close

تحت الأرض غاز وفوقها رفع الدعم: مفارقة الطاقة في مصر

رغم الإعلان عن اكتشافات جديدة للغاز، تواصل مصر رفع أسعار الطاقة واستيراد الغاز لسد فجوة الإنتاج. تقرير يرصد مفارقة الأمن الطاقوي وكلفته الاجتماعية على الأسر.
Picture of آية ياسر

آية ياسر

في الوقت الذي تُكثف فيه الحكومة المصرية إعلانها عن اكتشافات جديدة للغاز الطبيعي والنفط، وتقدّمها بوصفها دليلًا على تعافي قطاع الطاقة وتعزيز الأمن الطاقوي، تمضي السياسات الاقتصادية في مسار موازٍ يقوم على تفكيك منظومة دعم الطاقة ونقل أعبائها تدريجيًا إلى المستهلكين، تحت لافتة “الإصلاح الهيكلي” الذي يُقدم باعتباره خيارًا لا بديل عنه.

وبين هذين المسارين، توسّع الدولة استثماراتها في أنشطة الاستكشاف والاستيراد، وتبرم عقودًا طويلة الأجل بمليارات الدولارات، فيما تتراجع في المقابل عن التزامها التاريخي باعتبار الطاقة أحد الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين، لتتعامل معها بوصفها سلعة خاضعة لمنطق السوق والتسعير العالمي، لا خدمة أساسية تُؤمَّن بوصفها حقًا عامًا.

مؤخرًا، شهد قطاع الطاقة في مصر الإعلان عن سلسلة اكتشافات جديدة للبترول والغاز الطبيعي، تركزت في الصحراء الغربية، ودلتا النيل، والصحراء الشرقية، في إطار جهود رسمية لتعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات، في ظل فجوة متنامية بين العرض والطلب وارتفاع أعباء الاستيراد. 

وخلال الفترة من نوفمبر 2025 إلى يناير 2026، أعلنت وزارة البترول والثروة المعدنية، عن سلسلة اكتشافات في عدة آبار استكشافية، أضافت نحو 47 مليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي يوميًا، إلى جانب حوالي 4300 برميل من النفط الخام والمكثفات.

وفي يناير 2026، شهد القطاع خمس اكتشافات جديدة، من بينها ثلاث لشركة خلدة للبترول، بإنتاج مجمّع يصل إلى نحو 2550 برميل نفط ومكثفات يوميًا، إضافة إلى 29 مليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي. كما تم الإعلان عن اكتشاف غازي في دلتا النيل ضمن خزان أبو ماضي، عبر مشروع مشترك بين شركتي ديسوق وهاربور إنرجي.

في الصحراء الغربية، سجلت أربعة اكتشافات إضافية، تضيف نحو 4500 برميل نفط يوميًا و2.6 مليون قدم مكعبة من الغاز، بينها اكتشاف لشركة ثروة للبترول في بئر (EAS Z-3) بشرق أبو سنان بإنتاج 1500 برميل نفط يوميًا، واكتشافان لشركة |”خلدة” في آبار (Sultan S-1X RC) و(Alex NW-1X) بإنتاج مجمع يزيد على 1500 برميل نفط و1.7 مليون قدم مكعبة غاز، واكتشاف لشركة “برج العرب للبترول” في بئر (AS Z-2X) بمنطقة أبو سنان.

قبيل ذلك، أعلنت شركة بدر الدين للبترول (BAPETCO)، – وهي مشروع مشترك بين الهيئة المصرية العامة للبترول وشركة شل -، في نوفمبر 2025، عن اكتشاف غازي جديد في منطقة بدر-15 بالصحراء الغربية، بطاقة إنتاجية بلغت نحو 16 مليون قدم مكعبة من الغاز يوميًا، و750 برميل مكثفات يوميًّا، مع إضافة تُقدر بنحو 15 مليار قدم مكعبة إلى الاحتياطيات القابلة للاستخراج. وفي ديسمبر 2025، أعلنت شركة إيني الإيطالية استكمال حفر بئر “ظهر 6” في البحر المتوسط، مضيفةً نحو 60 مليونَ قدم مكعبة من الغاز يوميًا إلى إنتاج حقل ظهر، – الذي كان يُنظر إليه منذ اكتشافه في 2015 باعتباره حجر الزاوية في استراتيجية الاكتفاء الذاتي من الغاز، قبل أن تكشف السنوات اللاحقة عن تحديات تتعلق بتناقص الإنتاج وارتفاع الاستهلاك المحلي- .

