وافق البرلمان المصري على أربع اتفاقيات تمويلية بـ 332 مليون دولار، لاستكمال مشروع القطار الكهربائي الخفيف (LRT)، فيما شهدت الجلسة اعتراض نواب طالبوا بوقف سياسة الاقتراض، محذرين من تفاقم أعباء الدين العام تكاليف خدمتة حاجز الـ 80% من إجمالي الإيرادات الحكومية خلال الفترة من يوليو 2025 حتى يناير 2026.
جاءت موافقة البرلمان قبل أيام من كلمة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أعرب خلالها عن رفضه استمرار الاعتماد على الاقتراض لتلبية احتياجات المواطنين. وأنه “ليس من المنطقي ولا من العدل أن نستمر في الاقتراض بالعملة الصعبة لتغطية هذه الاحتياجات، وهو ما ينطبق كذلك على الغاز وغيره من السلع، مع ضرورة توفير المنتجات البترولية لتشغيل محطات الكهرباء والمصانع”.
ودافعت الحكومة وعدد من النواب المواليين لها عن المشروع وقالوا إنه بمثابة شريان حيوي لربط العاصمة الإدارية بالمناطق الصناعية، تصاعدت الانتقادات النيابية التي تساءلت عن جدوى إنفاق المليارات على “محطات في مدن لا يسكنها أحد” في وقت تعاني فيه الطرق الأساسية بالمحافظات من التدهور وتزايد الأعباء الاقتصادية نتيجة تفاقم الدين العام.
بلغ إجمالي الاتفاقيات نحو 332 مليون دولار، مخصصة لاستكمال المرحلة الثالثة من مشروع القطار الكهربائي الخفيف (LRT)، الذي يربط العاصمة الإدارية الجديدة بمدينة العاشر من رمضان، وتمتد هذه المرحلة من محطة الفنون والثقافة حتى محطة العاصمة المركزية بطول 20.4 كيلومتر، وفق تقارير حكومية.
وفي تفاصيل الاتفاقيات، وافق المجلس على قرار رئيس الجمهورية رقم 652 لسنة 2024، بشأن الاتفاق الإطاري لقرض ميسر بقيمة 1.465 مليار يوان صيني، وقرار رقم 479 لسنة 2025 لاتفاق قرض ميسر بقيمة 200 مليون دولار (تُسدد باليوان الصيني).
التمويلات مقدمة من بنك التصدير والاستيراد الصيني بضمان وزارة المالية، وبشروط ميسرة تشمل فائدة سنوية بنسبة 2%، فيما تمتد فترة السداد إلى 20 عاماً، تتضمن فترة سماح قدرها 5 سنوات، مع التزام الحكومة بجدول زمني محدد للسداد.
نوصي للقراءة: رفع أسعار الوقود للمرة الـ21 منذ 2019.. الحرب ذريعة والمصريون يدفعون الفاتورة

ديون كبيرة
اعتبر النواب المعارضون أن إنفاق المليارات على طرق في “مدن لا يسكنها أحد حاليًا” يمثل خللاً في أولويات الإنفاق، في هذا السياق، تقول النائبة مها عبد الناصر، عضو مجلس النواب عن حزب المصري الديمقراطي، إن اعتراضها الأساسي على تمويل المرحلة الثالثة من مشروع القطار الكهربائي الخفيف ينبع من كون المشروع ليس أولوية ملحة في الوقت الراهن.
وتوضح لـ”زاوية ثالثة”، أن الأزمة الجيوسياسية العالمية وارتفاع أسعار النفط أدت إلى زيادة الأعباء المعيشية على المواطنين، مما يجعل الإنفاق الملياري على المشروع غير متناسب مع الواقع الاقتصادي الحالي.
وتشير “مها” إلى أن المرحلة الثالثة تشمل أربع محطات داخل العاصمة الإدارية الجديدة، لكنها ترى أن هذه الخطوة غير مبررة حاليًا، لأن العاصمة لا تزال تفتقر للكتلة السكانية الكافية التي تستدعي وسائل نقل جماعي بهذا الحجم.
وتنتقد كذلك سياسة الاقتراض الضخم لتمويل هذه المرحلة، مشيرة إلى أن التكلفة الإجمالية تبلغ 32 مليار جنيه، نصفها قروض، وأن استكمال المسار للوصول إلى مدينة العاشر من رمضان سيحتاج إلى نصف مليار دولار إضافية.
تتابع النائبة البرلمانية أن كل هذه القروض ستزيد من أعباء خدمة الدين، التي تلتهم بالفعل ما يفوق ثلثي الإنفاق الحكومي، ولا يوجد حتى الآن رؤية واضحة لكيفية التعامل مع هذه الديون المتراكمة، وأن الحكومة تستمر في اقتراض مبالغ ضخمة لمشروعات غير أساسية رغم تصريحاتها حول وجود لجان لتخفيض الدين.
