close

الإيداع القسري.. حين يتحول العلاج النفسي إلى وسيلة للانتقام الأسري

تستغل بعض العائلات ثغرات في تطبيق قانون رعاية المريض النفسي وضعف الرقابة على المصحات الخاصة، لا سيما غير المرخصة منها، لاحتجاز ذويهم قسرًا، غالبًا بدوافع مالية مرتبطة بالميراث
Picture of آية ياسر

آية ياسر

قبل أربع سنوات بدأت أولى فصول معاناة الشاب الثلاثيني شادي حسين (اسم مستعار)، ابن مدينة المنصورة، في ليلة حالكة، حين صُدم في إحدى الليالي عام 2021، بأشخاص غرباء يقتحمون منزل العائلة، كانوا ثلاثة رجال وتنتظرهم في الأسفل سيدة، علم لاحقًا أنها طبيبة امتياز، قاموا بضربه وتقييده، حاول الاتصال بالنجدة، وفي تلك الأثناء استيقظت والدته المسنة من نومها فزعة، لم تكن تدرك حقيقة ما يجري، أخبروها أن “ابنها مريض نفسي وعليها أن توقع على أوراق إدخاله للمصحة النفسية التي يعملون بها”، فاستجابت لهم ووقعت، بعد ذلك حقنوه بمخدر ليفقد الوعي ويصطحبونه للمجهول.

حين أفاق شادي وجد نفسه في مكان غريب محاطًا بأشخاص لا يعرفهم، أخبروه أنه في مركز لعلاج الإدمان، وأن أهله هم من أدخلوه، وسرعان ما اكتشف شادي أن شقيقه استعان بصديق له يعمل موردًا للحالات في أحد مراكز الصحة النفسية الخاصة بالمنصورة، وأعطاه مفتاح بيت العائلة ليستغل علاقاته في تخليصه من الشقيق الأكبر الذي يقف حجر عثرة أمام زواجه من سيدة تعرف إليها عبر الإنترنت، ويضع حدًا لخلافات عائلية بدأت بعد بدأت وفاة والدهما عام 2020، وتولي شادي إدارة شؤون ممتلكات الأسرة، لامتلاكه توكيل عام من الأب الراحل، بحسب ما يروي.

صرخ شادي محتجًا، لكن الاعتراض لم يجلب سوى المزيد من العزلة وإجباره على تناول المهدئات والأدوية النفسية.  يقول لـ “زاوية ثالثة”: “قضيت 15 يومًا، محتجزًا بلا تهمة، أو تشخيص مرضي، كما لم يسبق لي تعاطي أي مادة مخدرة أو حتى التدخين، كنت فقط أدفع ثمن صراع أسري، وشبكة مصالح، ووجود ثغرة قانونية سمحت باحتجازي، حاولت التواصل هاتفيًا مع والدتي، لكن طلبي قوبل بالرفض، زاعمين أن ذلك حق لمن يدخل بإرادته، وليس من يدخل إلزاميًا، وأخبرتني إحدى الطبيبات أن حالتي مجرد خلاف أسري، وأن خروجي سيتقرر بعد مقابلة مدير المركز، غير أن هذه المقابلة لم تتم إطلاقًا”. 

خلال فترة وجوده في المصحة علم شادي أن هناك قانون للمريض النفسي في مصر، يضمن له حقوقًا أساسية، من بينها الاتصال بأهله، والاعتراض على قرارات الدخول الإلزامي، واستلام نسخة من ملفه الطبي، لكن شيئًا من ذلك لم يحدث، في حين كتب الأطباء النفسيون تقريرًا يزعم أنه مصاب بالاضطراب الانفجاري المتقطع (IED)، – وهو حالة نفسية تتميز بنوبات متكررة من السلوك العدواني أو الغضب المفرط وغير المتناسب مع الموقف الذي أثارها، ويُصنف في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية (DSM-5) ضمن اضطرابات التحكم في الانفعالات، وتشمل الأعراض نوبات صراخ، تهديدات، اعتداءات جسدية، وتدمير ممتلكات، ويشمل العلاج مضادات الاكتئاب ومثبتات المزاج والعلاج النفسي للتحكم في هذه الانفعالات -، وأرسل المركز تقريرًا صوريًا للمجلس الإقليمي للصحة النفسية أكد أنه يستحق الدخول الإلزامي دون حتى أن يراه الطبيب الموفد.

بعد ثلاثة أيام من احتجازه توصلا ابن عمته ومحاميه لمكان المصحة التي تحتجزه، وحاولا التدخل لإطلاق سراحه، إلا أن العقبة تمثلت في أن والدته – تحت ضغط الموقف – وقعت على أوراق إدخاله دون أن تدرك تفاصيلها، بينما المركز كان رفض إطلاق سراحه، بتواطئ مع أخيه الذي تزوج عقب مرور يوم على اختطافه من منزل العائلة، وعندما حاولت والدته لاحقًا إخراجه، قيل لها إن شادي يمثل خطرًا على نفسه وعلى الآخرين، لتستمر المصحة في أخذ الأموال من شقيقه، وعندما تقدم محاميه بتظلم، أبلغه المجلس الإقليمي للصحة النفسية بأن لجنة ثلاثية أقرت أن حالته تستوجب العلاج الإلزامي، رغم أنه لم تتم معاينته فعليًا من قِبل طبيب مستقل، بل اعتمد التقييم فقط على أوراق المركز الخاص.

