close

أينما ذهبوا يلاحقهم القمع.. مصريون في الخارج تحاصرهم قنصلياتهم

يوثق تقرير حقوقي 84 حالة استهداف لمصريين في 17 دولة، بينها حرمان من جوازات السفر، ملاحقات غيابية، واستهداف أسرهم داخل مصر، في ما يُوصف بالقمع العابر للحدود.
Picture of زاوية ثالثة

زاوية ثالثة

يتعرّض معارضون مصريون ومدافعون عن حقوق الإنسان لملاحقات أمنية تجاوزت حدود البلاد. ويوثّق المنبر المصري لحقوق الإنسان، في تقريره السنوي الثاني المعنون «أينما ذهبوا: القمع العابر للحدود واستهداف المصريين في الخارج»، ما يصفه بانتهاج السلطات المصرية أنماطًا متعددة من القمع العابر للحدود بحق معارضين ومدافعين يقيمون خارج مصر.

ويشير التقرير إلى أن هذه الممارسات تشمل حرمان المستهدفين من الوثائق الرسمية والخدمات القنصلية، وإسقاط الجنسية عن بعضهم، وملاحقتهم قضائيًا عبر تهم يصفها بالملفّقة وأحكام غيابية، إلى جانب إدراج أسمائهم على قوائم الإرهاب. كما يرصد مضايقات إلكترونية واسعة النطاق، تتراوح بين المراقبة الرقمية واختراق الأجهزة، وصولًا إلى حملات تشهير وتحريض عبر وسائل الإعلام ومنصات الإنترنت.

ويعرّف التقرير القمع العابر للحدود بأنه «مجموعة الأفعال والإجراءات التي تقوم بها السلطات المصرية خارج إقليمها، أو تمتد آثارها القمعية إلى ما وراءه، بهدف إسكات أو معاقبة أفراد يوجدون في دول أخرى أو من يرتبطون بهم داخل مصر، بسبب نشاطهم السياسي أو الحقوقي أو آرائهم».

ويرى التقرير أن هذه الممارسات تتعارض مع التزامات مصر والدول المضيفة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب، واتفاقية اللاجئين لعام 1951، وغيرها من الاتفاقيات ذات الصلة.

في طريق العودة أُغلق الوطن: شهادات عن التيه القسري لمحامين حقوقيين مصريين

 

أوضاع قانونية هشة في الخارج 

اعتمد التقرير على منهجية جمعت بين التوثيق الكمي والنوعي، من خلال استبيان شمل 34 مشاركًا ومشاركة من المصريين المقيمين في الخارج، إلى جانب إنشاء قاعدة بيانات تراكمية للحالات الموثقة. وأفاد نحو ثلثي المشاركين، أي ما يقارب 66 في المئة، بتعرّضهم للحرمان من جوازات السفر أو الوثائق الرسمية أو الخدمات القنصلية الأساسية، ما وضع عددًا منهم في أوضاع قانونية هشة داخل دول إقامتهم.

وبالتوازي، رصد التقرير 84 حالة فردية موزعة على ما لا يقل عن 17 دولة وموقعًا جغرافيًا، بما أتاح تحليلًا معمقًا لأنماط متكررة من القمع العابر للحدود. وتشمل هذه الأنماط الحرمان القنصلي من الوثائق الثبوتية، وإسقاط الجنسية، وإساءة استخدام آليات التعاون الأمني الدولي، والمراقبة الرقمية، والعقاب بالوكالة عبر استهداف أفراد الأسرة.

وتُظهر البيانات أن نحو 82 في المئة من الضحايا من الذكور مقابل 18 في المئة من الإناث، وأن الغالبية تنشط في مجالات العمل السياسي أو الحقوقي أو الإعلامي. كما تكشف عن تمركز جغرافي ملحوظ؛ إذ تصدّرت تركيا الدول الأكثر ورودًا في القاعدة، تلتها مصر، ثم المملكة المتحدة وعدد من الدول الأوروبية والخليجية، ما يعكس ارتباط أنماط القمع بمسارات الهجرة السياسية ومراكز النشاط الإعلامي والحقوقي للمصريين في الخارج.

أما من حيث طبيعة الانتهاكات، فيأتي الحرمان من الخدمات القنصلية والوثائق الثبوتية في صدارة الأنماط الأكثر شيوعًا، يليه اللجوء إلى الملاحقات القضائية الغيابية والتهديدات الأمنية، ثم المضايقات الرقمية وحملات التشهير الإعلامي.

في هذا السياق، تبرز سمر الحسيني، المدير التنفيذي للمنبر المصري لحقوق الإنسان، أن التقرير يمثل أول محاولة في المنطقة لإنشاء قاعدة بيانات موثّقة لممارسات القمع العابر للحدود التي تمارسها السلطات المصرية، بعد توقف منظمة “فريدم هاوس” عن إصدار مؤشرات عالمية مماثلة. 

