close

الإهمال الطبي في السجون المصرية.. حين يصير المرض عقوبة إضافية

77 حالة إهمال طبي و20 وفاة في عام واحد تكشف فجوة خطيرة بين النصوص الدستورية والواقع داخل السجون المصرية، وسط شهادات عن غياب العلاج وتأخر الاستجابة الطبية للحالات الحرجة
Picture of شيماء حمدي

شيماء حمدي

كما لو أنه يزيح الستار عن فصلٍ ثقيل من حياته، يعود إليه رغمًا عنه كلما ذُكرت السجون. استهل هيثم محمدين المحامي الحقوقي وسجين الرأي السابق حديثه عن فترة حبسه، يقول:”السجون في مصر غير ملائمة على الإطلاق لأصحاب الأمراض، حتى لو كانت أمراضًا بسيطة يمكن السيطرة عليها خارجها. التكدس، وغياب الأسَرة، والاعتماد على الحمامات البلدي، جميعها عوامل تجعل حياة المرضى داخل السجون غاية في الصعوبة. أصحاب الانزلاق الغضروفي أو أمراض العظام يعانون الأمرّين، ليس فقط من غياب العلاج، بل من بنية المرافق نفسها.”

يروي محمدين في حديثه معنا، كيف تحولت أبسط الحركات إلى عبء داخل زنزانة ضيقة، حيث اضطر السجناء لتقاسم الأدوية المحدودة في محاولات يائسة لتخفيف الألم. ورغم خروجه منذ أكثر من  ثلاث سنوات من حبس احتياطي دام ثلاث سنوات، بقيت تفاصيل تلك الأيام محفورة في ذاكرته، شاهدة على واقع يعيشه كثيرون حتى اليوم.

 

نوصي للقراءة: بلقاس، الزقازيق، جرجا، إمبابة: الموت كأعراض جانبية للاحتجاز في أقسام الشرطة

الإهمال الطبي أزمة متكاملة الأركان

تكشف شهادة محمدين بوضوح أن الإهمال الطبي في السجون ليس مجرد تقصير في العلاج، بل منظومة متكاملة تبدأ من بيئة احتجاز غير إنسانية، مرورًا بضعف التجهيزات الطبية، وصولًا إلى غياب الكفاءة والتخصص الطبي، ما يجعل أبسط الأمراض تهديدًا خطيرًا لحياة المحتجزين.

يصف محمدين العيادات داخل السجون بأنها مكتفية بالمسكنات لكل الحالات، حتى الطارئة، إذ يصبح استدعاء الطبيب شبه مستحيل بعد إغلاق الزنازين في السادسة مساء، ويضطر الممرض أحيانًا لاستعارة أجهزة قياس الضغط من السجناء لعدم صلاحية الأجهزة الرسمية. أما المرور الدوري للأطباء فيراه شكليًا، إذ يتابع طبيب واحد، غير متخصص، كل الأمراض، مثلما كان في سجن القناطر حيث كان أخصائي جلدية مسؤولًا عن التشخيص وصرف الأدوية لجميع الحالات.

يشير هيثم محمدين المحامي الحقوقي  إلى أن  الدستور المصري في مادته (55) ينص على: “كل من يُقبض عليه أو يُحبس أو تُقيد حريته يجب معاملته بما يحفظ كرامته، ولا يجوز تعذيبه أو ترهيبه أو إكراهه أو إيذاؤه بدنيًا أو معنويًا. كما لا يجوز حجزه أو حبسه إلا في أماكن مخصصة لذلك، لائقة إنسانيًا وصحيًا، مع التزام الدولة بتوفير وسائل الإتاحة للأشخاص ذوي الإعاقة. ومخالفة ذلك تعد جريمة يعاقب مرتكبها” وفقًا للقانون.

