أعلنت الحكومة المصرية عن خطة موسّعة لتفعيل آليات التصدي لما وصفته بـ”الشائعات والأخبار الكاذبة”، في ظل ما تعتبره تزايدًا ملحوظًا في حجم المعلومات الزائفة المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي ومنصات الإعلام الخارجي. وذلك خلال اجتماع عقده رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، وشارك فيه وزراء الداخلية والاتصالات والعدل والشباب والرياضة، إلى جانب خالد عبد العزيز، رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وعبد الصادق الشوربجي، رئيس الهيئة الوطنية للصحافة، وأحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام.
وتضمن الإعلان عن اعتماد تقنيات للذكاء الإصطناعي في رصد المحتوى وتحليل مضمونه، ودراسة تغليظ العقوبات ضد من يُتهم بنشر أخبار “تضر بالمجتمع أو تُسيء للاقتصاد الوطني”. وبرغم التأكيد الرسمي على الترحيب بالنقد ومناقشة ما يُثار علنًا حول السياسات الحكومية، فقد شدد رئيس الوزراء على ضرورة اتخاذ إجراءات رادعة بحق من يعتبرهم “يختلقون وقائع كاذبة”، في إشارة إلى ما تعتبره الدولة محاولات منظمة “لزعزعة الثقة في الاقتصاد الوطني” خلال الفترة الأخيرة. كذلك توافق المجتمعون على توحيد جهود الجهات التنفيذية والإعلامية والدينية، ضمن ما وصفته الحكومة بـ”استراتيجية وطنية متكاملة لمواجهة الشائعات”.
تأتي هذه القرارات في وقت تتصاعد فيه اتهامات من منظمات حقوقية بملاحقة الأصوات المعارضة، وإحالة صحفيين وناشطين إلى التحقيق بتهم تتعلق بـ”نشر أخبار كاذبة”، وهو ما يطرح تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين مواجهة التضليل وحماية حرية التعبير في مصر.
ويخشى مراقبون تحدثوا إلى زاوية ثالثة أن تؤثر الآلية الجديدة على الوضع الحقوقي وتستهدف المعارضين والصحفيين، معتبرين أن الخطاب الرسمي حول “حماية المجتمع” قد يتحول عمليًا إلى صياغة أكثر صرامة لتقييد المجال العام، خصوصًا مع توسع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الرصد التلقائي وتتبّع المحتوى. ويرى هؤلاء أن التجارب السابقة في تطبيق القوانين المرتبطة بـ”الأخبار الكاذبة” غالبًا ما أفضت إلى إجراءات واسعة شملت توقيف مستخدمين عاديين لمجرد نشرهم آراء أو تدوينات تنتقد أداء المؤسسات، ما يثير مخاوف من أن تكون الخطوة الجديدة تمهيدًا لتعزيز الرقابة بدل تحسين الشفافية.
من جهته يرى الكاتب الصحفي خالد البلشي، نقيب الصحفيين في بيان له، أن التركيز على تغليظ الغرامات لمواجهة الشائعات هو “طريق عكسي” وغير دستوري. مؤكدًا أن الأولوية الدستورية يجب أن تكون لإصدار قانون حرية تداول المعلومات، الذي يضمن حق الصحفيين والمواطنين في الوصول إلى البيانات، ويُلزم المصادر الرسمية بتقديمها. ومنع العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر.
ويعتبر نقيب الصحفيين أن إتاحة المعلومات الصحيحة هي السلاح الفعال والأول لمواجهة الشائعات وتصحيحها. محذرًا من أن المبالغة في الغرامات دون توفير المعلومات الصحيحة لن تردع الشائعات، بل قد تؤدي إلى إغلاق الصحف وفقدان المصدر المهني للمعلومات.
