خلال السنوات الأخيرة، توسعت الحكومة المصرية بالاعتماد علي، الكوك السياديةـ كألية لخف الدين وتعزيز الموارد، خاصة فيما يتعلق بالدخل الأجنبي، بلغت نحو 5 مليارات دولار في السوق الدولية، منذ الإعلان عن المشروع في 2023 وحتى نهاية 2025، وفي نوفمبر الماضي، طرحت وزارة المالية صكوكًا سيادية في السوق المحلية بقيمة 3 مليارات جنيه، كأول إصدار ضمن برنامج محلي حجمه الكلي المستهدف 200 مليار جنيه.
وتعرف الصكوك السيادية في مصر، وفقًا للقانون رقم 138 لسنة 2021، بأنها “أوراق مالية حكومية اسمية متساوية القيمة، قابلة للتداول في البورصة، تصدر لمدة محددة لا تتجاوز ثلاثين عامًا، وتمثل حصصًا شائعة في حقوق انتفاع بالأصول”. تختلف عن السندات التقليدية في أنها تعتمد على عقود متوافقة مع الشريعة الإسلامية مثل الإجارة والمرابحة بدلاً من الفائدة، وتُستخدم لتمويل مشروعات البنية التحتية، سد عجز الموازنة، أو دعم الاقتصاد.
ويصف مراقبون، الاعتماد على الصكوك السيادية باعتباره باب خلفي، لبيع “أصول الدولة”، كونه يسمح بحق الانتفاع بالأصول المصرية لسنوات تمتد إلى ثلاثة عقود، وقد أثار تخصيص مساحات واسعة من أراضي الدولة، مثل منطقة رأس شقير على البحر الأحمر، لاستخدامها كضمان للصكوك موجة جدل وتساؤلات حول ما إذا كان ذلك يمهّد فعليًا لبيع أو رهن أصول استراتيجية أو حدودية. مع أن القانون ينص على بقاء ملكية ” الرهن” للدولة، يخشى معارضون من أن العجز عن السداد قد يقود لاحقًا لمقايضة الدين بأصول، بما يعني تسييل أصول عامة لسداد التزامات مالية.
إبان هذا الجدل، أصدرت وزارة المالية المصرية بيانًا رسميًا أكدت فيه أن تخصيص قطعة الأرض يأتي في إطار إصدار صكوك سيادية تستهدف خفض الديون، وليس بيع الأرض أو التنازل عنها بأي صورة، مشددة على أن ملكية الأرض ستظل كاملة في حيازة الدولة ممثلة في الوزارة وجهات حكومية أخرى ذات صلة.
وأوضح البيان أن الوزارة ستوظّف جزءًا من الأرض للدخول في شراكات مع جهات حكومية وهيئات اقتصادية، بهدف خفض الدين عبر استبداله باستثمارات مشتركة تُحوّل الأرض إلى مشروعات خدمية وسياحية وعقارية. ووفقًا للبيان، فإن هذه الخطوة من شأنها توفير فرص عمل جديدة وتعزيز العائدين الاقتصادي والاستثماري للدولة المصرية.
وأعلنت وزارة المالية المصرية، في الرابع من نوفمبر، عن طرح أول إصدار من الصكوك السيادية في السوق المحلية عبر نظام المتعاملين الرئيسيين، بقيمة 3 مليارات جنيه (نحو 63.4 مليون دولار) وبأجل استحقاق يمتد لثلاث سنوات، وأوضحت أن ذلك يأتي “ضمن خطتها لتوسيع مصادر التمويل وتقليل تكلفته، وتعزيز المنافسة في سوق أدوات الدين، إلى جانب جذب شرائح جديدة من المدخرين للاستثمار في الأوراق المالية الحكومية”. مشيرةً إلى أن “الطرح يستهدف استقطاب فئة من المستثمرين المهتمين بالأدوات المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، بما يدعم تنويع أدوات الاقتراض وإطالة متوسط عمر محفظة الدين العام”.
