close

“أبو كرتونة” و “مرشح الأمن”.. شراء الأصوات يعود إلى الواجهة في انتخابات مصر

شهدت المرحلة الأولى من انتخابات مجلس النواب 2025 في مصر شراء أصوات أمام اللجان بأسعار تراوحت بين 50 و300 جنيه، واستخدام جمعيات خيرية في الحشد لصالح مرشحي الموالاة، وسط غياب الحبر الفسفوري والستائر الانتخابية.
Picture of سحر عزازي

سحر عزازي

Picture of شيماء حمدي

شيماء حمدي

شهدت المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية في مصر، التي أُجريت يومي 10 و11 نوفمبر في 14 محافظة، جملة من التجاوزات، التي أعادت إلى الواجهة تساؤلات حول نزاهة العملية الانتخابية وجدواها. فقد تزامن التصويت مع تقارير وشهادات متواترة عن شراء أصواتٍ وتوجيهٍ منظمٍ للناخبين واستغلالٍ واسعٍ للجمعيات الخيرية في عمليات الحشد لصالح مرشحي أحزاب الموالاة، إلى جانب انسحاب مفاجئ للنائبة السابقة نشوى الديب احتجاجًا على ما وصفته بغياب تكافؤ الفرص وافتقاد معايير الشفافية. ووسط ضعف الإقبال الشعبي وغياب أدوات الضمان الأساسية كالستائر والحبر الفسفوري، بدت الانتخابات أقرب إلى إجراءٍ شكلي يُعيد إنتاج الخريطة السياسية ذاتها، أكثر من كونها استحقاقًا يعبر عن الإرادة الشعبية أو تنافسًا ديمقراطيًا حقيقيًا.

منذ الساعات الأولى للتصويت، تصدرت واقعة انسحاب النائبة السابقة نشوى الديب واجهة المشهد، بعدما أعلنت تركها السباق احتجاجًا على ما وصفته بـ”غياب النزاهة وتكافؤ الفرص”، في خطوة نادرة من برلمانية لطالما قدّمت نفسها ضمن الداعمين لمشروع الجمهورية الجديدة. وبينما وُثّقت مشاهد لتوزيع أموال وكرتونات غذائية أمام اللجان، تزايدت شهادات شهود العيان والمراقبين حول سيطرة شبه كاملة لحزب “مستقبل وطن” على مجريات التصويت، بمساعدة جمعيات خيرية تحولت، وفق روايات عديدة، إلى أذرع انتخابية غير معلنة.

 

وبحسب شهادات ميدانية حصلت عليها “زاوية ثالثة” من عدد من المحافظات التي شهدت التصويت، فقد اتسمت العملية الانتخابية بسيطرة شبه كاملة لحزب الموالاة “مستقبل وطن” على مجرياتها، سواء من خلال الحشد أو إدارة المشهد أمام اللجان. وأفادت المصادر بأن الحزب استعان بعدد كبير من الجمعيات الخيرية في تعبئة الناخبين، مقابل توزيع كوبونات تُستبدل بمبالغ مالية وصلت إلى نحو 300 جنيه بحسب المنطقة، فضلًا عن كراتين تحوي مواد غذائية استُخدمت كوسيلة مباشرة لاستمالة الأصوات.

ورصدت “زاوية ثالثة” عبر شهود عيان ومراقبين ميدانيين في محافظات الجيزة، البحيرة، الفيوم، الأقصر، وأسوان، انتشار عمليات شراء الأصوات أمام اللجان، حيث تراوحت المبالغ المدفوعة للناخبين بين 50 جنيهًا في الساعات الأولى للتصويت، وارتفعت تدريجيًا إلى 100 و200 جنيه، بينما تجاوزت في بعض المناطق 300 جنيه مع اقتراب إغلاق الصناديق. كما وثقت مقاطع مصوّرة نُشرت عبر مجموعات على موقع “فيسبوك” اتفاقاتٍ مالية صريحة بين سماسرة الانتخابات وبعض الناخبين أمام اللجان، ما يعزّز صحة ما أورده شهود العيان حول اتساع نطاق استخدام المال السياسي في المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية.