نوصي للقراءة: ماذا تغيّر بعد 4 أعوام من إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان؟

ذريعة جديدة للتضييق
تُقدّر عدد من المنظمات الحقوقية الدولية والإقليمية عدد السجناء والمحتجزين على خلفيات سياسية في مصر، بمن فيهم نشطاء ومعارضون ومتظاهرون ومستخدمو مواقع التواصل، بعشرات الآلاف، في ظل غياب بيانات رسمية شفافة بشأن أعداد وتصنيفات المحتجزين. وتشير تقارير حقوقية متخصصة إلى أن مئات من هؤلاء يواجهون اتهامات تتعلق بـ”نشر أخبار كاذبة” أو “إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي”، غالبًا جنبًا إلى جنب مع اتهامات أوسع ذات طابع أمني أو مرتبط بالانتماء إلى كيانات مصنفة كـ”إرهابية”.
ويرى مراقبون أن تهمًا مثل “نشر أخبار كاذبة” و”سوء استخدام وسائل التواصل” أصبحت من بين البنود الأكثر تكرارًا في القضايا التي تُوجَّه ضد صحفيين ونشطاء وسياسيين خلال السنوات الأخيرة، حيث تُستخدم نصوص قانون العقوبات، وقانون مكافحة الإرهاب، وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات في تكوين حزم اتهامات يصعب من خلالها حصر أعداد قضايا الرأي بدقة. وفي ضوء تشريعات وتشديدات متلاحقة، من بينها قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات (2018) وتوسيع صلاحيات المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مراقبة المحتوى وحجب المواقع، يحذر حقوقيون من أن توسيع سلطات المراقبة والعقاب قد يؤدي إلى زيادة أعداد المحتجزين على خلفية التعبير السلمي، بدل الحد من المعلومات المضللة، بما يعمّق الفجوة بين الخطاب الرسمي حول “تنظيم الفضاء المعلوماتي” وبين واقع التوسع في التجريم وتقييد حرية التعبير في الفضاءين العام والرقمي.
تقول ندى نشأت – المحامية الحقوقية-، في حديثها لـ “زاوية ثالثة”، إن تصريحات الحكومة بشأن “ملاحقة مروّجي الشائعات” ليست جديدة وإنما متكررة على مدار السنوات الماضية. متسائلة عن جدوى هذه القرارات في ظل أن “الجزء الأكبر من الشائعات يتم تداوله من داخل المؤسسات نفسها، سواء عبر وسائل إعلام مدعومة من جهات سيادية أو من خلال صفحات على شبكات التواصل تُدار بواسطة ما يُسمى باللجان الإلكترونية”، على حد قولها، مشيرة إلى نمط “النسخ واللصق” في الخطاب المتداول عبر هذه المنصات.
وتضيف المحامية الحقوقية أن هذه الشائعات غالبًا ما تُستخدم لصرف نظر الرأي العام عن قضايا أو قرارات معينة، متسائلة: “إذا كانت الدولة بالفعل تلاحق المواطنين على أبسط تعبير، فما الحاجة إلى ترسانة قوانين جديدة؟ أو الحديث عن تغليظ العقوبات”، لافتة إلى أن قوانين الجرائم الإلكترونية وتهمة “نشر أخبار كاذبة” باتت تُستخدم بشكل واسع ضد المنتقدين، حتى أصبحت “اتهامًا جاهزًا” في معظم القضايا المتعلقة بالرأي.
وترى ندى أن هناك تفريغًا لمفهوم “نشر الشائعات” من معناه الحقيقي، إذ يُفترض أن مواجهة ما يمس الأمن القومي له آليات قانونية واضحة، لكن ما يحدث، بحسب وصفها، هو أن أي شكوى أو انتقاد يجري التعامل معه باعتباره شائعة، وتصبح الدولة “الخصم والحكم في آن واحد”. مشيرة إلى أن الغاية الأساسية تبدو “منع أي انتقادات خلال الفترة المقبلة”، سواء كانت تتعلق بانتهاكات أو مخالفات للقانون من بعض الجهات. واستشهدت بقضية الإعلامية قصواء الخلالي التي أعلنت عن تعرضها للتنكيل، بينما جاء رد وزارة الداخلية بنفي ما ورد ووصفه بـ”الشائعات”، مؤكدة أن الورق الرسمي قد يُسجّل وقائع شكلية لا تعكس سبب الاستهداف الحقيقي.

