close

حكايات من بيوت تنتظر السقوط.. أين ذهبت أولويات الدولة؟

170 انهيارًا و99 وفاة في ستة أشهر تكشف حجم تهالك المباني وغياب الرقابة المحلية في مصر، وسط تعطّل قرارات رسمية وتنامي الخطر على ملايين السكان.
Picture of شيماء حمدي

شيماء حمدي

في قرية صغيرة تتبع مركز الحامول بمحافظة كفر الشيخ، يقف بيت قديم من طابقين، يسكنه نحو إحدى عشرة فردًا من ثلاث أسر  من عائلة واحدة. يميل البيت قليلًا إلى أحد جانبيه، دون أن تمرّ عليه أي لجنة فنية أو هندسية تتابع حالته أو تمنع كارثة محتملة.

يقول محمود ياسين، أحد أبناء العائلة التي تقطن المنزل لـ”زاوية ثالثة”، إن المنزل بُني في أواخر السبعينيات من الطوب الأحمر، دون أعمدة أو قواعد خرسانية. “وقتها كان البناء بهذه الطريقة منتشر، ولم يكن هناك من يحاسب أو لجان هندسية”، يروي محمود.

ظلّ البيت قائمًا على حاله حتى مطلع الألفية، حين دخل مشروع الصرف الصحي إلى القرية. قبل ذلك، كانت المنطقة تعتمد على عربات شفط الخزانات، لكن مع حفر الأرض وتمديد المواسير تغيّر كل شيء. “البيت هبط حوالي 60 أو 70 سم، ومال إلى جانبه. بعد ذلك بدأت الشروخ تظهر، والبيوت التي حولنا تصدعت”، يقول ياسين، مشيرًا إلى أن بعض الجيران اضطروا لهدم بيوتهم وإعادة بنائها، بينما ظل بيت عائلته كما هو.

على مدى ربع قرن، تفرّعت الأسرة الكبيرة إلى ثلاث عائلات صغيرة: واحدة من خمسة أفراد، وأخرى من فردين، وثالثة من أربعة. يعيش الجميع اليوم في بيت يعرفون أنه مائل ومهدّد بالانهيار، لكنه أيضًا بيتهم الذي شهد أفراحهم وذكرياتهم كلها. حين يُسأل الكبار عن فكرة الترميم أو إعادة البناء، يبتسمون بتعب ويقولون: “خلاص، نعيش ما تبقى في عمرنا.”

أما الشباب، فكلّ من يتزوج منهم يغادر البيت القديم إلى حياة جديدة في مكان آخر، تاركًا خلفه جدرانًا مشققة وسقفًا منخفضًا وذكريات تمتد إلى نصف قرن. في تلك القرى، لا توجد لجان فنية تمرّ على المنازل، ولا تقارير تُقيِّم حالتها. هناك فقط بيوتٌ تتصدّع ببطء، وسكانٌ ينتظرون أن يصمد الجدار يومًا آخر.

 

نوصي للقراءة:  25 مليون متر مربع في يد رجل واحد.. كيف أصبح العبار شريك مصر في أرضها؟


عقارات تتساقط فوق رؤوس البشر! 

حالة منزل عائلة محمود ليست فردية، إذ تعتبر بمثابة جزء من نمط متكرر يؤدي في النهاية إلى انهيار العقار في مصر، وهو ما يدفع الأهالي إلى توجيه استغاثات أحيانًا إلى الجهات الرسمية قبل أن تقع الكارثة. ففي حي عابدين بالقاهرة، على سبيل المثال، أرسل مواطنون خطاب استغاثة عاجل إلى رئيس الحي ومحافظ القاهرة بخصوص عقار قديم في شارع سامي البارودي، بعدما سقطت طوبة على الأرض بجانب المارة، وسط تهديد مباشر لحياة السكان.

في خطابهم، طالب السكان بتنفيذ قرار الهدم الصادر للعقار فورًا، معتبرين أن أي تأخير قد يؤدي إلى كارثة حقيقية. ورغم أن العقار صادر له قرار ترميم بالفعل من الجهات المعنية، فإن تنفيذه متوقف منذ شهور.  فيما يؤكد الأهالي أن مالك العقار “يشتكي من تعقيدات إدارية” عطلت التنفيذ، ويطالبون بتدخّل الجهات المعنية“قبل أن يحدث ما لا تُحمد عقباه”، على حد وصفهم. 