 

نوصي للقراءة: رموز انتخابية محجوزة: القلم والكتاب للموالاة.. والموزة والقميص للمستقلين


نشوى الديب انسحاب مفاجئ بسبب “مرشح الأمن”

كشفت النائبة نشوى الديب في حديث مع “زاوية ثالثة” عن الأسباب التي دفعتها إلى الانسحاب من السباق الانتخابي البرلماني قبل دقائق من فتح صناديق الاقتراع، مؤكدة أن المال السياسي والانتهاكات الانتخابية الواسعة كانت وراء قرارها المفاجئ، الذي اتخذته “حفاظًا على كرامتها وتاريخها البرلماني”.

وقالت الديب: “خضت المعركة الانتخابية أكثر من مرة، وكان من حسن حظي أن أدخل البرلمان لدورتين متتاليتين (2015-2020 و2020-2025). خلال هذه الفترة كنت نموذجًا للنائب الوطني الحريص على خدمة أهله، وقدمتُ مشروعات قوانين مهمة في مجال حقوق الإنسان، من بينها قانون رعاية حقوق المسنين، وقانون لمناهضة العنف، وحماية اللغة العربية، وتنظيم العمالة المنزلية. كما أنجزت العديد من الخدمات لأهالي إمبابة، بينها إنشاء وتطوير مدارس ومستشفيات، وتثبيت عقود آلاف العاملين.”

لكنها أوضحت أن الأجواء الانتخابية كانت منذ البداية تشير إلى غياب التنافس الحقيقي، قائلة: “قبل فتح باب الترشح بدأ الحديث عن مرشح بعينه باعتباره مرشح جهة معينة، أو “مرشح الأمن”، وآخر مرشح التحالف، وأن النتيجة محسومة لهما. تواصلت مع المجلس القومي للمرأة وجلست مع المستشارة أمل عمار وقلت لها: لا أريد دعمًا ولا مساندة، فقط ساعديني في أن تبقى الدائرة مفتوحة وأن تحمي صوت سيدة مستقلة جاءت بقوتها وذراعها.”

وتابعت: “حين ذهبتُ لتقديم أوراق الترشح فوجئت بأن الرقمين 1 و2 محجوزان مسبقًا، لكني لم أبالِ، لأنني أثق في أهالي إمبابة الذين منحوني محبتهم وثقتهم طيلة 25 عامًا. كنت دائمًا في مقدمة الصفوف معهم، ولهذا تم تكريمي في بريطانيا كتجربة مُلهمة على مستوى شمال أفريقيا، وكنت الوحيدة التي فازت من الجولة الأولى في البرلمان الحالي.”

وأكدت أن بعض المرشحين كانوا يعلنون صراحة أن “المسألة محسومة”، مضيفة: “المرشح المعني كان يقول إنه مرشح الأمن، وكنت أرد عليه أمام الناس: لا يوجد شيء اسمه مرشح الأمن، فالأمن يحمي الجميع ويحمي أصواتنا. نحن في جمهورية جديدة تقوم على الشفافية والنزاهة، وأنتم من سيحدد مستقبلكم.”

وتابعت: “حاولتُ مواجهة الإحباط بين الناس بكل وسيلة ممكنة، لكنني فوجئت بوجود جمعيات تتلقى أوامر لتوزيع الشنط والبطاطين والكراتين وشراء الأصوات. أبلغت عن ذلك، وأرسلت شكاوى لعدد كبير من القيادات الأمنية لأن الهيئة الوطنية للانتخابات غير مسؤولة إلا عن محيط الصندوق داخل اللجان. أرسلت لهم رسائل كثيرة عبر الواتساب، لكن لم يرد أحد، ولم يقل لي أحد إنهم ضد هذا الفعل أو سيتخذون إجراء حياله.”

