close

من الحقل إلى الهامش: كيف تُعيد السياسات الزراعية في مصر تأنيث الفقر؟

الوجه الخفي للزراعة في مصر: النساء يزرعن ويحصدن ويطعمن البلاد، لكنهن لا يملكن الأرض ولا القرار. سياسات الدولة الزراعية تُعيد إنتاج الفقر بأيدي النساء، بينما تظل العدالة الجندرية غائبة عن الحقول
Picture of آية ياسر

آية ياسر

تُشكّل النساء الريفيات العمود الفقري لإنتاج الغذاء في مصر، إذ يؤدين أدوارًا محورية تمتد من الزراعة وجمع المحاصيل إلى حفظ البذور ورعاية الأرض وتربية الماشية والدواجن، رغم ذلك فإنهن يبقين الأكثر عرضة للفقر والتهميش داخل المنظومة الزراعية والاقتصادية، وتشير دراسات حديثة إلى أن نظم الأغذية والزراعة تشهد مشاركة واسعة لكل من النساء والرجال، إلا أن هذه المشاركة تتميز بعدم توازن واضح من حيث الاعتراف، العائد، والقدرة على التحكم في الموارد واتخاذ القرار. 

وغالبًا ما يتركز دور الرجال الريفيون على الأنشطة المعترف بها رسميًا، مثل امتلاك الأراضي، تحديد نوع المحاصيل، الوصول إلى المدخلات المدعومة، والتعامل مع الجمعيات الزراعية والأسواق الرسمية، ما يتيح لهم التمتع بالدعم الحكومي، والتمويل، والإرشاد الزراعي، والتكنولوجيا الحديثة، وعلى صعيد صنع القرار، يبقى الرجال الفاعل الرئيسي سواء داخل الأسرة الزراعية أو في السياسات العامة.

وفي المقابل، تشارك النساء في جميع مراحل نظم الأغذية والزراعة، بدءًا من الزراعة والحصاد، مرورًا بتجهيز الغذاء والتخزين، وصولًا إلى التسويق غير الرسمي والعمل الرعائي المرتبط بالإنتاج الغذائي، ورغم هذا الدور المحوري، غالبًا ما تُصنَّف مساهمات النساء كـ”مساعدة” أو “عمل أسري غير مدفوع الأجر”، ما يجعلها غير مرئية في الإحصاءات والسياسات العامة.

وتظهر الأبحاث أن النساء يتحملن عبءً مزدوجًا؛ يجمعن بين العمل الزراعي والعمل المنزلي والرعائي، في حين لا يتحمل الرجال العبء نفسه بالدرجة ذاتها، كما أن النساء أكثر هشاشة أمام الصدمات والأزمات، مثل: التغيرات المناخية أو الأزمات الاقتصادية، بسبب اعتمادهن على العمل غير الرسمي وغياب شبكات الأمان الاجتماعي ومحدودية وصولهن للتكنولوجيا والموارد.

وعلاوة على ذلك، تواجه النساء الريفيات في مصر قيودًا قانونية واجتماعية وثقافية تحدّ من ملكية الأراضي، والحصول على التمويل، والاستفادة من برامج الدعم الزراعي، ما يؤدي إلى تفاوت واضح في الإنتاجية والعائد الاقتصادي لا يعكس حجم الجهد المبذول، وبينما يُعترف بدور الرجال اقتصاديًا ومؤسسيًا، تظل مساهمات النساء جوهرية لكنها غير مرئية، وهو ما يعمّق الفجوات بين الجنسين وتزايد نسبة النساء اللاتي يعشن تحت خط الفقر.

وتشكل النساء نحو 43% من القوة العاملة الزراعية في الدول النامية، لكنهن غالبًا في وظائف غير مستقرة وذات أجور منخفضة، ولدى النساء في الزراعة وصول أقل إلى الموارد الحيوية مثل الأرض، والائتمان، والمدخلات الزراعية، والتعليم، والخدمات الإرشادية، كذلك يمثلن نسبة صغيرة جدًا من مالكي الأراضي مقارنة بنسب مشاركتهن في العمل، بحسب منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو).