وسط كل ذلك، وقفت والدته حائرة، كونها  وقعت في لحظات ذعر، على أوراق لم تقرأ محتواها، لتصبح شاهدًا وخصمًا في آن واحد، بين ابنها الأكبر الذي يكابد لإثبات براءته وابنها الأصغر الذي يريد المضي في حياته مع زوجته الجديدة، “عندما ذهبت أمي إلى المصحة، لم يسمحوا لها حتى بلقائي، وأخبروها بأنني مريض، وخطر على نفسي والغير، وعندما جاء المحامي واطّلع على الموقف تواصل مع والدتي، وهذه المرة؛ سمحوا لها بمقابلتي، لكنها طلبت خروجي فرفضوا ذلك”، يحكي شادي.

بعد مرور 15 يومًا سُمح له بمغادرة المركز، ليبدأ شادي بعدها رحلة صراع قانون، لمحاولة رد اعتباره، طلب ملفه الطبي، وحرر بلاغات في النيابة، وسرعان ما اكتشف أن كل إجراء جرى بحقه كان مُفصَّلًا لإبقائه خلف الأبواب، وأنه ضحية ثغرات قانونية في القانون الذي صُمم لحماية المرضى، تستغلها بعض المراكز الخاصة.

 يقول: “أطلقوا سراحي، وقالوا إنّه عليّ أن أتابع معهم في زيارات لاحقة، بحجة العلاج، جعلوني أوقّع على استمارة، تعطى للمريض عند دخوله، وتشمل حقوقه طبقًا لقانون رعاية المريض النفسي، ثم طلبت نسخة من ملفي الطبي”، وبعد إطلاعه على القانون قرر المضي قدما في إجراءات الشكوى والتقاضي، فتقدّم ببلاغ إلى النيابة العامة، لكنه صدم بأن كثير من المحامين لم يكونوا على دراية كاملة بالقانون الجديد للصحة النفسية، وأن كونه سبق إدخاله إلى مركز نفسي، جعل النيابة تنظر إليه بريبة، لا سيما أن المصطلحات الطبية مثل الاضطراب الانفجاري المتقطع لم تكن مفهومة بالنسبة لأعضائها، على حد قوله.

ويكشف شادي عن أنه طالب بعرضه على الطب الشرعي أو أي مستشفى حكومي، لكن طلبه رُفض، وبعد إجراءات طويلة، تم التعامل معه بصفته “متهمًا”، رغم أنه كان في موقع “المجني عليه”، موضحًا أن النيابة العامة تعاملت مع قضيته وفق الإجراءات المخصصة للمتهمين فقط، حيث جرى التواصل مع إدارة الطب النفسي الشرعي عبر مكتب التعاون الدولي، وهو ما اعتبره إجراءً معقدًا وغير مبرر في حالته.

وتحدثت “زاوية ثالثة” مع المحامي المسؤول عن قضية شادي حسين، والذي أكد لنا أن موكله تعرض لمحاولة جديدة لإيداعه كمريض نفسي بمستشفى العباسية للصحة النفسية، بعد أن كتب أحد الأطباء تقريرًا يفيد بأنه يعاني أعراضًا ذهانية شديدة، دون أن يقوم بفحصه، لكنه نجا من الإيداع نتيجة غياب مدير المستشفى في ذلك اليوم، ليتم تأجيل الإجراء، مضيفًا أنه عندما عرض الأمر على النيابة العامة لاحقًا، وجد مذكرة تشير إلى أنه “مريض” بناءً على أوراق المركز الخاص، وتوصي بإيداعه في مؤسسة نفسية، وهو ما اعتبره تزويرًا للحقائق، مؤكدًا أن مكتب التعاون الدولي بدوره لم يستوعب وضعيته كمجني عليه، وتعامل معه باعتباره متهمًا.

وكشف أنه بعد مرور عام تم حفظ القضية، قبل أن تعيد نيابة الاستئناف فتحها، حيث جرى عرضه مجددًا على الطب النفسي الشرعي. وأشار إلى أن الطبيب الذي كتب التقرير الأول ادعى أمام النيابة أنه رآه “مضطربًا ويصرخ”، وهو ما نفاه شادي مؤكدًا وجود شهود على عكس ذلك، مبيّنًا وجود تضارب مصالح وفساد في القضية، حيث تبيّن أن مديرة المركز الخاص الذي احتُجز فيه كانت في الوقت نفسه مديرة إدارة رعاية حقوق المرضى بالمجلس الإقليمي رقم ثلاثة، كما شغلت منصبًا بالمجلس القومي للصحة النفسية، وهو ما اعتبره شبكة مصالح أثرت على مسار قضيته.