وكشفت النائبة أن ما جرى فجر يوم الانتخابات حسم قرارها: “أمس، بعد الساعة الثالثة صباحًا، وبعد اجتماع كان قائمًا، أُعلن فعلًا أن المرشحين رقم واحد ورقم اثنين، من يقول عن نفسه مرشح الأمن ومرشح التحالف، هما من سيتم انتخابهما من قبل الجمعيات التي سُمح لها بشراء الأصوات. حينها قررتُ أن أصون كرامتي وتاريخي وأحافظ على أهالي منطقتي حتى لا يُصدموا من نتيجة لا تعبر عن إرادتهم، وأعلنت انسحابي حفاظًا على كرامتي كنائبة وسياسية ومواطنة.”

وفي السياق، كشفت مصادر خاصة لـ”زاوية ثالثة” أن انسحاب نشوى الديب جاء نتيجة المضايقات التي تعرضت لها خلال الساعات الأولى من فتح باب التصويت، إلى جانب ما شهده المشهد الانتخابي من استخدام بعض الجمعيات الخيرية في الحشد للتصويت لصالح مرشحين محددين، من بينهم إيهاب الخولي مرشح حزب المحافظين، الذي ظهر لدى الناخبين كمرشح مرتبط بالسلطة. 

وأوضحت المصادر، أن الخولي اعتمد أدوات وأساليب مشابهة لتلك التي يستخدمها المرشحون الموالون، في مشهد انتخابي معقد يجمع بين دوره كمرشح معارض جزئيًا وبين التنافس ضمن سياق يهيمن عليه مرشحون مقربون من السلطة. ويأتي موقف الخولي مخالفًا لما أعلن عنه حزب المحافظين من عدم الدخول في أي تنسيق مع السلطة، ولم يتم رصده هذا الأسلوب مع باقي مرشحي الحزب باستثناء دائرة إمبابة.

من جهته يوضح السياسي زهدي الشامي في حديثه لـ”زاوية ثالثة” إلى أن هذا الانسحاب يندرج ضمن الانسحاب السياسي وليس القانوني، إذ جاء بعد بدء التصويت، وبالتالي لا يزال اسمها مدرجًا على بطاقات الاقتراع. ويوضح الشامي أن آخر موعد للانسحاب القانوني كان في 25 أكتوبر الماضي، حين انسحب هو شخصيًا تضامنًا مع استبعاد زملائه في حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، هيثم الحريري ومحمد عبد الحليم، ولم يُدرج اسمه على بطاقات التصويت.

في السياق، يرى المحامي ياسر سعد في حديثه لـ”زاوية ثالثة” أن انسحاب النائبة نشوى الديب بعد بدء التصويت هو انسحاب سياسي فقط، وليس له أثر قانوني، لأن اسمها يظل مدرجًا على بطاقات الاقتراع، حتى في حال وفاة المرشح، قد يحصل على أصوات، وإذا كانت الانتخابات حقيقية، كان من الممكن أن تحقق النجاح.

ويضيف سعد أن الانتخابات البرلمانية الحالية تفتقد للشفافية والمنافسة الحقيقية، مشيرًا إلى أن النتائج العملية غالبًا ما تُحدد مسبقًا في “غرف مغلقة”، سواء بالنسبة للقوائم الموالية أو بعض المجموعات المعارضة في حدود المساحة المسموح بها، موضحًا أن هذا الوضع معروف ومؤكد للجميع، مع استثناء محتمل لمحافظات الصعيد، حيث يُترك المجال أوسع للصراعات المحلية بين العائلات على المقاعد.

ويشير سعد إلى أن تنديد نشوى الديب بالانتهاكات قد لا يكون مقبولًا أو مدعومًا بالكامل من الدولة أو النظام، ما يجعل المعركة الانتخابية ليست مجرد صراع بين القوى الاجتماعية والدولة، بل بين مؤسسات الدولة نفسها، مؤكدًا أن شكل الانتخابات الحالي يجعلها عملية ظاهرية أكثر من كونها تنافسًا حقيقيًا. رغم ذلك، يرى سعد أن النائبة لا تزال مؤهلة نظريًا للنجاح إذا أُتيحت لها فرصة انتخابية نزيهة.