من يحاسب الحكومة على الأخبار الكاذبة؟
للمفارقة، في الوقت الذي تستعد فيه الحكومة المصرية لتفعيل آليات مواجهة ما أسمته بـ”الأخبار الكاذبة” ودراسة تغليظ العقوبات بحق مرتكبيها، ترصد منصات متخصصة بتدقيق المعلومات مثل ” متصدقش” عدة تقارير تفيد بأن عددًا من المسؤولين من وزراء وبرلمانيين وأعضاء في مجلس الشيوخ أصدروا عشرات التصريحات خلال الأشهر الأخيرة وصفت بالمضللة أحيانًا وغير الدقيقة أحيانًا أخرى.
الرصد شمل أيضًا عددًا من الصحفيين والمنصات الإعلامية والإعلاميين وكذلك السياسيين المعروفين المقربين من الحكومة، إلا أن التصريحات الصادرة عن المسؤولين تجاوزت في حجمها ما رصدته المنصة من الصحفيين والسياسيين والإعلاميين خلال الأشهر الستة الماضية، خاصة في ما يتعلق بالشؤون السياسية والاقتصادية، ليكون الإجمالي 138 تصريحًا وتعليقًا ما بين غير دقيق ومضلل، وذلك خلال الفترة المذكورة ومن خلال منصة واحدة فقط لتدقيق المعلومات.
وخلال الفترة من 1 يونيو 2025 حتى منتصف ديسمبر 2025، رصدت التقارير 88 تصريحًا صدر عن مسؤولين سياسيين ( وزراء، وبرلمانيين، أعضاء بمجلس الشيوخ، رؤساء هيئات حكومية)، منها 60 تصريحًا تم تصنيفهم بغير دقيق و28 تصريحًا تم تصنيفها بأنها غير دقيقة ومضللة.
كذلك رُصدت أخبار وتصريحات أدلى بها إعلاميون وصحفيون ومؤسسات صحفية محسوبة على الحكومة المصرية، تبين أنها غير دقيقة، حيث بلغ عدد التصريحات غير الدقيقة 17 تصريحًا، وعدد التصريحات التي كانت غير دقيقة ومضللة أيضًا 17 تصريحًا، بإجمالي 34 خبر وتعليق.
بالإضافة إلى رصد 16 تعليقًا صادرً عن سياسيين من أحزاب الموالاة، تبين أن 12 منها غير دقيقة، فضلًا عن 4 تصريحات مضللة.
وتصنف منظمة اليونسكو المعلومات غير الدقيقة ضمن ثلاثة مسميات رئيسية: “المعلومات المضللة، والمعلومات الخاطئة، والمعلومات الضارة، اعتمادًا على مقصد الناشر ونيته. فالمعلومة تصبح ضارة إذا كان الهدف من نشرها إلحاق الضرر بأشخاص أو مؤسسات أو جماعات، بينما تُصنَّف على أنها خاطئة عندما تنتج عن معالجة غير دقيقة لمعلومة صحيحة عن طريق الخطأ. أما المعلومات المضللة فهي تلك التي تُنشَر عمدًا بطريقة مفبركة وغير حقيقية بهدف التضليل.”
نوصي للقراءة: «لا صحة لما تم تداوله»… وصفة السلطة المصرية لكبح الجدل الرقمي

مزيد من الملاحقات الأمنية؟
بدأت الحكومة المصرية في توسيع نطاق استخدام تهمة “نشر الأخبار الكاذبة” بشكل واضح منذ أوائل عام 2018، تحديدًا في الأسابيع التي سبقت الانتخابات الرئاسية، حيث أصبح التركيز على السيطرة على تدفق المعلومات والمحتوى المنشور عبر وسائل الإعلام التقليدية ومنصات التواصل الاجتماعي أداة رئيسية لتعزيز الرواية الرسمية للدولة. تمثل ذلك في القرار الصادر عن النائب العام في فبراير 2018، والذي كلّف النيابة العامة بمسؤولية تعقب أكاذيب ما أطلق عليهم “قوى الشر” في وسائل الإعلام ومواقع التواصل التي قد تُحدث “اضطرابًا في الأمن العام أو تزرع الرعب في المجتمع”، إلى جانب إطلاق خطوط ساخنة لتلقي بلاغات المواطنين عن الأخبار الكاذبة.
