close

مصر: أمهات يواجهن إعاقة أطفالهن الذهنية بلا سند

معاناة أمهات الأطفال ذوي الإعاقات الذهنية في مصر، بين وصم المجتمع، وغياب المسؤولية الأبوية، وعبء الرعاية غير المدفوع.
Picture of آية ياسر

آية ياسر

منذ اللحظات الأولى لتشخيص طفلها باضطراب طيف التوحد والتأخر الذهني، لم تُعامَل  أسماء علي (28 عامًا)، باعتبارها أمًا تواجه ظرفًا إنسانيًا معقدًا، بل بوصفها “المتهمة الرئيسية” التي توجّه إليها سهام اللوم والوصم، وكأن إعاقة طفلها ذنب لا يُغتفر؛ في المنطق الاجتماعي السائد، لا يُنظر إلى الإعاقة كحدث عارض أو احتمال بيولوجي، بل كدليل إدانة للأم: إهمالها، جهلها، جسدها، سلوكها أثناء الحمل، أو حتى “جيناتها”.

 هذه السردية تُعيد إنتاج تصورات أبوية قديمة، ترى في جسد المرأة وعاءً للمسؤولية والخطأ، وتفصل الرجل عن أي مساءلة فعلية، رغم أن العلم يؤكد أن أسباب الإعاقات قد تكون وراثية مشتركة أو غير معروفة على الإطلاق.

داخل بيت الزوجية، انعكست هذه المنظومة بوضوح؛ فبينما انسحب الزوج من الإنفاق والرعاية، بقيت “أسماء” وحدها في موقع المسؤولية، مطالبة بأن تكون الأم المثالية، والصبورة، والمضحية، من دون أن يُسأل الأب عن غيابه أو تقصيره، هذا الاختلال الجندري في توزيع الأدوار لا يُعد استثناءً، بل نمطًا متكررًا؛ إذ تُختزل الأم في دور الرعاية غير المدفوعة، بينما يُمنح الأب، اجتماعيًا وقانونيًا، هامشًا أوسع للانسحاب، بل وأحيانًا للتنصل الكامل.

الوصم واللوم الذي واجهته أسماء، اتخذ بعدًا أعمق نتيجة تدخلات العائلة الممتدة، إذ تحولت والدة الزوج إلى “حارس للسمعة”، تخفي الطفل المعاق عن أعين الأقارب، لا حمايةً له، بل حمايةً لصورة العائلة، كأنه سر مخجل، وبينما كانت أسماء تشاهد ذلك، كان قلبها يتمزق، لأنها تخاف على ابنها من عالم يتعلم مبكرًا كيف يقصي المختلف؟؛ وهنا، لا يُقصى الطفل فقط، بل تُقصى الأم أيضًا، بوصفها مصدر “العار”، وهذه الممارسات تكشف كيف تُستخدم النساء كوسيط لتحمّل وصمة اجتماعية جماعية، فيما يظل الرجل بعيدًا عن دائرة الاتهام.

ذات يوم قال لها زوجها، بلا تردد: “دعينا نترك الولد  يعيش مع أمك”. كان خجِلًا من إعاقته، ودائمًا ما ينعته بالمجنون أو الأبله، عندها، أدركت أسماء أن ما تعيشه ليس زواجًا، بل معركة استنزاف يومية، مع شريك قاسٍ غير مسؤول، اختار راحته الشخصية، على حسابها هي وطفلها، ولأنها امرأة فقيرة وغير عاملة، حاولت أن تصبر، لكن حالتها النفسية تدهورت، وأيامها صارت خليطًا من الإرهاق والخوف والذنب، إلى أن وصلت إلى لحظة الانفجار، رفعت قضية طلاق للضرر، وحكمت المحكمة لها بنفقة لها ولطفلها، ورفعت دعوى أخرى لمصاريف المراكز العلاجية، وصدر حكم بمبلغ “قليل جدًا”- حسبما تحكي لـ”زاوية ثالثة”-.

 لم تنتهِ المعركة عند هذا الحد؛ فالطليق قدّم استقالته من عمله الخاص، وأثبت للمحكمة أنه بلا عمل، فتوقفت النفقات تقريبًا، لتجد نفسها مرة أخرى وحدها، بين أروقة المحاكم، دون دخل تقتات منه سوى نفقة المطلقات والأبناء التي يصرفها بنك ناصر الاجتماعي من خلال صندوق تأمين الأسرة بحد أقصى 500 جنيه شهريًا، وإعاناتٍ شهرية يقدمها لها أهلها، ووسط كل هذا، كان المجتمع يضيف طبقة أخرى من الألم.