 

نوصي للقراءة: رموز انتخابية محجوزة: القلم والكتاب للموالاة.. والموزة والقميص للمستقلين

 مخالفات أمام اللجان الانتخابية

شهدت المرحلة الأولى لانتخابات مجلس النواب مجموعة من المخالفات، وفقًا لما نشرته غرفة العمليات المركزية للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، وهو ما يتوافق مع شهادات شهود العيان التي حصلت عليها زاوية ثالثة. وتركزت هذه الملاحظات في عدد من المحافظات، أبرزها الجيزة، أسيوط، بني سويف، الفيوم، الأقصر، أسوان، والبحيرة.

وأفادت بيانات غرفة عمليات المصري الديمقراطي، أن المخالفات تضمنت توزيع الدعاية الانتخابية داخل اللجان وخارجها، استخدام المال السياسي وشراء أصوات الناخبين، توجيه الناخبين للتصويت لصالح مرشحي أحزاب الموالاة، منع بعض المرشحين ومندوبيهم من دخول اللجان، وعدم توفير ساتر يحجب تصويت الناخبين، مما يؤثر على حق المواطنين في الاقتراع السري.

كما وُثقت هذه المخالفات في عدد من المدارس الانتخابية في محافظات، من بينها مدرسة الثورة ومدرسة النصر في أسيوط، ومدارس أحمد عرابي وأم المؤمنين في الجيزة، ومدرسة ميدوم الإعدادية في بني سويف، ومدرسة الكيمان الابتدائية بالأقصر، ومدارس كحك بحري وأبو بكر الصديق في الفيوم، ومدرسة البسلقون الإعدادية في البحيرة.

وفي سياق متصل، أكدت الحملة المركزية لإدارة الانتخابات بالحزب دعمها الكامل للمرشح محمد بهنسي عن المقعد الفردي بدائرة بندر ومركز دمنهور بمحافظة البحيرة، في مطلبه المشروع والقانوني بالحصول على نسخة من محاضر الفرز الخاصة باللجان الفرعية. وأوضحت الحملة أن رفض بعض رؤساء اللجان الفرعية تسليم هذه النسخ بحجة “عدم وجود تعليمات” أو “عدم توافر النماذج” يمثل انتهاكًا صارخًا لمبدأ الشفافية ويؤثر على نزاهة العملية الانتخابية في جوهرها، ويثير تساؤلات حول التزام الجهات المعنية بضمان تكافؤ الفرص بين المرشحين.

وأشارت البيانات إلى أن هذه المخالفات تهدد نزاهة الانتخابات وتضعف ثقة المواطنين في العملية الانتخابية، مطالبة الهيئة الوطنية للانتخابات بـ التدخل الفوري للتحقق من الوقائع واتخاذ الإجراءات القانونية ضد المخالفين، وضمان حصول جميع المرشحين على محاضر فرز رسمية دون تأخير أو تمييز. 

كما وثقت غرفة عمليات حزب الوعي مخالفات مماثلة لما رصدتها غرفة عمليات الحزب المصري الديمقراطي، ووفقًا لما ورد في البيان الرسمي، تضمنت أبرز الملاحظات توزيع دعاية انتخابية داخل وحول مقار اللجان من قبل بعض المرشحين المنتمين لأحزاب الموالاة، وتوزيع كراتين مواد تموينية ورشاوى انتخابية للتأثير على إرادة الناخبين، ومنع بعض المرشحين ومندوبيهم من دخول اللجان ورفض توكيلاتهم، وتوجيه الناخبين للتصويت لصالح مرشحين محددين، وعدم توافر الحبر الفسفوري في بعض اللجان، وبطء عملية التصويت نتيجة نقص الموظفين وضعف التنظيم.