وفي ورقة بعنوان “التطور التاريخي والتشريعي لنصوص تجريم نشر الأخبار الكاذبة في الخارج” لمؤسسة مسار للمجتمع القانوني والتكنولوجي، أوضحت أنه خلال السنوات الأخيرة تزايدت حالات توجيه اتهامات لمستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية بموجب نصوص قانونية متعددة، أبرزها المادة (80د) من قانون العقوبات، التي تجرم “إذاعة أخبار أو بيانات أو إشاعات كاذبة حول الأوضاع الداخلية للبلاد في الخارج”. وتفسر جهات التحقيق النشر على الإنترنت بأنه امتداد للنشر في الخارج، ما يوسع نطاق التجريم بشكل ملحوظ.
الورقة أوضحت كذلك أن القانون المصري يبرز تعدد النصوص المتعلقة بنشر الأخبار الكاذبة، من المادة (80د) الخاصة بالنشر من الخارج، إلى المادة (102 مكرر) التي تعاقب نشر أخبار كاذبة من الداخل، وصولاً إلى المادة (188) الخاصة بالجرائم المرتكبة عبر الصحف والوسائل المطبوعة، مما يعكس تعدد صور التجريم والعقوبات المقررة بحسب نوع الجريمة وظروفها.
يتزامن الجدل حول قرار الحكومة مع عدد من وقائع ملاحقة صحفيين وسياسيين وغيرهم، وقد قررت نيابة أمن الدولة العليا الأحد 7 ديسمبر، إخلاء سبيل الصحفي أحمد رفعت، رئيس تحرير موقع “إيجبتيك”، ومنذر الخلالي، رئيس مجلس إدارة الشركة المالكة للموقع، بكفالة 20 ألف جنيه لكل منهما، بعد توجيه اتهامات تتعلق بـ”نشر أخبار كاذبة”، ولمنذر أيضًا تهمة “إدارة موقع بدون ترخيص”، وفق ما أعلن نقيب الصحفيين خالد البلشي على فيسبوك.
ومؤخرًا أصدرت محكمة مصرية حكمًا بحبس عبد الخالق فاروق، الخبير الاقتصادي، خمس سنوات في 4 أكتوبر 2025، ، بعد إدانته بنشر “أخبار كاذبة” اعتُبرت ـ بحسب النيابة والمحكمة ـ من شأنها “تكدير السلم العام والإضرار بالمصلحة القومية”. وفي 25 سبتمبر 2025، استدعى الناشط والشاعر أحمد دومة للتحقيق أمام نيابة أمن الدولة العليا في القضية رقم 7071 لسنة 2025، بتهمة نشر وإذاعة أخبار كاذبة. وقد أُفرج عنه لاحقًا بكفالة 50 ألف جنيه بعد نشره عدة مقالات رأي وشهادات عن وقائع تعذيب وانتهاكات تعرّض لها أو شهدها خلال فترة حبسه التي تجاوزت 10 سنوات، ويعتبر هذه المرة الخامسة التي يتم التحقيق مع دومة بنفس التهمة.
كذلك تم استدعاء محامية الحقوق ماهينور المصري للتحقيق من قبل نيابة أمن الدولة العليا على خلفية منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تتعلق بأوضاع السجون وقطاع غزة، قبل أن يُفرج عنها بكفالة مالية.
في سياق متصل، جددت نيابة أمن الدولة العليا حبس الباحث إسماعيل الإسكندراني 15 يومًا على ذمة القضية رقم 6469 لسنة 2025. وكان الإسكندراني قد أُلقي القبض عليه فجر 24 سبتمبر أثناء عودته من سيوة، وتم ترحيله إلى القاهرة للتحقيق معه، حيث وُجهت له اتهامات بـ”إذاعة أخبار كاذبة” و”الانضمام إلى جماعة إرهابية” و”استخدام موقع إلكتروني للترويج لأفكار إرهابية”. وأكدت هيئة الدفاع عنه أن التدوينات التي استندت إليها النيابة تعكس أفكاره الشخصية ولا تحتوي على أخبار كاذبة أو شائعات، كما نفى أي انتماء له لأي جماعة سياسية أو حزب.
