close

نزع الملكية بـ”التحايل”… هل خدعت الحكومة سكان القاهرة التاريخية؟

360 أسرة أُخليت من حي السيدة زينب منذ ديسمبر 2020 بوعد تسليم وحدات خلال 18 شهرًا، مضت 6 سنوات ولا موعد تسكين، بينما لا يتجاوز بدل الإيجار 2200 جنيه في مناطق تبلغ فيها الإيجارات 6 آلاف جنيه. في درب اللبانة، منازل مُرمَّمة ومغلقة وأصحابها يدفعون إيجارًا في الخارج بعد رفضهم التنازل عن حق العودة.
Picture of آية ياسر

آية ياسر

منتصف أبريل، نشرت الهيئة المصرية العامة للمساحة خرائط تفصيلية لعقارات مُستهدفة بنزع الملكية في القاهرة التاريخية، وقيمَ التعويضات المقررة بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 39 لسنة 2021. ما إن انتشرت الخرائط حتى تجددت استغاثات السكان في عدة مناطق.

محمد عبد العزيز جميل أبرم اتفاقًا بسيطًا قبل ثلاث سنوات: يُخلي منزله الموروث في عطفة الوالدة باشا بدرب اللبانة مؤقتًا، يُرمَّم على نفقة صندوق التنمية الحضرية، يعود. صرف له الصندوق بدل نقل أثاث وإيجارًا سنويًا. وبعد عام واحد، توقف كل شيء.

ويوضح لـ”زاوية ثالثة”: “عندما استفسرت عن سبب وقف الإيجار، طُلب مني التوقيع على استمارة جديدة تتضمن التنازل عن حقي في العودة إلى منزلي، مقابل الحصول على وحدة بديلة في موقع آخر وبيع الأرض للصندوق، وهو ما رفضته.”

إيصال استلام مستندات من شاغلي عقار بعطفة الوالدة باشا في منطقة درب اللبانة، نظير الحصول على بدل إيجار لحين الانتهاء من ترميم العقار

رفض التوقيع، فأُوقف الإيجار. وبعدها مباشرةً أصدرت الحكومة قرارًا بنزع ملكية العقار، مستندةً إلى وصف الصندوق له في مذكرة رسمية بأنه “أرض فضاء خربة”. لكن المستندات تقول عكس ذلك تمامًا: إيصالات مرافق تُثبت السكن، وأوامر صرف إيجار لعام كامل.

يقول: “العقار مكون من خمسة طوابق على شارع رئيسي، لم يُهدم بل رُمِّم فقط، ولا يقع ضمن مسار طريق أو مشروع منفعة عامة.” التعويض المعروض عليه ثلاثة ملايين جنيه. “هذا لا يعادل حتى ثمن شقة واحدة في المنطقة، في حين يطرح الصندوق وحداته بأسعار أعلى بكثير.”

ما يحدث، في رأيه، نزع ملكية بلا مبرر واضح ولا تعويض عادل. لجأ إلى القضاء؛ إذ تقدم العام الماضي بالدعوى رقم 764 لسنة 2025، مدني جزئي القاهرة الجديدة. “لسنا ضد التطوير، لكننا نطالب بالالتزام بالاتفاقات المبرمة واحترام حقنا في العودة إلى منازلنا أو الحصول على تعويض يتناسب مع قيمة ممتلكاتنا.”

(1) صورة من الدعوى القضائية رقم 764 لسنة 2025.. (2)الحكم الصادر في الدعوى رقم 535 لسنة 2024 مدني كلي حكومة القاهرة الجديدة
(1) صورة من الدعوى القضائية رقم 764 لسنة 2025.. (2)الحكم الصادر في الدعوى رقم 535 لسنة 2024 مدني كلي حكومة القاهرة الجديدة

في الدعوى الموازية رقم 535 لسنة 2024 مدني كلي، التي اختصم فيها “عبد العزيز” رئيسَ مجلس الوزراء ورئيسَ مجلس إدارة الصندوق، قررت محكمة القاهرة الجديدة في 25 مارس 2025 ندبَ خبير من مكتب خبراء وزارة العدل لبيان موقف العقار وتقدير كلفة ترميمه، بالاطلاع على استمارة الصندوق. ويشمل عمل الخبير تحديد المبلغ المستحق شهريًّا كبدل إيجار، والمبالغ المنصرفة للمدعي وطرق الصرف.

