة بالقروض إلى أحكام إلزام وحجز وتبديد، وهي جرائم تتضمن أيضًا عقوبات حبس وغرامات، ويعد الإطار القانوني الحاكم لهذه المسائل هو قانون التنفيذ الجبري، وليس قانون التمويل الاستهلاكي ذاته، ما يجعل سيناريو الحبس حاضرًا دائمًا.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “العديد من هذه الشركات تعمل بطرق غير قانونية، مستخدمةً أساليب الابتزاز والتهديد والتشهير، بما في ذلك التهجم على منازل المدينين وتسريب بياناتهم الشخصية، وهذه الممارسات أصبحت ظاهرة مرعبة في مصر خلال السنوات الأخيرة، وتمسّ مواطنين من مختلف الطبقات الاجتماعية، سواء في تعاملهم مع شركات التمويل الاستهلاكي أو حتى مع البنوك”.

كذلك يشرح أنّ جزءًا من شركات التحصيل يعمل تحت غطاء مكاتب محاماة، تتخصص في تحصيل الديون والشيكات وإيصالات الأمانة، مشيرًا إلى أنّ تجارة الديون نفسها أصبحت نشاطًا مربحًا، حيث تُباع الديون لشركات تحصيل تتولى استردادها مقابل نسبة، ما يفتح الباب أمام ممارسات أقرب إلى البلطجة بدلًا من اللجوء إلى المسار القانوني الطبيعي، الذي يتطلب شهورًا وربما سنوات من التقاضي.

ويشدد عدلي على أنّ هذا الواقع يستدعي تدخلًا تشريعيًا عاجلًا، من خلال تغليظ العقوبات على ممارسات الابتزاز والتشهير في تحصيل الديون، إلى جانب ضبطٍ أكبر لأنشطة التمويل الاستهلاكي، معتبرًا أنّ منح قروض دون ضمانات حقيقية، في مجتمع يعاني جزءٌ كبيرٌ من مواطنيه الفقر، يطرح تساؤلات جوهرية حول جدوى هذا النموذج وخطورته.

وسبق أن أصدرت الهيئة العامة للرقابة المالية، في سبتمبر الماضي، قرارًا يلزم الاتحاد المصري للجهات العاملة في مجال التمويل الاستهلاكي، بإعداد قائمة حظر تتضمن الجهات والأشخاص الذين يثبت قيامهم بالتسييل النقدي للتمويل الممنوح بغرض الاستهلاك، وشمل ذلك بائعي ومقدمي السلع والخدمات، والسماسرة، والعملاء، وكذلك العاملين بشركات التمويل الاستهلاكي.

وفي ديسمبر أعلنت الهيئة العامة للرقابة المالية انتهاء لجنة مكافحة الاحتيال، باتحاد التمويل الاستهلاكي من إعداد أول قاعدة بيانات مركزية وموحدة للجهات والأفراد المتورطين في ممارسات ضارة كتسييل التمويل الاستهلاكي وعمليات الاحتيال.

وتعليقًا على قرارات الهيئة  يُبيّن مالك عدلي أنّ قضايا مثل غسيل الأموال لا تُحاصَر فقط من خلال القوانين المحلية، بل ترتبط بإطار دولي أوسع لمكافحة هذه الجرائم، معتبرًا أنّ ما يحدث في مصر هو خلطٌ بين سياسات اقتصادية رأسمالية عنيفة وتراجع الدور الاجتماعي للدولة، ما فاقم الأزمات بدلًا من حلها.

ويوضح أنّ الدولة كانت، في السابق، تضطلع بدور رئيسي في تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، من خلال أجهزة رسمية وبنوك كبرى، ضمن إطار قانوني منضبط يضمن قدرًا من الاستدامة لتلك المشروعات، باعتبارها أدوات لمكافحة الفقر، إلا أنّ هذا الدور، بحسب عدلي، جرى تفريغه تدريجيًا لصالح شركات ربحية لا تحمل نفس الأهداف الاجتماعية.

ويعتبر أنّ تحويل تمويل الفقراء والمشروعات الصغيرة إلى نشاط استثماري بحت يقوّض الهدف الاجتماعي من التمويل، مؤكدًا على أنّ ترك هذا المجال لشركات تستهدف الربح فقط أدّى إلى “إرباك المشهد الاقتصادي والاجتماعي، وفتح الباب أمام تمويل استهلاكي بلا جدوى حقيقية، يقتصر على تلبية احتياجات استهلاكية يومية، بدلًا من دعم إنتاج حقيقي ومستدام”.

وفي هذا السياق، لا يبدو التوسع السريع في التمويل الاستهلاكي معزولًا عن الواقع المعيشي، بقدر ما يعكس محاولة الأسر التكيّف مع ضغوط اقتصادية متراكمة، عبر ترحيل تكلفة الاستهلاك إلى المستقبل. فبينما تُظهر المؤشرات الرسمية تراجع القوة الشرائية الحقيقية للأجور، وارتفاع نسب الفقر وتزايد الاعتماد على الاستدانة لتغطية الاحتياجات الأساسية، يشهد سوق التمويل الاستهلاكي نموًا متسارعًا يُقدَّم رسميًا بوصفه إنجازًا في مسار الشمول المالي.

وفي محاولة منها لمواجهة بعض مخاطر التمويل الاستهلاكي، اتخذت الهيئة العامة للرقابة المالية سلسلة من الإجراءات، أبرزها رفع الحد الأقصى للتمويل النقدي المُسبق للعميل الواحد إلى 50 ألف جنيه، وإلزام اتحاد التمويل الاستهلاكي بإعداد قوائم حظر للجهات والأشخاص المتورطين في تسييل التمويل، فضلًا عن إلغاء تراخيص مئات الجمعيات المخالفة في نشاط التمويل متناهي الصغر، وإنشاء قاعدة بيانات مركزية لمكافحة الاحتيال.

غير أن حقوقيين وخبراء اقتصاديون، يرون أن الإطار التشريعي الحالي لا يوفر حماية كافية للمواطنين، وأن الإفراط في التمويل الاستهلاكي يعكس تراجع الدور الاجتماعي للدولة، وتحويل تمويل الفئات الأضعف إلى نشاط ربحي بحت، ينتهي في كثير من الأحيان بالحبس أو الحجز على الممتلكات.

تكشف الطفرة الرقمية في التمويل الاستهلاكي عن مفارقة أساسية: سوق ينمو بسرعة، وأسر تلجأ إلى والاقتراض بوتيرة غير مسبوقة، وبينما ترى الجهات الرسمية في هذا النمو مؤشرًا على الشمول المالي، يرى خبراء واقتصاديون أنه تعبير عن أزمة أعمق، عنوانها تآكل الدخل، وغياب الإنتاج، وترحيل الفقر إلى المستقبل عبر الأقساط والديون.. فيما، يظل السؤال قائمًا: هل يتحول التمويل الاستهلاكي إلى أداة لتخفيف الصدمات المعيشية مؤقتًا، أم إلى قنبلة اجتماعية واقتصادية موقوتة؟

آية ياسر
صحافية وكاتبة وروائية مصرية حاصلة على بكالوريوس الإعلام- جامعة القاهرة.

Search