وتكشف دراسة صادرة عن الفاو، بعنوان: “المرأة في الزراعة: سد الفجوة الجندرية من أجل التنمية” أن الزراعة في العديد من الدول النامية لا تحقق كامل إمكاناتها الإنتاجية جزئيًا لأن النساء، رغم مساهمتهن الكبيرة في العمل الزراعي، يواجهن فجوة جندرية في الوصول إلى الموارد والفرص الإنتاجية مقارنةً بالرجال، ما يحدّ من إنتاجيتهن ويقلِّل مساهمتهن في الأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية.

تُعد مشاركة النساء في العمل الزراعي سمةً أساسيةً في الدول الفقيرة والنامية، إذ يعملن في مختلف أنشطة الإنتاج الزراعي والحيواني، وتمثل المرأة الريفية عنصرًا محوريًا في تحقيق الأمن الغذائي على المستوى الأسري والمجتمعي، فيما تُشكّل النساء نحو 40% من القوى العاملة في القطاع الزراعي في مصر، ويشاركن في جمع المحاصيل، وتحميل ونقل المنتجات الزراعية، فضلاً عن الدور شبه الكامل الذي يقمن به في حلب الأبقار ورعايتها، وتربية الدواجن والطيور، ورغم ذلك، فإن ملكية النساء للأراضي الزراعية لا تتجاوز 2% فقط، إذ ما تزال الأعراف الاجتماعية تحرم النساء من ميراث الأرض، ولا سيما في صعيد مصر، بحسب  الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية والأراضي بكلية الزراعة جامعة القاهرة، والخبير بالجمعية العمومية لمنظمة (الفاو).

”تتحمل النساء العبء الأكبر للفقر داخل الأسرة الريفية، في ظل أوضاع اقتصادية صعبة، وملكية زراعية شديدة الصغر؛ حيث يمتلك نحو 50% من ملاك الأراضي الزراعية في مصر أقل من فدان واحد، وترتفع النسبة في الوجه القبلي إلى نحو 90%”. يقول لـ”زاوية ثالثة”، مضيفًا أن الملكيات الصغيرة لا تكفي لإعالة الأسرة، ما يدفع العائلات للاعتماد على عمل جميع أفرادها، بمن فيهم النساء والأطفال، سواء داخل الأرض أو في مزارع أخرى مجاورة، الأمر الذي ينعكس على ارتفاع معدلات التسرب من التعليم، لاسيما بين الفتيات.

ويُبيّن “نور الدين” أن الفقر في الريف، وخاصة في الصعيد، أشد وطأةً مقارنةً بالوجه البحري، لغياب البدائل الاقتصادية غير الزراعية، مثل الصناعة أو التجارة، ما يجعل الزراعة المصدر شبه الوحيد للدخل، وفي هذا السياق، تتحمل المرأة مسؤوليات مضاعفة، تبدأ من العمل في الأرض، مرورًا برعاية الماشية والدواجن، وصولًا إلى تحضير الطعام وإيصاله لذكور العائلة في الحقل، وبيع منتجات الألبان في الأسواق، وتكون النساء الفاعلات الرئيسيات في هذه الأنشطة، التي غالبًا ما يغيب عنها الرجال.

ويوضح الخبير بالفاو أن التخطيط الزراعي يهيمن عليه الرجال في الغالب، باعتبارهم الأكثر حصولاً على التعليم الزراعي النظامي، بينما تظل مشاركة النساء في صنع القرار محدودة، وتأتي عادة من خلال الجمعيات الأهلية والمنظمات غير الحكومية، التي تركز على دعم النساء في مشروعات صغيرة، مثل تصنيع منتجات الألبان، أو تربية الدواجن والأرانب، أو توفير أدوات بسيطة للإنتاج، مشيرًا إلى أن الدعم الحكومي الزراعي يتجه بالأساس إلى ملاك الأراضي فإن الرجال هم المستفيدون الرئيسيون من هذا الدعم.