ديسمبر شهد أيضًا، الإعلان عن اكتشافات أخرى في دلتا النيل والصحراء الشرقية، أضافت مجتمعةً أكثر من 5 ألاف برميل نفطٍ يوميًا، ونحو 42 مليونَ قدم مكعبة من الغاز، ما يعكس نمطًا متكررًا من الاكتشافات المتوسطة الحجم، التي تسهم في دعم الإنتاج، دون أن تُحدث قفزة هيكلية في ميزان الطاقة.

وخلال السنة المالية (2024/2025)، تشير بيانات صادرة عن وزارة البترول إلى تسجيل 75 اكتشافًا جديدًا للنفط والغاز، أسهمت في إضافة نحو 1.1 مليارِ متر مكعب من الغاز، و200 ألفِ برميل نفط يوميًا إلى الإنتاج، ورغم أهمية هذه الأرقام في حد ذاتها، فإن دلالتها الفعلية تظل مرهونة بقدرة الدولة على تحويل هذه الاكتشافات إلى إنتاج مستدام، في سياق يعاني فيه القطاع من تراجع نسبي في الإنتاج خلال السنوات الأخيرة. 

بموازاة ذلك، تخطط مصر لحفر أكثر من 100 بئرٍ استكشافية خلال عام 2026، من بينها 14 بئرًا في البحر المتوسط تستهدف احتياطيات تُقدر بنحو 12 تريليونَ قدمٍ مكعبة من الغاز، كما أعلنت الحكومة خططًا لحفر 480 بئرًا استكشافية على مدى خمس سنوات، باستثمارات تُقدر بنحو 5.7 ملياراتِ دولارٍ، بمشاركة شركات دولية كبرى، من بينها إيني بنحو 8 ملياراتِ دولارٍ، وبي بي بنحو 5 مليارات، و”أركيوس” بنحو 3.7 مليارات.

غير أن هذه الاكتشافات والاستثمارات تأتي في وقت تواصل فيه مصر استيراد الغاز الطبيعي المسال، لسد الفجوة بين الإنتاج المحلي والطلب المتزايد، خاصة في قطاع الكهرباء، ما يثير تساؤلات حول مدى قدرة الاكتشافات الأخيرة على إحداث تحول فعلي في ميزان الطاقة، أم أنها تظل مكاسب مؤجلة الأثر.

 

نوصي للقراءة: غاز إسرائيل في مصر.. الصفقة الأضخم منذ عقود

تأمين الإمدادات أم تعميق الاعتماد على الخارج؟

بالتزامن مع الإعلان عن الاكتشافات الجديدة، شهدت الفترة من أكتوبر 2025 إلى يناير 2026 توقيع الحكومة المصرية لعدد من اتفاقيات استيراد الغاز الطبيعي، في ظل تراجع الإنتاج المحلي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعب يوميًا، ضمن  مساعٍ حكومية لتعزيز الإنتاج المحلي وتعويض التراجعات التي شهدها القطاع منذ 2022، بهدف الوصول إلى 6.6 مليار قدم مكعب يوميًا بحلول 2027 لتلبية الاستهلاك المحلي، الذي يتجاوز حاليًا 6.2 مليار قدم مكعب يوميًا، أي ما يعادل نحو 2.2 تريليون قدم مكعب سنويًا. ويستحوذ قطاع الكهرباء على الحصة الأكبر من هذا الاستهلاك، بنسبة تقارب 58 إلى 60%، بحسب بيانات (2023/2024).

وبلغت واردات مصر من الغاز المسال في عام 2025 نحو 9.01 ملايينَ طنٍّ متريٍّ، معظمها من الولايات المتحدة، بنسبة تجاوزت 90 في المئة، مع توقعات بارتفاع الواردات إلى 11.14 مليونَ طنٍّ في 2026، بزيادة تُقدَّر بنحو 26.3%.

وفي فبراير من العام الماضي، وقعت مصر اتفاقًا بقيمة 3 ملياراتِ دولارٍ مع شركتي شل وتوتال إنرجيز لتوريد نحو 60 شحنة من الغاز الطبيعي المسال خلال عام 2025، قبل أن يجري توسيع الاتفاق لاحقًا ليشمل ما يصل إلى 160 شحنةً خلال عامَي 2025 و 2026، لتأمين إمدادات الكهرباء.

وفي أغسطس، أعلنت تل أبيب عن إبرام “أكبر صفقة غاز في تاريخها” مع القاهرة، بقيمة 35 مليار دولار، لتصدير نحو 130 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي حتى عام 2040، وتضاعف الصفقة، التي وُقّعت بين شركات إسرائيلية أبرزها “نيو ميد”، الشريكة في حقل ليفياثان العملاق، والجانب المصري، حجم التصدير الذي بدأ عام 2019 (60 مليار متر مكعب آنذاك)، ما يجعل مصر الوجهة الأكبر للغاز الإسرائيلي في المنطقة.