شادي اليوم لا يسعى للانتقام، بقدر ما يبحث عن الاعتراف بتعرضه للظلم وضمان ألا يمر أحد بما مر به، يقول: “في البداية كنت أريد فقط أن أخرج من المصحة. الآن أريد أن يعرف الناس أن ما جرى معي قد يحدث لهم في أي لحظة.”

ووفقًا للقانون رقم 71 لسنة 2009 بشأن رعاية المريض النفسي، فإن أي شخص يُدخل مريضًا إلى منشأة صحة نفسية عن طريق التحايل، مثل حجز شخص بصفته مصابًا بمرض نفسي في غير الأماكن أو الظروف المنصوص عليها بالقانون، أو إبلاغ الجهات المختصة كذبًا بسوء قصد، يعتبر مرتكبًا لمخالفة تستوجب العقوبة، كذلك يعاقب القانون مرتكب هذه الأفعال بالحبس مدة لا تجاوز ستة أشهر وبغرامة لا تزيد على ثلاثة آلاف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين.

 

 نوصي للقراءة: نقص الأدوية النفسية في مصر: صراع يومي من أجل البقاء

قانون رعاية المريض النفسي يفتح الباب للتلاعب

تستغل بعض العائلات ثغرات في تطبيق قانون رعاية المريض النفسي وضعف الرقابة على المصحات الخاصة، لا سيما غير المرخصة منها، لاحتجاز ذويهم قسرًا، غالبًا بدوافع مالية مرتبطة بالميراث، بينما توفر شبكة مصالح بين الأطباء والمصحات والجهات الرقابية مظلة لشرعنة هذا الانتهاك وتحويل بعض المصحات النفسية ومراكز علاج الإدمان الخاصة ولاسيما غير المرخصة منها إلى أدوات للابتزاز والسيطرة، بحسب ما أفادت مصادر لـ”زاوية ثالثة”.

وفي مدينة المنصورة، أيضًا، عاش محمد حسن (اسم مستعار)، وهو شاب في مطلع الثلاثينيات، تجربة قاسية غيّرت مجرى حياته، عندما وجد نفسه محتجزًا خلف أبواب مركز خاص للصحة النفسية وعلاج الإدمان، بسبب خلافات عائلية مع والدته حول الميراث.

كان محمد قد تزوّج وأنجب طفلًا، لكن زيجه لم تدم طويلًا، كون والدته، وهي من مواليد 1959، تحمل توكيلًا عامًا من أولادها الأربعة (ولدان وبنتان)، لم ترضَ عن أسلوب حياة زوجته، ومارست ضغوطات عليه لإجباره على تطليقها، بعد الانفصال، بدأ الخلاف يحتدم بين الطرفين حول الميراث ومسألة مسكن الحضانة، إذ رفضت الأم أن تقيم طليقته في الشقة محل النزاع.

الأحداث أخذت منحى أكثر قسوة حين لجأت والدته إلى حيلة قاسية؛ إذ استدعت له أشخاص يعملون في مصحة خاصة، وفي وضح النهار، وأمام أنظار الجيران والمارة، جرى حمله مقيّد اليدين والقدمين، فيما كان يصرخ مستغيثًا، في واقعة وثّقها كاميرات المراقبة، واطلعت “زاوية ثالثة”، على تسجيلاتها.

 الأم كررت واقعة الزج بابنها إلى المركز ثلاث مرات، ليتوقف عن مطالبتها بحقه في الميراث، وعندما اعترض شقيقه الآخر وانضم إلى أخيه في المطالبة، تعرض لتهديد مشابه من الأم، ثم أُدخل بدوره عنوة إلى المصحة، لكن على النقيض من شقيقه أظهرت عينة تحليل المخدرات التي أجريت له نتيجة إيجابية، لتعاطيه مخدر الحشيش، في النهاية لم يجد الشقيقين حلًا أمامهما سوى التوقف عن المطالبة بميراثها؛ واضطر محمد إلى تحرير عقد إيجار للشقة لطليقته، لينجو من هذا المأزق المهين، بحسب ما يروي محامي الشقيقين.

 المحامي أحمد بيومي عبد الكريم، يوضح أن منظومة الصحة النفسية الخاصة مليئة بالثغرات، و“لا توجد رقابة حقيقية على المراكز الخاصة؛ إذ تُغلق سنويًا عشرات المصحات غير المرخصة، لكن غيرها يستمر في العمل بلا محاسبة، والتقارير الطبية تُفبرك، والأدوية تُصرف بشكل عشوائي لإبقاء المحتجز في حالة من التشتت والنعاس، والأسوأ أن بعض الأطباء يتواطئون لحماية بعضهم البعض من أي مسائلة قانونية، ليصبح من الصعب إثبات أي خطأ أو تجاوز.”