بالإضافة إلى ذلك، تعتبر مصر، بصفتها دولة طرفًا في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ملزمة بتطبيق المادة (10) التي تنص على أن: “يعامل جميع المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية تحترم الكرامة الأصيلة في الشخص الإنساني”. إلى جانب ذلك، تحدد “قواعد نيلسون مانديلا”، التي اعتمدتها الأمم المتحدة عام 2015، المعايير الدولية الأساسية لمعاملة السجناء، بما في ذلك الحق في الرعاية الصحية دون أي شكل من أشكال التمييز.

ومن جانبها تؤكد سمر الحسيني، المديرة التنفيذية للمنبر المصري لحقوق الإنسان، لـ”زاوية ثالثة” أن أزمة الرعاية الصحية في السجون المصرية تمثل “أحد أكثر الملفات فداحة”، مشيرة إلى أن الأمر لا يتعلق فقط بالسجناء السياسيين بل بكل المحتجزين، سواء الجنائيين أو أصحاب الخلفيات المختلفة.

توضح سمر أن الهدف يجب أن يكون ضمان حق كل سجين في الحصول على رعاية صحية مناسبة، وفق اللوائح الوطنية والمعايير الدولية. وتضيف: “الرعاية الصحية لا تعني مجرد نقل السجين إلى مستشفى لتلقي علاج طارئ ثم إعادته فورًا إلى زنزانته، بل تقتضي بقاءه في المستشفى حتى تمام التعافي والنقاهة. مشيرة إلى أن “ما يحدث حاليًا هو العكس تمامًا، حيث يُعاد المرضى إلى زنازين غير مجهزة، ما يؤدي إلى تدهور حالتهم أكثر.”

وتكشف الشهادات والتقارير الحقوقية أن الواقع داخل السجون المصرية يسير في اتجاه معاكس، حيث تستمر حالات الوفاة نتيجة عدم وجود رعاية الصحية، ما ينتج عنه تدهور الحالة الصحية للسجناء لعدم توافر العلاج والرعاية اللازمة، في ظل ظروف احتجاز وصفتها منظمات حقوقية محلية ودولية بـ”القاسية وغير إنسانية”.

مروة عرفة وهدى عبد المنعم 

تكشف شهادة هيثم محمدين عن واقع قاتم للرعاية الصحية في السجون المصرية، وهو أمر ليس فرديًا، إذ تتقاطع روايات سجناء آخرين من القناطر وطرة وبرج العرب وسجون الصعيد، جميعها تشير إلى الإهمال الطبي، نقص الأدوية، التأخر في الاستجابة للحالات الطارئة، وظروف احتجاز غير إنسانية تجعل المرض بمثابة حكم بالإعدام البطيء.

ظهرت المترجمة مروة أشرف محمد عرفة، المحبوسة احتياطيًا منذ أكثر من خمس سنوات، في جلسة السبت 18 أكتوبر 2025 بحالة إعياء شديد وصعوبة في التنفس، وفقًا لما أعلنته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية. وأبلغت مروة هيئة المحكمة بأنها تعاني من مضاعفات اشتباه جلطة رئوية سابقة، إضافة إلى مشكلات في القلب وارتفاع ضغط الدم، دون أن تُعرض على أطباء متخصصين لتلقي العلاج اللازم.

وعقب الجلسة، تقدّم عدد من المؤسسات الحقوقية والسياسيين والشخصيات العامة بطلب عاجل إلى المجلس القومي لحقوق الإنسان، مطالبين بالتدخل الفوري لإنقاذ حياة مروة، المحتجزة منذ أبريل 2020 بمركز إصلاح وتأهيل العاشر من رمضان “تأهيل 4″، على ذمة القضية رقم 570 لسنة 2020 حصر أمن الدولة العليا.

وذكر مقدمو الطلب أن مروة أُحيلت إلى المحاكمة في ديسمبر 2024 ضمن 38 متهمًا آخرين في القضية رقم 19857 لسنة 2024 جنايات أول مدينة نصر، بتهم تتعلق بـ”الانضمام إلى جماعة إرهابية وتمويل جماعة إرهابية”. إلا أن استمرار حبسها منذ عام 2020– بحسب ما أكدوه – يخالف المادة 143 من قانون الإجراءات الجنائية التي تنص على ألا يتجاوز الحبس الاحتياطي في الجنايات عامين، بينما تجاوزت مروة هذه المدة بأكثر من خمس سنوات.