وفي أكتوبر وقّعت مصر اتفاقيتين تجاريتين مع قبرص لنقل الغاز من حقل “كرونوس” القبرصي إلى مصر، لتسييله في محطتي إدكو ودمياط، قبل إعادة تصديره، وفي يناير من العام الجاري، وقعت مصر مذكرة تفاهم مع قطر لتعزيز التعاون في مبيعات واستيراد الغاز الطبيعي المسال (LNG)، بما في ذلك توريد ما يصل إلى 24 شحنة (LNG) إلى موانئ عين السخنة ودمياط خلال صيف 2026 (من يونيو إلى سبتمبر)، ويهدف الاتفاق إلى تأمين الطلب الصيفي على الطاقة لتوليد الكهرباء، خاصة مع ارتفاع واردات مصر من الغاز المسال بنسبة 188% إلى 7.8 مليون طن في الأشهر الـ11 الأولى من 2025.

من جهته يرى الدكتور حسام عرفات، أستاذ البترول والتعدين بكلية الهندسة في جامعة القاهرة، ورئيس شعبة المواد البترولية باتحاد الغرف التجارية سابقًا، أن الاكتشافات الأخيرة للغاز والنفط التي أعلنت عنها مصر مؤخرًا، لا يمكن التعاطي معها بوصفها إضافةً فعليةً للإنتاج في الوقت الراهن، مؤكّدًا أن ما جرى الإعلان عنه لا يزال في إطار الاكتشافات ولم يدخل بعد إلى حيز الإنتاج.

ويوضح لـ”زاوية ثالثة” أن الحديث عن احتياطات متوقعةٍ لا يكفي لبناء سياساتِ طاقة مستقرة، إذ إن المعيارَ الأساسي يجب أن يظل هو الاحتياطات المؤكدة والإضافة الفعلية للإنتاج على أرض الواقع، معتبرًا أن كثافةَ التصريحاتِ الإعلاميةِ حول الاكتشافات لا تعني بالضرورة تحسنًا فوريًا في أوضاع الطاقة، ومشيرًا إلى أن التجربةَ السابقةَ مع حقل “ظُهُر” تفرض قدرًا أكبرَ من الحذر، بعدما رُوِّج في عام 2015 لاكتفاءٍ ذاتي طويل الأمد، بينما أظهرت السنوات اللاحقة عجزًا واضحًا في تلبية الطلب، بلغ ذروتَه في أزماتِ انقطاعِ الكهرباء خلال عامَي 2023 و2024.

يقول: “الأزمة لم تكن فنية فقط، بل ارتبطت أيضًا بعوامل مالية وإدارية، من بينها تراكمُ المتأخرات المستحقة للشركات الأجنبية العاملة في قطاع البترول، وهو ما انعكس سلبًا على معدلاتِ تنميةِ الحقول وتطويرِها”.

وكان رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، قد أعلن في يناير الماضي، أن مصر سددت نحو خمسة مليارات دولار من مستحقات الشركاء الأجانب في قطاعي النفط والغاز، وأنها تهدف إلى خفض المتأخرات المتبقية إلى 1.2 مليار دولار بحلول يونيو 2026، ويرى عرفات في ذلك اعترافًا ضمنيًا بوجود اختلالات سابقة أسهمت في تراجع الإنتاج، مؤكدًا أن الشريك الأجنبي لا يُقدم على ضخ استثمارات جديدة في غياب عائد مالي مضمون.

وبشأن تدفق الغاز الإسرائيلي لمصر، يشير أستاذ البترول والتعدين إلى أن الأمر تحكمه توازناتٌ دولية معقدة، لافتًا إلى أن المصالح الأمريكية، ولا سيما حصة شركة “شيفرون” في حقل “ليفياثان”، التي تمثل عامل ضغط رئيسيًا لضمان استمرار الالتزامات التعاقدية، إلا أن المواطن المصري في النهاية لا يعنيه هذا التشابك السياسي بقدر ما يعنيه ضمانُ توافُرِ الكهرباءِ والوقود، باعتبار ذلك حقًا أساسيًا.