 اللوم كله موجّه للأم. “إنتِ السبب”، “أكيد أهملتِ الطفل وتركتيه أمام الشاشات أو ربما تناولت دواءًا مؤذيًا أثناء الحمل”.. كلمات تُقال بسهولة، بلا معرفة، وبلا رحمة، تُحمّل الأم وحدها مسؤولية التوحد والإعاقة الذهنية، لتترك بلا دعم أو سند، على حافة الانفجار.

تقول أسماء إنها لا تندم لأنها اختارت الطلاق، واختارت أن تتفرغ لرعاية ابنها، لتوفير حياة هادئة له ولها، الآن هي تعمل خلال ساعات النهار التي يقضيها الطفل في الحضانة، وتقاتل، لتبني عالمًا صغيرًا أكثر أمانًا لطفلها، غير أن قصتها ليست استثناءً، إذ تُترك العديد من الأمهات وحدهن في مواجهة الإعاقة، والوصم، والخذلان الأسري والقانوني.

ذاقت رضوى أحمد، (32 عامًا) مرارة الكأس نفسها باكرًا؛ إذ وجدت نفسها، بعد سبعة أيام فقط من إنجاب مولودها الأول، وحيدة، بعد تطليق زوجها لها، تحمل رضيعًا مصابًا بمتلازمة داون، وتواجه مجتمعًا لا يرى في الاختلاف إلا عبئًا يجب الهروب منه.. لم يحتمل زوجها فكرة أن يكون له طفل ذو إعاقة، صاح في وجهها غاضبًا: “من حقي يكون عندي طفل سليم”، لم يكن يعبر فقط عن صدمة، بل عن تصور أبوي يرى الأبوة امتيازًا مشروطًا بالكمال الجسدي والعقلي للطفل. 

لم يشفع لها ولا لطفلهما حديث الأطباء في المركز القومي للبحوث في مصر، حين أكدوا أن الحالة ليست وراثية، وليس ناتجة عن خطأً من أحد، بل إنه القَدَر، رغم ذلك اختار الأب الطلاق، والانسحاب الكامل من المسؤولية، خوفًا من مواجهة المجتمع ووصمته، ودفعها للتوقيع على إبراء من قائمتها الزوجية وتنازل عن حقوقها في مؤخر الصداق ونفقتها، وسرعان ما خرج من حياة الطفل والأم، وترك رضوى تواجه كل شيء وحدها.. لم يدفع نفقة، ولم يقدم دعمًا ماديًا، رغم أن وضعه المالي كان جيدًا آنذاك، وهنا يتقاطع النوع الاجتماعي مع الطبقة والعمر، لتصبح الهشاشة مضاعفة، وتتحول الأمومة إلى صراع للبقاء.

عندما وقع الطلاق كانت البلاد تعيش اضطرابات ما بعد ثورة 25 يناير 2011، ورضوى لا تزال طالبة جامعية، لا تمتلك مالًا، ولا خبرة، لم تكن حتى تمتلك القدرة على توكيل محامٍ، كل ما كانت تملكه هي إرادتها وخوفها على طفلها الصغير، لذا اتخذت قرارها بعدم الزواج مرة أخرى، واختارت البقاء إلى جانبه لرعايته، وبالتتزامن استكملت تعليمها الجامعي، وحصلت على ليسانس الآداب بقسم علم النفس، في محاولة منها لفهم حالة ابنها وكيفية التعامل مع احتياجاته النفسية والسلوكية.

تحكي لـ”زاوية ثالثة” أنها عملت في إعطاء دروس خصوصية للأطفال، مستغلة الساعات التي يكون فيها ابنها بالمدرسة، وكل جنيه كانت تكسبه يذهب مباشرة إلى جلسات التخاطب، وتنمية المهارات، والعلاج الطبيعي، ليتمكن من النطق والمشي، ولسنوات ظلت الأزمات المالية تلاحقها، خاصة مع الغلاء المتسارع، وغياب أي نفقة منتظمة.

بحثت عن تعليم أفضل لابنها، لذا قررت الانتقال من القاهرة إلى الإسكندرية، لأن مدارس “التربية الفكرية” في العاصمة كانت مكتظة، تجمع كل الإعاقات في فصل واحد يضم عشرين طفلًا، وفي الإسكندرية، وجدت مدرسة جديدة، بإشراف أفضل، وفصول لا يتجاوز عدد طلابها سبعة؛ انتقلت للإقامة في شقة والدتها هناك، محاولة أن تصنع لابنها مساحة أكثر إنسانية.