نوصي للقراءة: تطوير الإعلام.. أم تطوير أدوات الملاحقة؟

حرية تداول المعلومات الحل!
ترى إيمان عوف، – عضو مجلس نقابة الصحفيين ومقررة لجنة الحريات-، في حديثها لـ”زاوية ثالثة”، أن الخطاب الرسمي بشأن “ملاحقة مطلقي الشائعات” يتجاهل السؤال الأساسي حول أسباب انتشار تلك الشائعات في الأساس، معتبرة أن غياب المعلومات الحقيقية، وحجب البيانات الرسمية، يخلق فراغًا يُتيح انتشار معلومات مضللة على نطاق واسع، “مهما كانت الملاحقة أو المراقبة”.
وتضيف إيمان أن النقابة وضعت ما وصفته بـ“روشتة واضحة” لمواجهة الشائعات، تقوم أولاً على إصدار قانون حرية تداول المعلومات، رغم إقراره دستوريًا، مؤكدة أن حجب المعلومات الرسمية يجعل المواطنين يعتمدون على مصادر بديلة غير موثوقة، “وبالتالي لا يمكن مواجهة الشائعات بينما الحقيقة مُغيّبة”. موضحة أن الخطوة الثانية تتمثل في إتاحة المساحة المهنية للصحفيين للقيام بدورهم في البحث والتقصي، مشيرة إلى أنه كلما تم تقييد عمل الصحافة، ظهر بديل وهمي هو “المواطن الصحفي” أو المدونون وصفحات التواصل، “وهي كيانات لا تمتلك أدوات التحقق الصحفي”.
وترى مقررة حريات الصحفيين أن غياب التعيينات في المؤسسات القومية وعدم دعمها مادياً ومهنيًا يضعف قدرتها على التطور ومواكبة أدوات التحقق الحديثة، إلى جانب تراجع فرص الصحفيين الشباب المؤهلين، “وهو ما يترك الساحة لخطاب غير مهني ومعلومات غير دقيقة”. وتشير إلى إن دولًا كثيرة واجهت الشائعات عبر فتح المعلومات وتقوية الصحافة، وليس عبر “توسيع الرصد والملاحقة”، معتبرة أن القرار الجديد قد يفتح المجال لمزيد من الملاحقات للصحفيين، “خاصة مع توسع استخدام تهمة نشر الأخبار الكاذبة خلال السنوات الأخيرة”.
كذلك تشير إلى أن المشكلة الأخطر تكمن في معاقبة الصحفي حتى عند نشره لمعلومات حقيقية، مستشهدة بقضية الصحفي محمد طاهر الذي نشر معلومات ووقائع عن قضايا آثار مهمة وتمت ملاحقته قضائيًا، مضيفة: “إذا كان الصحفي الذي ينشر الحقيقة يعاقَب، فكيف نطلب منه أداء دوره بمهنية؟”. وأعربت إيمان عوف عن مخاوفها من أن تؤدي التوجيهات الأخيرة إلى تصاعد الملاحقات الأمنية تجاه الصحفيين، مما قد يزيد من قيود حرية الصحافة والإعلام ويحد من قدرة الصحفيين على ممارسة مهامهم.
وكان خالد البلشي، نقيب الصحفيين، قد وجه دعوة لمجلس أمناء المؤتمر العام السادس للنقابة، لوضع خارطة طريق لتطوير الصحافة المصرية في إطار توصيات المؤتمر، ومخرجات لقاء الرئيس مع رؤساء الهيئات الإعلامية والصحفية، والتي أوصت بضرورة التزام الدولة بدعم حرية التعبير واحتضان. وأوضح نقيب الصحفيين في تصريحاته أن قانون حرية تداول المعلومات، يعدّ خطوة أساسية لتعزيز الشفافية وتمكين المواطنين من الوصول إلى البيانات الرسمية.