كما وثّق مقدمو الطلب تعرضها في أغسطس 2025، لوعكة صحية خطيرة شُخّصت مبدئيًا كجلطة في الشريان الرئوي، أدت إلى تدهور قدرتها على الحركة واعتمادها على زميلاتها داخل السجن للمساعدة. ورغم خطورة وضعها، تلقت ليلة واحدة فقط من الرعاية الطبية قبل إعادتها إلى محبسها، مع تجاهل طلبات من قبل الجهات المختصة  لنقلها إلى مستشفى متخصص سواء عبر مجمع بدر الطبي أو مستشفى خارجي على نفقة الأسرة. ورأى مقدمو الطلب أن استمرار احتجازها بهذه الصورة يعد انتهاكًا للمادتين 55 و56 من الدستور المصري، فضلًا عن تعارضه مع التزامات مصر الدولية المتعلقة بالحق في الصحة والحرية وسلامة المحتجزين.

وأشار الطلب إلى أن مروة عرفة مترجمة، بالغة من العمر 32 عامًا وأم لطفلة صغيرة متعايشة مع طيف التوحد، والتي حُرمت من رعاية والدتها منذ القبض عليها أمامها وهي في عمر العامين، ما تسبب لها في صدمة نفسية ما تزال آثارها ممتدة حتى اليوم.

وتستشهد الحقوقية سمر الحسيني، بحالة مروة عرفة، التي أصيبت بجلطة وتلقت محاليلها داخل الزنزانة بدلًا من مستشفى متخصص، متسائلة: “ما الخطر في أن يتلقى مريض علاجه في مستشفى مجهز؟”.  وتشير إلى أن “الحرمان من الرعاية الصحية أصبح وسيلة عقاب إضافية”.

وتلفت الحسيني إلى أن المنظمات الحقوقية لا تطالب بمعاملة خاصة للسجناء السياسيين، بل بتطبيق القواعد الدولية فقط، أبرزها: تمكين المحتجزين من العلاج، إطلاع ذويهم على ملفاتهم الطبية، والسماح للأسر بتسليم الأدوية لأبنائهم. لكنها تكشف عن شهادات تؤكد منع دخول الأدوية في بعض السجون، أو بيعها داخلها بأسعار مرتفعة تزيد بين 25% و40% عن سعرها في الخارج، ما يمثل عبئًا إضافيًا على الأسر.

ورغم المطالبات الحقوقية العاجلة بإنقاذ مروة عرفة ووضع حد لاحتجازها الممتد، إلا أن قضيتها ليست استثناءً في المشهد الأوسع لتدهور الأوضاع الصحية للمحتجزات. ففي الوقت الحالي، تعاني هدى عبد المنعم المحامية الحقوقية من تدهور حاد في وضعها الصحي؛ إذ أصيبت بجلطة في القدم اليسرى، وتوقف في الكلية اليسرى، وارتجاع في الكلية اليمنى، فضلًا عن تعرضها لأزمة قلبية، واختلال شديد في التوازن جراء التهاب بالأذن الوسطى. وبينما تكافح هذه المضاعفات الثقيلة، تلقت أسرتها في أغسطس الماضي إخطارًا جديدًا من مستشفى السجن يفيد بتشخيصها بمرض السكري، ما يفاقم مخاطر حالتها ويزيد الحاجة إلى رعاية طبية عاجلة وملائمة.

الأمر الذي دفع ابنتها جهاد خالد إلى مناشدة  موجَّهة إلى رئيس الجمهورية  في 12 أكتوبر الماضي، تطالب فيها بالتدخل العاجل للإفراج عن والدتها، سواء بالعفو الصحي أو ضمن قرارات العفو الرئاسي. وأوضحت جهاد، في خطاب اطلعت عليه زاوية ثالثة، أن والدتها البالغة 66 عامًا تمر بظروف صحية “حرجة للغاية”، رغم إنهائها عقوبة السجن البالغة خمس سنوات في أكتوبر 2023، قبل أن تُحبس مجددًا على ذمة قضيتين جديدتين بالتهم ذاتها. 