 مرّت السنوات بطيئة حتى كبر الطفل وغدا مراهقًا، وكبرت معه المسؤولية، وبعد أكثر من عشر سنوات من الصمت، لجأت رضوى في العام 2022 إلى المساعدة القانونية داخل محكمة الأسرة، ورفعت دعوى قضائية لمطالبة طليقها بنفقة لطفلهما، وحكمت المحكمة بنفقة شهرية قدرها 1500 جنيه، لكنها لم تكن تُصرف بانتظام، كانت تتجمع متجمدات لثمانية أو تسعة أشهر، وتحتاج كل مرة إلى أربع شهور في أروقة القضاء، وشهرين آخرين للتنفيذ، وحتى حين حاولت صرف جزء من النفقة عبر بنك ناصر الاجتماعي، اكتشفت أن تكلفة المواصلات وطوابير الانتظار تساوي تقريبًا المبلغ الذي ستحصل عليه؛ فاختارت ترك النفقة تتراكم، ثم رفع دعاوى متجمد لتحصيلها دفعة واحدة.

في هذه السياقات، لا يعمل القانون بوصفه أداة إنصاف بقدر ما يصبح مسارًا مرهقًا إضافيًا. النفقة غير المنتظمة، والإجراءات الطويلة، وتكلفة الوصول إلى الدعم الحكومي، كلها عوامل تجعل النساء يتحملن عبئًا غير مرئي، يُضاف إلى عبء الرعاية اليومية. المفارقة أن الدولة تعترف ضمنيًا بحق الطفل في النفقة، لكنها تترك الأم تتحمل كلفة تحصيل هذا الحق نفسيًا وماديًا.

اليوم، يبلغ ابنها 14 عامًا.. يستطيع المشي، والكلام، والتعبير عن نفسه، ودخول الحمام بمفرده، رغم ثقل لسانه.. إنجازات صغيرة في نظر البعض، لكنها بالنسبة لرضوى معارك كبرى انتصرت فيها بالصبر والإرادة، لكنها لا تزال تشعر بالظلم، نتيجة الوصم الاجتماعي، والتخلي الأبوي، والثمن الباهظ الذي تدفعه الأمهات حين يُتركن وحدهن في مواجهة “الاختلاف”،وكل ما ترجوه رضوى هو أن يُنظر إلى ابنها كإنسان، لا كعبء، وأن يُدرك المجتمع أن الإعاقة ليست سببًا للهروب، بل مسؤولية مشتركة، تبدأ من الأسرة.

أما تجربة هدى السيد (36 عامًا)، ، فتكشف وجهًا آخر للعنف الجندري: العنف الأسري والمجتمعي المتداخل؛ إذ لم تكن تعرف، في البداية، ما تعانيه طفلتها الرضيعة التي نادرًا ما تنام، وتظل تبكي وتصرخ ليلًا ونهارًا، ومع كل صرخة، كان اللوم يتكاثر حولها، في بيت الزوجية الذي كان نفسه بيت عائلة الزوج، التي أقامت لها محكمة مفتوحة؛ فالزوج يلومها على التقصير في الأعمال المنزلية، ووالدته كانت القاضي الأكثر قسوة، تُقحم الجيران في حياة زوجة ابنها بلا استئذان، والأم مطالبة بالتفسير والتبرير لهم.

وحين ثارت شكوكها حول حالة الطفلة، أخذتها لزيارة الأطباء، أحدهم شخصها بالإصابة بكهرباء على المخ، وآخر بالتأخر النمائي، قبل أن تُشخّص بالتوحد الشديد، وفي البداية حاولت عائلة الزوج إقناعها بأن الأطباء يكذبون والطفلة ليست كذلك، وبعد وقتٍ قصيرة بدأت أم الزوج في وصمها ومعايرتها أمام الجيران، قبل أن تفتعل مشكلة، وتطردها هي وطفلتها من البيت، حينها خرجت إلى الشارع، تحمل صغيرتها التي لم تحصل على جرعة من دواءها، ولم تغيّر حفاضتها المبللة، وهي لا تعرف إلى أين تذهب؛ وهنا، يتجسد العنف الجندري في أقصى صوره: فالأم وطفلتها أصبحتا بلا حماية، وبلا مأوى.