وفيما يخص الرد الحكومي على اعتراضات النواب، توضح عبد الناصر أن التبرير الرسمي يتمثل في أن المشروع بدأ بالفعل ويجب استكماله، وهو ما وصفته بـ”منطق يتجاهل الواقع الاقتصادي الفعلي”. وأعربت عن استغرابها من موافقة بعض النواب المحسوبين على المعارضة، مثل النائب ضياء داوود، على القروض، مؤكدة اختلافها التام مع هذا التوجه.
النواب أبدوا أيضًا رفضهم لغياب الرقابة الفعلية على ملف الاقتراض الخارجي. وأكدوا أن التوسع في مشروعات النقل الفاخر، مثل المونوريل والقطار الكهربائي الخفيف، يزيد من الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي ويزيد من هشاشة الوضع الاقتصادي أمام الصدمات الخارجية، بدلاً من توجيه الموارد نحو قطاعات إنتاجية تولد دخلًا حقيقيًا ومستدامًا.
من جهته، أوضح النائب المعارض ضياء الدين داوود، عضو مجلس النواب، موافقته لأول مرة على القروض خلال كلمته في البرلمان، بسبب ارتباط المشروع بخطة تنموية قائمة، مؤكدًا أن استكماله ضرورة لتجنب تعثر المشروعات الجارية، خاصة مع التوسع العمراني في العاصمة الإدارية الجديدة، ولضمان تطوير البنية التحتية، لا سيما شبكات النقل والطرق.
شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة ارتفاعًا حادًا في أعباء خدمة الدين العام، في ظل تزايد إجمالي الدين الخارجي، الذي بلغ نحو 163.7 مليار دولار في سبتمبر 2025، مرتفعًا بنحو 8.6 مليار دولار منذ بداية عام 2024.
نوصي للقراءة: الغاز الطبيعي في ملايين المنازل: إنجاز يوصل الخدمة وإخفاق يحصد الأرواح

ما الجدوى؟!
يعمل القطار الخفيف باستخدام الطاقة الكهربائية، إذ توضع خطوط كهرباء فوقه، ويحتوي على جهاز لتخزين الطاقة مثل البطارية أو المكثف الفائق.
وبدأ تشغيل المرحلتين الأولى والثانية من مشروع القطار الكهربائي الخفيف في 3 يوليو 2022، ويمتد الخط من محطة عدلي منصور التبادلية بمنطقة السلام شرق القاهرة وصولًا إلى محطة مدينة الفنون والثقافة بالعاصمة الإدارية الجديدة، بطول إجمالي يبلغ 68.8 كيلومترًا ويضم 12 محطة (11 محطة سطحية ومحطة علوية واحدة).
فيما تتواصل أعمال التوسع في المشروع عبر المرحلة الثالثة التي تمتد جنوبًا من محطة كاتدرائية ميلاد المسيح حتى محطة العاصمة المركزية بطول نحو 20.4 كيلومترًا، وتشمل أربع محطات، من بينها محطات تخدم مناطق رئيسية داخل العاصمة الإدارية مثل المدينة الرياضية الدولية.
وتخطط الحكومة لتنفيذ المرحلة الرابعة لمد الخط شمالًا إلى مدينة العاشر من رمضان بطول يقارب 16 كيلومترًا، بهدف تعزيز الربط بين المدن الجديدة ووسائل النقل الجماعي في القاهرة الكبرى.
من جهته، يرى محمد رمضان، الباحث الاقتصادي في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن المشروع بيئيًا واقتصاديًا له مزايا، مثل ربط المدن الجديدة وتقليل الانبعاثات، لكنه يشير إلى أن تقييم الجدوى الاقتصادية النهائية يعتمد على الحكومة نفسها، وأن المناقشات البرلمانية حول أولويات المشروعات غالبًا لا تشمل الشفافية الكاملة للتمويل والدراسات الاقتصادية.
ويشير رمضان لـ” زاوية ثالثة” إلى أن الاقتراض المستمر لتمويل هذه المشروعات يضاعف أعباء الدين الخارجي، خصوصًا أن المشاريع الكبيرة مثل القطار الكهربائي لا تولد دخلًا دولاريًا سريعًا يمكنه مواجهة أزمة المديونية الحالية.
ويضيف الباحث الاقتصادي، أن غياب الشفافية في الإعلان عن تفاصيل المشروعات والتكلفة والتمويل يقلل من قدرة النواب والمراقبين على تقييم جدوى المشروعات، مؤكدًا أن البنية التحتية وحدها لا تكفي لضمان التنمية الاقتصادية، وأن المشكلة الحقيقية تكمن في آلية اتخاذ القرار والتخطيط للاستثمارات الكبرى، وليس في المشروع ذاته فقط.