ويضيف: “محدودية ملكية النساء للأراضي تنعكس على فرص حصولهن على مستلزمات الإنتاج أو التمويل أو الإرشاد الزراعي، إذ يتسلم الرجال في الغالب حصص الأسمدة والدعم من الجمعيات الزراعية، وحتى في الحالات التي تمتلك فيها المرأة أرض زراعية، فإنها غالبًا ما تُنيب زوجها أو ابنها للتعامل مع الجهات الرسمية، بسبب الطبيعة الذكورية للمجتمع الريفي، وما يفرضه من قيود على مشاركة النساء في المجال العام.”

ويشير نور الدين إلى أن عمل النساء الغير مدفوع الأجر، يصب في النهاية في دخل الأسرة وتلبية احتياجاتها الأساسية، في ظل انخفاض ربحية القطاع الزراعي مقارنةً بقطاعات أخرى كالصناعة والتجارة، التي قد يصل فيها الدخل إلى أضعاف دخل العاملين بالزراعة.

ويؤكد أن أوضاع النساء الريفيات، ودورهن في الإنتاج الزراعي، لا يمكن فهمها بمعزل عن السياق الاقتصادي والاجتماعي الأوسع، الذي تحكمه الفقر، وصِغَر الحيازات، وهيمنة الأعراف التقليدية، مشددًا على أن تحقيق قدرٍ من العدالة والإنصاف للمرأة الريفية يظل شرطًا أساسيًا لتعزيز الأمن الغذائي والتنمية الزراعية المستدامة.

 

نوصي للقراءة: معركة النساء في ريف مصر.. حقوق ضائعة تحت سطوة العادات


تعميق ظاهرة تأنيث الفقر

يعد الدور المحوري الذي تلعبه النساء الريفيات في إنتاج الغذاء، وحفظ البذور، وإدارة الموارد الطبيعية، ورعاية الأرض، غير معترف به اقتصاديًا واجتماعيًا، بسبب هيمنة النموذج الرأسمالي الأبوي الذي يقلل من قيمة العمل المنزلي والرعائي، بما يشمله من أنشطة إنتاج الغذاء غير المدفوعة الأجر، ويجعل هذا العمل غير مرئي في السياسات العامة والإحصاءات الرسمية، بحسب ما أظهرت ورقة بحثية بعنوان: “مقاربة نسوية للسيادة الغذائية: المرأة الريفية والسيادة الغذائية – سبل المقاومة والصمود أمام الفقر”، صادرة عن مؤسسة المرأة الجديدة، في  أكتوبر 2025.

وتوضح الورقة البحثية أن هذا الإقصاء البنيوي يسهم بشكل مباشر في تعميق ظاهرة تأنيث الفقر“،  وتربط الورقة بين التمييز القائم على النوع الاجتماعي، وحرمان النساء من الوصول العادل إلى الأرض، والموارد، والتمويل، واتخاذ القرار، وبين هشاشة أوضاعهن الاقتصادية والاجتماعية، مؤكدة أن حماية النساء الريفيات من الفقر، مدخل أساسي لتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، وبناء نظام غذائي أكثر إنصافاً واستدامة.

ويتجلى هذا الإقصاء البنيوي بوضوح في حياة النساء الريفيات اليومية؛ إذ تبدأ أمّ محمود، – وهي مزارعة ثلاثينية من إحدى قرى مركز ملوي بمحافظة المنيا في صعيد مصر-، يومها قبل شروق الشمس، تعد طعام الإفطار وتجلبه لزوجها وابنها في الحقل، وتقضي ساعات في مساعدتهما، ثم تعود إلى البيت بحلول العاشرة صباحًا، لتقوم ببعض أعمال الرعاية المنزلية وإطعام الماشية والدواجن، وتقوم بحلب البقرتين المملوكتين لعائلة زوجها وجمع بيض الدجاج.