أما عن اتفاقيةِ استيرادِ الغاز القطري في صيف 2026، فيعتبر أنها تندرج ضمن استراتيجية تنويع مصادرِ الطاقة، وعدم الاعتماد على مورد واحد، في ظل تقلبات السوق العالمية والتوترات الجيوسياسية، موضحًا أن استقرار إمدادات الطاقة يُعد شرطًا أساسيًا لجذب الاستثمارات الصناعية، خاصةً في القطاعات كثيفة الاستهلاك مثل الأسمدة، التي يعتمد جزء كبير من صادراتها على انتظامِ تدفقِ الغاز.

وحول التعاون مع قبرص واليونان، يوضح أن الدور المصري يتركز في تقديم خدمات الإسالة والتغويز، مستفيدًا من امتلاكِه بنية تحتية متقدمة لا تتوافر لدى عدد من دول شرق المتوسط، ويؤكد أن هذا الدور تجاري في المقام الأول، إذ تقوم مصر بتأجير محطاتها وتقديم خدمات فنية مقابل عمولات، سواءً للغاز القبرصي أو لغاز دولٍ أخرى، في إطار تعظيم الاستفادة من الاستثمارات القائمة.

وبهذا السياق، تعكس الاكتشافات والاتفاقيات معًا مشهدًا معقدًا لإدارة ملف الطاقة في مصر، تتداخل فيه اعتبارات الإنتاج، والاستيراد، والسياسة الإقليمية، والضغوط المالية، بما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول استدامة هذه السياسات، وكلفتها الاقتصادية والاجتماعية، وحدود قدرتها على تحقيق أمنٍ طاقويٍّ حقيقي.

فيما يخلص عرفات إلى أن إدارة ملف الطاقة في مصر تقوم حاليًا على مزيج من الإنتاج المحلي والاستيراد الخارجي، بهدف تأمين الاحتياجاتِ الداخلية أولًا، والحفاظ على دورِ مصر الإقليمي ثانيًا، مؤكدًا أن الحكمَ على نجاح هذه السياسات يجب أن يستند دائمًا إلى النتائج الفعلية على الأرض، لا إلى التصريحات أو الوعود المستقبلية.

 

نوصي للقراءة: غاز مصر في إسرائيل: تصديرٌ منخفض التكلفة واستيرادٌ مرتفع يُقيّد الإنتاج المحلي

دور إقليمي وسط شح داخلي

مطلع العام الجاري، وقّعت مصر مذكرتي تفاهم مع سوريا لتوريد الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية، بهدف دعم توليد الكهرباء، باستخدام وحدات إعادة التغويز العائمة، وجاءت الاتفاقية بعد نحو شهر من توقيعها مذكرة تفاهم مع لبنان لتوريد نحو 2 مليارِ قدم مكعبة شهريًا من الغاز إلى محطة دير عمار، عبر خط الغاز العربي المشترك -، الذي يبدأ من العريش في شمال سيناء ويمتد لدول المشرق العربي ومنها إلى أوروبا، ولم يدخل حيز التشغيل الكامل بعد-.

 وتأتي هذه الاتفاقيات في سياق تؤكد فيه الحكومة سعيها للقيام بدورٍ إقليميٍّ في مجال الطاقة، رغم التحديات المرتبطة بتراجع الإنتاج المحلي وارتفاع الطلب، واعتماد متزايد على الواردات، فيما يُرجح الدكتور حسام عرفات أن ملف صادرات الغاز المصري، يحمل أبعادًا سياسيةً بقدر ما يحمل أبعادًا اقتصاديةً، موضحًا أن مصر تسعى من خلال هذه التفاهمات إلى تكريس دورِها مركزًا إقليميًّا للطاقة في شرق المتوسط. 

ويشرح أن انخفاض الطلب المحلي على الكهرباء خلال الشتاء، مقارنة بفصل الصيف الذي يشهد ضغطًا كبيرًا على الشبكة، يتيح هامشًا لتوجيه كميات محدودة من الغاز إلى دول الجوار، مشيرًا إلى أن الكمياتِ المخصّصةَ لسوريا ولبنان تظل محدودة، ولا تتجاوز نحو 50 مليون قدم مكعبة يوميًّا، وتُستخدم في إطار ترتيباتٍ سياسيةٍ وتجارية، دون أن تمثل عبئًا كبيرًا على السوق المحلية.

وفي السياق يُبيّن الدكتور حافظ السلماوي، أستاذ هندسة الطاقة بكلية الهندسة في جامعة الزقازيق، والرئيس التنفيذي الأسبق لجهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك، أن مصر لا تُصدِّر من فائض إنتاجها المحلي من الغاز الطبيعي، وإنما تستورده لحساب سوريا ولبنان، ثم تضخه عبر خط الغاز العربي، في ظل افتقارهما إلى البنية التحتية اللازمة لاستيراد الغاز مباشرةً، مشيرًا إلى أن هذا الترتيب يسمح بتحقيق استفادة مشتركة، إذ تحصل سوريا ولبنان على أسعار تفضيلية نسبيًّا، بينما تستفيد مصر من تعظيم استخدام منشآت تغييز الغاز التي تمتلكها، خاصة في الفترات التي ينخفض فيها الاستيراد المحلي خارج ذروة الصيف.