إيصال صادر عن مصلحة الخبراء بوزارة العدل المنتدبة في القضية

تعود جذور الأزمة إلى اعتبار الصندوق عددًا من الأراضي في درب اللبانة وشياخة المحجر وحي الخليفة والمنطقة الجنوبية بمحافظة القاهرة أراضيَ خربة ومكبات قمامة. وتشمل هذه الأراضي العقارات ذات الأرقام: (3، 4، 5) درب رفعت، (5، 7) درب اللبانة، (1، 5، 10) عطفة الوالدة باشا، (3، 9-11) حارة المارستان، (8، 10) درب المارستان، (4، 6) زقاق باب السر، (8، 8أ) شارع المحجر، (16) سكة المحجر، (4) عطفة الحكيم، و(5) حارة الحكيم، بإجمالي مساحة 1962.32 مترًا مربعًا.

رئيس مجلس إدارة الصندوق خالد صديق أوضح في المذكرة المقدمة لمجلس الوزراء في سبتمبر 2024 أن التعويض المبدئي عن هذه الأراضي يبلغ نحو 27 مليون جنيه، مبررًا تعذّر شراء الأراضي بالتراضي بأن أحدًا لم يتقدم بمستندات ملكية. طلب إضفاء صفة النفع العام عليها تمهيدًا لاستخدامها في المشروع. وحصل على ما طلب.

مذكرة إيضاحية موجهة من صندوق التنمية الحضرية للعرض على رئيس مجلس الوزراء، في 25 سبتمبر 2024

تُقدّم الحكومة مشروع تطوير القاهرة التاريخية بوصفه مبادرة قومية لإحياء مناطقها وتحويلها إلى متحف مفتوح، مع الحفاظ على التراث المعماري والثقافي وتنشيط السياحة ودعم الحرف اليدوية. التكلفة المبدئية 30 مليار جنيه، قد تصل وفق التقديرات إلى 70 أو 80 مليارًا.

ويستهدف المشروع شارع المعز لدين الله ومحيطه، ومنطقة مسجد الحسين وباب زويلة وحارة الروم، ودرب اللبانة، ومسجد الحاكم بأمر الله ومحيطه، والدرب الأحمر، والجمالية، وحي الخليفة، ومناطق أخرى في القاهرة الإسلامية.

وفق إعلان الهيئة الصادر في 14 أبريل، يحق لذوي الشأن الاعتراضُ على البيانات الواردة في الكشوف خلال خمسة عشر يومًا من انتهاء مدة عرضها وفقًا للمادة الثامنة من القانون، والطعن على تقدير التعويضات أمام المحكمة الابتدائية خلال أربعة أشهر طبقًا للمادة التاسعة من القانون رقم 10 لسنة 1990. وتصبح البيانات نهائيةً إذا انقضت المدتان دون معارضة أو طعن.

وتعتبر الحكومة مشروع نزع الملكية من أعمال المنفعة العامة، مع السماح بالاستيلاء على الأراضي بالتنفيذ المباشر. ويستند هذا التوجه إلى قرار رئيس الجمهورية رقم 304 لسنة 2024، وقرار إنشاء الصندوق رقم 1779 لسنة 2021، وقرار مجلس الوزراء رقم 3503 لسنة 2022 الذي اعتبر مشروع نزع الملكية من مشروعات المنفعة العامة.

قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 3530 لسنة 2024، المنشور في الجريدة الرسمية – العدد 48 في 28 نوفمبر سنة 2024

لم يردّ صندوق التنمية الحضرية على طلب “زاوية ثالثة” للتعليق على الوقائع الواردة في هذا التقرير حتى تاريخ نشره.

 

نوصي للقراءة: التطوير مقابل الإزالة: كيف ضّحت الحكومة بمواطنيها من أجل الطرق؟


تحمّل أعباء الإيجار الجديد

منى محمد (اسم مستعار) كانت تدفع عشرة جنيهات إيجارًا لشقتها في سكة المحجر بحي القلعة، قبل أن يطرق الصندوق بابها عام 2021 بعرض: أخلي مؤقتًا، يُرمَّم المنزل، تعودين. غادرت. وعقار عائلتها الموروث بقي في يد الصندوق.