وتُعد قضية هدى عبد المنعم، وهي محامية وحقوقية وعضو سابق بالمجلس القومي لحقوق الإنسان، ألقي القبض عليها في نوفمبر 2018 على خلفية نشاطها الحقوقي، وأُدرج اسمها في القضية رقم 1552 لسنة 2018 أمن دولة عليا، المعروفة إعلاميًا بـ“قضية التنسيقية المصرية للحقوق والحريات”. ومنذ ذلك الحين، بقيت رهن الحبس الاحتياطي لأكثر من أربع سنوات، إلى أن أصدرت محكمة أمن الدولة طوارئ، في 5 مارس 2023، حكمًا بسجنها خمس سنوات، على خلفية اتهامات قالت منظمات حقوقية إنها ملفقة.

ورغم انتهاء عقوبتها في 31 أكتوبر 2023، لم تُطلق سراحها؛ وفي 18 نوفمبر 2024، أُعيد عرضها على نيابة أمن الدولة العليا على ذمة قضية ثالثة، هي القضية رقم 800 لسنة 2019، بالتهم نفسها التي واجهتها في القضايا السابقة.

أزمة منظومة

استكمالًا لحديثه يتذكر المحامي الحقوقي هيثم محمدين أزمة كورونا خلال فترة سجنه، إذ يكشف أنه حصل على لقاح مختلف تمامًا عما كان يتوقع وانتشر حينها بين السجناء:”وبالفعل تلقيت الجرعة الأولى، وبعد 21 يومًا ذهبت لتلقي الجرعة الثانية. وبحسن نية سألت الطبيب عن نوع التطعيم: هل الإنجليزي أم الصيني؟ ليجيبني: “هذا فيروس (B)”. فاكتشفت أنني كنت أتلقى تطعيم فيروس (B)، لا لقاح كورونا.”

حتى في أبسط التفاصيل الطبية يظهر الإهمال. فمشاكل الأسنان، كما يروي محمدين، لا تجد سوى حل واحد “الخلع”. يرى محمدين خلال روايته أن الأخطر من ذلك كله هو تأخر الاستجابة في الحالات الحرجة ليلًا. ويشير إلى أن الإهمال في الاستجابة لحالات الطوارئ داخل السجون قد يؤدي إلى وفاة السجناء، إذ قد يتأخر الشاويش أو الحراس في فتح الأبواب خاصة خلال الليل أو في المباني متعددة الطوابق، كما يحدث في سجن القناطر، حيث تستغرق المساعدة وقتًا طويلًا للوصول إلى المحتجزين.

ويلفت إلى أن أزمة الرعاية الصحية في السجون المصرية متجذرة منذ سنوات طويلة، وظهرت بشكل واضح مع اتساع الحبس الاحتياطي بعد الثورة. ويرى أن المشكلة تتجاوز الحالات الفردية، إذ تفتقر السجون لمنظومة علاج حقيقية.

ويضيف محمدين أن المعالجة الشكلية عبر أطباء السجون أو مستشفياتها غير كافية، نظرًا لنقص الإمكانيات حتى في المستشفيات العامة خارج السجون. ويؤكد أن السجناء المصابين بأمراض مزمنة أو خطيرة يعانون مضاعفة، إذ لا يُسمح لهم بالوصول إلى المستشفيات الجامعية التي توفر العلاج المناسب، على عكس المواطنين العاديين.

