close

وزراء يتغيرون وأزمات تتصاعد… ومدبولي وحده لا يتحرك

رغم تعديل وزاري واسع، تستعد مصر لسداد 29.18 مليار دولار ديون خارجية في 2026 بعد ارتفاع الدين من 42 إلى 165 مليار دولار خلال سنوات مدبولي.
Picture of رشا عمار

رشا عمار

أدت الحكومة المصرية الجديدة اليمين الدستورية أمام الرئيس عبد الفتاح السيسي، صباح اليوم الأربعاء، بعد أن أقر مجلس النواب المصري، مساء أمس الثلاثاء، تعديلًا وزاريًا واسعًا في حكومة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، شمل تعيين نائب لرئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، و17 وزيرًا جديدًا، إلى جانب أربعة نواب لوزراء، دون تعديلات على الوزارات السيادية (الدفاع والخارجية والداخلية والمالية)، وذلك في جلسة عامة طارئة خُصصت لمناقشة التعديل واعتماده رسميًا، عقب لقاء جمع بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء لمناقشة المقترحات.

ووافق المجلس على التعديل بأغلبية الأعضاء الحاضرين، عقب تلاوة خطاب رئيس الجمهورية، تمهيدًا لاستكمال الإجراءات الدستورية، على أن يؤدي الوزراء الجدد اليمين الدستورية أمام السيسي، يوم غدًا الأربعاء.

وشمل التعديل تعيين حسين أحمد عيسى نائبًا لرئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، وخالد عبد الغفار وزيرًا للصحة والسكان، وكامل الوزير وزيرًا للنقل بعد فصل ملف الصناعة في حقيبة مستقلة، إلى جانب تغييرات في حقائب الاستثمار، والتخطيط، والإسكان، والاتصالات، والثقافة، والإعلام، واستحداث مناصب ونواب لعدد من الوزارات، ما يعني إعادة تشكيل واسعة داخل الحكومة في توقيت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية وتتصاعد المطالب بإعادة ترتيب أولويات الإدارة التنفيذية.

وفي المقابل، استمر عدد من الوزراء في مناصبهم، على رأسهم وزير الخارجية السفير بدر عبد العاطي ووزير الدفاع الفريق أول عبد المجيد صقر، كذلك واصل المهندس محمود عصمت مهامه وزيرًا للكهرباء، والمهندس كريم بدوي وزيرًا للبترول، فيما استمر أحمد كوجك وزيرًا للمالية، والدكتور شريف فاروق وزيرًا للتموين، واستمر الدكتور أسامة الأزهري وزيرًا للأوقاف، ومحمد عبد اللطيف وزيرًا للتربية والتعليم، وخالد عبد الغفار وزيرًا للصحة والسكان. كما تم تعيين الفريق كامل الوزير وزيرًا للنقل فقط، بعد أن كان يشغل سابقًا منصب نائب رئيس مجلس الوزراء للتنمية الصناعية ووزير الصناعة والنقل.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي، عقد صباح الثلاثاء، اجتماعًا مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي لبحث إجراء تعديل على التشكيل الحكومي، وبحسب بيان صادر عن رئاسة الجمهورية، أكد السيسي ضرورة أن تعمل الحكومة بتشكيلها المرتقب على تحقيق مجموعة من الأهداف المحددة، تشمل محاور الأمن القومي والسياسة الخارجية، والتنمية الاقتصادية، والإنتاج والطاقة والأمن الغذائي، فضلًا عن المجتمع وبناء الإنسان، إلى جانب تنفيذ تكليفات جديدة تتسق مع دوافع إجراء التعديل الوزاري.

وينظم الدستور المصري ألية تشكيل الحكومة، في مادته رقم (146) إذ ينص على أ “يكلف رئيس الجمهورية شخصًا بتولي رئاسة مجلس الوزراء لتشكيل الحكومة وعرض برنامجها على مجلس النواب. وإذا لم تحظَ الحكومة بثقة أغلبية أعضاء المجلس خلال مدة أقصاها ثلاثون يومًا، يكلف رئيس الجمهورية رئيسًا آخر لمجلس الوزراء من الحزب أو الائتلاف الحاصل على أكثرية مقاعد المجلس. وإذا لم تحصل الحكومة الجديدة على ثقة أغلبية الأعضاء خلال مدة أقصاها ثلاثون يومًا، يُعتبر مجلس النواب حينها منحلاً، ويُدعَى رئيس الجمهورية لإجراء انتخابات لمجلس نواب جديد خلال ستين يومًا من تاريخ صدور قرار الحل. وفي جميع الأحوال، يجب ألا يتجاوز مجموع مدد التكليف المشار إليها في هذه المادة ستين يومًا.