وتوضح  في حديثها لـ”زاوية ثالثة: أن التقرير  يركّز على “الضحايا غير المرئيين”، وهم أسر النشطاء في الداخل التي تُستخدم كرهائن، والأطفال المولودون في المهجر دون أوراق ثبوتية، والنساء المعرضات لانعدام الأمان بالخارج نتيجة التهديدات والملاحقة الأمنية. مشيرة إلى ظهور أنماطًا جديدة ظهرت منذ أغسطس الماضي، مثل استخدام السفارات الدبلوماسية لاستهداف المتظاهرين في أمستردام ولندن ونيويورك، واستغلال مجموعات تابعة للدولة لملاحقة المعارضين وفض تجمعاتهم في أوروبا، ما وصفته الحسيني بأنه جزء من استراتيجية الدولة لتصدير مفهوم “المواطنين الشرفاء”.

في 8 سبتمبر من العام المنصرم 2025، أدانت عدد من المنظمات الحقوقية التوظيف غير المسبوق للبعثات الدبلوماسية المصرية كأدوات للقمع العابر للحدود بحق متظاهرين سلميين في الخارج، عقب تسريب صوتي لوزير الخارجية بدر عبد العاطي تضمّن توجيهات مباشرة لموظفي السفارات تدعو إلى احتجاز المتظاهرين بالقوة وتسليمهم للشرطة، في انتهاك صارخ لمبادئ القانون الدبلوماسي الدولي. 

ووفقًا للمنظمات، تُرجمت هذه التوجيهات إلى اعتداءات فعلية في عدد من الدول، من بينها هولندا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة؛ إذ سُجّلت وقائع سبّ وتهديد واعتداء جسدي على متظاهرين أمام السفارات أو داخل مقار بعثات دبلوماسية، إلى جانب سحب محتجين قسرًا إلى داخل مبانٍ دبلوماسية وتسليمهم للشرطة المحلية، فضلًا عن تحريض مجموعات موالية للنظام على ترهيب النشطاء والاعتداء عليهم في محيط مواقع الاحتجاج.

وأضافت المنظمات أن هذه الممارسات ترافقها حملة انتقامية أوسع ضد المعارضين في الخارج وأسرهم داخل مصر، شملت اعتقال أقارب صحفيين ونشطاء، والإخفاء القسري، واستهداف صحفيين ببرمجيات تجسس، وحرمان مصريين مقيمين بالخارج وأفراد عائلاتهم –بمن فيهم الأطفال– من الوثائق والخدمات القنصلية

. وحذّرت المنظمات من أن هذا التحول نحو استخدام البعثات كمراكز عمليات للقمع، والانتقال من المضايقات إلى الاعتداءات الجسدية على أراضٍ أجنبية، يشي بمرحلة أشد خطورة من القمع العابر للحدود، تستوجب تحركًا دوليًا عاجلًا ومنسقًا لوقفها ومساءلة المسؤولين عنها.

 

نوصي للقراءة: مصر: هل يمثل التعديل الوزاري تحوّلًا في السياسات أم تدويرًا لها؟

استهداف العائلات 

وكشف التقرير أيضًا أن عائلات المعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان داخل مصر لم تسلم من الاستهداف، إذ تتعرض للاحتجاز والتهديد كوسيلة ابتزاز للضغط على ذويهم في الخارج، في صورة واضحة من صور العقاب بالوكالة. كذلك أشار إلى محاولات متكررة من جانب السلطات المصرية لإعادة نشطاء قسرًا من دول أخرى، عبر نشر مذكرات توقيف دولية والتعاون الأمني الثنائي مع بعض الحكومات العربية والأجنبية.

كما تؤكد القاعدة أن استهداف الأسر داخل مصر يشكّل عنصرًا بنيويًا متكررًا في عدد كبير من الحالات الموثقة، وليس مجرد وقائع فردية معزولة. كما أشار حوالي 72٪ إلى تعرض أفراد من عائلاتهم داخل مصر لاستدعاءات أمنية أو مضايقات أو منع من السفر على خلفية نشاط ذويهم في الخارج.

بحسب سمر الحسيني المدير التنفيذي للمنبر المصري، فإن أزمة  الحرمان من الأوراق الثبوتية تؤثر مباشرة على قدرة الأفراد على إدارة ممتلكاتهم ومواريثهم داخل مصر، فيما يشمل استهداف الأسر اعتقالات الأقارب، والمداهمات المستمرة للمنازل، والرقابة، وإجبار الأهل على الإبلاغ عن تحركات ذويهم في الخارج.

في تقرير سابق، وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش حملة واسعة النطاق من الاعتقالات والمداهمات المنزلية والاستجوابات وحظر السفر استهدفت أقارب المعارضين المصريين المقيمين في الخارج.

شملت الحالات التي تم توثيقها بين أعوام 2016 و2019، 28 صحفيًا وناشطًا سياسيًا وحقوقيًا، حيث تعرض أفراد أسرهم لمضايقات، واحتجاز أو محاكمة خارج نطاق القضاء، بما في ذلك اتهام بعض الأطفال بـ”الانضمام إلى جماعات إرهابية” أو نشر “أخبار كاذبة”. 