بدورها، أصدرت حملة “لا تسقط بالتقادم” تقريرها الجديد “الإفراج الصحي: الحق المهدور!”، موثقةً أوضاع الرعاية الصحية في السجون المصرية بين سبتمبر 2024 وسبتمبر 2025، وكشفت عن فجوة كبيرة بين الالتزامات القانونية والواقع، مع استمرار الإهمال الطبي الذي أدى إلى 20 حالة وفاة و12 حالة إهمال متعمد، خاصة في سجون بدر 1، العاشر من رمضان، برج العرب والقناطر، حيث حُرم المحتجزون من العلاج وتأخرت نقلاتهم للمستشفيات، وأحيانًا استُخدم الحرمان من الرعاية كأداة عقاب.

 

في يوليو الماضي، كشفت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية عن أزمة صحية حادة يعانيها أحد المحبوسين احتياطيًا على ذمة القضية رقم 2025 لسنة 2025، المنتمي لجماعة “السلام والنور الأحمدي”. وقد تقدّم محامو المبادرة بطلب عاجل لمصلحة السجون لعرضه على الكشف الطبي وتقديم الرعاية الصحية اللازمة بشكل فوري، لكن إدارة سجن العاشر 6 لم تستجب بشكل كامل، واكتفت مرتين في مايو 2025 بتركيب قسطرة لمعالجة احتباس البول، بينما استمرت معاناته الصحية.

ويبلغ المحتجز 64 عامًا، وكان بحاجة لإجراء جراحة عينية لعلاج المياه البيضاء وأمراض الشبكية قبل القبض عليه، ويعاني كذلك من أمراض الكلى والسكري وارتشاح الكبد، ما زاد تدهور حالته داخل السجن، مع ظهور تورمات في رجليه وتدهور حاد في البصر، إضافة إلى غيبوبة سكر نتيجة عدم حصوله على أدويته.

وأدانت المبادرة استمرار الحبس الاحتياطي لما لا يقل عن 16 محتجزًا على ذمة هذه القضية، بينهم 14 من جماعة “السلام والنور الأحمدي”، وطالبت بالإفراج عنهم فورًا مع توفير الرعاية الطبية العاجلة لهم، بما ينسجم مع الالتزامات الدستورية والدولية.

عبد المنعم أبو الفتوح 4 ذبحات صدرية 

تمثل حالة الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، المرشح الرئاسي السابق، امتدادًا آخر لصورة الإهمال الطبي داخل السجون المصرية. فخلال العام الماضي، أعربت تسع منظمات حقوقية في بيان لها، عن بالغ استيائها واستنكارها للإهمال الطبي -المتعمد حسب وصفها- الذي يتعرض له الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، واعتبرته تصعيدًا للخصومة السياسية والأعمال الانتقامية بحق المعارضين السياسيين. 

وأشار البيان إلى إصرار إدارة سجن المزرعة بطرة على عدم السماح بنقل أبو الفتوح إلى المستشفى رغم تعرضه لأربع ذبحات صدرية متتالية خلال أقل من ثلاثة أشهر، وتجاهلها تدهور حالته الصحية وتقدمه في السن (67 عامًا)، واستمرار حبسه انفراديًا في زنزانة لا تتوافر فيها أبسط معايير رعاية السجناء، وهو ما وصفته المنظمات بأنه مثال فج ومخزي لآليات التعذيب غير المباشرة في السجون المصرية.

ويعاني أبو الفتوح من أمراض مزمنة تشمل السكري وارتفاع ضغط الدم وتضخم البروستاتا، وقد بلغت حالته الحرجة ذروتها في 5 مايو الجاري، حين أصيب بأشد ذبحة صدرية له. ورغم حاجته الماسة للرعاية الطبية الفورية، وإجراء الفحوصات اللازمة في العناية المركزة، تصر إدارة السجن على منعه من النقل، بينما رفضت النيابة طلباته المتكررة بعرضه على لجنة طبية متخصصة.

وقد قُدمت مذكرة تفصيلية للمجلس القومي لحقوق الإنسان في 22 أبريل الماضي توثق كافة الانتهاكات وظروف حبسه غير الآدمية، لكنها لم تسفر عن أي تغيير، ما اعتبرته المنظمات استمرارَا لسياسة الإهمال الطبي المتعمد بحق السجناء السياسيين داخل السجون المصرية.