 وبحلول الظهيرة تذهب إلى السوق لبيع الحليب والبيض، ثم تعود إلى البيت قبل غروب الشمس بساعة، لتعد طعام الغداء للعائلة المكونة من 12 فرد، قُبيل عودة زوجها وابنها من الحقل، ورغم مشاركتها في أمور الزراعة وتربية الدواجن والماشية، وقيامها ببيع الألبان والبيض في السوق، إلاّ أنها لا تمتلك أرضًا باسمها، ولا تحصل على أجر ثابت أو تأمين صحي، وهو ما يلخص واقع آلاف النساء اللاتي يسهمن في إنتاج الغذاء دون أن ينعكس هذا الدور على دخلهن أو تمتعهن بالحماية الاجتماعية.

 أميمة عماد، الباحثة في برنامج النساء والعمل بمؤسسة المرأة الجديدة، توضح أن العمل الذي تقوم به النساء غالبًا ما يُصنَّف كعمل غير مأجور، بما في ذلك تربية المواشي، والزراعة، والمشاركة في الحصاد، ما يجعل مساهمتهن غير مرئية في الاقتصاد الرسمي، ويفقدهن أي حماية اجتماعية أو ضمان للعوائد الاقتصادية، أما بالنسة للعمل المأجور في القطاع الزراعي، فتوجد فجوة في الأجور تصل إلى نحو 50% مقارنة بالرجال، وغالبية النساء العاملات في الزراعة يعملن في القطاع غير الرسمي أو غير المنظم، ما يعني حصولهن على أجور زهيدة وغياب وسائل نقل آمنة، بالإضافة إلى غياب الحماية الاجتماعية والتأمين الصحي.

تقول لـ”زاوية ثالثة”: ” النساء الريفيات يقدمن مساهمة محورية في الإنتاج الغذائي، إلا أن نسبة امتلاكهن للأراضي الزراعية لا تتجاوز 5% إلى 6%، ويرجع ذلك بشكل رئيسي إلى عوامل ثقافية، حيث تُسجَّل الأراضي باسم الزوج أو الأب أو الأخ، وغالبًا لا تحصل النساء على ميراثهن في صورة أراضٍ”

وتضيف الباحثة أن “النساء الريفيات هن حارسات التراث الغذائي والثقافي، وحفظهن للمعرفة المتعلقة بالإنتاج المحلي يعد جزءاً أساسياً من السيادة الغذائية، إلا أن استبعادهن من صنع القرار في السياسات الزراعية يجعل تأثيرهن محدودًا”، لافتة إلى أن النساء يواجهن هشاشة مركبة بسبب تداخل العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مثل الزواج المبكر، وضعف الوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية، وغياب الضمان الاجتماعي، ما يؤدي إلى استمرار دائرة “تأنيث الفقر”.

وتلفت إلى أن سياسات الحماية الاجتماعية وتنظيم العمل، مثل إنشاء تعاونيات زراعية للنساء وتشجيع تسجيل الأراضي بأسمائهن، قد تسهم في تقوية موقفهن التفاوضي، وتحسين إمكانية الوصول إلى الأسواق، ورفع دخلهن وكفاءتهن الإنتاجية، وتقليل الهدر في المحاصيل، كما أن تعزيز برامج التدريب الفني والمالي للنساء في الريف أمر ضروري لمواجهة التحديات الناتجة عن التغيرات المناخية وتقليص هشاشة وضعهن الاقتصادي، مشيرة إلى أهمية دور المجتمع المدني في دعم النساء الريفيات.