وطالب الحزب في بيان له بالتدخل العاجل لـــ الوطنية والهيئة الوطنية للانتخابات، للتحقيق في التجاوزات واتخاذ إجراءات قانونية ضد مرتكبيها، وضمان تمكين جميع المرشحين ومندوبيهم من أداء دورهم الرقابي المشروع. 

من جهته، يؤكد فريدي البياضي، النائب السابق والمرشح مجددًا لعضوية مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي، في حديثه لـ “زاوية ثالثة”، أن المرحلة الأولى من التصويت كشفت مرة أخرى أن نزاهة الانتخابات ليست مجرد شعار، بل معركة حقيقية تتطلب مشاركة الدولة والمجتمع معًا.

ويضيف البياضي أن ما رُصد على أرض الواقع من ممارسات، مثل توجيه الناخبين، استخدام المال السياسي، والتضييق على مندوبي بعض المرشحين، يعكس تحديات كبيرة تهدد مصداقية العملية الانتخابية إذا لم تُواجه بشكل حاسم. مشيرًا إلى أن مسؤولية الحكومة وأجهزتها تتجلى في ضبط المخالفات وردع المخالفين، لضمان ثقة المواطنين في حماية أصواتهم، مؤكدًا أن هذا ليس ترفًا سياسيًا، بل واجب وطني لضمان احترام إرادة الشعب.

 ويشدد البياضي على ضرورة الحياد والشفافية، عبر إجراءات أساسية مثل وجود مندوبين داخل اللجان، منع الدعاية داخل الحرم الانتخابي، حماية سرية التصويت، وتوفير بيئة آمنة للناخب بعيدًا عن أي ضغوط. لافتًا إلى أن دور المواطن المصري لا يقل أهمية عن دور الدولة، من خلال رفض شراء الأصوات، وممارسة حقه في التصويت بحرية كاملة، مؤكدًا أن من يبيع صوته يتنازل عن حقه في محاسبة من يحكمه لاحقًا. وختم بالقول إن الطريق إلى انتخابات نزيهة يبدأ من دولة تفرض القانون، وشعب يرفض التلاعب بإرادته، ومرشح يلتزم بالمنافسة الشريفة مهما كانت التحديات.

 

نوصي للقراءة: ممنوع من التصويت: مصريون أنهوا عقوبتهم لكن حُرموا حق الانتخاب


الحبر الفسفوري غياب منذ عام 2020

شهدت عددًا من اللجان من بينها اللجنة الفرعية رقم 66 بدمنهور، في مدرسة دمنهور الثانوية العسكرية، غياب الستارة المخصصة للحفاظ على خصوصية التصويت، كما غاب الحبر الفسفوري أيضًا وفقًا لشهادة زهدي الشامي السياسي والقيادي بحزب التحالف الشعبي، الذي توجه للإدلاء بصوته بهدف التأكد من عدم وجود اسمه في كشف الناخبين بعد انسحابه رسميًا من السباق الانتخابي.

وصف الشامي في تدوينة له على صفحته عبر الفيسبوك، ما رآه عند وصوله للجنة قائلاً: “كنا نعرف أن الانتخابات عادةً ما تكون صندوقًا وستارة لضمان الاقتراع السري، لكن ما وجدته اليوم كان صندوقًا بلا ستارة، بلا حبر فوسفوري، وبلا ناخبين أيضًا. وكان القاطع المكشوف مواجهًا مباشرة لرجال اللجنة الحاضرين، ما يفقد العملية طابع السرية الذي يكفله الدستور والقانون.”

وأكد الشامي أن غياب الستارة وحبر الفوسفور ليس مجرد تفصيل شكلي، بل يمثل انتهاكًا واضحًا لمبدأ الاقتراع السري، ويفتح الباب أمام التساؤلات حول مدى التزام بعض اللجان بالقواعد القانونية المعمول بها. وأضاف: “كنت أنا الناخب الوحيد المتواجد أثناء الإدلاء بصوتي، ولم يُسمح لي بتصوير بطاقة التصويت للتوثيق”.