وفي تقرير بعنوان ” هل تخرج مصر من بحر الرمال؟” صادرة عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أوضحت أن أزمة الدين العام تكمن في دخول الدولة في “دائرة مفرغة” من الاستدانة، إذ يُخصص نحو 58% من الاقتراض الجديد المخطط له في الموازنة لسداد أقساط قروض سابقة فقط.
وأشار التقرير إلى أن هذه القروض استُخدمت بشكل أساسي لتغطية الفجوة بين الإيرادات والمصروفات، وتمويل مشروعات بنية تحتية كبرى مثل العاصمة الإدارية الجديدة والقطار السريع والمونوريل، وهي مشروعات رأت المبادرة أنها لا تدر دخلاً دولارياً سريعاً ولا تلبي احتياجات المواطنين الأساسية.
بالإضافة إلى ذلك تضاعفت كلفة خدمة الدين الخارجي نتيجة التخفيضات المتكررة لقيمة الجنيه المصري، وهو ما كان جزءاً من شروط المؤسسات الدولية للحصول على مزيد من القروض. وأدى تفاقم أعباء المديونية إلى استحواذ مخصصات خدمة الدين (الأقساط والفوائد) على نحو ثلثي الإنفاق الحكومي بنسبة تصل إلى 64.8%، مما قلص المساحة المتاحة للإنفاق الاجتماعي بشكل كبير -بحسب ما جاء في التقرير.
وأشار التقرير إلى أن فوائد الديون وحدها تستهلك حوالي 11.2% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة تتجاوز إجمالي المخصصات الموجهة لأجور العاملين والدعم والتعليم والصحة مجتمعة. ونتيجة لهذا الخلل، تراجعت معدلات الإنفاق الحقيقي على القطاعات الحيوية لتصبح دون المستويات الدستورية المقررة، مما ساهم في استمرار تدهور مستويات المعيشة لأغلب المصريين نتيجة سياسات التقشف الموجهة لخدمة الدائنين.

ديون بالمليارات لأغراض أمنية
شهدت السنوات الأخيرة تنفيذ عدد من مشروعات الطرق والمحاور الرئيسية بهدف تعزيز الربط بين العاصمة الإدارية الجديدة والمدن المحيطة بها في القاهرة الكبرى ومدن شرق الدلتا، وذلك بالاعتماد على التمويل الخارجي من خلال الحصول على عدد من القروض.
وتمثلت التكلفة الإجمالية لتمويل مشروع القطار الكهربائي الخفيف (LRT) في حزمة من القروض الدولية والمساهمات المحلية التي تجاوزت 1.6 مليار دولار أمريكي في الفترة من يناير 2019 حتى مارس 2026.
المشروع اعتمد بشكل أساسي على تمويلات ميسرة من بنك التصدير والاستيراد الصيني؛ شملت 1.239 مليار دولار للمرحلتين الأولى والثانية، وقد نُفِّذت عبر اتفاقيتين تمويليتين تشمل قرضًا حكوميًا بقيمة ما يعادل نحو 674 مليون دولار تقريبًا، بالإضافة إلى قرض ميسر آخر من وزارة التجارة الصينية بقيمة 53 مليون دولار، وذلك بشروط سداد طويلة تبلغ نحو 20 عامًا وفترات سماح تتراوح بين 2 و10 سنوات بفوائد ميسرة تتراوح حول 1.8–2%.
وفي سبتمبر 2023 وافق بنك التصدير والاستيراد الصيني على تمويل إضافي بقيمة 400 مليون دولار لتغطية تكاليف المرحلة الثالثة من المشروع، مخصّصًا هذه الأموال لتغطية الأعمال الفنية للكهروميكانيك وأنظمة الإشارات والاتصالات والتحكم المركزي، وهو التمويل الذي تمت الموافقة عليه برلمانياً في مارس 2026 ضمن حزمة اتفاقيات تمويلية بقيمة 332 مليون دولار.
ومن القطار الخفيف إلى مشروع المونوريل أحد مشروعات النقل الجماعي الحديثة في مصر، ويشمل خطّي مونوريل يربطان العاصمة الإدارية الجديدة بمدينتي مدينة نصر و6 أكتوبر. وقد قدرت التكلفة الإجمالية للمشروع (شاملة الإنشاء والبنية الأساسية والأنظمة واللوائح التشغيلية على مدى عقود) تُقدَّر بنحو 4.5 مليار يورو.