في ذلك اليوم، حاول إخوتها التدخل، لكن الحماة رفضت حتى فتح الباب، وفي النهاية سمحت لها بالدخول لدقائق، فقط لتأخذ دواء الطفلة وملابس بسيطة، ثم تخرج دون أمتعتها وأثاثها، لم تحمل سوى بطانية لتدفئ الصغيرة، وانتقلت إلى بيت أختها والتي لم تحتمل صراخ الطفلة المتواصل، فاصطحبتها إلى بيت أمها المتوفاة ليكون ملجئًا لهما، وهناك، بدأت معركة جديدة مع المجتمع؛ فصراخ الطفلة كان يزعج الجيران، وبعضهم هددها بإحضار الشرطة، متهمين إياها بتعذيب طفلتها.

تعلمت الأم أن أحدًا لن يحنو على طفلتها ويدعمها بقدرها، فلجأت إلى البحث عبر الإنترنت ومجموعات الدعم وحصلت على دورات تدريبية لتتمكن من تهدئة نوبات غضب ابنتها وتعليمها دخول الحمام، والعناية بنفسها، لتتحوّل من أم خائفة، إلى خبيرة، وبعد نحو عشر سنوات، أصبحت الطفلة قادرة على الكلام والالتحاق بالمدرسة ضمن نظام الدمج، لكن الوصم لم يختفِ تمامًا؛ إلى اليوم، هناك قريبات ينجبن ويُخفين عنها الخبر، وأفراح ومناسبات لا تُوجَّه لها ولابنتها دعوة؛ كانت تتألم بفعل اللوم، والنبذ الاجتماعي، والتمييز، ثم قررت أن تكتفي بابنتها.

 

في تجارب أسماء، ورضوى، وهدى، لا تظهر الإعاقة الذهنية لدى الأطفال، فقط بوصفها حالة طبية أو اختلافًا نمائيًا، بل كعدسة كاشفة لبنية غير متكافئة من الأدوار الجندرية، تُحمِّل النساء، دون غيرهن، كلفة الرعاية، والذنب، والوصم، وتُعفي الرجال، في كثير من الأحيان، من المسؤولية الأخلاقية والمادية معًا، ورغم ذلك، تُصر كلٍ منهن، على إعادة تعريف الأمومة خارج خطاب التضحية القسرية. اخترن الطلاق، أو العزلة، أو إعادة بناء الحياة، لا بوصفه فشلًا، بل كفعل مقاومة لمنظومة ترى الإعاقة عارًا، والأم سببًا، والرجل خيارًا. 

من منظور جندري، تكشف هذه القصص أن الإعاقة لا تُنتج الظلم وحدها، بل تتقاطع مع بنى أبوية تُحمّل النساء عبء “الرعاية الكاملة” دون اعتراف أو حماية؛ فالأم ليست فقط مقدمة خدمة رعاية، بل “درعًا اجتماعيًا” يمتص اللوم، ويخفي العجز المؤسسي، ويفضح هشاشة منظومة الدعم الأسري والقانوني.

 

نوصي للقراءة: محبوسون في بيوتهم.. حين تصبح الشوارع سجنًا لذوي الإعاقة في مصر

عبء الرعاية ولوم المجتمع

تتعرض أمهات الأطفال ذوي الإعاقات الذهنية في مصر لأشكال مركبة من اللوم والوصم الاجتماعي، لا يمكن فصلها عن البنية الجندرية الحاكمة للعلاقات الأسرية وتقسيم الأدوار داخل المجتمع؛ إذ يبدأ هذا اللوم من الدائرة الأسرية الضيقة ويمتد إلى المجال العام، وقد ينتهي في بعض الحالات بالطلاق أو هجر الطفل أو الامتناع عن الإنفاق عليه. وفي هذا السياق، تُحمَّل الأم المسؤولية الكاملة عن إعاقة طفلها، بوصفها “الفاعل الجندري” الأساسي في الرعاية والإنجاب، بينما يُستبعد الأب غالبًا من دائرة المساءلة، سواء أخلاقيًا أو طبيًا.

وتوضح ياسمين مطر، الخبيرة بالمجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة، أن هذا النمط من الوصم يتخذ صورًا متعددة؛ ففي حالات التوحد تُتهم الأم بالإهمال أو التقصير التربوي، بينما تُحمَّل ما تصفه بـ”الذنب الجيني” في حالات مثل متلازمة داون أو الإعاقات الوراثية، رغم غياب أي سند علمي يثبت مسؤولية طرف واحد، وتربط هذه التصورات بالثقافة المجتمعية السائدة، ومستويات التعليم، وبنظرة تفضيلية للذكور، تجعل إنجاب بنت من ذوي الإعاقة يُنظر إليه باعتباره “فشلًا مضاعفًا” تتحمله الأم وحدها، بوصفها المسؤولة عن الإنجاب ونوع المولود معًا.