ويعتبر السلماوي أن مصر في طريقها لتصبح معبرًا لإمدادات للطاقة، بحيث توظف بنيتها التحتية الحديثة لخدمة دول الجوار مقابل عائد اقتصادي، وفي الوقت ذاته تؤمِّن احتياجاتها المحلية.

وحول استيراد شحنات الغاز القطري، يعتبر أن هذه الخطوة تندرج في إطار تأمين الإمدادات وتنويع مصادرها، مؤكدًا لـ”زاوية ثالثة” أن الهدف ليس الاعتماد طويل المدى بقدر ما هو توفير بدائل متعددة تقلل من مخاطر الانقطاع، وفي المقابل يوضح أن الغاز القادم من الولايات المتحدة أقل سعرًا، لكنه يستغرق وقتًا أطول في الوصول، في حين يتميز الغاز القطري بقصر المسافة وسرعة التوريد، ما يمنح قدرًا إضافيًّا من الأمان، فضلًا عن احتمالات وجود تسهيلات في السداد، وإن لم تتوافر معلومات مؤكدة بشأنها.

ويعتقد أن سياسات الطاقة الرشيدة تقوم على ركيزتين أساسيتين؛ الأولى هي تأمين الإمدادات من خلال تنويع المصادر، والثانية هي الحصول على أسعار تنافسية، معتبرًا أن الاكتشافات الأخيرة التي أعلنتها مصر في مجال الغاز الطبيعي والنفط لا يُتوقع أن تُحدث نقلةً كبيرةً في ميزان الإنتاج والاستهلاك، وأن تأثيرها سيظل محدودًا في المدى القريب؛ إذ أن إنتاج مصر الحالي من الغاز يبلغ نحو 4.1 مليار قدم مكعب يوميًّا، وقد يرتفع مع الاكتشافات الجديدة إلى ما بين 4.3 و4.4 مليارات قدم مكعب، في حين يتراوح الاستهلاك اليومي بين 6 و6.2 مليارات قدم مكعب، وهو ما يعني استمرار فجوة تُقدَّر بنحو ثلث حجم الطلب.

يقول: “هذه الفجوة تُغطى حاليًا عبر مسارين رئيسيين؛ الأول من خلال استيراد الغاز عبر خطوط الأنابيب من إسرائيل، والثاني عبر استيراد الغاز الطبيعي المُسال، واستمرار مصر في توقيع اتفاقات لاستيراد الغاز يُعد أمرًا ضروريًّا لتلبية احتياجات السوق المحلي، في ظل محدودية الزيادات المتوقعة في الإنتاج”.

ويشير الرئيس التنفيذي الأسبق لجهاز تنظيم مرفق الكهرباء إلى أن تمديد اتفاقية استيراد الغاز من إسرائيل حتى عام 2040، بدلًا من 2032، مع زيادة الكميات، يأتي في هذا السياق، إلى جانب اتفاقات أخرى، من بينها ربط حقول الغاز القبرصية بالشبكة المصرية، موضحًا أن حقل “كرونوس ” القبرصي، القريب من حقل “ظُهر”، من المتوقع أن يبدأ الإنتاج بحلول عام 2028، بما يسمح باستيراد نحو 400 مليون قدم مكعب يوميًّا، على أن يتبعه حقل “أفروديت” بحلول عام 2031، والذي قد يضيف نحو 700 مليون قدم مكعب يوميًّا.

ويُبين السلماوي أن هذه التطورات ستؤدي، على المدى المتوسط، إلى اعتماد أكبر على غاز الأنابيب القادم من إسرائيل وقبرص، بما يقلل الحاجة إلى استيراد الغاز المُسال، الذي يُعد الأعلى تكلفة، لافتًا إلى أن وجود بنية تحتية متطورة للغاز المُسال يمنح مصر قدرًا من المرونة والتأمين، بوصفه بديلًا في حال حدوث أي اضطراب في إمدادات الغاز عبر الأنابيب.