وفي صباح  26 نوفمبر الجاري، شهد حيّ كرموز غرب الإسكندرية، انهيارًا داخليًا جزئيًا في عقار قديم، ما أسفر عن إصابة ثلاثة مواطنين. وتم نقل المصابين إلى المستشفى لتلقي الرعاية الطبية اللازمة، فيما باشرت الأجهزة المعنية اتخاذ الإجراءات القانونية والفنية لفحص العقار وتحديد أسباب الانهيار. 

خلال العام الجاري 2025، شهدت عدة محافظات مصرية سلسلة من حوادث الانهيارات الجزئية والكاملة في مبانٍ قديمة، ما أعاد تسليط الضوء على أزمة العقارات المتهالكة وغياب الصيانة الدورية. حيث رصد تقرير أعده مرصد انهيار العقارات في النصف الأول من عام 2025 (من يناير حتى يونيو)، أحد مخرجات مدرسة المهارات البحثية والقانونية 2025، لمعهد دفتر أحوال وحصل على نسخة منه زاوية ثالثة، 170 حادث انهيار عقار خلال الفترة من يناير حتى يونيو من العام 2025،  في معظم محافظات الجمهورية، باستثناء جنوب سيناء، الأقصر، مرسى مطروح، البحر الأحمر، الوادي الجديد، وسيناء الجنوبية.


 وبحسب التقرير، سجلت هذه الحوادث 42 انهيارًا كليًا و128 انهيارًا جزئيًا، وأسفرت عن تأثر 562 أسرة، وإصابة 197 شخصًا (152 من الذكور و45 من الإناث)، و99 حالة وفاة (55 ذكرًا و44 أنثى).

توضح هذه الأرقام أن ما يعيشه محمود وعائلته وما يستغيث منه المواطنون في حي عابدين من تهالك المنزل وغياب الرقابة الهندسية ليس استثناءً، لكنها أزمة هيكلية أوسع تتمثل في تقادم المباني، ونقص الفحص الهندسي المنتظم، وضعف التدخل المبكر للحد من الانهيارات.

كشفت قاعدة البيانات التي حصلت عليها “زاوية ثالثة” أن 15 قرار إزالة و8 قرارات ترميم لم يُنفَّذ أي منها حتى اليوم، رغم مرور سنوات على صدورها. كما تبيّن أن العدد الأكبر من الانهيارات – 149 حالة – ورد دون تحديد نوع القرار الصادر بشأنها، وهو ما لا يعني بالضرورة غياب قرارات سابقة بالإزالة أو الترميم، بل نقصًا واضحًا في المعلومات المتاحة، الأمر الذي أعاق الباحثين عن التحقق بدقة من القرارات السابقة بشأن تلك العقارات.

وتشير هذه القراءات إلى حجمَ الإهمال الإداري والتقاعس عن تنفيذ القرارات الرسمية، وهي أزمة متكررة يوميًا في بيوت الكثير من المصريين مثل منزل محمود في مركز الحامول، أو في قلب القاهرة القديمة، حيث تتصدع الجدران وتعيش الأسر في انتظار تحركٍ جاد قبل أن تقع الكارثة.

 

أوضحت قاعدة البيانات نفسها أن الأماكن الحضرية كانت الأكثر تضررًا مقارنة بالريف، إذ سجلت 121 حادث انهيار كلي وجزئي في المدن مقابل 49 حادث انهيار في القرى. ما يشير إلى أن المباني القديمة في المناطق الحضرية معرضة بشكل أكبر للمخاطر، خصوصًا في ظل التكدس السكاني والإهمال في متابعة تنفيذ قرارات الهدم والترميم.

 

نوصي للقراءة: ما نعرفه عن الخلافات حول نظام الانتخابات المحلية في مصر 


إهمال وغياب للرقابة

من جهته، يرى الدكتور محمد عطية الفيومي -رئيس لجنة الإسكان بمجلس النواب السابق والمرشح مجددًا في انتخابات مجلس النواب-، أن جوهر أزمة انهيار العقارات في مصر يعود إلى غياب الصيانة الدورية، مؤكدًا أن أي عقار في العالم بحاجة إلى صيانة سنوية، بينما تُترك المباني في مصر، خصوصًا القديمة، بلا أي أعمال إصلاح. ويشير إلى أن تدهور شبكات الصرف والمواسير التالفة يؤدي إلى تسرب مواد تسبّب تآكل الحديد والطوب، ما يترك العقار مهددًا بالانهيار فوق قاطنيه والمارة.