وتشير الخبيرة، في حديثها لـ”زاوية ثالثة”، إلى أن بعض الإعاقات الوراثية، مثل متلازمة “فراجايل إكس” تُفاقم الضغوط الجندرية على الأمهات، إذ قد تتكرر الإعاقة مع كل ولادة ذكر، وهو ما يدفع بعض الأزواج إلى الانسحاب من العلاقة الزوجية أو رفض الإنجاب من الأساس، بدافع الخوف من “تكرار الخطأ”، رغم أن هذه الحالات لا تعني بالضرورة أن الجينات الوراثية للأم هي السبب. 

وتؤكد أن الأسباب قد تكون مشتركة بين الأب والأم، وأن الحسم العلمي يظل مرهونًا بإجراء الفحوصات الوراثية، لا بالأحكام الأخلاقية أو الاجتماعية المسبقة.

وتشرح “ياسمين” أن الأسر تمر عادة بعدة مراحل عند اكتشاف إعاقة الطفل، تبدأ بالصدمة، ثم الإنكار، فاللوم، وصولًا إلى مرحلة اتخاذ القرار؛ إما بالانسحاب والهروب، أو بالتأهيل والتقبّل. غير أن البعد الجندري يتجلّى بوضوح في أن كثيرًا من الأسر تتوقف عند مرحلة لوم الأم تحديدًا، ولا تتمكن من تجاوزها، ما يُبقي المرأة عالقة في دائرة اتهام دائم، ينعكس سلبًا ليس فقط على صحتها النفسية، بل على الطفل نفسه.

وتلفت إلى أن الأطفال ذوي الإعاقات الذهنية يكونون أكثر عرضة للتمييز داخل الأسرة، إذ يُلاحظ في بعض الحالات تمييز واضح في الإنفاق وجودة الطعام والملابس، مقارنة بإخوتهم غير ذوي الإعاقة. ويُقرأ هذا التمييز، من منظور جندري، بوصفه امتدادًا لمنطق “الاستثمار الانتقائي” في الأبناء، حيث يُنظر إلى الطفل ذي الإعاقة باعتباره أقل “جدوى اجتماعية”، بينما تُترك الأم لمواجهة تبعات هذا التهميش وحدها، باعتبارها المسؤولة عن رعايته اليومية.

ولا يتوقف العنف الجندري عند حدود الأسرة، بل يمتد إلى المجال الاجتماعي الأوسع، حيث تتعرض الأمهات أحيانًا لعنف اجتماعي مباشر بسبب سلوكيات أطفالهن أثناء اللعب أو التفاعل العام، وهي سلوكيات تختلف بطبيعتها عن الأطفال الآخرين. ويدفع هذا العنف كثيرًا من النساء إلى العزلة الاجتماعية وتجنب الاحتكاك بالمحيطين، في عملية إقصاء غير معلنة، تُقصي الأم والطفل معًا من المجال العام.

وتضيف ياسمين أن الاكتئاب والاحتراق النفسي من السمات الشائعة بين الأمهات، لا سيما بعد مرحلة الصدمة الأولى. فحتى في الحالات التي تُظهر فيها الأم تقبلًا ورضا ظاهريًا، تظل المقارنة الداخلية مع الأطفال الآخرين حاضرة، بما يفاقم الضغوط النفسية الناتجة عن التفكير المستمر، والمسؤوليات الرعائية غير المتوازنة. وترى أن هذا الواقع يكشف غياب أي دعم مؤسسي حقيقي، داعية إلى تدخل منهجي ومبكر للأسر منذ لحظة التشخيص، لا يقتصر على «المواساة»، بل يشمل برامج إرشاد أسري منظمة تُعيد توزيع الأدوار داخل الأسرة، وتساعدها على مواجهة الوصم الاجتماعي.

وتوضح الخبيرة أن تحديد الأسباب الجينية للإعاقة يتطلب فحوصات دقيقة، وأن الأمانة العلمية تفرض إبلاغ الأسرة بنتائجها لمساعدتها على اتخاذ قرارات واعية بشأن الإنجاب، مؤكدة ضرورة التوقف عن تحميل الأم مسؤولية التسبب في الإعاقة دون سند علمي. مشيرة إلى أن مسؤولية الالتزام بالبرامج العلاجية أو التأهيلية قد تقع فعليًا على الأم، بحكم كونها الأكثر تواجدًا مع الطفل، وهو ما يعكس مرة أخرى عدم عدالة توزيع عبء الرعاية داخل الأسرة.