 

نوصي للقراءة: نساء في سجون مصر.. أجساد بلا حقوق

النديم يوثق 77 حالة إهمال طبي

يشدد الحقوقي هيثم محمدين على أن الحالات الصحية الخطيرة داخل السجون تحتاج غالبًا إلى تدخل في المستشفيات الجامعية، التي تملك الأجهزة والأطباء المتخصصين لمعالجة الأمراض المستعصية، إلا أن وصول السجين إليها شبه مستحيل، وغالبًا ما تُحيل الإدارة المريض فقط إلى مستشفى السجن، مهما بلغت خطورة حالته.

من جانبه، وثق مركز النديم لمناهضة العنف والتمييز 77 حالة إهمال طبي داخل أماكن الاحتجاز خلال النصف الأول من عام 2025، تراوحت بين نقص الرعاية الطبية الأساسية وتدهور حالات المحتجزين، مشيرًا إلى أن العدد الفعلي قد يكون أكبر نظرًا لصعوبة الوصول إلى جميع السجون ومراكز الاحتجاز. وأكد المركز أن الإهمال الطبي يشكل انتهاكًا للدستور المصري (المواد 18 و55 و56) وللاتفاقيات الدولية، بما في ذلك اتفاقية مناهضة التعذيب (1986)، التي تعتبر الحرمان المتعمد من الرعاية الصحية شكلًا من أشكال التعذيب والمعاملة اللاإنسانية. وسجل شهر مايو أكبر عدد من الحالات (22 حالة)، يليه أبريل ويونيو بواقع 20 حالة لكل شهر.

في السياق، يرى المحامي الحقوقي هيثم محمدين أن النيابة العامة تتحمل المسؤولية المباشرة عن الإهمال الطبي في السجون، مشددًا على أن التفتيش يجب أن يكون دوريًا، شاملًا وفجائيًا، مع إخراج السجناء للعرض على مستشفيات مجهزة فعلًا، بدلًا من الإجراءات الشكلية في مستشفيات السجون أو العيادات الداخلية. 

من جانبها، تؤكد الحقوقية سمر الحسيني أن الحل يتطلب تشكيل لجنة عاجلة تضم أطباء مستقلين وحقوقيين، تمكين المنظمات الحقوقية من الاطلاع على السجلات الطبية، ونقل السجناء للمستشفيات عند الحاجة، مع منح المجلس القومي لحقوق الإنسان صلاحيات رقابية حقيقية بدلًا من دوره الحالي المحدود.

خلال إعداد هذا التقرير، تواصلنا مع المجلس القومي لحقوق الإنسان عبر وسائل الاتصال الرسمية المتاحة على موقعه الإلكتروني، لطلب تعليق حول أوضاع السجناء والرعاية الصحية داخل أماكن الاحتجاز، وما يُثار بشأن الإهمال الطبي. وحتى وقت نشر التحقيق، لم نتلقَّ ردًا.

يبقى ملف الرعاية الصحية داخل السجون وأماكن الاحتجاز في مصر معلقًا بين نصوص دستورية وقانونية واضحة تكفل الحق في العلاج، وواقع تكشفه شهادات وتقارير حقوقية، يشي بوجود فجوة واسعة بين الإلتزام الدستوري والقانوني والممارسة على الأرض. وبينما يظل المرضى من السجناء عالقين في هذه الفجوة، تتزايد المطالبات بأن تتحمل النيابة العامة والجهات المختصة مسؤولياتها الدستورية والقانونية، عبر تفعيل آليات التفتيش الدوري والفجائي، وضمان الوصول الفعلي إلى رعاية صحية لائقة، باعتبار ذلك ليس منحة أو استثناءً، بل حقًا أصيلًا لا يسقط حتى خلف القضبان.

شيماء حمدي
صحفية مصرية، تغطي الملفات السياسية والحقوقية، وتهتم بقضايا المرأة. باحثة في حرية الصحافة والإعلام والحريات الرقمية.

Search