تستعد الحكومة المصرية لطرح ٦٠ شركة مملوكة للدولة أمام القطاع الخاص، قبل نهاية أبريل المقبل، ٤٠ منها ستنقل ملكيتها إلى صندوق مصر السيادي، فيما ستدرج ٢٠ شركة في البورصة المصرية، تمهيدًا لبيعها، ضمن خطة تقول الحكومة إنها تستهدف إعادة هيكلة القطاع العام وأصول الدولة.
يأتي ذلك عقب إقرار صندوق النقد الدولي المراجعتين الخامسة والسادسة المدمجتين لبرنامج مصر في فبراير الماضي، ما سمح بسحب 2.3 مليار دولار، مع الإشادة بانتعاش النمو إلى 4.4% وفائض أولي 3.5% وعجز حساب جاري أقل، قبل أن تتراجع المؤشرات تأثرًا بالحرب الإقليمية منذ الأول من مارس.
ومع ذلك، اشترط الصندوق إصلاحات هيكلية عاجلة تشمل تسريع التخارج من شركات قطاع الأعمال غير الاستراتيجية، وتحسين إدارة الدين العام، وتطبيق حوكمة موحدة في البنوك والشركات الحكومية، وزيادة الإيرادات الضريبية غير النفطية، ودعم القطاع الخاص بتقليص التدخل الحكومي، بهدف رفع النمو إلى 4.8% وخفض التضخم إلى 11.9% خلال العام الجاري.
وضمن خطتها لبيع أصول الشركات المملوكة للدولة، ألغت الحكومة المصرية وزارة قطاع الأعمال، ضمن التعديل الوزاري، في فبراير الماضي، بعد 40 عامًا من تأسيسها وقالت إن الهدف هو “إنقاذ الشركات العامة من الانهيار والحفاظ على دورها في تشغيل ملايين المصريين.”
وأوضح رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي آنذاك، أن القرار “جاء في إطار رؤية سبق طرحها منذ سنوات، تقوم على أن دور الوزارة كان انتقاليًا بطبيعته، وليس دائمًا”، لافتًا إلى أنه “عند تكليف وزير قطاع الأعمال السابق أبلغه بأن هذه الوزارة قد تكون في مراحلها الأخيرة، باعتبار أن الهدف كان إعادة تنظيم القطاع تمهيدًا لمرحلة جديدة”.
الوزارة كانت تشرف على 146 شركة مملوكة للدولة تعمل في قطاعات متعددة، بما يمثل نحو26% من إجمالي 561 شركة مملوكة للدولة حتى يوليو 2025، وفقًا لوثيقة حكومية. وعملت تحت مظلتها 6 شركات قابضة في مجالات السياحة والفنادق، والأدوية، والصناعات الكيماوية والمعدنية، والغزل والنسيج، والتشييد، فيما تشير الوثيقة إلى أن نحو 75% من شركات الوزارة كانت تحقق أرباحًا، مقابل 25% تكبدت خسائر.
وفي المقابل انشأت الحكومة ما يعرف بـ”وحدة الشركات المملوكة للدولة” وهي هيئة مركزية تابعة لمجلس الوزراء، لتنظيم الشركات الحكومية، وتشرف على حصرها وتقييمها، وتحديد المرشحات للتخارج أو الطرح في البورصة أو نقلها لصندوق مصر السيادي، مع فرض ضوابط حوكمة موحدة لمجالس الإدارة وتقديم تقارير ربع سنوية، ويرأسها مساعد رئيس الوزراء.
نوصي للقراءة: على وقع الحرب.. اقتصاد مصر مكشوف من كل الجبهات
ما تفاصيل خطة الطرح الحكومي؟
بحسب مصدر حكومي مطلع تحدث لـ”زاوية ثالثة”، ستشمل المرحلة الأولى من الطرح ٢٠ شركة تابعة لقطاع الأعمال من بينها نحو ٥ شركات تحت إدارة الشركة القابضة للصناعات الكيماوية، و٥ شركات تابعة لـ”القابضة للصناعات المعدنية”، فيما ستواصل الحكومة طرح بقية الشركات تباعًا وفق الجدول الزمني المتفق عليه قبل نهاية أبريل المقبل.