فيما تعتقد أمل مبدى، رئيس الاتحاد الرياضي للإعاقات الذهنية، أن أمهات الأطفال ذوي الإعاقات الذهنية واجهن، على مدار سنوات طويلة، أنماطًا متجذّرة من الوصم الاجتماعي واللوم، انطلقت من افتراضات ثقافية تضع مسؤولية الرعاية والنتائج المترتبة عليها كاملة على عاتق النساء، معتبرة أن هذه الظاهرة تراجعت حدتها نسبيًا خلال السنوات الأخيرة مقارنة بالماضي، بفعل تزايد الوعي المجتمعي وتدخل الدولة في هذا الملف.

وتوضح أن كثيرًا من الأمهات كنّ يُواجهن تحميلًا مباشرًا لمسؤولية إعاقة الطفل، سواء من داخل الأسرة الممتدة أو من الدائرة الاجتماعية المحيطة، في سياق يُعيد إنتاج الأدوار الجندرية التقليدية التي تُسند للأم وحدها مهمة الإنجاب والرعاية، ومن ثم محاسبتها على أي “اختلاف” يطرأ، مشيرة إلى أن هذه الممارسات تحدث في بعض العائلات، لكنها تراجعت مع ظهور الأطفال ذوي الإعاقة في الفضاء العام، لا سيما من خلال فعاليات مثل “قادرون باختلاف”، مما ساهم في كسر الصورة النمطية التي كانت تحاصر الأمهات، وأتاح لهن مساحة أكبر للفخر بأبنائهن وإبراز قدراتهم، خصوصًا في المجال الرياضي، بدل حصرهن في موقع الدفاع الدائم عن الذات.

تقول لـ”زاوية ثالثة”: “رغم أن الاتحاد يؤدي دورًا رياضيًا بالدرجة الأولى، مع تقديم بعض الأنشطة التوعوية أو المحاضرات للأهالي بين الحين والآخر، باعتبارها جهودًا مكملة لا تعالج فجوة الدعم البنيوي الذي تتحمله الأمهات وحدهن في أغلب الأحيان.

وتتطرق إلى الدور المحوري الذي تلعبه الأمهات في حياة الأطفال ذوي الإعاقات الذهنية، ليس فقط في الرعاية اليومية، بل في المتابعة الطبية، والتأهيل، والتدريب الرياضي، وإدارة تفاصيل الحياة كافة، مشيرة إلى أن نسبة مشاركة الآباء في تحمل هذه المسؤوليات ضئيلة للغاية، وقد لا تتجاوز نحو 5%، مقارنة بالعبء الرعائي الهائل الواقع على الأمهات، وهو ما يعكس فجوة جندرية في توزيع الأدوار الرعائية داخل الأسرة لاسيما في حالة الإعاقة، إذ يعتمد الطفل على الأم، في مقابل غياب الأب أو حضوره المحدود، أو الاكتفاء بالدور المادي.

 

نوصي للقراءة: إنذار الطاعة: كيف تحوّل القانون إلى أداة لعقاب النساء وإسقاط حقوقهن؟


أمهات وحدهن في معركة الرعاية

 لا يمكن قراءة التخلي الأبوي عن الأطفال ذوي الإعاقات الذهنية، بوصفه سلوكًا فرديًا معزولًا، بل كجزء من نمط اجتماعي أوسع، تُعاد فيه صياغة المسؤولية الأبوية وفق تقسيم جندري غير متكافئ، يُحمِّل النساء عبء الرعاية كاملًا، ويُتيح للرجال هامشًا واسعًا للانسحاب دون محاسبة حقيقية، يوضح  أحمد حنفي، استشاري حماية الطفل بالمجلس القومي للأمومة والطفولة، أن عددًا غير قليل من الآباء، فور اكتشاف إصابة المولود بإعاقة ذهنية، يختارون الابتعاد عن الأسرة تحت وطأة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، إمّا عبر الطلاق والانفصال الرسمي، أو بالانسحاب العملي من حياة الزوجة والطفل، مع الاحتفاظ الشكلي بصفة “الأب”.

ويشرح أن هذا الانسحاب يأخذ أشكالًا متعددة، تبدأ بترك الزوجة في مسكنها مع الأطفال دون أي دعم فعلي، وقد تمتد إلى بدء حياة جديدة بالزواج مرة أخرى أو العيش المستقل، مع الاكتفاء أحيانًا بدفع مبالغ رمزية لا تتناسب مع الاحتياجات المركّبة للطفل ذي الإعاقة، لافتًا إلى أن بعض الآباء ينظرون إلى الطفل المعاق باعتباره “عبئًا” يهدد تصوّرهم التقليدي للرجولة بوصفها قدرة على الإنتاج والإنجاز والنجاح الاجتماعي، لا الرعاية والاحتواء، خصوصًا إذا كان الطفل هو الأول في بداية الزواج، حيث يُعاد تعريف الإعاقة كعائق شخصي في مسار حياة الأب، لا كمسؤولية أسرية مشتركة.