اعتمد مشروع المونوريل بشكل رئيسي على قرض دولي بقيمة 1.88 مليار يورو، مقدم من تحالف بنوك عالمية بقيادة جي بي مورغان، بضمانة وكالة الصادرات البريطانية، التي ساهمت وحدها بنحو 1.7 مليار جنيه إسترليني. إلى جانب ذلك، اقترضت الهيئة القومية للأنفاق نحو 5 مليارات جنيه من بنوك مصرية (محلية) في عام 2025، لتغطية الأعمال الإنشائية والمدنية التي تنفذها شركتا أوراسكوم للإنشاءات والمقاولون العرب.
وإلى جانب المونوريل والقطار الكهربائي الخفيف، أنشأت الحكومة المصرية مشروع القطار الكهربائي السريع لربط العاصمة الإدارية الجديدة ومنطقة العين السخنة إلى الإسكندرية والبحر الأبيض المتوسط. بإجمالي قروض قدرت 2.9 مليار يورو، موزعة بين تمويلات عبر مؤسسات دولية بنحو 2.26 مليار يورو، وقرض مباشر من البنك الإسلامي للتنمية بقيمة 318 مليون يورو، وغيرها من المفاوضات الجارية مع مؤسسات مالية دولية لتوسيع التمويل إلى الخطوط الثانية والثالثة ضمن الشبكة الوطنية.
ففي مايو 2023، أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي القرار رقم 145 لسنة 2023 بالموافقة على اتفاقيات التمويل الخاصة بمشروع الخط الأول لشبكة القطار الكهربائي السريع، وقد تضمنت هذه الاتفاقيات قروضًا من عدة بنوك أوروبية، بضمان هيئة تنمية الصادرات الألمانية بمبلغ 1,99 مليار يورو، إضافة إلى قرض بضمان هيئة تنمية الصادرات الإيطالية بقيمة 268.8 مليون يورو، لتغطية تكلفة إنشاء الخط الأول لشبكة القطار الكهربائي السريع بين العين السخنة والإسكندرية والعلمين ومرسى مطروح.
وفي فبراير 2024 وقّعت الحكومة اتفاقًا مع البنك الإسلامي للتنمية للحصول على قرض بقيمة 318 مليون يورو مخصّص لإنشاء نفس الخط الأول، وقد صدّق الرئيس على هذا القرض بنشر القرار رقم 219 لسنة 2024 في الجريدة الرسمية، بعد موافقة مجلس النواب في يناير 2025.
يرى أكرم إسماعيل، القيادي بحزب العيش والحرية -تحت التأسيس- والحركة المدنية الديمقراطية، أن العاصمة الإدارية الجديدة صُممت وفقًا لمعايير أمنية تهدف إلى نقل المؤسسات الحكومية بعيدًا عن قلب القاهرة، ما أدى إلى خلق عزلة للمدينة وغياب القدرة على تطويرها كسكن حضري متكامل.
ويوضح أن غياب المساكن والخدمات الأساسية للموظفين اضطر الحكومة إلى إنشاء شبكات مواصلات ضخمة لتسهيل وصول العاملين إلى أماكن عملهم، مؤكدًا أن المشروع أقرب إلى كونه مدينة إدارية منه إلى مدينة حية فعلية.
ويضيف القيادي السياسي في حديثه لـ”زاوية ثالثة” أن الاستثمار الضخم في الأبراج الأيقونية والبنية التحتية الفخمة يجعل التراجع عن المشروع أمرًا صعبًا، ويجبر الحكومة على الاستمرار في الاستدانة لتنشيط مشروعات النقل وربط العاصمة بالمدن المجاورة، على أمل إحياء المدينة، إذ أصبح التراجع عن المشروع غير وارد تمامًا.
ويشير “إسماعيل” إلى أن الطابع المعماري للأبراج وارتفاع الأسعار لا يتناسبان مع الاحتياجات الفعلية للمدينة، ولا يحققان قيمة اقتصادية كافية لتغطية القروض وتكاليف تطوير الطرق والبنية التحتية.
ويؤكد أن العائد الاقتصادي المتوقع من نقل الوزارات والبنك المركزي إلى العاصمة محدود للغاية، نظرًا لأن هذه المناطق غير منتجة، وأن أي دخل محتمل من تأجير المكاتب أو بعض الشركات لن يكون كافيًا لسداد القروض، ما يجعل المشروع استثمارًا استراتيجيًا كبيرًا بلا مردود اقتصادي فوري ملموس.
بينما تمثل مشروعات النقل الكبرى، مثل القطار الكهربائي الخفيف والمونوريل والقطار السريع، شريانًا حيويًا يربط العاصمة الإدارية الجديدة بالمدن والمناطق المحيطة، إلا أن تكاليفها الضخمة والقروض التي تجاوزت مليارات الدولارات تثير تساؤلات حول جدواها الاقتصادية وقدرتها على خدمة الدين العام.