وعلى النقيض يؤكد حسن نصر، رئيس الشعبة العامة للمواد البترولية بالاتحاد العام للغرف التجارية المصرية، أن عددًا من حقول الغاز في منطقةِ دسوق للغاز، إلى جانب اكتشافاتٍ جديدةٍ في منطقةِ وسطِ الدلتا، دخلت بالفعل حيِّزَ التشغيل خلال الأشهر الأخيرة، وهو ما انعكس على تحقيق حالةٍ من الاستقرار النسبي في إمدادات الغاز خلال الفترة الحالية؛ مُقدرًا حجم إنتاج الغاز بنحو مليار وأربعمئةِ مليونِ مترٍ مكعبٍ يوميًا.

وبشأن تأثير هذه الاكتشافات على فجوة العرض والطلب، يوضح نصر أنها تسهم بالأساس في تقليل فاتورة الاستيراد، والحد من استنزاف الدولار ورفع الاحتياطي النقدي، لكنها تؤثر بشكل مباشر على أسعار الطاقة المحلية، والتي ترتبط بالأسعار العالمية، موضحًا أن مصر لم تصل بعد إلى مستويات التسعير العالمية الكاملة.

ورغم الاكتشافات الأخيرة تستمر مصر في توقيع اتفاقياتٍ لاستيراد الغاز، ويعتقد رئيس الشعبة أن الأمر يندرج في إطار إدارة المخاطر وتأمين الإمدادات، وتحقيق توازنٍ بين الإنتاج المحلي ومصادر الاستيراد الخارجية تحسُّبًا لأي طوارئ فنية أو تقلبات مفاجئة، مشيرًا إلى أن إلى استقرار إمدادات الطاقة خلال فصل الصيف الماضي.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “انخفضت الأسعار العالمية للطاقة بنسبةٍ تراوحت بين 2 و3 في المئة خلال الفترة الأخيرة، نتيجة تراجع الاستهلاك في بعض الأسواق، مما شجَّع على الاستيراد كخيار احترازي، يضمن استقرار الإمدادات دون تحميل الاقتصاد أعباءً إضافية”.

وفيما يخص اتفاقيات استيراد الغاز من حقل “ليفياثان” الإسرائيلي، يشير نصر إلى أن تمديد الاتفاق حتى عام 2040 لم يُنفَّذ بعد على أرض الواقع، موضحًا أن ما يجري حاليًّا يقتصر على الكميات المتعاقد عليها سابقًا، بينما لم تدخل الكميات الجديدة حيز التنفيذ، في ظل أعطالٍ فنيةٍ متكررةٍ وأعمالِ صيانةٍ وتطويرٍ للبنية التحتية، كما يربط  ذلك بالتطورات الإقليمية، ولا سيما الحرب على غزة.

“تأتي الاتفاقيات الموقعة مع قطر في إطار تأمين بدائل إضافية للإمدادات، وهي لم تُفعل بعد، لكنها تظل خيارًا متاحًا في حال حدوث نقصٍ أو اضطراب في الإمدادات، وهذا الترتيب يمنح الدولة مرونة أكبر في إدارة ملف الغاز، ويُسهم في تقليل الاعتماد على الاستيراد الفوري، بما يساعد على ترشيد استخدام النقد الأجنبي”. يضيف

أما بشأن بالتعاون مع اليونان وقبرص، يوضح نصر أن الدور المصري يتركز في تقديم خدمات تسييل الغاز عبر محطات الإسالة المصرية، ثم إعادة تصديره إلى الأسواق الأوروبية، مقابل عمولاتٍ تجاريةٍ، وهو ما يعزز موقع مصر كمركزٍ إقليميٍّ لتجارة الطاقة في شرق المتوسط.

ويرى نصر أن مذكرات التفاهم الخاصة بتصدير الغاز إلى سوريا ولبنان، تحمل أبعادًا سياسيةً واقتصاديةً في آنٍ واحدٍ، موضحًا أن مصر تسعى من خلالها إلى أداء دورها الإقليمي ودعم الدول العربية التي تواجه أزماتٍ حادةً في قطاع الطاقة، لا سيما لبنان. ويشير إلى أن هذه الترتيبات تُقدَّم في إطار مزيجٍ من الدعم والتعاون التجاري، بما يعزز شبكة العلاقات الإقليمية ويخدم المصالح الاقتصادية المصرية في الوقت ذاته.

 

نوصي للقراءة: الغاز القبرصي.. ورقة مصر الرابحة في مواجهة تهديدات نتنياهو؟


سياسات الطاقة والعدالة الاقتصادية

يبلغ سعر أسطوانة الغاز المنزلية، سعة 12.5 كيلوجرام، 225 جنيهًا، بعد زيادة قدرها 25 جنيهًا أُقرت في أكتوبر 2025، وتُعد هذه الأسطوانة المصدر الرئيسي للطهي لدى ملايين الأسر، لا سيما في المناطق الريفية والعشوائية التي لا تزال خارج نطاق شبكة الغاز الطبيعي، وفي المقابل، استقر سعر الأسطوانة التجارية، سعة 25 كيلوجرامًا، عند 450 جنيهًا، وهي المستخدمة في المطاعم والمنشآت التجارية والأنشطة الخدمية.