ويعتبر الفيومي في حديثه إلى زاوية ثالثة أن نظام الإيجار القديم أحد العوامل الأساسية وراء توقف الصيانة، إذ إن القيمة الإيجارية المتدنية “لا تُمكّن الملاك من الإنفاق على الإصلاحات”، بينما يرفض المستأجرون تحمل مسؤولية الصيانة “لأن المبنى ليس ملكهم”. وهو ما راكم مشكلات العقارات لعقود طويلة، ودفع الدولة – بحسب قوله – إلى إعادة النظر في قوانين الإيجارات القديمة “لتحقيق قيمة إيجارية عادلة وفقاً للقانون المدني”.

وفي ما يتعلق بالمناطق الريفية والصعيد، يوضح الفيومي أن العقارات هناك غالبًا ما تكون مملوكة لأصحابها، لكن المشكلة تتمثل في غياب المتابعة الفنية والرقابية، إضافة إلى تقاعس الإدارات المحلية عن تنفيذ قرارات الإزالة الصادرة منذ سنوات. مؤكدًا أن قانون المباني يخول الجهات الإدارية “إخلاء وإزالة أي مبنى آيل للسقوط بالقوة الجبرية دون انتظار وقوع الكارثة”، محمّلًا الوحدات المحلية مسؤولية أي تأخير في تطبيق القانون.

بتحليل أسباب انهيار العقارات في مصر وفقًا لما جاء في قاعدة البيانات، فإن قدم العقار وتهالكه كان السبب الأكثر شيوعًا، إذ سجل 140 حالة من بين 170 انهيارًا موثّقًا في النصف الأول من 2025، أي ما يعادل أكثر من 80% من الحالات. وتأتي الأسباب الأخرى بنسبة أقل، مثل الانهيار الناتج عن  حريق أو بسبب عقار مجاور، والأعمال الإنشائية وكذلك العوامل المناخية وغيرها من العوامل.

 

تشير البيانات الرسمية إلى أن العاصمة المصرية تقف أمام تحدٍّ في ملف المباني القديمة. إذ أعلن الدكتور إبراهيم صابر، نائب محافظ القاهرة في تصريح سابق له، أن ما يقرب من 17 ألف عقار قد صدرت لها قرارات ترميم أو تنكيس أو إزالة. وعلى مستوى الجمهورية، كشف المسح السكاني لعام 2017 عن أن نحو 3 ملايين مبنى بحاجة إلى ترميم، بما يعادل 23% من إجمالي 13 مليون مبنى شملها التعداد. كما أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن أكثر من 97 ألف مبنى صنّفت كمبانٍ غير قابلة للترميم ويجب هدمها، مما يضع المحافظات أمام التزام ثقيل يتعلق بالأمان الإنشائي ومواجهة خطر الانهيارات.

 

نوصي للقراءة: التطوير مقابل الإزالة: كيف ضّحت الحكومة بمواطنيها من أجل الطرق؟


كيف ضاعف غياب المجالس المحلية الأزمة؟

رغم ما تكشفه قاعدة البيانات من أنماط واضحة لانهيارات ترتبط بقدم وتهالك المباني أو غيرها من الأسباب، فإن الأرقام وحدها لا تستفيض في شرح الأسباب  الأعمق وراء تفاقم الظاهرة. فخلف كل حادث سقوط، تقف فجوة رقابية واسعة ناتجة عن غياب المحليات التي غابت عن مصر من العام 2011، تلك الحلقة الأساسية التي كان من المفترض أن تقوم بالدور اليومي في رصد المشكلات العمرانية قبل تحولها إلى كوارث. ومع غياب هذا المستوى المحلي من الرقابة الشعبية، تُترك الأحياء بلا متابعة أو مراقبة للمخالفات والأزمات، ما يجعل البيانات، مهما بلغت دقتها، مجرد إشارة متأخر لمشكلة كان يمكن تداركها مبكرًا.

ومنذ يونيو 2011 تعيش مصر دون مجالس محلية منتخبة، إذ صدر حكم قضائي بحلها في أعقاب ثورة 25 يناير 2011، وكانت آخر انتخابات تم إجراؤها في منتصف عام 2008، وسيطر على غالبية مقاعدها أعضاء الحزب الوطني الحاكم (المنحل). ومنذ عام 2016 تؤجل انتخابات المحليات دون سبب معلن، وكان المفترض إجراؤها في عام 2016 حسب توجيهات صدرت من الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الحكومة، قبل أن تعلن الأخيرة ترحيلها إلى نهاية عام 2017، ثم بداية العام 2018، ومن ثم توالى التأجيل.