 

نوصي للقراءة: “الحصاد القاتل” أطفال العمالة الزراعية في مصر ضحايا سماسرة الأنفار والتشريعات


فجوات واضحة بين الجنسين

من جهتها، تعتقد لمياء لطفي، مديرة مبادرة المرأة الريفية، أن حيازة الأرض بحد ذاتها لا تضمن للمرأة القدرة على التحكم في إدارة مواردها الزراعية، إذ قد تمتلك قطعة أرض ولكنها لا تستطيع تحديد نوع الزراعة أو التصرّف في الإيجار، كما أن مسألة الوراثة غالبًا ما تحرم النساء من الأراضي، إذ يتم تعويضهن بأموال تُعد مجرد “ترضية” لا تمثل القيمة الحقيقية للأرض، في حين تتيح ملكية الأرض للمرأة التحكم الفعلي في الموارد المرتبطة بها بشكل أكبر من المال السائل.

تقول لـ”زاوية ثالثة”: إن “الخطط التي تهدف إلى الشمول المالي مهمة، إلا أن وجود حساب بنكي أو بطاقة محفظة إلكترونية لا يضمن للمرأة القدرة على اتخاذ القرار بشأن استخدامها، كما أن عضويتهن في النقابات الزراعية لا تكفي لضمان الوصول إلى مراكز صنع القرار، إذ تظل النساء في مراكز قيادية “قليلة للغاية مقارنة بعددهن.”

كذلك تشير إلى وجود فجوات واضحة في كافة القطاعات، من أجور أقل للنساء مقارنة بالرجال، إلى النقل غير الآمن وحوادث العمل التي تؤثر على استمرار العاملات في الإنتاج الزراعي، لافتة إلى أن النساء الريفيات يعانين من ضغوط صحية وجسدية تقلل من قدرتهن على الإنتاج بعد سن 45 أو 50 عامًا، مع وجود فجوة كبيرة في الحصول على خدمات الصحة والتأمين الاجتماعي، مما يجعلهن خارج مظلة الحماية الاجتماعية.

وفيما يتعلق بالعمل غير مدفوع الأجر، توضح لمياء أن معظم أعمال النساء في الريف، سواء في الزراعة أو الأعمال المنزلية أو رعاية الحيوانات، لا تُعتبر عملًا منتجًا رسميًا، بل مجرد “مساعدة”، ما يحرمهن من الاعتراف بجهودهن ودخول النقابات والحصول على حماية اجتماعية، مشيرة  إلى أن نسبة النساء العاملات في الزراعة تفوق نسبة الرجال، حيث تصل إلى نحو 84% أو أكثر، ورغم ذلك لا يمتلكن أراضٍ زراعية، ولا يستطعن الحصول على قروض لإنشاء مشاريع زراعية خاصة بهن، وفرص التدريب محدودة، ما يقلل من إنتاجيتهن الزراعية.

وتكشف مديرة المبادرة عن ظاهرة “هروب الرجال الريفيون من العمل الزراعي” في المناطق القريبة من المدن الصناعية، الأمر الذي ساهم في تأنيث الفقر، إذ تضطر النساء للعمل اليومي بأجور زهيدة في أعمال أكثر قسوة، بينما يحظى الرجال بفرص عمل أفضل في القطاعات الصناعية بمزايا اجتماعية وتأمين صحي، كما أن هذا التفاوت يزيد من الفجوة بين الرجال والنساء داخل الأسرة وبين العاملين والعاملات في القطاع نفسه.

 وتدعو لمياء إلى تمكين النساء من خلال التدريب على الأدوات الحديثة للزراعة سيمكنهن من التكيف مع التغيرات المناخية، وتمكينهن من ملكية الأراضي أو الحصول على القروض، إضافة إلى توفير الحماية الاجتماعية الصحية والمعاشية، من شأنه أن يحقق التمكين الفعلي ويضمن استدامة الأمن الغذائي والعمل الزراعي بشكل عام.