التزم الصندوق بالإيجار سنةً واحدة، ثم توقف. ما تدفعه الآن: ما يقترب من 4 آلاف جنيه شهريًّا.

تقول لـ”زاوية ثالثة”: “فوجئت بوقف الإيجار لمجرد رفضي التوقيع على استمارة تفيد تنازلي عن حقي في العودة إلى الشقة، وهو ما اعتبرته إجراءً قسريًّا لإجباري على الإخلاء النهائي.” العقار لم يكن مهجورًا كما ورد في مذكرة الصندوق، بل كان مأهولًا بالسكان حتى لحظة الإخلاء. ولم يُهدم، أُعيد ترميمه بنفس طرازه.

النزاع منظور أمام القضاء منذ عام ونصف دون حسم. سكان آخرون في المنطقة وافقوا على الإخلاء ولم يحصلوا على تعويضات. وبعض العقارات أُعيد تسكينها بينما تمسّك الصندوق بنزع ملكية أخرى، خاصةً الواقعة على الشوارع الرئيسية.

تقول منى: “لا أحصل على بدل إيجار ولا تعويض، ولا يُسمح لي بالعودة لبيت عائلتي رغم انتهاء ترميمه.”

صورة تظهر المنزل قبل وأثناء ترميمه من قبل صندوق التنمية الحضرية

ويُعدّ ترميم درب اللبانة أحد أبرز مشاريع إحياء القاهرة التاريخية؛ تقع أسفل قلعة صلاح الدين وتُعد جزءًا أصيلًا من النسيج العمراني للقاهرة الفاطمية والمملوكية. تضمّن المشروع إعادة بناء 23 مبنى مدمرًا بالكامل واستكمال 15 أخرى دُمِّرت جزئيًّا، بإشراف صندوق التنمية الحضرية التابع لرئاسة مجلس الوزراء.

ونشرت الجريدة الرسمية في عددها 48 الصادر في 28 نوفمبر 2024 خرائط مساحية تفصيلية للمنطقة (درب اللبانة – سكة المحجر – شارع الوالدة باشا) بقسم الخليفة، موضح عليها حدود نزع الملكية وكشف الملاك ومساحات العقارات المنزوعة ملكيتها.

كشف الملاك ومساحات العقارات والأراضي المنزوعة ملكيتها

 

نوصي للقراءة: بيوت السويس.. حين تصبح قرارات الهدم أقوى من ذاكرة المدينة


6 سنوات من تأخير التسليم

في ديسمبر 2020، أُخليت أكثر من 300 أسرة من منطقة الطيبي بحي السيدة زينب لإنشاء مشروع “الروضة 2″، استكمالًا لمشروع “الروضة 1” (تل العقارب سابقًا) ضمن تطوير القاهرة التاريخية. الوعد: تسليم الوحدات خلال 18 شهرًا. الواقع: مضت ستة أعوام، ولا موعد تسكين، بحسب ما يؤكد أحمد حسين حقي، أحد السكان المتضررين.

يوضح لـ”زاوية ثالثة” أن المنطقة لم تكن مصنفة ضمن المناطق شديدة الخطورة، وإنما أُزيلت لتحسين المشهد العمراني. والعدد الفعلي للأسر المتضررة يبلغ نحو 360 أسرة، أعلى مما تُقرّه الجهات الرسمية، ولم يُعَد تسكينها حتى منتصف عام 2026 رغم الانتهاء من تنفيذ المشروع منذ فترة.

الصندوق يُرجع التأخير إلى مشكلات في البنية التحتية، وهو ما اعتبره حقي غير مبرر، خاصةً مع الانتهاء من مشروع “الروضة 1” المقابل وتسليم وحداته في فترة أقصر. زار رئيس الوزراء المشروع في نوفمبر 2025 ووجّه بسرعة التسليم وتركيب العدادات مسبقة الدفع. لم يتغير شيء حتى الآن.