وأثار غياب الحبر الفسفوري، كذلك، جدلاً واسعًا بين المواطنين، الذين تساءلوا عن سبب عدم استخدامه، فيما تلقت الهيئة الوطنية للانتخابات عدة شكاوى من الناخبين بشأن تطبيق الحبر داخل بعض اللجان. وأكدت الهيئة أن انتخابات مجلس النواب لا يُستخدم فيها الحبر الفسفوري على الإطلاق، وأن استخدامه يقتصر على الانتخابات الرئاسية والاستفتاءات فقط، للحد من التصويت المزدوج، نظرًا لأن تلك الانتخابات تسمح للناخب بالتصويت خارج لجنته الأصلية.

لكن اللافت أن الحبر الفسفوري كان جزءًا من العملية الانتخابية في الانتخابات البرلمانية التي جرت عقب ثورة يناير 2011، فيما جاءت انتخابات برلمان 2020 بدون استخدام الحبر لأول مرة منذ الثورة، وبررت الهيئة حينها ذلك بمنع انتشار فيروس كورونا المستجد. ومنذ ذلك الحين، لم تشهد الانتخابات البرلمانية استخدام الحبر الفسفوري مجددًا.

في نوفمبر 2011، استلمت الحكومة المصرية 510,000 زجاجة حبر فسفوري وملابس رسمية للمشرفين على الانتخابات البرلمانية التي أجريت في 28 نوفمبر 2011، بعد أن قامت المؤسسة الدولية للأنظمة الانتخابية بتوفير هذه المستلزمات بموجب اتفاق مع مصر. كما أعفت السلطات في مطار القاهرة الدولي هذه المواد من الرسوم الجمركية وفق أوامر مجلس الوزراء، حسبما ذكر مصدر رسمي بالمطار.

ووفقًا لتقرير نشر على موقع المؤسسة الدولية للأنظمة الانتخابية من إعداد الدكتور ستافان دارنولف، والدكتورة فيرناندا بريل، وميريديث أبلجيت، أصبحت الأصابع البنفسجية للناخبين رمزًا شبه عالمي للأمل في الانتخابات الانتقالية وأشكال الحكم الأكثر ديمقراطية. إذ يُستخدم (الحبر الفسفوري غير قابل للإزالة) لردع التزوير الانتخابي، وقد اعتمدته أكثر من 90 دولة لضمان عدم تمكّن الناخب من الإدلاء بصوته أكثر من مرة. أحيانًا يُستخدم الحبر مكملًا أو بديلًا لإجراءات أخرى لمكافحة التزوير، مثل التحقق من هوية الناخب أو مطابقة سجلات الناخبين.

ومع ذلك، لا يُعد الحبر الفسفوري حلاً سحريًا لمشكلة التزوير، إذ أظهرت انتخابات في أفغانستان 2004 ونيجيريا 2007 وأوغندا 2016 مشكلات في تطبيقه، سواء بسبب وضعه بشكل غير صحيح أو استخدام كميات غير كافية، أو جودة الحبر نفسه، خصوصًا عند استخدام حبر منتهي الصلاحية.

غياب المنافسة

عن مشاهد المالي السياسي وشراء الأصوات أمام اللجان، وتراجع نسبة الحشد، يقول عمرو عبد الرحمن، المحاضر في العلوم السياسية، لـ”زاوية ثالثة” إن انتخابات هذا العام تشكل أكثر انتخابات تشريعية هُندست منذ 2015، مشيرًا إلى أن اختيار المرشحين تم عبر الأجهزة الأمنية بناءً على معايير الولاء المالي والسياسي.

ويوضح عبد الرحمن أن القوائم المنافسة غابت تمامًا، ولم تشهد العملية أي تحدٍ فعلي للقائمة الوطنية، على عكس انتخابات 2020 التي ظهر فيها بعض المرشحين المستقلين، وتم استبعاد قائمتهم من قبل الهيئة الوطنية للانتخابات. وأضاف أن الانتخابات الحالية جرت ضمن تفاهمات مغلقة حسمت تفاصيلها بالكامل، ما أسفر عن غياب أي منافسة حقيقية، رغم وجود بعض التباينات التي تم تجاوزها داخليًا.