رغم ذلك لا تقدم الدولة أي تدخلات حقيقية لحماية النساء الريفيات العاملات في مجالي الزراعة والأمن الغذائي أو تحسين أوضاعهن، ويظل القطاع الخاص والخصخصة يتحكمان في مجريات العمل الزراعي دون أي اعتراف بمساهمات النساء، وفي الوقت الذي يقمن فيه بأعمال زراعية ورعائية مزدوجة، لكنهن لا يمتلكن الأرض ولا القرار بشأن المحاصيل أو العائد الاقتصادي، ولا يحظين بحماية اجتماعية أو اقتصادية، ما يجعلهن الأكثر عرضة للتهميش والاستغلال رغم كونهن أساس منظومة إنتاج الغذاء، بحسب الباحثة منار عبد العزيز، الباحثة في العدالة الجندرية والاقتصادية.

وتتفاقم هشاشة أوضاعهن بفعل التقاطع بين النوع الاجتماعي والفقر والموقع الجغرافي، إذ “تفتقر النساء في الريف إلى التعليم والخدمات وفرص العمل والمواصلات الآمنة، ويقعن على عاتقهن عبء توفير الماء والوقود والطعام، وغالبًا ما تضطر إلى تفضيل احتياجات الأسرة على احتياجاتها الشخصية، الأمر الذي يؤدي إلى استمرار دائرة الفقر وتأنيثه، ويزيد تعرض النساء للابتزاز والعنف الاقتصادي والاجتماعي والجندري”. تقول لـ”زاوية ثالثة”.

وتؤكد الباحثة أن غياب الاعتراف القانوني والاقتصادي بأدوار النساء الريفيات في الزراعة والعمل الرعائي يمنعهن من الحصول على أي عوائد أو حماية، وأن سياسات الدولة الاقتصادية تفرض تبعية كاملة للنساء، مما يزيد هشاشة وضعهن. 

وفي المقابل ترى أن الحل يبدأ بالاعتراف القانوني والاقتصادي بالنساء الريفيات، وتوفير الحماية الاجتماعية، وتعزيز مشاركتهن في اتخاذ القرار، وتمكينهن من الوصول إلى الموارد والأصول الزراعية، وضمان الأمن الغذائي المستدام، مع ضرورة دعم دور المجتمع المدني والحركات النسوية لتعويض النقص الناتج عن سياسات الدولة.

يعد تجاهل البعد الجندري في السياسات الوطنية مدخلًا رئيسيًا لتهميش النساء العاملات في الزراعة، إذ تخلو الخطط والسياسات الوطنية، ومن بينها الخطة الوطنية، من أي سياسات أو بيانات تتعلق بأوضاع النساء الزراعيات، وهو ما يؤدي إلى استبعادهن كليًا من دوائر التخطيط وصنع القرار، بحسب الدكتورة أمل عبد الحميد، مديرة برنامج المرأة بمنظمة الخدمات النقابية والعمالية، ومنسقة المؤتمر الدائم للمرأة العاملة.

 “هذا التجاهل ينعكس مباشرةً على أوضاع النساء من حيث تفاقم الفقر، وارتفاع معدلات الأمية، وغياب التدريب، فضلًا عن التأثيرات المناخية المتزايدة التي تضرب هذا القطاع، والنساء يتأثرن بهذه العوامل بشكلٍ أكبر؛ لعملهن في قطاعٍ غير رسميٍّ بلا عقود عمل، وبأجورٍ زهيدة، وداخل بيئات عمل غير آمنة”. تقول لـ”زاوية ثالثة”

وتلفت مديرة برنامج المرأة إلى أن الفقر الشديد يدفع كثيرًا من النساء إلى تشغيل أطفالهن في العمل الزراعي، بمن فيهم أطفال تتراوح أعمارهم بين 13 و14 عامًا، بل وأحيانًا أقل من ذلك، ما يُعد شكلاً من أشكال عمالة الأطفال، ويضعهم في بيئات عمل خطرة وغير آمنة. 