وفي مقابل هذا النمط، يؤكد أن هناك نماذج لآباء يتعاملون مع الإعاقة باعتبارها اختبارًا إنسانيًا وأخلاقيًا، ويستمرون في تحمّل مسؤولياتهم تجاه الطفل والأسرة، غير أن الإشكالية الجوهرية، تكمن في أن انسحاب الأب لا يُواجَه برفض اجتماعي حاسم، بل يُعاد تبريره أحيانًا بدعوى “العجز” أو “الضغط”، بينما تُترك الأم غالبًا ما تكون الضحية الأولى لهذا الاختلال البنيوي، إذ تُدفع تلقائيًا إلى موقع مقدّم الرعاية الوحيد، حتى في غياب أي استعداد مادي أو نفسي، وبصرف النظر عن كونها تعمل أو لا. 

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “حتى الأمهات العاملات يجدن أنفسهن أمام تكاليف رعاية تفوق الدخل، تشمل جلسات التأهيل والعلاج والمتابعة الطبية، إلى جانب الأعباء اليومية غير المرئية للرعاية المنزلية، وفي هذا السياق، لا يقتصر غياب الأب على أثره النفسي، بل يمتد ليؤثر مباشرة على مستوى الخدمات التي يحصل عليها الطفل”.

 ويشير لوجود فجوة هيكلية في الخدمات المقدّمة للأطفال ذوي الإعاقات الذهنية بمصر ، تتقاطع فيها الإعاقة مع الفقر والنوع الاجتماعي؛ فمدارس الدمج والتربية الخاصة محدودة العدد، وإجراءات الالتحاق بها مرهقة، والمراكز الحكومية تعاني ضغطًا شديدًا، بينما تظل المراكز الخاصة مرتفعة التكلفة وغير متاحة لغالبية الأسر، خاصة تلك التي تعولها نساء، مضيفًا أن الجلسات التأهيلية الحكومية غالبًا ما تكون قصيرة وغير منتظمة، ولا تتيح التقدم المطلوب، وبالتالي تنعكس الفوارق الطبقية  بوضوح على نتائج التأهيل، وفرص أفضل للدمج الجزئي أو الاستقلال النسبي.

ويتطرق إلى التفاوت الجغرافي في إتاحة الخدمات، موضحًا أن المناطق الريفية والقرى تعاني نقصًا حادًا في مراكز التأهيل، التي تتركز في المدن الكبرى، ما يحمّل الأمهات أعباء إضافية تتعلق بالتنقل أو الاضطرار إلى إبقاء الطفل داخل المنزل دون أي تدخل تأهيلي، مشيرًا إلى أن هذا الغياب المؤسسي قد يدفع بعض الأسر إلى أنماط تعامل خطرة مع الأطفال ذوي الإعاقات الذهنية، مثل تقييدهم داخل المنازل أو تركهم دون رقابة، في بيئة تفتقر للحماية المجتمعية، ويصبحوا أكثر عرضة للاستغلال، سواء الجنسي أو الاقتصادي، بسبب محدودية قدرتهم على التمييز أو الإبلاغ.

ويضيف: “في ظل غياب سياسات حماية شاملة، وضعف خدمات الدعم النفسي والاجتماعي؛ فإن التعامل مع الإعاقة الذهنية يصبح أكثر تعقيدًا مع تقدم الطفل في العمر، وزيادة قدرته الحركية دون وعي كافٍ بالمخاطر، مما يدفع بعض الأسر، رغم محدودية مواردها، إلى اللجوء لدور الإيواء أو الإقامة الداخلية، بحثًا عن حد أدنى من الأمان”، مؤكدًا أن الأعباء الواقعة على الأسرة تتضاعف في حال الانفصال، وتبلغ ذروتها حين تُترك الأم بمفردها دون دخل كافٍ أو شبكة دعم، وفي ظل غياب السياسات الداعمة، وتواضع الخدمات الحكومية، تترك الأمهات وأطفالهن في مواجهة مباشرة مع الفقر، والوصم القائم على النوع الاجتماعي، ومخاطر الإقصاء والعنف، في مشهد يعكس اختلالًا بنيويًا لا يمكن تحميله للأفراد وحدهم.