وجاءت الزيادة ضمن حزمة قرارات أعلنتها لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية، في إطار مراجعتها الدورية لأسعار الوقود، ورغم إدراج أسطوانات البوتاجاز ضمن هذه الزيادة، إلا أن الحكومة شددت وقتئذٍ على أن القرار يراعي البعد الاجتماعي، وأنه لا يستهدف الرفع الكامل للدعم دفعة واحدة، في محاولة لطمأنة الرأي العام، خاصة مع تصاعد معدلات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، وما يمثله البوتاجاز من سلعة حيوية لا غنى عنها لشرائح واسعة من السكان.

ولا يزال نظام تسعير أسطوانات الغاز في مصر يقوم على الدعم الجزئي، إذ تتحمل الدولة جزءًا من تكلفة الإنتاج أو الاستيراد، خصوصًا لتغطية احتياجات الفئات محدودة الدخل، وفي المقابل، يخضع الغاز الطبيعي الموصل للمنازل لنظام شرائح استهلاك تصاعدية، يُعد أقل كلفة نسبيًا للأسر المتصلة بالشبكة؛ إذ يبلغ سعر المتر المكعب في الشريحة الأولى (من صفر إلى 30 مترًا مكعبًا) 4 جنيهات، ويرتفع إلى 5 جنيهات في الشريحة الثانية (من 31 إلى 60 مترًا مكعبًا)، مع زيادات تدريجية في الشرائح الأعلى.

ولا تُقرأ سياسات الطاقة في مصر بمعزل عن سياقها الاقتصادي الأوسع، حيث تشكّل فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية، التي بلغت نحو 20 مليار دولار في 2025، ضغطًا متزايدًا على الميزان التجاري والموازنة العامة، وتُستخدم كأحد المبررات الرئيسية لرفع أسعار الكهرباء والوقود وتقليص الدعم، الأمر يثير تساؤلات جوهرية حول من يتحمّل كلفة اختيارات الدولة الطاقوية: هل تتحملها الخزانة العامة والشركات المستفيدة من عقود الغاز، أم تُنقل تدريجيًا إلى الأسر، لا سيما الفئات الأفقر، عبر زيادات متتالية في أسعار الطاقة والخدمات المرتبطة بها؟، وهل تنعكس سياسات الطاقة في مصر على العدالة الاقتصادية والحقوق الاجتماعية؟.

ويرى محمد رمضان، الباحث في العدالة الاقتصادية والاجتماعية بالمبادرة المصرية، أن الحديث عن امتلاك مصر فائضًا من الغاز الطبيعي في الوقت الحالي لا يعكس الواقع بدقةٍ، موضحًا أن البلاد لا تزال تستورد الغاز لتغطية احتياجات السوق المحلي، سواء من خلال الغاز الإسرائيلي أو عبر استيراد شحنات أخرى، على أن يُعاد تسييل هذا الغاز وتصديره أو إعادة تصديره عبر خطوط إقليمية، وهو ما يعني أن الغاز المُصدَّر في هذه الحالة ليس غازًا مصريًّا خالصًا.

ويؤكد لـ”زاوية ثالثة” أن سؤال “الحق في الطاقة” أصبح غائبًا عن سياسات الحكومة منذ بدء التفاهمات مع صندوق النقد الدولي، في ظل الرفع المتكرر لأسعار الطاقة، سواء الكهرباء أو الوقود، مشيرًا إلى أن أكثر أشكال الطاقة التي تضررت من هذه السياسات هي الطاقة الموجهة للفقراء، وعلى رأسها أسطوانات البوتاجاز، التي ارتفعت أسعارها بنحو عشرة أضعاف خلال السنوات الماضية.

يقول: “الربط بين الإعلان عن اكتشافات جديدة للغاز وبين حصول المواطنين على حقهم في طاقة ميسورة التكلفة هو ربط غير حقيقيٍّ، إذ أن سياسات تحرير أسعار الطاقة المعمول بها في مصر تحول دون انعكاس هذه الاكتشافات على حياة المواطنين بشكل مباشر، وسياسات التسعير الحالية تمنع أي أثر اجتماعي إيجابي لها، بينما تحقيق العدالة في الطاقة يتطلب سياسات تسعير وحماية اجتماعية مختلفة”.