من جهته، يوضح رئيس لجنة الإسكان السابق، أن غياب المجالس المحلية المنتخبة منذ 14 عاماً فاقم الأزمة، إذ كانت تلك المجالس تُمارس دورًا رقابيًا مهمًا “يحدّ من الفساد ويلزم التنفيذيين بواجباتهم”، بينما أدى غيابها إلى اتساع فجوة الرقابة وتزايد حالات التقاعس الإداري.

في السياق، يصف يحيى شوكت -الباحث ومحلل سياسات الإسكان والعمران- في حديثه إلى ثالثة، ظاهرة انهيار العقارات بأنها “مؤسفة وقابلة للتفادي بالكامل”، إذا ما جرى تطبيق السياسات المنصوص عليها في القانون، وفي مقدمتها تفعيل دور المجالس المحلية الشعبية. فهذه المجالس، بحسب شوكت، توفر مستوى من الرقابة أكثر دقة وفاعلية من مجلس النواب، نظرًا لطبيعتها القاعدية وانتشارها الواسع، إذ تضم ما يقرب من خمسين ألف عضو مقارنة بنحو ستمائة نائب فقط. وهو ما يجعلها الأقرب لمتابعة الأزمات العمرانية على الأرض، ورصد المخالفات، ونقل شكاوى السكان إلى الأجهزة التنفيذية ومتابعة إجراءات التعامل معها.

ويشير شوكت إلى أن نقل صوت المواطنين لا يكفي وحده، إذ يتطلب الأمر تفعيل صندوق ترميم العقارات المنصوص عليه في قانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008، باعتباره الآلية الأساسية لدعم صيانة وترميم المباني الآيلة للسقوط. فترميم المباني القائمة، كما يؤكد، أقل كلفة وأكثر سرعة من نقل السكان إلى مساكن بديلة، فضلًا عن كونه الخيار الأكثر عدالة اجتماعية والأقل إضرارًا بالنسيج المجتمعي، ويضمن الحفاظ على أكبر قدر ممكن من البنية العمرانية التاريخية والراسخة داخل الأحياء.

ينص قانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008 في مادته (97) على إنشاء صندوق مختص بتمويل أعمال الصيانة والترميم للمنشآت العقارية، وخاصة تلك التي تعتبر “آيلة للسقوط”.  هذا الصندوق يُمنح شخصية اعتبارية عامة، ويُخوَّل لمن يشرف عليه أن يقدم “قروضًا بدون فوائد” لأصحاب العقارات لترميمها أو تدعيمها.  كما يتيح القانون، عبر لجنة فنية في كل وحدة محلية، فحص المباني لتحديد ما إذا كانت بحاجة إلى ترميم أو هدم جزئي/كلي، مع اتخاذ القرارات الملائمة بعد ذلك. 

وتنص المادة 180 من الدستور المصري على: “تنتخب كل وحدة محلية مجلسًا بالاقتراع العام السرى المباشر، لمدة أربع سنوات، ويشترط في المترشح ألا يقل سنه عن إحدى وعشرين سنة ميلادية…. على أن يُخصص ربع عدد المقاعد للشباب دون سن خمس وثلاثين سنة، وربع العدد للمرأة، على ألا تقل نسبة تمثيل العمال والفلاحين عن خمسين بالمائة من إجمالي عدد المقاعد، وأن تتضمن تلك النسبة تمثيلا مناسباً للمسيحيين وذوي الإعاقة…”.

 

نوصي للقراءة: البناء المخالف يدخل دوامة المحاكم العسكرية


انتقائية برامج التطوير العمراني 

تأتي تلك الأزمات التي ترافق مئات الآلاف من المنازل سواء الموجودة داخل العاصمة أو في المحافظات، في ظل الزخم الذي رافق برامج التطوير العمراني خلال السنوات الماضية. فبينما انصبّ الاهتمام الحكومي على مشروعات كبرى ذات طابع استثماري أو رمزي، ظلّت الكتلة الأكبر من العمران المصري خارج دائرة الاهتمام، بلا فحص دوري أو صيانة ممنهجة، وكأن هذه البرامج تعمل في مسار موازٍ للأزمة من دون أن تلامس جذورها. ما يشير إلى حالة من التناقض بين المشروعات اللامعة وواقع يعجّ بمبانٍ آيلة للسقوط.

من جهته، يشير إبراهيم عز الدين – الباحث في ملف الحق في السكن-، إلى أن غياب المجالس المحلية المنتخبة يمثّل أحد أبرز أسباب ضعف منظومة الإدارة المجتمعية وتراجع القدرة على الرقابة العمرانية. 