وتشير أن غياب الحماية الاجتماعية، بما يشمل التأمينات الاجتماعية والتأمين الصحي، يزيد من هشاشة أوضاع النساء، خاصةً في ظل تعرضهن للأمراض والمخاطر أثناء العمل الزراعي، إلى جانب غياب التدريب المهني الذي يمكنهن من التكيف مع التغيرات المناخية أو استخدام التكنولوجيا الزراعية الحديثة، وهو ما يضطرهن إلى العمل لساعاتٍ أطول وبأجورٍ أقل. 

وتضيف: “نسبة النساء العاملات في الزراعة، تفوق الرجال، ورغم ذلك، فإن النساء لا يمتلكن أراضٍ زراعية، ولا يستطعن الحصول على قروض بأسمائهن لإنشاء مشاريع زراعية خاصة بهن، وفرص التدريب بالنسبة لهن محدودة، وبالتالي لا توجد إمكانية حقيقية لزيادة الإنتاجية”. 

وتوضح أن النساء لا يُنظر إليهن كفاعلات اقتصاديات مستقلات، بل كمساعدات داخل الأسرة الزراعية، وهو ما يعمّق الفجوات الجندرية، والتي تتجلى بوضوح في الأجور، إذ تحصل النساء على ما يقارب نصف أجر الرجل عن العمل نفسه، فضلاً عن طبيعة التشغيل، إذ يُفضّل أصحاب المزارع تشغيل الرجال داخل القرى، بينما تُدفع النساء للعمل في مزارع بعيدة، غالباً في مناطق صحراوية، ما يعرّضهن لمخاطر جسيمة أثناء التنقل، كما أن بيئة العمل التي تُفرض على النساء تفتقر إلى أبسط مقومات الأمان، سواء من حيث غياب دورات المياه، أو التعرض للتحرش والعنف.

وترى أمل أن تمكين النساء من خلال التدريب على الأدوات الحديثة للزراعة سيمكنهن من التكيف مع التغيرات المناخية، كما أن تمكينهن من امتلاك الأراضي الزراعية، أو توفير القروض، أو توفير حماية اجتماعية صحية، مشددة على أن التمكين الجندري مدخل أساسي لتعزيز الزراعة المستدامة والأمن الغذائي، وتحسين قدرة المجتمعات الريفية على التكيف مع التغيرات المناخية والصعوبات البيئية.

بدورها ترى منى عزت، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة النون لرعاية الأسرة، أن دمج البعد الجندري في السياسات الزراعية يُعد مسألةً جوهريةً لفهم أوضاع النساء الريفيات، مشيرةً إلى أن المرأة في الريف تتعرض لأشكالٍ مضاعفةٍ من التمييز والعنف مقارنةً بغيرها، نتيجةً لطبيعة المجتمع الريفي شديد المحافظة، وهيمنة أنماط ثقافية واجتماعية تقليدية تُقيِّد حركة النساء وتحدّ من فرصهن في التعليم والتمكين الاقتصادي والاجتماعي.

وتوضح أن الفجوات الجندرية في الريف لا تقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل هي نتاج تداخلٍ معقّدٍ بين العوامل الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، مؤكدةً أن حرمان النساء من الميراث أو من ملكية الأراضي الزراعية لا يمكن فصله عن السياق الأبوي والذكوري السائد، الذي يسعى إلى الحفاظ على السيطرة العائلية على الأرض بوصفها مصدرًا للنفوذ والسلطة والامتيازات الاجتماعية والسياسية.

تقول لـ”زاوية ثالثة”: “في الحالات النادرة التي تحصل فيها المرأة على نصيبٍ من الأرض، فإن المجتمع الريفي لا يتقبل إدارتها المباشرة للأرض أو إشرافها على العمل الزراعي، ما يجعل ملكيتها شكليةً في كثير من الأحيان، دون سيطرة فعلية أو قدرة على اتخاذ القرار”، لافتة إلى أن هذا الإقصاء يمتد أيضًا إلى العاملات الزراعيات اللواتي يتعرضن لتمييزٍ واضحٍ في الأجور بنظام “اليومية”، وتُحصر فرص عملهن في مواسم ومحاصيل بعينها، مع إقصائهن شبه الكامل عن العمل في الميكنة والتكنولوجيا الزراعية.