 

أطول انتخابات نيابية في مصر تعيد إنتاج برلمان هيمنة الموالاة

إعادة تدوير السياسات

ويرى مراقبون أن التعديل الوزاري لا يتوافق مع حجم التحديات التي تواجهها الدولة. من جانبه وصف الدكتور فريدي البياضي، عضو مجلس النواب ونائب رئيس حزب المصري الديموقراطي التعديل الوزاري بأنه جاء “مخيبًا للآمال”، ولم يرتقي لحجم الأزمات التي تعيشها البلاد.

ويقول البياضي لـ”زاوية ثالثة” إن الإبقاء على رئيس الحكومة “يعني ببساطة استمرار نفس السياسات ونفس أسلوب إدارة الدولة، وهي سياسات ثبت فشلها، خصوصًا في الملف الاقتصادي الذي وصلت فيه الأوضاع إلى مستويات غير مسبوقة من الضغط على المواطنين. مضيفًا أن “ما جرى لا يمكن اعتباره إصلاحًا، بل إعادة تدوير للأزمة، حيث جرى تغيير بعض الأسماء دون أي مؤشر حقيقي على مراجعة جادة للنهج المتبع أو معالجة أسباب الفشل”.

ويشير “البياضي” إلى أن عودة وزارة الإعلام تطرح علامات استفهام كبيرة حول أولويات الحكومة، في وقت تعاني فيه الموازنة العامة من أعباء ضخمة، ويُطلب فيه من المواطنين تحمّل المزيد من الأعباء، بينما يتم التوسع في إنفاق لا مبرر له. كذلك يلفت إلى أن “الإبقاء على وزير التعليم، رغم تفاقم أزمات هذا الملف الحيوي، يبعث برسالة صادمة للرأي العام، ويعكس استخفافًا بحجم الغضب المجتمعي تجاه أوضاع التعليم”.

وينوه البياضي إلى رفض الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي التعديل الوزاري أثناء التصويت، لأن ما طُرح لا يمثل حلًا للأزمة، ولا يستجيب لتطلعات المواطنين، ولا يفتح أي أفق حقيقي للتغيير المطلوب.

 

مصر تدفع ديونها بالديون.. اقتصاد يعيش على الفاتورة القادمة

 

ماذا قدم مصطفى مدبولي؟

تولى المهندس مصطفى مدبولي رئاسة مجلس الوزراء في يونيو 2018، بعد تكليفه من الرئيس عبد الفتاح السيسي بتشكيل الحكومة وأدائه اليمين الدستورية أمامه في منتصف الشهر نفسه. ومنذ ذلك الحين، احتفظ بمنصبه عبر تعديلات وزارية متتالية، ما جعله أحد أطول رؤساء الحكومات بقاءً في موقعه في الحقبة الجمهورية بعد 1952.

مصر: هل يمثل التعديل الوزاري تحوّلًا في السياسات أم تدويرًا لها؟

وعلى مدار نحو ثماني سنوات، تراكمت انتقادات حادة لأداء مدبولي وفريقه، لا سيما في الملف الاقتصادي والاجتماعي، فقد شهدت البلاد تفاقمًا ملحوظًا في حجم الدين العام، من 42 مليار دولار عام 2014 إلى نحو 165 مليار دولار في 2023، مع سداد أكثر من 132 مليار دولار كخدمة دين. مع ارتفاع كلفة خدمته إلى مستويات غير مسبوقة، بالتوازي مع اعتماد متزايد على الاقتراض الخارجي وصفقات “بيع الأصول” لسد فجوات التمويل، فضلًا عن تراجع قيمة الجنيه المصري بنسبة 462% أمام الدولار منذ 2016.