 

نوصي للقراءة: أطفال بلا هوية في مصر: حين تتحول البيروقراطية إلى عنف ضد النساء


الوصم الجندري المرتبط بالإعاقة

من جانبها، تشرح الدكتورة هاجر رمضان، أخصائية الطب النفسي وعلاج الإدمان، أن الاضطرابات الذهنية غالبًا ما تكون ذات أسباب جينية أو وراثية، ولا يمكن الجزم بمصدرها أو تحميل طرف واحد مسؤوليتها، إلا أن المجتمع، في إطار بنيته الذكورية، يميل إلى إلقاء اللوم على الأم وحدها، باعتبارها مقدِّم الرعاية الأساسي، وهو ما يضاعف الأعباء النفسية الواقعة عليها.

وتوضح أن الأم في السياق المصري تتحمل عبئًا مركبًا، فهي المسؤولة عن الرعاية الصحية والتعليمية للطفل، ومرافقته إلى العيادات، وإدارة شؤون المنزل، وفي الوقت نفسه تُحاسَب اجتماعيًا على كل سلوك يصدر عنه، منذ لحظة التشخيص، مرورًا بمرحلة التربية، وصولًا إلى المراهقة. وتقول لـ”زاوية ثالثة”: “المجتمع يفسِّر سلوكيات الطفل تفسيرًا أخلاقيًا أو تربويًا، فيُلقى اللوم على الأم إذا لم يتحدث الطفل، أو إذا استمر في ارتداء الحفاضات، أو إذا أبدى سلوكًا عدوانيًا، دون أي اعتبار لطبيعة الإعاقة الذهنية وتأثيرها على النمو”.

وتشير إلى أن هذا النمط من الوصم يمتد إلى مرحلة المراهقة، حين تظهر الرغبات الجنسية لدى بعض الأطفال، فيُحمَّل العبء كاملًا على الأم، وتُتَّهم بالإهمال أو سوء التربية، في ظل غياب أي خطاب مجتمعي أو مؤسسي يعترف بحقوق الأطفال ذوي الإعاقة في الفهم والحماية والرعاية المتخصصة.

وتحذّر “هاجر” من أن هذا الضغط المتراكم قد يدفع الأمهات إلى العزلة الاجتماعية، والشعور المزمن بالذنب، والدخول في نوبات اكتئاب وقلق طويلة الأمد، خاصة في ظل غياب شبكات دعم حقيقية. كذلك تؤكد أن الإرهاق النفسي للأم ينعكس مباشرة على الطفل، إذ تمثل مصدر الأمان الأساسي له، وإذا كانت منهكة أو مكتئبة أو منفصلة شعوريًا، يدخل الطرفان في دائرة مغلقة من التوتر المتبادل، قد تصل في الحالات القصوى إلى أفكار انتحارية أو إيذائية.

وترى أن مواجهة هذه الأزمة تتطلب مقاربة متعددة التخصصات، تبدأ بتفكيك الوصم الجندري المرتبط بالإعاقة، وتوسيع نطاق الخدمات المتخصصة بأسعار مناسبة، وتقديم دعم نفسي ممنهج لمقدِّمي الرعاية، لا سيما الأمهات، حمايةً للأطفال أنفسهم، وضمانًا لاستقرار الأسرة، وتقليلًا للمخاطر النفسية والاجتماعية على المدى الطويل.

هذا ظل هذا الواقع الاجتماعي تتقاطع الإعاقة مع البنى الأبوية والمجتمعية لتضاعف أعباء النساء،  حيث تتحمل الأم العبء المزدوج للرعاية اليومية للطفل واللوم الاجتماعي، بينما يُعفى الأب من المسؤولية الأخلاقية والمادية في كثير من الأحيان.

وفي هذا السياق، تصبح كل خطوة نحو تأهيل الطفل، وكل انتصار صغير في نطق كلمة أو تحقيق استقلالية جزئية، فوزًا مزدوجًا: للطفل في مواجهة التحديات، وللأم في معركة إعادة تعريف دورها خارج خطاب التضحية القسرية. 

وبدون إعادة هيكلة الدعم الأسري والمؤسساتي، ستظل العديد من الأمهات وحيدات، بين وصم المجتمع، وإرهاق الرعاية، وغياب حماية الدولة، يواجهن يوميًا تبعات منظومة لا تعترف بالاختلاف إلا بوصفه عبئًا يقع على النساء وحدهن.


أُنجز هذا التقرير في إطار زمالة مع مؤسسة Free Press Unlimited، بإشراف تحريري من ربا الحلو.

آية ياسر
صحافية وكاتبة وروائية مصرية حاصلة على بكالوريوس الإعلام- جامعة القاهرة.

Search