ويضيف: “سياسات الطاقة الحالية لا تضمن بشكل كافٍ الحق في طاقة آمنة وميسورة التكلفة، رغم التوسع في مشروعات الطاقة الشمسية، إلا أنها تظل محصورة في الإطار الكبير، دون تمكين فعلي للشركات الصغيرة والمتوسطة، ويفتقر ملف الطاقة إلى أي نقاش مجتمعي حقيقيٍّ، وغياب الاعتراضات  العلنية، سواء البرلمانية أو الشعبية، على سياسات استيراد وتصدير الطاقة، يعكس ضعف الرقابة”.

ويلفت إلى أن الحكومة رفعت أسعار الطاقة خلال السنوات الماضية دون أن تُعاد توجيه الوفورات الناتجة عن خفض الدعم إلى برامج الحماية الاجتماعية كما كان مُعلنًا، مؤكدًا أن تحقيق عدالة مستدامة في الطاقة يقتضي ربط سياسات خفض الدعم بزيادة الإنفاق الاجتماعي على التعليم والصحة والدعم النقدي، بما يخفف من حدة الفقر والتهميش بدلًا من تعميقهما.

كما ينتقد الترويج المكثف لاكتشافات الغاز دون الإفصاح عن تكلفتها أو شروطها التعاقدية، مشيرًا إلى غياب الشفافية الكامل في هذا الملف، وعدم نشر العقود أو تفاصيل نصيب الشركاء الأجانب، وهو ما وصفه بالأمر غير المعتاد عالميًّا، حيث تُنشر مثل هذه العقود في دول أخرى دون إشكال.

ويشير إلى أن عقود استيراد الغاز طويلة الأجل، تؤثر بشكل أساسي على الميزان التجاري، إذ تؤدي زيادة الاستيراد إلى زيادة الطلب على الدولار، ما يضغط على قيمة العملة المحلية، ويُسهم في ارتفاع معدلات التضخم وأسعار السلع، ورغم أنها لا تؤثر مباشرة على الموازنة العامة، باعتبار أن ميزانية الهيئة العامة للبترول خارجها، لكنها تظل عبئًا اقتصاديًّا غير مباشر.

ويؤكد أن الجدوى الاقتصادية لاستيراد الغاز تختلف بحسب الغرض من استخدامه؛ فاستيراده لإعادة التصدير يختلف عن استيراده كمدخل إنتاج لصناعات محلية، مثل الأسمدة أو البتروكيماويات، التي تحقق قيمة مضافة أعلى، معتبرًا أن السؤال الجوهري ليس “هل نستورد أم لا؟” بل “لماذا نستورد وكيف نستخدم هذا الغاز؟”.

تكشف قراءة مشهد الطاقة في مصر، بكل ما يحمله من اكتشافات مُعلنة، واتفاقيات استيراد طويلة الأجل، وأدوار إقليمية متشابكة، عن فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي حول “الأمن الطاقوي” وبين الواقع المعيشي للمواطنين. فبينما تُدار السياسة الطاقوية بمنطق إدارة المخاطر وتعظيم العوائد التجارية وتعزيز الموقع الجيوسياسي، تظل الكلفة الاجتماعية لهذه الاختيارات موزعة بشكل غير متكافئ، تُحمَّل تدريجيًا على كاهل الأسر، لا سيما الفئات الأفقر، عبر رفع أسعار الوقود والكهرباء وتقليص الدعم، دون أن تقابلها سياسات حماية اجتماعية كافية أو شفافية حقيقية في إدارة الموارد.

وفي ظل هذا المشهد، يظل السؤال الجوهري مفتوحًا: لمن تُدار سياسات الطاقة في مصر؟ وهل يُقاس نجاحها بحجم الصفقات والأدوار الإقليمية، أم بقدرتها على ضمان حق المواطنين في طاقة آمنة ومستقرة وميسورة، باعتبارها أحد مقومات العدالة الاقتصادية والاجتماعية؟ الإجابة عن هذا السؤال لا تتوقف على أرقام الاكتشافات أو حجم الاستثمارات، بقدر ما تتطلب إعادة نظر شاملة في فلسفة إدارة الطاقة، توازن بين مقتضيات السوق وحقوق المجتمع، وتُخضع هذا الملف الحيوي لرقابة عامة ونقاش مجتمعي حقيقي، يتجاوز منطق التصريحات إلى محاسبة النتائج على الأرض.

آية ياسر
صحافية وكاتبة وروائية مصرية حاصلة على بكالوريوس الإعلام- جامعة القاهرة.

Search