يترافق ذلك مع انتقادات لضعف الشفافية والمساءلة حول استراتيجية إدارة الدين وبرامج بيع أو استثمار أصول الدولة، في ظل غياب حوار مجتمعي حقيقي حول كلفة هذه السياسات على المدى الطويل.

ونتيجة للضغوط الاقتصادية والاجتماعية، عانى المواطنون من موجات متتالية من التضخم والغلاء، أدت إلى تآكل القدرة الشرائية واتساع رقعة الفقر، على الرغم من تبني الحكومة خطاب “الإصلاح الاقتصادي” وبرامج متكررة بالتنسيق مع المؤسسات المالية الدولية.

وتتهم حكومة مدبولي بالتركيز المفرط على مشروعات البنية التحتية الكبرى والعقارات، مثل العاصمة الإدارية الجديدة وشبكات الطرق والكباري، مقابل إهمال نسبي للقطاعات الاجتماعية والإنتاجية، وفي مقدمتها الصحة والتعليم والصناعة الصغيرة والمتوسطة.

في الوقت نفسه تواجه الحكومة انتقادات دولية تتعلق بعدم تنفيذ إصلاحات مطلوبة من صندوق النقد الدولي ضمن اتفاق 2022 الذي توسع إلى 8 مليارات دولار عام 2024، تشمل إدارة شفافة للشركات المملوكة للدولة، لا سيما العسكرية، وإصدار تقارير كاملة عن الإعفاءات الضريبية، وإنهاء الامتيازات الضريبية لتلك الشركات، وتحسين الإجراءات الجمركية. كذلك تعثرت محاولات خصخصة شركات تابعة للمؤسسة العسكرية، مع استمرار الإعفاءات تحت ذريعة الأمن القومي.

وينتقد مراقبون الاعتماد المفرط على المساعدات الخارجية، الذي بلغ نحو 200 مليار دولار منذ 2013، وعلى المشروعات العملاقة، ما أدى إلى ركود في الاقتصاد الحقيقي. وبينما تقول الحكومة أنها أنجزت 85% من برنامج الإصلاح الاقتصادي، وتستشهد بجذب استثمارات أجنبية، من بينها حزمة بقيمة 24 مليار دولار، إلا أن تقديرات غير رسمية تشير إلى تجاوز معدلات الفقر 60%، مع معاناة نحو 69 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي، كذلك تراجع الإنفاق على الصحة من 1.7% إلى 1.4% من الناتج المحلي الإجمالي بين عامي 2014/2015 و2023/2024، ما أدى إلى نقص مزمن في الأدوية والكوادر الطبية والخدمات الصحية.

تشير أحدث تقديرات البنك المركزي المصري إلى أن 2026 ستكون من أثقل سنوات خدمة الدين الخارجي، مع التزام الدولة بسداد نحو 29.18 مليار دولار لصالح الدائنين في الخارج، تشمل أقساط أصل الدين والفوائد معًا. ينقسم هذا المبلغ إلى 23.79 مليار دولار مستحقة كأقساط أصلية، و5.4 مليارات دولار فوائد، مما يعكس تضخم فاتورة الدين وأثرها المباشر على الاحتياجات التمويلية للميزانية العامة.

يرى أستاذ الاقتصاد السياسي كريم العمدة أن حالة الإجماع حول ضعف الأداء الحكومي لا تقتصر على الخبراء والمتخصصين فحسب، بل تمتد إلى المواطن العادي، معتبرًا أن تعاقب الحكومات، بما فيها الحالية، لم ينجح في تخفيف حدة الأزمة الاقتصادية، وهو ما ينعكس بوضوح في الأوضاع المعيشية المتدهورة.

ويشير “العمدة” في حديثه إلى “زاوية ثالثة” إلى أن استمرار مصطفى مدبولي في موقعه، مع كل تأكيد جديد على بقائه، يعمّق شعور الإحباط في الشارع، في ظل غياب مبررات موضوعية للإصرار عليه، وكأن مصر، بكل ما تملكه من طاقات بشرية، تفتقر إلى كفاءات اقتصادية قادرة على إدارة المرحلة.