ويتابع أن ظهور حزب الجبهة على الساحة لم يخلّف أي صراع أو منافسة فعلية مع أحزاب الموالاة، إذ تم التوصل إلى اتفاق عملي أو ما وصفه بـ”اتفاق جنتلمان” لتوزيع المقاعد، بما يشمل القوائم والفردي، ما أدى إلى غياب المنافسة الحقيقية بين المرشحين الموالين، وهو ما يختلف عن انتخابات 2015 و2020 التي شهدت منافسة محدودة على بعض المقاعد الفردية. كما لفت إلى أن كوتة المعارضة اتفق عليها مسبقًا، سواء داخل القوائم أو على المقاعد الفردية.

ويشير عبد الرحمن إلى أن هذا التنسيق المكثف بين الأجهزة الأمنية والأحزاب الموالية والمعارضة أفرز أكثر انتخابات برلمانية هُندست منذ 2005، حيث أدى إلى انخفاض عدد المرشحين بشكل ملحوظ، ليصل تقريبًا إلى نصف عدد المرشحين في 2020، ما يجعلها أقل انتخابات برلمانية من حيث عدد المتقدمين للترشح منذ عقدين. ويضيف أن هذا السياق يفسر انخفاض نسبة المشاركة في التصويت، سواء في القاهرة أو في الصعيد، ويبرر ارتفاع مظاهر شراء الأصوات والتصويت الجماعي، نظرًا لقلة عدد الناخبين الفعليين وانشغالهم بقناعات مسبقة بأن نتائج الانتخابات محسومة.

ويختم المحاضر في العلوم السياسية بالقول إن كل ما لوحظ خلال أيام التصويت، من انخفاض الإقبال على الانتخابات إلى تكرار مظاهر شراء الأصوات، يمكن تفسيره في ضوء التحضيرات والاتفاقات السابقة، مؤكدًا أن هذا الاقتراع جاء كأكثر انتخابات مهندسة منذ 2015، بما يعكس استمرار السيطرة على البرلمان ضمن إطار مسبق الصنع.

في النهاية، تُظهر المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية 2025 أن المشهد السياسي في مصر يسير نحو مزيد من إحكام السيطرة على العملية الانتخابية، في ظل غياب المنافسة الحقيقية وتراجع الثقة الشعبية في جدوى الاقتراع. فالمخالفات التي وثقتها الأحزاب المعارضة وشهود العيان، من استخدام المال السياسي وتوجيه الناخبين، إلى غياب الشفافية والسرية في بعض اللجان، تعيد إلى الواجهة تساؤلات جوهرية حول معنى المشاركة السياسية ومفهوم “الجمهورية الجديدة” الذي تستند إليه الخطابات الرسمية.

كذلك يشير انسحاب النائبة السابقة نشوى الديب، وما رافقه من ممارسات، أزمة أعمق تتجاوز العملية الانتخابية إلى بنية المجال العام ذاته، الذي بات مغلقًا أمام التعددية والمساءلة، ومحصورًا بين معارضة رمزية وموالاة مدعومة بأدوات الدولة.

وفي ضوء هذا الواقع، يرى محللون ومراقبون أن الانتخابات الحالية لم تُقدَّم كاستحقاق ديمقراطي بقدر ما جرى التعامل معها كإجراء شكلي لتجديد الشكل المؤسسي دون تغيير في المضمون. وبينما تتواصل التحضيرات للمرحلة الثانية، تبقى الأسئلة الكبرى حول مستقبل التمثيل النيابي في مصر، وقدرة العملية السياسية على استعادة ثقة المواطنين، وفتح المجال أمام انتخابات تعكس الإرادة الشعبية لا تُصادرها.

شيماء حمدي
صحفية مصرية، تغطي الملفات السياسية والحقوقية، وتهتم بقضايا المرأة. باحثة في حرية الصحافة والإعلام والحريات الرقمية.

Search