ويُبين في حديثه معنا أن القانون الحالي، رقم 71 لسنة 2009 بشأن رعاية المريض النفسي، يفتح الباب للتلاعب؛ إذ يكفي أن يوقّع قريب من الدرجة الأولى على بلاغ بدعوى أن المريض “في حالة هياج” ليُسجل الدخول تحت بند “الطوارئ”، ومن ثم يُحتجز قسرًا، كما أن بعض الأدوية النفسية الموصوفة، مثل “الديباكين”، تُعطى بشكل روتيني ولها آثار جانبية خطيرة على المزاج والسلوك، ما يرسّخ الصورة الزائفة عن المريض.

يقول: “الأمر كله يُبنى على تقارير صورية، ومن الثغرات الأخطر تضارب المصالح؛ فالأطباء النفسيون العاملون في المجالس الإقليمية للصحة النفسية، وهي الجهة الرقابية، ينتقلون بعد التقاعد مباشرة للعمل في مصحات خاصة، وبالتالي تجعل علاقات الزمالة والمصالح المشتركة من الرقابة شكلية، هناك شبكة مغلقة تحمي نفسها، كون الطبيب الذي كان يحقق في مخالفات المراكز، تجده في اليوم التالي موظفًا لدى أحدها.”

القانون رقم 71 لسنة 2009، كما يرى المحامي، “ليس قانونًا لرعاية المرضى النفسيين بقدر ما هو قانون لحماية الطبيب؛ فلا توجد آلية لمحاسبة الأطباء على التجاوزات الجسيمة، ولا ضمانة حقيقية لحقوق المرضى، ومن يخرج من التجربة غالبًا ما يخرج منكسرًا، فاقدًا للثقة، وأحيانًا خاضعًا لسيطرة الطرف الذي تسبب في احتجازه”.

المعاناة التي عاشها كل من شادي ومحمد تكشف عن ثغرة قانونية ومأساة إنسانية، إذ يمكن أن يتحول الدخول الإلزامي إلى المصحات النفسية ومراكز علاج الإدمان إلى سلاح لتصفية الحسابات العائلية، ليصبح تقرير طبي مفتاحًا للحرمان من الحرية والميراث معًا، في ظل غياب رقابة فعالة، وتحت مظلة قانون يترك الأضعف بلا حماية.

ويؤكد عبد الكريم على أن المشكلة ليست في النصوص وحدها، بل في تطبيق القانون رقم 71 لسنة 2009 والفساد المؤسسي داخل المنظومة الصحية، إذ يغيب الوعي بحقوق المريض النفسي لدى جهات يفترض أنها معنية بالرقابة، كأعضاء النيابة، ما يترك المجال مفتوحًا لاستغلال القانون على حساب حقوق الأفراد وكرامتهم الإنسانية.

وتنص المادة (14) من القانون رقم 71 لسنة 2009، على أنه يجوز لطبيب متخصص في الطب النفسي بإحدى منشآت الصحة النفسية المنصوص عليها في هذا القانون، وفي الحالات المشار إليها في المادة السابقة، ووفقاً للأحكام المنصوص عليها فيها، أن يدخل مريضاً دون إرادته، على أن يقوم بإخطار جهة الشرطة خلال 24 ساعة، وذلك بناء على طلب كتابي يقدم إلى المنشأة من أي من الأشخاص الآتيين: أحد أقارب المريض حتى الدرجة الثانية، مسئول من الجهة الإدارية في المنطقة، أحد مأموري الضبط القضائي، مدير إحدى منشآت الصحة النفسية، أخصائي اجتماعي، طبيب غير متخصص في الطب النفسي، على أن يوضح في الطلب صلة الطالب بالمريض، وأن يبين أسباب طلب الإدخال، وأن يرفق بالطلب شهادة صادرة عن طبيب غير ذي صلة قرابة أو مصاهرة بالمريض أو مدير المنشأة حتى الدرجة الثانية، ويعرض الأمر على النيابة العامة خلال فترة لا تجاوز أربع وعشرين ساعة لاتخاذ ما يلزم.

 

نوصي للقراءة: زيادات حادة في رسوم العلاج النفسي تصل إلى 900%.. هل تتراجع مصر عن مجانية الصحة النفسية؟

تقارير لا يعترف بها القضاء 

من جهته يوضح الدكتور بدر عباس، استشاري المخ والأعصاب والطب النفسي وعلاج الإدمان، أن التقارير الصادرة عن أي مصحة نفسية، سواء كانت حكومية أم خاصة مرخصة وخاضعة لإشراف المجلس القومي للصحة النفسية، لا تعدو كونها مستندات تُقدَّم من قِبَل محامٍ أمام القضاء، وللقاضي أن يأخذ بها أو لا يأخذ بها؛ فإذا شك القاضي في الأهلية العقلية للمدعي أو المدعى عليه، فإنه يحيل القضية إلى إدارة الطب الشرعي بالمجلس القومي للصحة النفسية، الكائنة في العباسية؛ لتجرى فحصًا دقيقًا من قِبَل لجنة مكونة من ثلاثة إلى خمسة أطباء استشاريين في الطب النفسي، ومؤهلين في الطب النفسي الشرعي، وذلك لفترة تمتد إلى خمسة عشر يومًا، وهي فترة قابلة للتجديد لمدة مماثلة، وقد تصل إلى خمسة وأربعين يومًا أو أكثر، وللجنة أن تستمع إلى ذوي المريض وتُجري الفحوصات اللازمة حتى تصل إلى قرار أو تقرير نهائي يُرفع إلى إدارة الطب الشرعي.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “المحكمة تطلع على التقرير، والذي يعد بالنسبة للقاضي تقريرًا استشاريًا وليس ملزمًا؛ فالقرار النهائي أو الحكم النهائي يخضع لضمير القاضي، وهذا ينطبق حتى وإن كانت التقارير صادرة عن جهات حكومية، لأن المرجع النهائي ليس تقرير الطب الشرعي فحسب، بل ضمير القاضي، وأي حكم يصدر خلافًا لذلك، وإذا لم يأخذ القاضي برأي تقرير الطب الشرعي، فإن الحكم يكون واجب النقض في أول جلسة، والقانون لا يسمح للمصحة الخاصة بإصدار تقارير عن المريض نفسه طالما كان متمتعًا بأهليته العقلية، ولا يحق لأحد، سواء أسرته أم زوجته، الحصول عليها بحكم القانون، إلا في حال وجود قرار وصاية على من هو دون الثامنة عشرة من عمره، فيكون وليه هو المسؤول وفقًا للمادة 12 من القانون، أو في حال وجود قضية حَجْر، أو وجود وصاية على إدارة الأموال؛ فلو صدر بحق شخصٍ حكمٌ بالحَجْر، حتى لو بلغ من العمر واحدًا وستين أو سبعين عامًا، فإنه يحق له الحصول على تقرير طبي”.

ويوضح أن الدخول الإلزامي قد نصت عليه المادة 13 من قانون رعاية المريض النفسي، حيث يجوز للطبيب النفسي إدخال المريض قسرًا إذا كان يشكل خطرًا على نفسه أو على الآخرين، أو إذا كان وجوده خارج المنشأة ينذر بتدهور حاد ووشيك في حالته الصحية، ويتبع ذلك إجراء تكميلي، حيث يقوم طبيب مستقل، لا تربطه صلة قرابة بصاحب المنشأة أو المريض، خلال 48 ساعة بإجراء ما يسمى بالتقييم النفسي المستقل، مشيرًا إلى وجود بروتوكول كان يقضي بأن تستدعي الأسرة سيارة إسعاف لإحضار المريض بالتنسيق مع أقرب مستشفى نفسي، إلا أننا لم نشهد تطبيق هذا النظام لم يُفعّل، لتظل المسؤولية غالبًا على عاتق الأهل الذين ينقلون المريض بأنفسهم، وتوجد مستشفيات كبرى لديها سيارات خاصة مزودة بطاقم طبي وتمريضي وأفراد أمن، يتولون نقل المريض بشكل رسمي، ويُرسل خلال 24 ساعة إخطار إلى المجلس القومي للصحة النفسية، الذي يوفد طبيبًا مستقلاً خلال 48 إلى 72 ساعة لتقييم الحالة والموافقة على الإجراء أو رفضه.

ويلفت أن المستشفيات المرخصة تخضع للتفتيش من المجلس القومي، الذي يتأكد من سلامة النماذج والإجراءات، وأن أي مخالفة تعرض المستشفى للمساءلة، وفيما يتعلق بتقرير المجلس القومي وإدارة الطب الشرعي، فإن رأيه يظل استشاريًا وغير ملزم للقاضي، الذي يبقى ضميره هو الفيصل، وقد استُعِينَ بلجان مستقلة كما حدث في قضية مطرب شهير عام 2023، حين لم يأخذ القاضي بتقرير المجلس، وأحال القضية إلى لجنة جامعية أكدت إصابته باضطراب ذهاني، وأمرت بإيداعه قسم الطب الشرعي بالعباسية حتى يبرأ.

ويضيف: “نص القانون على أن سلطة إدخال المريض لا تملكها أسرته، بل يقتصر دورهم على عرض الأعراض على الطبيب النفسي المختص الذي يتخذ القرار، وفيما يخص قضايا احتجاز القصر، قد يُقدَّم دليل في دعوى الوصاية، كما أشارت إلى ذلك المادة 71 لسنة 2009، وبالتأكيد أي مستشفى للطب النفسي تُصدر تقريرًا هي منشأة مرخصة، أما في حال كانت المستشفى غير مرخصة، فإنها لن تُصدر تقريرًا من الأساس، لأنها بذلك تكون مخالفة للقانون وتعرّض نفسها للمساءلة”.

ويختتم استشاري الطب النفسي تصريحاته لنا، بالتأكيد على ضرورة دراسة كل حالة بشكل منفرد، محذرًا من التعميم، إذ قد يبدو المريض طبيعيًا في تعامله بينما تسيطر عليه أفكار ضلالية خطرة، كما يشدد على أهمية الاطلاع على القانون 71 ولائحته التنفيذية، خاصة ما يتعلق بحقوق المريض النفسي وإجراءات الدخول، لفهم أبعاد القضية بشكل أعمق.

وتنص المادة 13 من القانون رقم 71 لسنة 2009، على أنه لا يجوز إدخال مريض نفسي إلزاميًا في إحدى منشآت الصحة النفسية إلا بعد تقييم طبي نفسي جديد من طبيب مختلف عن الأول، بشرط وجود مرض نفسي شديد يتطلب ذلك في حالتين: احتمال تدهور حالة المريض الوشيك أو وجود تهديد جسيم ووشيك لسلامته أو سلامة الآخرين، يجب إبلاغ لجنة المتابعة والتقييم، ومدير المنشأة، والنيابة العامة خلال 24 و 48 ساعة على التوالي، مع إعداد تقرير بالحالة.

وتتضمن شروط الإدخال الإلزامي، إجراء تقييم طبي نفسي جديد مستقل عن التقييم الأول الذي أدى إلى قرار الإدخال، وهناك حالتان مرضيتان حددتهما المادة في حالة الدخول الإلزامي، وهي وجود علامات واضحة على مرض نفسي شديد يهدد بتدهور وشيك في الحالة الصحية أو النفسية للمريض، أو ظهور أعراض للمرض تمثل تهديدًا جسيمًا ووشيكًا لسلامة أو صحة أو حياة المريض نفسه أو حياة الآخرين، ويجب أن يكون المريض رافضًا للدخول إلى المنشأة العلاجية، كما يجب إبلاغ لجنة المتابعة والتقييم ومدير المنشأة الصحية خلال 24 ساعة من دخوله، إعداد تقرير يتضمن تقييمًا أوليًا لحالة المريض، على أن يتم عرض الأمر على النيابة العامة خلال 48 ساعة لاتخاذ ما يلزم.

 

نوصي للقراءة: انهيار علاج الإدمان في مصر: أزمة الميثادون تكشف خلل وحدات خفض الضرر

ضعف الرقابة على المراكز الخاصة 

يتم دخول المرضى النفسيين إلى منشآت الصحة النفسية وعلاج الإدمان، عبر واحدة من ثلاث طرق رئيسية: الدخول الاختياري، والدخول الإلزامي، والدخول بحكم القانون، ويخضع كل منها لشروط واضحة نص عليها قانون رعاية المريض النفسي رقم 71 لسنة 2009؛ فالاختياري يكون بإرادة المريض نفسه، أما الإلزامي فلا يجوز إلا إذا شكّل الشخص خطرًا وشيكًا على المجتمع أو على نفسه، كوجود ميول انتحارية أو عدوانية، على أن يتم ذلك وفق تقرير طبي معتمد من جهة حكومية رسمية، وليس بناءً على رغبة الأهل وحدها، بحسب الدكتور أيمن عطية، المستشار القانوني الطبي المتخصص في أخلاقيات المهنة.

ويؤكد عطية أن القانون لم يترك تعريف المريض النفسي على إطلاقه، بل فرّق بين الحالات المرضية المختلفة؛ فهناك المريض العدواني الذي قد يشكل تهديدًا للآخرين، وهناك من يكون خطرًا على نفسه فقط، مثل محاولات الانتحار نتيجة الاكتئاب، وهناك أمراض نفسية أخرى لا تشكل أي خطر مباشر، لافتًا أن نسبة كبيرة من الناس، تتراوح بين 60% و70%، قد تعاني بدرجات متفاوتة من اضطرابات نفسية، لكن ذلك لا يعني وصف الجميع بأنهم مرضى أو معتَلّون نفسيًا.

يقول  لـ”زاوية ثالثة”: “أي شخص يُدّعى مرضه النفسي بشكل كيدي يمكنه التوجه إلى مستشفى حكومي متخصص، مثل العباسية، والحصول على تقرير رسمي يثبت سلامته العقلية والنفسية، بل يمكنه أحيانًا اللجوء إلى طرق غير مباشرة، كطلب شهادة طبية تفيد بلياقته للعمل في وظيفة معينة، وهو ما يعدّ بمثابة إثبات على سلامته، هذا المسار القانوني يُعد الضمانة الأساسية لمواجهة تقارير غير دقيقة أو مضللة تصدر عن بعض المصحات الخاصة، والتي بالمناسبة لا يعتد بها القضاء”.

ويُبيّن عطية أن قيام أي من المراكز أو المصحات الخاصة غير المرخصة بإصدار تقارير تفيد بمرض أشخاص أصحاء، يشكل انتهاكًا صريحًا للقانون، مشيرًا إلى أن قطاع الصحة النفسية في مصر من أخطر المجالات وأكثرها حساسية، نظرًا لإمكانية استغلاله في قضايا جنائية عبر ادعاء الجنون للإفلات من العقوبة.

ويضيف: “الرقابة على هذه المراكز ضعيفة، فلا تتم مساءلة إدارتها إلا إذا تقدم أحد بشكوى رسمية، تتدخل على إثرها جهات مثل النيابة العامة أو المجلس القومي للصحة النفسية، كما أن وزارة الداخلية والصحة تضبط بشكل متكرر مصحات ومراكز غير مرخصة، مشيرًا إلى إغلاق 17 مركزًا في الإسكندرية مؤخرًا و13 آخر في الجيزة. 

ويؤكد الخبير على أن القانون المصري شدد على حقوق المريض النفسي، ومنها سرية بياناته، وحقه في الاطلاع على تقاريره، وعدم جواز احتجازه أو علاجه دون مبرر طبي واضح ومستند رسمي، كما نص على عقوبات تصل إلى السجن والغرامة في حال مخالفة هذه الضوابط.

تنص المادة (24) من قانون رعاية المريض النفسي رقم 71 لسنة 2009، على أنه في حالة صدور قرار من النيابة العامة أو حكم قضائي بإيداع أحد المتهمين بإحدى منشآت الصحة النفسية للنقص في المجلس الإقليمي للصحة النفسية لجنة ثلاثية من الأطباء النفسيين لتقدير حالة المودع النفسية ومدى خطورته، وذلك خلال أسبوع من صدور القرار أو الحكم، ويجب إبلاغ الجهة القضائية بقرارها عن حالة المودع خلال أسبوع من تاريخ صدور القرار، وذلك خلال المدة التي يحددها قرار الجهة القضائية، وله أن يطلب مهلة إضافية إذا اقتضى الأمر،على أن يشمل التقرير بيان ما إذا كان المتهم مصاباً بمرض نفسي وقت ارتكاب الجريمة من حيث مدى توافر الإدراك أو الاختيار، حالته النفسية وقت إجراء الفحص، الخطة العلاجية المقترحة.

 محمود فؤاد، رئيس جمعية الحق في الدواء وعضو مجلس الإدارة السابق بمستشفى الخانكة للصحة النفسية، أوضح أن كبرى مستشفيات الصحة النفسية وعلاج الإدمان، الحكومية التابعة للأمانة العامة للصحة النفسية مثل: الخانكة والعباسية، تضم قسمًا خاصًا بالمحكوم عليهم جنائيًا، يُعرف بـ”دائرة المودَعين”، يضم نحو مئة مريض أو أكثر صدرت بحقهم أحكام قضائية، ويوضعون تحت الملاحظة لفترات قد تمتد من عام إلى عامين. وتخضع حالاتهم لمراجعة دورية من لجان مشتركة تضم وزارتي العدل والصحة والمجلس العام للصحة النفسية، لتقييم استجابتهم للعلاج أو ثبوت إصابتهم بأمراض مزمنة ميؤوس منها. وأكد أن هذا القسم يخضع لحراسة مشددة من وزارة الداخلية، ولا يسمح بالدخول إليه إلا بتصريح أمني، حتى مدير المستشفى لا يتمكن من دخوله دون إذن الضابط المسؤول.

ويضيف فؤاد، في حديثه لـ “زاوية ثالثة” أن هناك قسمًا آخر مخصصًا للمحكوم عليهم، يقع في أبعد جزء من المستشفى وتخضع ولايته بالكامل لوزارتي العدل والداخلية، بينما تقتصر علاقة وزارة الصحة على الفحص الطبي الدوري كل ثلاثة أو ستة أشهر، موضحًا أن اعتقاد البعض بأن حكم القاضي بإيداع المتهم مستشفى الأمراض العقلية يعني خروجه بعد العلاج هو أمر غير صحيح، إذ يظل المحكوم عليه يقضي مدة عقوبته كاملة داخل المستشفى إذا لزم الأمر، حتى لو تحسنت حالته، حيث تتم إعادته إلى السجن لاستكمال المدة المتبقية.

يقول: “المشكلة الحقيقية تظهر في النزاعات العائلية الكيدية، إذ قد تسعى بعض الأسر إلى استغلال ثغرات القانون لإبعاد أحد أفرادها عن الميراث أو التهرب من المسؤولية الجنائية عبر إدخاله إلى مصحة نفسية والتلاعب بالتقارير الطبية، هذا يحدث غالبًا في قضايا كبرى تخص عائلات ذات نفوذ اجتماعي، حيث يتم استخدام النفوذ والفساد للتأثير على مسار القضايا”.

ويضيف: “القضاء لا يعتد إطلاقًا بالتقارير الصادرة عن المستشفيات الخاصة، حتى في الحالات الطبية العادية، إذ يفضل القضاة إحالة المريض إلى مستشفى جامعي رسمي لضمان حيادية التقرير ومساءلة القائمين عليه حال التلاعب”.

وفيما يتعلق بالمصحات الخاصة، يشير فؤاد إلى أن هذه المؤسسات تعاني من مشكلات كبيرة لغياب بروتوكولات علاجية واضحة، خصوصًا في مجال علاج الإدمان، موضحًا أن كثيرًا منها يعمل بتراخيص شكلية عبر استئجار أسماء أطباء مقابل مبالغ مالية شهرية، بينما يتولى العاملون إدارة المركز بطرق غير مهنية، تصل أحيانًا إلى التقييد في الأسرة، وإعطاء المرضى أدوية منومة أو مهدئات بجرعات عالية لإبقائهم تحت السيطرة، ما يسبب أضرارًا جسدية ونفسية جسيمة.

ويؤكد أن بعض هذه المصحات لا تلتزم بإجراءات الدخول الإلزامي المنصوص عليها في القانون، والتي تقتضي تحرير محضر شرطة يثبت أن المريض يشكل خطرًا على نفسه أو على المجتمع، قبل إدخاله المستشفى. واعتبر أن أي إدخال يتم دون هذه الخطوة يفتقد للشرعية ويعكس ثغرات في الرقابة على القطاع الخاص، لافتًا إلى أن المجتمع يفاقم المشكلة عبر الوصم الاجتماعي المرتبط بالمرض النفسي، ما يضاعف عزلة المرضى وحرمانهم من حقوقهم الطبيعية.

 

نوصي للقراءة: أزمة الميثادون: ما سر ظهور الكيتامين في دماء مرضى خفض الضرر؟

تجاوز القانون انتهاك لحقوق الإنسان 

 يجب أن يتم الإدخال الإلزامي إلى المصحات النفسية وفقًا لقانون رعاية المريض النفسي، إذ أن أي تجاوز لهذه القواعد يُعد انتهاكًا صريحًا لحقوق الإنسان، كون القانون هو المرجعية الوحيدة في مثل هذه الحالات، ويفتح غياب تطبيقه السليم، الباب أمام ممارسات غير قانونية تمس كرامة المرضى وحقوقهم الأساسية، بحسب ما يؤكد الدكتور علاء غنام، رئيس وحدة الحق في الصحة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية.

ويوضح لـ”زاوية ثالثة”، أن التقارير الطبية الصادرة عن الأطباء هي الأساس الذي يُبنى عليه تقييم الحالة النفسية، إذ لا يوجد ما يسمى بـ “إثبات” أو “عدم إثبات” سلامة الشخص من الناحية النفسية بشكل مطلق، باعتبار أن الاضطرابات النفسية قد يمر بها أي إنسان في فترات مختلفة ثم يتعافى منها، وبالتالي، فإن التقرير الطبي المعتمد هو المرجع الفعلي أمام الجهات القضائية.

ويشير غنام إلى أن جوهر المشكلة يكمن في غياب الجودة والرقابة الصارمة على المصحات والمراكز النفسية، إذ أن التزام هذه المنشآت بالمعايير المهنية ورقابة الجهة المسؤولة عن اعتمادها كفيل بضمان أن إجراءات الاحتجاز تتم في إطار القانون وليس خارجه.

ويتفق معه الدكتور أيمن سبع، الباحث في قضايا الحق في الصحة، في أن أي دخول للمريض النفسي أو مريض الإدمان، سواء كان طوعيًا أو إلزاميًا، إلى أي منشأة للصحة النفسية—سواء كانت حكومية أو خاصة أو مركزًا لعلاج الإدمان—يجب أن يتم وفقًا لأحكام قانون رعاية المريض النفسي رقم 71 لسنة 2009 وتعديلاته بموجب القانون رقم 210 لسنة 2020. 

ويؤكد لـ”زاوية ثالثة”، أن أي تجاوز أو انتهاك لحقوق المريض بالمخالفة للقانون ولائحته التنفيذية، يتيح للمتضرر التقدم بشكوى إلى المجلس القومي للصحة النفسية، وهو جهة حكومية أُنشئت بموجب القرار رقم 104 لسنة 2010 لتطبيق القانون ومتابعة تنفيذه.

وأوضح أن المجلس يحقق في الشكاوى المقدمة، وإذا ثبتت صحتها يتخذ إجراءات فورية ضد المنشأة المخالفة، قد تصل إلى إغلاق المصحة أو مركز علاج الإدمان. وأضاف أنه في حال كانت المنشأة غير مرخصة وأقدمت على إدخال المريض أو المتضرر بشكل إلزامي، فإن الطريق القانوني المتاح أمامه هو التوجه إلى النيابة العامة ورفع دعوى قضائية لمحاسبة القائمين على هذا الانتهاك.

وتُظهر قصتا شادي ومحمد، ومعهما عشرات الحالات المشابهة، كيف تحوّل القانون رقم 71 لسنة 2009 من مظلة يُفترض أن تحمي المريض النفسي وتكفل له حقوقه، إلى ثغرة يُستغلّ من خلالها في تصفية حسابات أسرية أو مالية، في ظل ضعف الرقابة على المراكز الخاصة وتضارب المصالح داخل المنظومة، وبينما يرى خبراء أن القانون بحاجة إلى مراجعة دقيقة وتفعيل صارم لآلياته الرقابية، تبقى الحكايات الإنسانية شاهدة على معاناة أشخاص جُرّدوا من حريتهم وحقوقهم الأساسية تحت لافتة “العلاج”.

آية ياسر
صحافية وكاتبة وروائية مصرية حاصلة على بكالوريوس الإعلام- جامعة القاهرة.

Search