ويوضح في حديثه معنا أن هذه المجالس كانت تمثّل حلقة الوصل الأساسية بين السكان والأجهزة التنفيذية، وتضطلع بدور حيوي في رصد المشكلات مبكرًا (من تصدعات المباني إلى التعديات البنائية) ما يجعلها خط الدفاع الأول أمام كوارث الانهيار. ومع غيابها منذ عام 2011، تراجعت المشاركة المجتمعية، وتلاشت الرقابة اليومية على العمران، لتصبح الأحياء بلا متابعة فعلية، ويزداد خطر انهيار المباني دون مساءلة أو تدخل سريع.

ويرى عز الدين أن برامج التطوير العمراني، مثل مشروع مثلث ماسبيرو، اتسمت بدرجة واضحة من الانتقائية؛ إذ انصبت على المناطق ذات القيمة الاستثمارية العالية، بينما تُركت مناطق أخرى تعاني من الإهمال والتدهور لأنها لا تمثل عائدًا اقتصاديًا مباشرًا. هذه المقاربة القائمة على الجدوى المالية فقط أنتجت تفاوتًا اجتماعيًا ومكانيًا بين مناطق حظيت بالتطوير وأخرى بقيت مهددة بالانهيار، في انتهاك صريح لفكرة العدالة المكانية وحق المواطنين في بيئة عمرانية آمنة ومتوازنة.

ويؤكد عز الدين أن انهيار العقارات وغياب خطط التطوير الشاملة يتعارضان جذريًا مع الحق في السكن الآمن والملائم، وهو حق صريح تكفله الدساتير والاتفاقيات الدولية. فالمادة (11) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تضمن “مستوى معيشيًا كافيًا يشمل المأوى الملائم”، وتلزم الدول باستخدام أقصى مواردها المتاحة لضمان تحسين ظروف السكن تدريجيًا. وعليه، تتحمل الدولة مسؤولية قانونية وأخلاقية لضمان السكن الآمن عبر سياسات إسكان عادلة، وتخطيط عمراني منظم، ورقابة فعالة على المباني القديمة، خاصة في المناطق الفقيرة والمزدحمة.

ويضيف عز الدين أن أحد جذور الأزمة يتمثل في غياب منظومة قانونية وإدارية فعّالة للصيانة. فالقوانين المصرية تركّز على الترخيص والبناء، لكنها تكاد تتجاهل مرحلة ما بعد السكن، حيث لا توجد جهة محلية مكلفة بمتابعة الحالة الإنشائية للمباني أو الإشراف على الصيانة الدورية. وبغياب هذه المنظومة، أصبحت المسؤولية على السكان وحدهم، رغم محدودية قدراتهم المالية والمعرفية. كما أدى غياب قاعدة بيانات وطنية دقيقة لحصر المباني المهددة بالانهيار، وضعف تنفيذ القانون، إلى تفاقم الوضع وتحويل الانهيارات إلى مسألة وقت لا أكثر.

ويخلص عز الدين إلى أن معالجة الأزمة تتطلب إعادة بناء منظومة الإدارة العمرانية من أساسها، بدءًا من تفعيل المجالس المحلية المنتخبة، ووضع تشريعات تلزم بالصيانة الدورية، وإنشاء جهاز فني محلي مختص بسلامة المباني، وتعزيز الشفافية والمشاركة المجتمعية. فمن دون هذه الإصلاحات، سيظل الحق في السكن الآمن مجرد وعد قانوني لا يجد طريقه إلى التطبيق.

وتنص المادة (78) من الدستور على أن الدولة تكفل للمواطنين الحق في السكن الملائم، بما يشمل الأمان والاستقرار والكرامة الإنسانية، وهو ما يجعل أي إهمال في متابعة المباني القديمة أو عدم تفعيل برامج صيانة شاملة انتهاكًا مباشرًا لهذا الحق.

ويتضح أن أزمة انهيار العقارات في مصر تتقاطع بشكل كبير مع غياب المجالس المحلية المنتخبة، وضعف الرقابة على المباني القائمة، إلى جانب تركيز برامج التطوير على المشاريع الاستثمارية فقط، يضع ملايين المواطنين في مواجهة يومية مع خطر فقدان مأواهم.

شيماء حمدي
صحفية مصرية، تغطي الملفات السياسية والحقوقية، وتهتم بقضايا المرأة. باحثة في حرية الصحافة والإعلام والحريات الرقمية.

Search