وتشير رئيسة مجلس أمناء مؤسسة النون إلى أن العمل غير مدفوع الأجر يمثل أحد أبرز أشكال التمييز الاقتصادي ضد النساء الريفيات، إذ تقوم النساء بأعمال إنتاجية حقيقية، مثل رعاية الماشية والدواجن، والمشاركة في جمع المحصول، وتوفير نفقات العمالة للأسرة، ورغم ما يحققه ذلك من عائدٍ اقتصاديٍّ مباشر أو غير مباشر، فإنه يظل غير معترف به، ولا يترتب عليه أي حماية اجتماعية أو حقوق اقتصادية.

وتنتقد غياب سياسات تنمية ريفية شاملة تراعي النوع الاجتماعي، موضحةً أن التدخلات القائمة ما تزال تقليديةً في معظمها، وتعيد إنتاج الأدوار النمطية للنساء، عبر مشروعات صغيرة تقتصر على أنشطة بعينها، دون معالجة الجذور الثقافية والاجتماعية للتمييز، أو إشراك النساء بوصفهن فاعلات اقتصاديات مستقلات وقادرات على صنع القرار، مبينة أن غياب الربط بين التمكين الاقتصادي والتمكين الاجتماعي يحدّ من أثر هذه التدخلات، ويُبقي السيطرة الأبوية والذكورية قائمةً.

وفي ختام حديثها معنا تشدد على أن أي سياسات أو برامج تستهدف النساء الريفيات يجب أن تنطلق من فهمٍ عميقٍ للسياق الثقافي والاجتماعي، وتسعى إلى تغيير الأنماط التمييزية، إلى جانب دعم النساء اقتصاديًا، بما يضمن لهن دورًا حقيقيًا في إدارة الموارد، وصنع القرار، وتحقيق العدالة الجندرية، والاستدامة في الإنتاج الغذائي.

تكشف قراءة الواقع الزراعي في الريف المصري من منظور جندري أن هشاشة الأمن الغذائي ليست نتاج عوامل اقتصادية أو مناخية فحسب، بل هي انعكاس مباشر لبنية غير عادلة تُقصي النساء رغم كونهن الركيزة الأساسية لإنتاج الغذاء واستدامته؛ فبين عمل غير مدفوع الأجر، وملكية شبه منعدمة للأراضي، وفجوات صارخة في الأجور والحماية الاجتماعية، تتحمل النساء الريفيات عبئًا مركبًا من الفقر والتهميش وغياب الاعتراف، في وقت تُدار فيه السياسات الزراعية والتنموية دون إشراكهن أو الإنصات إلى خبراتهن المتراكمة.

إن تجاهل البعد الجندري في التخطيط الزراعي لا يكرّس فقط التمييز الاجتماعي، بل يقوّض أيضًا فرص تحقيق أمن غذائي عادل ومستدام، ويُبقي نظم الإنتاج رهينة لاختلالات بنيوية تُضعف قدرتها على الصمود أمام الأزمات الاقتصادية والمناخية، ومن ثم، فإن الاعتراف القانوني والاقتصادي بدور النساء الريفيات، وتمكينهن من الوصول إلى الأرض والموارد والتمويل، وضمان حمايتهن الاجتماعية، وإشراكهن في صنع القرار، لم يعد خيارًا تنمويًا، بل ضرورة ملحّة لضمان حق المجتمع بأسره في الغذاء والعدالة والاستدامة.


أُنجز هذا التقرير في إطار زمالة مع مؤسسة Free Press Unlimited

آية ياسر
صحافية وكاتبة وروائية مصرية حاصلة على بكالوريوس الإعلام- جامعة القاهرة.

Search