ويرفض أستاذ الاقتصاد السياسي الرواية المتداولة بشأن عرض المنصب على شخصيات عديدة واعتذارها، موضحًا أن المشكلة الحقيقية تكمن في طبيعة منصب رئاسة الوزراء نفسه، الذي يُدار بصلاحيات منقوصة وشروط تحدّ من قدرة أي رئيس حكومة على إحداث تغيير فعلي، ما يجعل المنصب غير جاذب للكفاءات القادرة على تقديم حلول حقيقية.

ووفقًا للعمدة، فإن أولويات الحكومات المتعاقبة تكاد تكون متطابقة، وفي مقدمتها التضخم وارتفاع الأسعار، وأزمة الدين العام، وتراجع الموارد الدولارية، إلا أن التعامل مع هذه الملفات لا يمكن أن يقتصر على إدارة الأزمة، بل يتطلب اختراقًا حقيقيًا، عبر توطين الصناعة، ومضاعفة الصادرات المصرية لتتجاوز حاجز المئة مليار دولار.

ويؤكد على أن تحقيق هذه الأهداف يظل بالغ الصعوبة في ظل غياب مجالس نيابية تمتلك الكفاءة والقدرة على الرقابة والمساءلة، مشددًا على أن مجلسي النواب والشيوخ يمثلان ركيزة أساسية مكملة لأداء الحكومة، وأن أي حكومة، مهما ضمّت من كفاءات، ستظل تعاني من قصور مؤسسي دون برلمان فاعل.

ومن جانبه، قال البرلماني السابق هيثم الحريري إن استمرار الدكتور مصطفى مدبولي على رأس الحكومة في هذه المرحلة أصبح سؤالًا مشروعًا، بل مؤلمًا، في ظل تراجع رضا الشارع، وانخفاض غير مسبوق في القدرة الشرائية للمصريين، وتدهور واضح في التعليم والصحة، وارتفاع جنوني في أسعار الخدمات، إضافة إلى تقلص مساحات حرية الرأي والتعبير وتجاوزات في الانتخابات الأخيرة.

وأشار الحريري في منشور عبر صفحته الرسمية إلى أن ثماني سنوات تقريبًا من إدارة الحكومة أسفرت عن واقع يراه الجميع: مواطن مُرهَق، طبقة متوسطة تتآكل، شباب بلا أفق، وخدمات أساسية تتحول إلى رفاهية، في حين لم تعد المدارس والمستشفيات قادرة على أداء دورها الإنساني قبل المهني.

وأكد أن المشكلة لم تعد في الأرقام أو البيانات الرسمية، بل في حياة الناس اليومية: رب أسرة لم يعد قادرًا على تلبية أبسط احتياجات بيته، مريض يبحث عن علاج لا يجده إلا بمقابل يفوق دخله، طالب يتلقى تعليمًا لا يؤهله لسوق العمل ولا يبني وعيًا حقيقيًا، ومواطن يشعر أن صوته لم يعد مسموعًا وأن رأيه أصبح عبئًا.

وأضاف أن استمرار مدبولي في هذا التوقيت لا يُقرأ باعتباره “استقرارًا”، بل يُفهم كرسالة تجاهل لمعاناة الناس، وأن أي تعديل وزاري محدود لا يعالج أزمة الثقة العميقة، ولا يغير سياسات ثبت فشلها، ولا يعيد الاعتبار لمجتمع يشعر بأنه خارج الحسابات.

وأكد الحريري أن “الدول لا تتأثر سلبيًا فقط بالأزمات الاقتصادية، بل حين تنفصل السلطة التنفيذية عن نبض الشارع، وحين تتحول المعاناة إلى أرقام، والغضب إلى ضجيج بلا صدى، والمطالب المشروعة إلى ترف سياسي. ولسنا بحاجة إلى تغيير وجوه، بل إلى تغيير نهج، ولسنا بحاجة إلى مسكنات إعلامية، بل إلى رؤية حقيقية تضع الإنسان في قلب القرار. استمرار نفس السياسات بنفس العقلية لن يؤدي إلا إلى مزيد من عدم الرضا، ومزيد من الفجوة بين الحكومة والمواطن”.

رشا عمار
صحفية مصرية، عملت في عدة مواقع إخبارية مصرية وعربية، وتهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية.

Search