يقول: “نحصل على بدل إيجار شهري لا يتجاوز 1200 جنيه، زِيد مؤخرًا بنحو ألف جنيه، لكنه لا يغطي بأي حال أسعار الإيجارات الحالية التي تتراوح بين 5 و6 آلاف جنيه في المناطق المجاورة.”

الأهالي تقدموا بشكاوى ووقفات احتجاجية من حي السيدة زينب مرورًا بمحافظة القاهرة وصولًا إلى رئاسة مجلس الوزراء، دون جدول زمني واضح. التأخير يضع الأسر في أوضاع معيشية صعبة، خاصةً مع ارتباطهم بمحيطهم السكني بسبب المدارس والعمل. المطلب واحد: موعد معلن وملزم بدلًا من الغموض المستمر.

تقول الحكومة إن مشروع “روضة السيدة 2” يضم 9 عمارات توفر 572 وحدة سكنية و30 وحدة تجارية، بتكلفة 549 مليون جنيه، مخصصةً لتسكين أهالي المنطقة مع الحفاظ على الطابع العمراني الإسلامي. وفي نوفمبر 2025 تفقّد رئيسُ الوزراء المشروعَ ووجّه بتسليم الوحدات لمستحقيها بالعدادات مسبقة الدفع لمختلف الخدمات.

 

ترام الإسكندرية.. التطوير أسرع من أحكام القضاء


إشكاليات آليات تطبيق نزع الملكية

إبراهيم عز الدين، مدير السياسات بديوان العمران، يرى في المشروع نمطًا متكررًا: غياب مخطط واضح ومعلن قبل التنفيذ، وجهات فاعلة غير محددة بما يكفي. الباحثون يضطرون إلى تتبع المعلومات عبر مصادر متعددة تنتهي إلى صورة ناقصة، وهو ما يضرب الشفافية وحرية تداول المعلومات.

يوضح لـ”زاوية ثالثة” أن الأصل في مثل هذه المشروعات إتاحة المخططات علنًا وضمان التشاور مع السكان، لا معاملتهم متلقين لقرارات لا يُستشارون فيها.

يقول: “آليات نزع الملكية تشترط تقديم تسلسل كامل للملكية يعود إلى المالك الأول. هذا عبء غير واقعي؛ كثير من السكان لا يملكون هذا التاريخ الموثق.” من لا يستطع الإثبات يحصل على “التعويض الاجتماعي”: نحو 40 ألف جنيه للغرفة. “إذا كان المقيم يحمل عقدًا رسميًا من مالك سابق، فلماذا يُطلب منه إثبات ملكية تعود لخمسين عامًا؟” هذه التعقيدات الإجرائية تصب، في رأيه، في تقليل فرص إثبات الملكية ومن ثم خفض قيمة التعويضات.

يحيى شوكت، مدير مرصد العمران، يتفق في أن الإطار القانوني يعتمد على ما تُقره هيئة المساحة من مستندات رسمية كعقود الملكية أو الإيجار، ما يضع عبء الإثبات كله على الحائز. وفي المناطق التاريخية، حيث تمتد الحيازة قرونًا دون توثيق رسمي، يتحول كثير من السكان تلقائيًا إلى “شاغلين” بلا حقوق قانونية مكتملة.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “هذا التصنيف يترتب عليه صرف تعويضات تقديرية لا تعكس القيمة الفعلية للعقار ولا تكفي لتأمين سكن بديل ملائم.” ويشدد على ضرورة مقاربة أكثر شمولًا تأخذ بعين الاعتبار طبيعة الحيازة التاريخية، مع جعل توفير سكن بديل مناسب التزامًا لا تنازلًا في جميع حالات الإخلاء المرتبطة بمشروعات التطوير.

محمد عبد العزيز لا يزال يدفع إيجار شقة مستأجرة، ومنزله المُرمَّم على الشارع الرئيسي مغلق. منى تنتظر منذ أربع سنوات. وأحمد حسين يحمل شكوى موقّعة من 300 أسرة دون موعد تسكين. القاهرة التاريخية تتجمّل، وسكانها ينتظرون في الخارج.

آية ياسر
صحافية وكاتبة وروائية مصرية حاصلة على بكالوريوس الإعلام- جامعة القاهرة.

Search