وتمتلك الدولة المصرية نحو 561 شركة تنشط في 18 مجالًا اقتصاديًا، وتتبع 45 جهة حكومية موزعة بين 19 وزارة و10 هيئات، مع انتشارها عبر 16 محافظة. ويتصدر قطاع الصناعات التحويلية قائمة هذه الأنشطة بعدد 175 شركة، يليه قطاع الخدمات الإدارية والدعم بـ77 شركة، ثم قطاع النقل والتخزين بـ50 شركة، فالأنشطة المالية والتأمين بـ49 شركة، وقطاع العقارات بـ48 شركة.
ويأتي هذا التوزيع في إطار تحولات هيكلية ارتبطت بتطبيق وثيقة سياسة ملكية الدولة، إذ تراجع عدد الشركات المملوكة للدولة خلال عام 2025، من 709 شركات إلى 561 شركة، بانخفاض قدره 148 شركة، بما يعادل 20.9%، وفي المقابل، ارتفع عدد الجهات المالكة من 33 إلى 45 جهة، بما يعكس إعادة تنظيم في هيكل الملكية وتوزيع الأصول العامة.
وتتحرك الحكومة المصرية في ضوء أزمات اقتصادية مركبة، تفاقم فاتورة الديون المطلوب سدادها خلال العام الجاري، إذ تُشير تقديرات المؤسسات الدولية إلى أن استحقاقات الدين، خصوصًا الخارجي، تتراوح بين نحو 60 و70 مليار دولار، مع تركز ملحوظ للأقساط في الربع الأول، ما يعمّق احتياجات التمويل قصير الأجل ويزيد حساسية الوضع المالي لأي صدمات خارجية أو اضطرابات في تدفقات رؤوس الأموال.
وعلى الرغم من إعلان الحكومة خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي بنحو 12% خلال العامين الماضيين، وما تبعه من رفع التصنيف الائتماني من مؤسسة “ستاندرد آند بورز” في أكتوبر الماضي، لأول مرة منذ سبع سنوات، ظل عبء خدمة الدين التحدي الأكثر حدة. إذ تشير البيانات الرسمية إلى أن خدمة الدين تستحوذ على نحو 50% من إجمالي المصروفات العامة، وحوالي 72% من إجمالي الإيرادات في 2024/2025، وهي من أعلى النسب بين الدول النظيرة.
نوصي للقراءة: مصر تدفع ديونها بالديون.. اقتصاد يعيش على الفاتورة القادمة

هل تخرج مصر من عنق الزجاجة؟
يقول عضو مجلس النواب والخبير الاقتصادي، الدكتور محمد فؤاد إن برنامج الطروحات الحكومية “لا يمثل الحل الكامل للأزمة الاقتصادية، بل يُعد جزءًا من الحل”، مشددًا على أن جدواه ترتبط بمدى تحقيق تمكين حقيقي للقطاع الخاص، لا أن يُستخدم كأداة لتوليد سيولة مؤقتة. ويوضح أن هذا المسار ليس جديدًا. بدأ منذ إعلان برنامج الطروحات في عهد الوزير هشام توفيق، ثم استمر مع تغييرات وزارية متعاقبة هدفت إلى تحسين الكفاءة التشغيلية، وصولًا إلى إعادة هيكلة ملف قطاع الأعمال وإسناد ملف الطروحات إلى جهات أخرى.
ويضيف “فؤاد” في حديثه لـ”زاوية ثالثة” أن الإشكالية الأعمق تتعلق بتعدد أنماط ملكية الدولة، سواء عبر شركات قطاع الأعمال العام، أو الصندوق السيادي المصري، أو مؤسسات مالية أخرى، معتبرًا أن هذا التداخل يعكس “أزمة في هيكل ملكية الدولة” تتجاوز مجرد طرح الشركات للبيع. مؤكدًا أن الاكتفاء ببيع الأصول لتوفير سيولة قصيرة الأجل يُعد “حلًا قاصرًا”، داعيًا إلى تبني رؤية أشمل تقوم على إعادة تعريف دور الدولة في الاقتصاد وتنظيم ملكيتها بشكل واضح.
ويشدد كذلك على ضرورة أن يتم التخارج من بعض الأنشطة بصورة رشيدة ومنظمة، وليس عبر ما وصفه بـ”البيع المجتزأ”، محذرًا من تكرار تجارب سابقة لم تحقق النتائج المرجوة، مشيرًا إلى أن الحديث المتكرر عن طرح عشرات الشركات لا يثير الحماسة في ظل غياب تنفيذ فعلي ملموس، مؤكدًا أهمية تحقيق توازن بين تعظيم قيمة الأصول المطروحة وعدم اللجوء إلى البيع لمجرد التخلص أو توفير سيولة آنية.
وبالإضافة إلى ذلك يؤكد “فؤاد” أن الإصلاح الحقيقي يكمن في إحداث تحول هيكلي في إدارة الاقتصاد، قائم على شراكة فعالة مع القطاع الخاص، مع تحديد واضح لدور الدولة كفاعل اقتصادي، بدلًا من الاكتفاء بإجراءات جزئية لا تعالج جوهر الأزمة.
من جانبه يصف أستاذ الاقتصاد والتجارة في جامعة بورتسموث، الدكتور أحمد عبود، الخطوة بأنها “متوقعة” في إطار الاستراتيجية الحكومية الهادفة إلى توسيع دور القطاع الخاص وتقليص حضور الدولة في النشاط الاستثماري. وأضاف أن هذا التوجه يتسق أيضًا مع توصيات سابقة لصندوق النقد الدولي للحكومة المصرية.
ويوضح لـ”زاوية ثالثة” أن الحكومة المصرية تستهدف من خلال هذه الطروحات جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية، بما يسهم في تدفق العملة الصعبة، وتعزيز الاحتياطي النقدي، فضلًا عن دعم السيولة الدولارية اللازمة للوفاء بالالتزامات المرتبطة بخدمة الدين الخارجي خلال الفترة المقبلة.
ويشير”عبود” إلى أن هذه الخطوة تحمل جوانب إيجابية لسببين رئيسيين؛ أولهما أن توسيع مشاركة القطاع الخاص يعزز الثقة في السوق المصري، ويدعم بيئة المنافسة العادلة. وثانيهما أن دخول القطاع الخاص كشريك في شركات قطاع الأعمال العام من شأنه رفع كفاءة التشغيل وتحسين الأداء، نظرًا لما يتمتع به من مرونة وقدرة أعلى على تحقيق الربحية، إلى جانب مستويات أكبر من الكفاءة والفاعلية مقارنة بالقطاع الحكومي.
نوصي للقراءة: 2026: عام التعافي الاقتصادي المنتظر أم بداية أزمة ديون جديدة؟

قانون لتسريع بيع الأصول
صدّق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في 20 أغسطس الماضي على تعديلات تشريعية جديدة تهدف إلى تسريع إجراءات بيع الأصول الحكومية ضمن ما يُعرف ببرنامج “وثيقة سياسة ملكية الدولة”، هذه التعديلات تمنح صندوق مصر السيادي صلاحيات أوسع لبيع الأصول المملوكة للدولة بشكل مباشر، بما يختصر الإجراءات التي كانت تستغرق شهورًا وربما سنوات قبل إتمام أي صفقة.
القانون ينظم الشركات التي تملك الدولة رأسمالها بالكامل أو تساهم فيها، ويشمل الشركات المرتبطة بالوزارات والهيئات العامة وأجهزة الدولة، مع استثناءات لبعض الشركات ذات الطابع الاستراتيجي أو المنشأة بموجب اتفاقيات دولية. ويتضمن كذلك آليات متعددة للتصرف في أصول الدولة بما في ذلك البيع والطرح في الأسواق وعمليات الاندماج والتقسيم لتعزيز الشفافية والحوكمة الاقتصادية.
ومن جهته، يضع صندوق النقد الدولي ملف الخصخصة في قلب برنامجه مع مصر، باعتباره الطريق الأسرع لتقليص حضور الدولة في الاقتصاد وجذب عملة صعبة عبر الاستثمارات الأجنبية، وفي المراجعة الأخيرة، شدد الصندوق على ضرورة تسريع التخارج من شركات القطاع العام، خاصة تلك التي تستحوذ على نصيب الأسد من السوق مثل شركات الأسمنت والحديد والرخام. غير أن هذا الضغط يصطدم بواقع معقد، وعمليات البيع تحتاج وقتًا طويلًا للتقييم والتسعير والتفاوض، بينما يطلب الصندوق نتائج عاجلة.
ويرى الباحث الاقتصادي بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، محمد رمضان، إن قرارات الحكومة تأتي في ضوء التزامها بتنفيذ برنامجها المقدم إلى صندوق النقد الدولي، لا سيما في سياق المراجعات السابقة، التي شدّد خلالها الصندوق على ضرورة التعجيل بتقليص الدور الحكومي في مختلف القطاعات الاقتصادية والتخارج منها.
ويقول “رمضان” لـ”زاوية ثالثة” إن هذه الخطوات تُعد امتدادًا لنهج بدأ منذ عام 2022، لكنها تأتي هذه المرة تحت ضغط مباشر من الصندوق، مشيرًا إلى أن أبرز القطاعات المستهدفة خلال الفترة المقبلة هي تلك الواردة في “وثيقة سياسة ملكية الدولة”، وفي مقدمتها قطاع التشييد والبناء، إلى جانب قطاعات أخرى أبرزها الأسمنت والحديد والصلب والرخام، وهي مجالات تمتلك فيها الدولة حصصًا كبيرة قد تصل إلى ثلث السوق أو أكثر.
ويلفت إلى أن إلى أن الإشكالية لا تتعلق فقط بطبيعة القطاعات المطروحة، بل تمتد إلى آليات تنفيذ التخارج نفسها، موضحًا أن عمليات بيع الأصول بطبيعتها معقدة وتستغرق وقتًا أطول مما يتصوره صندوق النقد، نظرًا لما تتطلبه من تقييمات دقيقة، وإجراءات طرح، وترقب توقيتات سوقية ملائمة لإتمام الصفقات. مضيفًا أن الإصرار على تسريع العملية قد لا يكون واقعيًا في ضوء هذه الاعتبارات، مؤكدًا أنه حتى في حال إتمام بعض الصفقات خلال الأشهر المقبلة، فإن أثرها على الاقتصاد الكلي سيظل محدودًا، نظرًا لأن العوائد المتوقعة لن تكون كبيرة بما يكفي لإحداث تحول جوهري.

كيف بدأ مسار الخصخصة؟
في عام 2022، بدأت القاهرة مرحلة جديدة من برنامج بيع الأصول الحكومية عبر صفقات كبرى مع مستثمرين خليجيين، فقد استحوذ صندوق الاستثمارات العامة السيادي السعودي على حصص أقلية في أربع شركات حكومية مدرجة في البورصة المصرية، بقيمة تقارب 1.3 مليار دولار، من خلال شركته التابعة السعودية المصرية للاستثمار.
وفي الفترة نفسها، اشترى صندوق أبوظبي السيادي حصصًا في خمس شركات حكومية بنحو 1.85 مليار دولار، تركزت في قطاعات الأسمدة والبتروكيماويات والخدمات اللوجيستية. وبذلك انتقلت ملكية أجزاء مهمة من شركات مثل أبو قير للأسمدة، موبكو، الإسكندرية لتداول الحاويات، وe-Finance إلى مستثمرين من السعودية والإمارات.
الحكومة المصرية، من جهتها، ربطت هذه الصفقات بضرورات زيادة السيولة وسداد التزامات الديون، مؤكدة أنها تأتي ضمن سياسة تستهدف تحقيق أقصى استفادة من الأصول وتنظيم دور الدولة في الاقتصاد مع الحفاظ على حقوق الأجيال القادمة.
غير أن البرنامج لم يتوقف عند صفقات 2022، بل امتد إلى قطاعات جديدة في العامين التاليين، ففي مايو 2023، باعت الدولة 9.5% من أسهم المصرية للاتصالات عبر طرح ثانوي في البورصة بقيمة 3.75 مليار جنيه (121.6 مليون دولار). وبعد ذلك بأشهر قليلة، وتحديدًا في سبتمبر، استحوذت شركة “جلوبال إنفستمنت هولدنغ” الإماراتية على 30% من الشرقية للدخان مقابل 625 مليون دولار، إضافة إلى التزام بضخ 150 مليون دولار لتمويل مشتريات التبغ، وهو ما خفض حصة الدولة إلى نحو 20.95%.
يعكس برنامج الطروحات الحكومية في مصر تحولًا أعمق في فلسفة إدارة الاقتصاد، يتجاوز مجرد بيع الأصول إلى إعادة تعريف دور الدولة وحدود تدخلها. وبينما تسعى الحكومة إلى جذب الاستثمارات وتعزيز السيولة الدولارية تحت ضغط التزامات خارجية، تظل التحديات قائمة، سواء على مستوى تنفيذ التخارج بكفاءة، أو تحقيق توازن بين تعظيم قيمة الأصول والحفاظ على دور الدولة التنموي.