القلق والخوف والتوتر آثار الاستهداف النفسي

يبرز التقرير الأثر النفسي والاجتماعي العميق لهذه الممارسات؛ إذ تشير الشهادات والبيانات التي حصل عليها المنبر المصري لحقوق الإنسان،  إلى انتشار القلق المزمن، والأرق، والخوف الدائم من التوقيف أو الترحيل، حتى في الدول التي يُفترض أنها توفر حماية قانونية. ومع إفادة نحو 72٪ من المشاركين بتعرض أسرهم داخل مصر لضغوط أو استدعاءات أمنية، تتنامى مشاعر الذنب والعجز لدى كثير من المنفيين، وتتسع دوائر الرقابة الذاتية وتجنب الظهور العلني أو المشاركة في الفعاليات العامة.

ووثق التقرير أيضًا أن تعرض قرابة ربع المشاركين لمضايقات رقمية أدى إلى تراجع الثقة في التواصل الإلكتروني وانكماش شبكات الدعم الاجتماعي. ويمتد الأثر إلى الأطفال في حالات الحرمان من الوثائق أو تأخر تسجيل المواليد، بما ينعكس سلبًا على الحق في التعليم والرعاية الصحية والاستقرار القانوني، ويُنتج حالة من “المنفى غير الآمن”، حيث يتحول الخوف إلى عنصر يومي يعيد تشكيل السلوك الفردي والخيارات المهنية والعلاقات الاجتماعية.

ويشير مصطلح القمع الرقمي العابر للحدود إلى استخدام الدول للتقنيات الرقمية لمراقبة واستهداف المعارضين والنشطاء الحقوقيين والصحفيين المقيمين في الخارج أو في الشتات. يهدف هذا النوع من القمع إلى إسكات الأصوات المعارضة والتحكم في السلوك السياسي والاجتماعي للمعنيين حتى خارج حدود الدولة، ويشمل أساليب مثل التجسس على الأجهزة الإلكترونية، المراقبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إرسال تهديدات رقمية، وحملات تشويه على الإنترنت.

وبحسب دراسات أجرتها (The Citizen Lab) أن هذا النوع من القمع له آثار نفسية واجتماعية عميقة على الضحايا، مثل القلق المزمن، التوتر النفسي، الأرق، الإرهاق النفسي، والاكتئاب. كما يقوّض شعورهم بالأمان ويحدّ من قدرتهم على ممارسة نشاطهم الحقوقي والسياسي، ويؤدي أحيانًا إلى الانعزال الاجتماعي والرقابة الذاتية خوفًا على حياتهم أو حياة أسرهم.

يختتم تقرير المنبر المصري لحقوق الإنسان،  بجملة من التوصيات العملية الموجّهة إلى الأطراف المعنية، والتي جاءت على رأٍ تلك الأطراف السلطات المصرية إذ أوصى التقرير بإنشاء هيئة أو آلية وطنية مستقلة ذات صلاحيات واسعة وتمثيل متنوع، تتولى رصد وتقييم حالات القمع العابر للحدود، وبخاصة الحرمان التعسفي من الخدمات القنصلية والأوراق الثبوتية، وتقديم المشورة للحكومة، وتقييم المخاطر بشكل دوري ومحايد. كما أوصى التقرير وقف إساءة استخدام آليات التعاون القضائي والأمني، سواء عبر الإنتربول أو مجلس وزراء الداخلية العرب، وضمان عدم ملاحقة النشطاء لأسباب سياسية.

كما أوصى التقرير بضرورة بإنهاء الممارسات العقابية القنصلية التي تحرم المواطنين من جوازات السفر أو الوثائق الأساسية، واعتماد سياسة شفافة لتجديدها دون تمييز، ومراجعة قوائم الإرهاب وإلغاء إدراج الأفراد على أسس سياسية، وضمان حق الطعن والمراجعة القضائية المستقلة، ووقف استهداف الأسر والأقارب لأي معارض في الخارج، باعتبار ذلك شكلاً من أشكال العقاب الجماعي المحظور دوليًا، وإشراك المجتمع المدني في صياغة سياسات حقوق الإنسان، والالتزام الفعلي باتفاقية مناهضة التعذيب والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وضمان الإفراج الفوري عن جميع المحتجزين تعسفيًا بسبب أنشطة أقاربهم في الخارج، والتحقيق في حالات الاحتجاز الانتقامي.

كما تضمن التقرير عددا من التوصيات الأخرى للدول والجهات المضيفة من بينها؛ إنشاء نقاط اتصال وطنية مخصّصة لتلقي بلاغات القمع العابر للحدود وتنسيق الاستجابة الشرطية والقانونية. تعزيز تدريب الشرطة والنيابات على طبيعة القمع العابر للحدود ومخاطره، وضمان تعامل حسّاس وسريع مع البلاغات. تفعيل العقوبات الموجَّهة، مثل نظام ماغنيتسكي الأميركي أو نظيره الأوروبي، ضد المسؤولين المصريين أو الجهات المتورطة في أعمال ترهيب أو تهديد خارج الحدود. وغيرها من التوصيات التي تهدف إلى إنهاء حالة القمع والملاحقة التي يعيشها المصريون في المنفى القسري أو أسرهم في داخل البلاد.

Search