الحوار الوطني
يُعد إصدار قانون حرية تداول المعلومات أحد أبرز توصيات الحوار الوطني، حيث أوصى المشاركون في إحدى جلساته بضرورة إقراره، مؤكدين أن القانون لا يقتصر على الصحفيين فحسب، بل يُعد حقًا عامًا لكل المواطنين في الوصول إلى المعلومات والبيانات الرسمية من مصادرها الأصلية. وأدار الجلسة ضياء رشوان، وشارك فيها أحمد راغب إلى جانب عدد من السياسيين والصحفيين والأكاديميين، الذين شددوا على أهمية الشفافية في تعزيز المساءلة والمشاركة المجتمعية، والحيلولة دون انتشار الأخبار الكاذبة والشائعات. ورغم ذلك لا يزال مصير القانون مجهول.
من جهته يحمل أحمد راغب – المحامي الحقوقي-، البرلمان السابق مسؤولية التأخير في إقرار القانون ، إذ أنه لم يكن على أولوياته. ويرى في حديثه لزاوية ثالثة، أن مشروع قانون حرية تداول المعلومات لا يستهدف الصحفيين وحدهم، رغم أن الصحافة من أكثر الفئات احتياجًا له لضمان الحصول على معلومات صحيحة يمكن نشرها. ويوضح أن القانون موجّه في الأساس إلى المجتمع بكافة أطيافه، وله بُعد اقتصادي واضح، إذ إن المعلومات الرسمية الدقيقة تمثل قيمة اقتصادية وسوقية مهمة للمستثمرين.
ويؤكد راغب أن حرية تداول المعلومات التزام دستوري نص عليه الدستور المصري، ويُفترض أن يُترجم إلى قانون يضمن هذا الحق دون المساس بالأمن القومي أو بالخصوصية وحماية البيانات الشخصية. ويوضح أن تداول المعلومات لا يعني إتاحتها بلا ضوابط، بل يخضع لمعايير تتعلق بالأمن القومي وبالبيانات الشخصية.
في ورقة بحثية بعنوان “بعد أكثر من عقد من المحاولات.. هل يحسم الحوار الوطني وضع “قانون حرية تداول المعلومات”؟، نشرها المرصد المصرية، أوضح أنه على مدار عقود، لم تُظهر التوجهات التشريعية في مصر دعمًا كافيًا لحرية التعبير وحق المواطنين في تداول المعلومات. وغالبًا ما ارتبط القانون بمجال الصحافة وحده، بينما يمتد أثره في الواقع إلى جميع المجالات، بما في ذلك تفعيل المشاركة السياسية وتعزيز التنمية.
وأوضحت الورقة أن البلاد جهودًا حكومية متواصلة لنفي الشائعات المتعلقة بأداء الدولة، في حين تُحال المئات من المواطنين إلى النيابة العامة بتهمة نشر الأخبار الكاذبة، ما يطرح تساؤلات حول قدرة المواطنين على التمييز بين المعلومات الصحيحة والشائعات إذا لم تُمارَس الشفافية والإفصاح عن البيانات الرسمية. وهكذا، يظهر قانون تداول المعلومات كأداة أساسية للحفاظ على الاستقرار السياسي وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.
ويزداد أهمية القانون في ظل غياب المعلومات الكافية حول المشروعات القومية الكبرى والاتفاقيات الاستثمارية مع الشركات الكبرى، إذ يسهم الإفصاح الرسمي وفق القانون في توضيح الأهداف، وقياس العائد مقارنة بالأعباء المحتملة، ويقلل من الاعتماد على التقديرات والآراء الشخصية- بحسب الورقة.
في النهاية وبينما تسعى الحكومة لتعزيز الثقة في المؤسسات والاقتصاد الوطني عبر قوانين مكافحة الأخبار الكاذبة، يبرز خطر إساءة استخدام هذه القوانين ضد الصحفيين والمعارضين. في المقابل، يظل قانون حرية تداول المعلومات الأداة الأكثر فعالية لردع الشائعات وتمكين الصحافة من أداء دورها الرقابي، غائبًا دون سببًا واضح، رغم ما تؤكده المصادر والخبراء بأن الشفافية والإفصاح الرسمي هما الطريق الأمثل لمواجهة التضليل وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع.