أثرت الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر، بشكل مباشر على سلاسل الإمدادات العالمية، وبشكل خاص على الدول التي تعتمد بنسبة كبيرة على الاستيراد لسد اجتياجتها اليومية مثل مصر. إذ ارتفعت أسعار المنتجات الغذائية، خلال الشهر الماضي، متأثرة بارتفاع أسعار الوقود وسعر صرف الدولار، الذي تجاوز 54 جنيه، وتكاليف الشحن والتأمين، إثر اضطرابات حركة الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز.
تشكل المنتجات الزراعية والغذائية حوالي 24% من إجمالي واردات مصر، أبرزها القمح والذرة وفول الصويا، والزيوت النباتية، واللحوم، ومنتجات الألبان، والمكسرات، فيما تعد المصادر الرئيسية لواردات مصر الغذائية؛ روسيا، أوكرانيا، الولايات المتحدة، فرنسا، إندونيسيا.
خلال الربع الأول من العام الجاري، شهدت واردات القمح قفزة ملحوظة لتصل إلى نحو 3.8 مليون طن، مقارنة بإجمالي واردات بلغ 12.3 مليون طن خلال عام 2025. وفي السياق ذاته، سجلت واردات مصر من فول الصويا الأمريكي نحو 2.35 مليون طن
في المقابل، تراجعت واردات الذرة الصفراء بنحو 28% لتسجل قرابة 1.48 مليون طن، مقارنة بنحو 2.04 مليون طن العام الماضي.
ومن جانبها أعلنت الحكومة المصرية، توافر مخزون استراتيجي من جميع السلع الغذائية الأساسية لفترات تتجاوز 6 أشهر، فيما أفادت غرفة صناعة الحبوب التابعة لاتحاد الصناعات، بأن المخزون الاستراتيجي من القمح يكفى لمدة 4 أشهر، بإجمالى نحو 4 ملايين و500 ألف طن.
بالرغم من ذلك، حرّكت وزارة التموين والتجارة الداخلية، أسعار عدد السلع التموينية، بدءًا من شهر أبريل الجاري، إذ ارتفع سعر المكرونة وزن 400 جرام إلى 9 جنيهات بدلًا من 8 ونصف، وسعر كيلو الأرز إلى 25 جنيهًا بدلًا من 24 جنيهًا، وارتفع سعر الزيت 800 ملي إلى 60 جنيه بدلًا من 54 للزجاجة، وزيت الخليط الـ 700 ملي إلى 54 جنيهًا بدلًا من 48 جنيه.
نوصي للقراءة: 332 مليون دولار جديدة للقطار الخفيف: لماذا تستدين مصر رغم تحذيرات السيسي؟

كيف تأثرت مصر؟
يوضح نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية والأراضي بكلية الزراعة جامعة القاهرة، والخبير بالجمعية العمومية لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو) أن الأسواق العالمية تواجه أزمة طاقة تنعكس بشكل مباشر على أسعار الغذاء، بسبب ارتفاع تكاليف النقل والشحن، مبينًا أن تأثير الحرب الأساسي على السوق المصرية يرتبط بتداعياتها على سعر صرف الدولار مقابل الجنيه، والذي ارتفع من 47 جنيهًا إلى أكثر من 54 جنيهًا.
ويلفت “نور الدين” إلى اعتماد مصر على الاستيراد لتغطية نحو 65% من احتياجاتها من السلع الاستراتيجية، إذ تستورد سنويًا قرابة 12.5 مليون طن من القمح، و12 مليون طن من الذرة الصفراء، و 4 ملايين طن من فول الصويا، إلى جانب كميات من السكر والبقوليات و 50% من احتياجاتها من اللحوم والزبدة، ما يجعل أي تغير في سعر الدولار ينعكس فورًا على الأسعار المحلية.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “ارتفاع أسعار المحروقات محليًا يمثل عاملًا مضاعفًا للتضخم، باعتبارها سلعة جرّارة تؤدي إلى زيادة تكاليف النقل والتخزين والتشغيل، وهو ما يرفع أسعار جميع السلع، بدءًا من نقل المحاصيل الزراعية وصولًا إلى تكاليف تشغيل المحال التجارية”.
ويضيف أن “الأسمدة تعد من أكثر القطاعات تأثرًا بأزمة الطاقة، نظرًا لاعتمادها الكثيف على الغاز الطبيعي والكهرباء، ونقص إمدادات الغاز عالميًا، خاصة من قطر وروسيا، أدى إلى تراجع إنتاج مصانع الأسمدة في أوروبا، وارتفاع أسعارها عالميًا بنسبة تتراوح بين 30% و50%”.
وكانت الحكومة المصرية، قد أقرت زيادة جديدة في أسعار الأسمدة المدعمة بدءًا من 1 أبريل الجاري، لتصل شيكارة اليوريا والنترات إلى 290 جنيه، والسلفات إلى 285 جنيه، فيما قفز سعر طن اليوريا إلى مستويات تتراوح بين 21 و27 ألف جنيه في السوق الحرة.
بالتزامن شهدت أسعار الأعلاف في مصر قفزة سعرية خلال شهري مارس وأبريل الجاري، إذ زاد سعر الطن بقيمة تتراوح بين 2000 إلى 2500 جنيه، وفي مطلع أبريل 2026 تراوح سعر الطن من علف الدواجن بين 17,100 و 24,500 جنيه حسب الجودة والشركة، وسجل علف المواشي والأغنام ما بين 16,000 و 21,600 جنيه للطن، بينما ارتفع طن كسب الصويا ليقترب من 30,000 جنيه، والذرة الصفراء إلى نحو 15,500 جنيه.
ويوضح ” نور الدين” أن ارتفاع أسعار الأعلاف يرتبط مباشرة بزيادة سعر الدولار، نظرًا لاعتماد مصر على استيراد الذرة الصفراء وفول الصويا، وهما المكونان الأساسيان للعلف، مشيرًا إلى أن الأعلاف تمثل ما بين 65% إلى 75% من تكلفة إنتاج اللحوم والدواجن والأسماك.
بدوره يؤكد الدكتور محمد فتحي سالم، أستاذ الزراعة الحيوية بجامعة مدينة السادات، أن أي اضطراب في سلاسل الإمداد العالمية، خاصة عبر مضيق هرمز والبحر الأحمر، ينعكس فورًا على تكلفة وتوافر عدد من السلع الاستراتيجية، وعلى رأسها القمح والزيوت النباتية والذرة الصفراء وفول الصويا.
ويشير إلى أن ارتفاع أسعار النفط نتيجة التوترات أدى إلى زيادة تكاليف الشحن والتأمين، ما يضاعف من الأعباء على الدول المستوردة مثل مصر، ويؤدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء عالميًا، ومن ثم محليًا.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “تراجع إمدادات الغاز يؤثر على تشغيل مصانع الأسمدة، وهو ما يرفع تكلفة الإنتاج الزراعي، ويؤدي في النهاية إلى زيادة أسعار المحاصيل الغذائية، ويمثل ارتفاع سعر صرف الدولار عاملًا حاسمًا في تفاقم الأزمة”
ويوضح “سالم” أن قطاع الثروة الداجنة يُعد من أكثر القطاعات هشاشة، نظرًا لاعتماده شبه الكامل على الأعلاف المستوردة، فيما تستهلك البلاد نحو 1.4 مليار دجاجة سنويًا، تعتمد أعلافها بشكل أساسي على واردات الذرة والصويا.
ويضيف: “نقص أو ارتفاع تكلفة الأعلاف قد يؤدي إلى تراجع إنتاج البروتين الحيواني، سواء في الدواجن أو اللحوم، خاصة مع استيراد جزء من احتياجات اللحوم من الخارج، ما يفاقم الفجوة الغذائية في ظل النمو السكاني”.
ويلفت إلى أن المخزون الاستراتيجي من خامات الأعلاف يظل محدودًا نسبيًا، وقد يغطي ما بين 3 إلى 4 أشهر فقط، محذرًا من أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى صعوبات في توفير هذه الخامات أو ارتفاع أسعارها بشكل كبير، داعيًا إلى تقليص الفجوة الغذائية من خلال إدارة رشيدة للموارد، وتنويع مصادر الاستيراد، وتعزيز الإنتاج المحلي.
نوصي للقراءة: مترو وقطار وبنزين.. المصريون يدفعون فاتورة ثلاث زيادات في شهر

هل تستمر الأسعار بالارتفاع؟
يعزي حازم المنوفي، عضو شعبة المواد الغذائية، ارتفاع أسعار عدد من السلع الغذائية وفي مقدمتها زيوت الطعام والسمن، إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار الخامات عالميًا، وتغير مسارات النقل وإطالة زمن الوصول، إلى جانب تحركات سعر الصرف، لافتًا إلى أن بعض التقديرات تشير إلى ارتفاع تكلفة طن الزيوت الخام عالميًا بنحو 25%، وهذه الزيادات مرشحة للاستمرار، طالما استمرت التوترات الجيوسياسية وأسعار الشحن على المدى المتوسط.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “السلع الأكثر تأثرًا باضطراب سلاسل الإمداد هي المعتمدة بشكل كبير على الاستيراد والنقل البحري طويل المدى، وفي مقدمتها الزيوت النباتية الخام مثل الصويا وعباد الشمس والذرة، إلى جانب الحبوب خاصة القمح والذرة الصفراء، ومدخلات الأعلاف، وكذلك السكر الخام والزيوت المستخدمة في الصناعات الغذائية، لاعتمادها على سلاسل توريد دولية كثيفة الشحن البحري”.
ويضيف: “المستوردين اضطروا بالفعل إلى تغيير مسارات الشحن ومصادر التوريد، حيث اتجهت العديد من شركات الشحن إلى طريق رأس الرجاء الصالح بدلًا من قناة السويس لتجنب مناطق التوتر، كما جرى إعادة توزيع مصادر الاستيراد لتقليل المخاطر الجغرافية، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف التأمين البحري نتيجة تصنيف بعض المناطق عالية المخاطر، وهو ما يضيف أعباءً مالية جديدة”.
ويوضح أن سعر الصرف يمثل عاملًا رئيسيًا في زيادة أسعار السلع الغذائية، باعتبار أن معظمها يتم استيراده بالدولار، في ظل اعتماد مصر على استيراد عدد من السلع الاستراتيجية، وعلى رأسها الزيوت الخام، مشيرًا إلى أن الاضطرابات في البحر الأحمر ومضيق هرمز أدت إلى إطالة زمن الرحلات البحرية بنحو 45%، وزيادة المسافات بحوالي 40% نتيجة تحويل السفن إلى مسارات بديلة، ما انعكس بشكل مباشر على تكاليف النقل ومدد التوريد.
ويشير إلى أن ارتفاع أسعار الأعلاف بنحو 3 آلاف جنيه للطن سينعكس تدريجيًا على أسعار الدواجن والبيض، وكذلك اللحوم الحمراء بشكل غير مباشر، نظرًا لأن الأعلاف تمثل ما بين 60% و70% من تكلفة الإنتاج الداجني، متوقعًا زيادات تدريجية في الأسعار، ومُحذرًا من أن استمرار الحرب لفترات طويلة، سيؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم الغذائي، والضغط على سلاسل الإمداد العالمية للحبوب والزيوت، وارتفاع أسعار البروتين الحيواني.
ويؤكد “المنوفي” أن المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية آمن ويكفي لعدة أشهر، مع عدم وجود نقص فعلي في الأسواق، واستمرار ضخ السلع عبر المنافذ المختلفة، وتنويع مصادر الاستيراد لتشمل مناطق مثل البحر الأسود وأوروبا وآسيا، إلى جانب التعاقد المبكر على الشحنات وتعزيز المخزون الاستراتيجي، غير أن التحدي الحالي يتعلق بالضغوط السعرية وليس بتوافر السلع.
وخلال مارس الماضي، استقبلت السوق المصرية نحو 2626 رسالة غذائية واردة، بلغت حوالي 682 ألف طن، قامت باستيرادها 1010 شركات، وشملت القمح، والزيوت المتنوعة، وفول الصويا، والعدس، بحسب الهيئة القومية لسلامة الغذاء.
بدوره يؤكد هشام الدجوي، رئيس شعبة المواد الغذائية بالغرفة التجارية بالجيزة، أن التوترات الإقليمية والحرب الحالية ألقت بظلالها على سلاسل إمداد الغذاء عالميًا، إلا أن الوضع في مصر لا يزال مستقرًا نسبيًا، نظرًا لوجود مخزون استراتيجي من السلع الأساسية، والتوسع في إنشاء الصوامع وزيادة الإنتاج المحلي وتحسين البنية التحتية الزراعية، وهو ما وفّر حالة من الأمان النسبي في السوق المحلي، مقارنة بما تشهده بعض الأسواق العالمية.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “الزيوت أبرز السلع التي تأثرت بالاضطرابات الأخيرة، حيث شهدت تحركات سعرية ملحوظة، نتيجة الاعتماد الكبير على استيرادها من الخارج، وهو ما يجعلها أكثر حساسية لتقلبات الأسواق العالمية وتكاليف الشحن وسعر الصرف، لكن أسعار السكر والأرز والبقوليات، لم تشهد زيادات ملحوظة منذ بداية الأزمة، وأي تحركات سعرية كانت محدودة للغاية لا تؤثر على المستهلك بشكل كبير.”
ويشدد على توافر المخزون الاستراتيجي، من السلع التموينية، إذ أن مخزون السكر يكفي لفترة تصل إلى عام كامل، إلى جانب توافر احتياطيات من القمح مع اقتراب دخول الموسم المحلي الجديد، مشيرًا إلى أن أي زيادات في تكلفة الأعلاف لم تنعكس بعد بشكل ملموس على الأسعار النهائية.
ويرى الدجوي أنه يصعب إصدار تقديرات مستقبلية دقيقة في ظل استمرار حالة عدم اليقين، مؤكدًا أن أن المؤشرات الحالية تعكس استقرارًا نسبيًا في قطاع الغذاء داخل مصر، وأن أي تغيرات محتملة ستظل مرتبطة بمدى استمرار الأزمة وتطوراتها.

ما السيناريوهات المتوقعة لأزمة الغذاء؟
لا يستبعد الباحث في الأمن الإقليمي، أحمد سلطان، زيادة حجم تأثيرات الحرب الإقليمية على المدى المتوسط، خاصة في ظل الضغوط المتزايدة على سلاسل إمدادات الطاقة والغذاء، والتي أثرت على مدخلات الإنتاج الزراعي بمصر، مثل الأسمدة والأعلاف، لارتباطها الوثيق بأسواق الطاقة العالمية، إضافة إلى التخارج الحكومي من بعض الأصول الصناعية المرتبطة بصناعات الأسمدة.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “استمرار الحرب لفترة طويلة قد يفرض إجراءات تقشفية أكثر صرامة، في ظل انكشاف الاقتصاد المصري أمام الصدمات الخارجية، وغياب الاستعداد المسبق للأزمات، وعدم وضع سيناريوهات وخطط بديلة قبل وقوعها”، محذرًا من أن استمرار الحرب لفترة أطول قد يؤدي إلى أزمة ذات طابع استراتيجي أوسع، تتطلب تدخلات عاجلة ودعمًا ماليًا خارجيًا.
ويرى أن مصر تواجه ضغوط حقيقية على منظومة الطاقة، التي تمثل بدورها مدخلًا رئيسيًا لكافة القطاعات الاقتصادية، والذي سينعكس على تكاليف الإنتاج والنقل، وبالتالي على أسعار السلع بما في ذلك الغذاء، مشيرًا إلى أن تأثيرات الحرب الإقليمية تشمل المنطقة بأكملها، خاصة مع الأهمية الإستراتيجية لمضيق هرمز كممر رئيسي للطاقة وسلاسل الإمدادات.
كذلك يوضح الخبير الاقتصادي، الدكتور أحمد شوقي، أن الاضطراب المستمر في سعر خام برنت، الذي تجاوز في بعض الفترات 100 دولار للبرميل مقارنة بنحو 75 دولارًا في الموازنة، يؤدي بشكل مباشر إلى زيادة تكلفة المحروقات، وهو ما ينعكس بدوره على تكاليف النقل والتشغيل والإنتاج والخدمات اللوجستية، وبالتالي زيادة تكلفة السلع الغذائية ومدخلات الإنتاج.
ويؤكد لـ”زاوية ثالثة” أن سعر الصرف يمثل أحد العوامل الرئيسية المؤثرة على تكلفة الواردات، حيث ارتفع الدولار إلى مستويات تتجاوز 54 جنيهًا، بزيادة تقارب 15%، بفعل التوترات الجيوسياسية، واتجاه المستثمرين نحو الدولار باعتباره ملاذًا آمنًا، إلى جانب خروج استثمارات أجنبية قصيرة الأجل، مضيفًا أن: “العاملين الحاسمين في تحديد اتجاه الأسعار خلال الفترة المقبلة هما سعر النفط وسعر الدولار، استمرار في ارتفاعهما سيؤدي إلى ضغوط إضافية على الأسعار”.
وفيما يتعلق بالأمن الغذائي في مصر، يرى شوقي أن الوضع لا يزال مستقرًا نسبيًا، في ظل توافر احتياطي استراتيجي من السلع الأساسية يكفي لنحو 6 أشهر، بينما يمتد في بعض السلع مثل السكر إلى نحو عام كامل، مشيرًا إلى أن احتياطي النقد الأجنبي، الذي يتجاوز 50 مليار دولار، يوفر قدرة على تمويل استيراد السلع الأساسية، بما يدعم استقرار الإمدادات على المدى القصير، مشيرًا لتعدد المنافذ البحرية لمصر عبر البحرين الأحمر والمتوسط، وإمكانية إعادة توجيه الشحنات عبر مسارات بديلة، بجانب تنوع الشركاء التجاريين لمصر الذي يمنح مرونة في التعامل مع الأزمات.
نوصي للقراءة: رفع أسعار الوقود للمرة الـ21 منذ 2019.. الحرب ذريعة والمصريون يدفعون الفاتورة

وما البدائل أمام الحكومة؟
قطاع مستلزمات الإنتاج الزراعي، وعلى رأسه الأسمدة الأزوتية، من أكثر القطاعات في مصر تأثرًا بالحرب الإقليمية، متأثرةً بارتفاع أسعار بجانب زيادة تكاليف الإنتاج والنقل، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعارها في السوق المحلي، بحسب الدكتور طارق أبو موسى، أستاذ الاقتصاد الزراعي بمركز البحوث الزراعية.
ويبلغ حجم الإنتاج السنوي لقطاع الأسمدة في مصر حوالي 17.9 مليون طن، تتوزع بين 6.7 طن من اليوريا، و7.8 مليون طن من الأسمدة النيتروجينية، وتوجه نحو 60% من إنتاجها من الأسمدة للتصدير، وتضخ ما بين 30% و40% للسوق المحلي، وبلغت قيمة صادرات الأسمدة المصرية بلغت نحو 1.359 مليار دولار خلال النصف الأول من العام الماضي.
ومع اندلاع الحرب الإقليمية ارتفعت أسعار الأسمدة بنسبة 10% إلى 15%، وبدءًا من مطلع أبريل الجاري بلغ سعر سماد اليوريا 290 جنيهًا للشيكارة، وسعر شيكارة سماد النترات 285 جنيهًا، وارتفع سماد السلفات إلى 290 جنيهًا، للشيكارة، وسط توقعات ببلوغ نسبة الارتفاع 50% حال استمرار التصعيد لوقتٍ أطول.
ويدعو “أبو موسى” إلى وقف تصدير الأسمدة الأزوتية والفوسفاتية مؤقتًا، لضمان توافرها محليًا ودعم الإنتاج الزراعي، خاصة في ظل اعتماد مصر على الاستيراد لتغطية نسب كبيرة من احتياجاتها الغذائية، حيث تستورد نحو 45% من القمح، و75% من الفول، و80% من العدس، و90% من الزيوت النباتية.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “التصعيد العسكري والتوترات المتزايدة في منطقة الشرق الأوسط تُلقي بظلالها بشكل مباشر وغير مباشر على سلاسل إمدادات الغذاء عالميًا، وهو ما بدأ ينعكس بالفعل على وفرة وأسعار السلع، لا سيما الغذائية، والعالم قد يكون بصدد أزمة غذائية ممتدة”.
ويشرح أستاذ الاقتصاد الزراعي أن الأزمة تمتد إلى قطاع الأعلاف، إذ تعتمد مصر بشكل كبير على استيراد مكوناتها الأساسية، حيث تستهلك أكثر من 11 مليون طن من الذرة الصفراء، يُستورد نحو 80% منها، إلى جانب استيراد نحو 90% من احتياجاتها من فول الصويا، وهما المكونان الرئيسيان للأعلاف، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار اللحوم والدواجن والأسماك، خاصة أن نحو 75% من إنتاج مصر السمكي يعتمد على الاستزراع السمكي القائم على الأعلاف، مقابل 25% فقط من الإنتاج الطبيعي من البحار والبحيرات.
ويطالب الحكومة بتفعيل منظومة الزراعة التعاقدية، وتشجيع المزارعين على زراعة الذرة الصفراء وفول الصويا من خلال تحديد أسعار توريد مجزية، إلى جانب إنشاء مجففات للذرة استعدادًا للموسم الصيفي، مشددًا على أهمية رفع أسعار توريد القمح المحلي لتحفيز المزارعين قبل بدء موسم الحصاد في أبريل.
وكانت الحكومة أعلنت، مطلع أبريل الجاري رفع سعر شراء القمح من المزارعين بنسبة 10% ليصل إلى 2200 جنيه للأردب أي نحو 45.49 دولار، وذلك للمرة الثانية خلال الموسم الزراعي الحالي؛ في محاولة لخفض فاتورة الاستيراد وتأمين مخزون البلاد في ظل تصاعد التصعيد العسكري بالشرق الأوسط.
ومن جانبه، يعتبر الدكتور أحمد فتحي نعيم، استشاري الثروة الحيوانية والداجنة، أن قطاع الإنتاج الحيواني والداجني في مصر يُعد من أكثر القطاعات تأثرًا بالمتغيرات العالمية، نظرًا لاعتماده الكبير على الأعلاف المستوردة، موضحًا أن تكلفة التغذية تمثل ما بين 65% و80% من إجمالي تكلفة الإنتاج.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “اضطرابات سعر الصرف وسلاسل الإمداد العالمية، وارتفاع أسعار الطاقة وزيادة تكلفة الشحن، أدى إلى ارتفاع أسعار الذرة والصويا، وبالتالي الأعلاف، التي وصلت إلى نحو 3 آلاف جنيه للطن، ما سينعكس حتمًا على أسعار الدواجن واللحوم ومنتجاتها، وهو ما لم يتضح بشكل كامل حتى الآن في الأسواق، بسبب تراجع معدلات الاستهلاك بعد شهر رمضان، وسيظهر بعد فترة تتراوح بين شهر إلى شهرين”.
ويتوقع “نعيم” أن استمرار الأزمة لفترة طويلة قد يؤدي إلى موجة جديدة من ارتفاع أسعار المنتجات الحيوانية، تشمل الدواجن والبيض واللحوم والألبان، نتيجة تراكم الضغوط على تكلفة الإنتاج، موضحًا أن العامل الحاسم في ذلك يتمثل في مدة استمرار التوترات وتأثيرها على أسعار الوقود وسعر الصرف.
ويدعو إلى ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة، أبرزها تسهيل استيراد خامات الأعلاف، وعلى رأسها الذرة والصويا، بما يتيح تكوين مخزون آمن منها لفترات تمتد من 3 إلى 6 أشهر، لتقليل تأثير الصدمات الخارجية، بالتوازي مع التوسع في الإنتاج غير المكثف، الذي يعتمد على استهلاك أقل من الأعلاف، وتنويع مصادر الاستيراد وفتح أسواق جديدة، خاصة في دول الجنوب مثل البرازيل وأستراليا ونيوزيلندا، لاستيراد خامات الأعلاف أو الدواجن.
ومع استمرار الحرب وتذبذب الأسواق العالمية، تبدو الحاجة ملحة لتبني سياسات أكثر مرونة، تشمل تنويع مصادر الاستيراد، وتعزيز الإنتاج المحلي، وضبط الأسواق، لتقليل أثر الصدمات الخارجية.