وأضافت الوزارة أن الإصدار شهد إقبالًا قويًا، حيث تمت تغطيته بنحو خمسة أضعاف قيمته، مع قبول عائد يقل عن نظيره في السندات التقليدية. وبلغ متوسط العائد على الصكوك السيادية 21.56%، منخفضًا بنحو 0.262% عن السعر الاسترشادي للسندات التقليدية المصدرة خلال الأسبوع السابق البالغ 21.82%، كما تراجع متوسط العائد بنحو 14.3 نقطة أساس مقارنة بسندات الخزانة ذات الأجل المماثل والمصدرة في اليوم نفسه، والتي تم قبول العطاءات عليها بمتوسط عائد 21.703%.
وأشارت الوزارة إلى أن الطرح تم عبر السوق الأولية من خلال عطاءات عامة شاركت فيها 16 بنكًا من بنوك المتعاملين الرئيسيين، بالإضافة إلى البنوك الإسلامية الأربعة العاملة في مصر: بنك فيصل الإسلامي، وأبوظبي الإسلامي، والبركة، وبيت التمويل الكويتي. كذلك كشفت الوزارة عن إطلاق برنامج محلي لإصدارات الصكوك السيادية بهيكل إجارة متوافق مع مبادئ الشريعة الإسلامية، بقيمة إجمالية تبلغ 200 مليار جنيه، يتضمن تنفيذ عدة إصدارات تتمتع بالمعاملة الضريبية والمحاسبية نفسها المطبقة على سندات الخزانة. ويهدف البرنامج إلى توسيع قاعدة المستثمرين وخفض تكلفة خدمة الدين، مع إدراج إصدارات الصكوك ضمن الجدول الربع سنوي للطروحات المنشور على الموقع الإلكتروني للوزارة.
نوصي للقراءة: هل تملك مصر خطة للتخارج من شراكة صندوق النقد؟

لماذا تتوسع مصر بطرح الصكوك السيادية؟
يوضح أستاذ الاقتصاد السياسي الدكتور كريم العمدة، أن الصكوك السيادية تمثل أداة تمويل حديثة نسبيًا في السوق المصري، رغم استخدامها في دول العالم منذ سنوات طويلة. ويشير إلى أن الصكوك السيادية تشبه السندات من حيث كونها وسيلة لتمويل الدولة، لكنها تختلف في كونها تتوافق مع مبادئ الشريعة الإسلامية، موضحًا أن الصكوك يمكن أن تكون سيادية تصدرها الحكومة أو غير سيادية يصدرها القطاع الخاص، طالما التزمت بضوابط الشريعة.
ويشرح في حديثه إلى زاوية ثالثة أن الصكوك لا تُباع من خلال التنازل عن أصل مملوك للدولة، بل عبر حصة شائعة في حق الانتفاع أو في العائد المتحقق من الأصل، مؤكدًا أن الدولة تحتفظ بملكية الأصل كاملة، بينما يحصل المستثمر على جزء من الأرباح أو العائد الناتج عن تشغيله. ويصف هذا النموذج بأنه صيغة من صيغ الشراكة في الربحية دون الشراكة في الملكية، وبما يتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية.
ويضيف أن مدة الصكوك تمتد لفترة لا تتجاوز 30 عامًا، وأنها تجذب شريحة واسعة من المستثمرين خاصة في الدول العربية والخليجية والمؤسسات المالية التي تفضل توجيه استثماراتها إلى أدوات متوافقة مع الشريعة. كما يشير إلى أن العائد المتحقق من الصكوك يعود بالكامل إلى الموازنة العامة للدولة، باعتبارها واحدة من أدوات التمويل المتاحة عالميًا، وليست آلية مستحدثة أو مقتصرة على مصر.
ورغم أن الصكوك تبرز كأداة ضمن أدوات احتواء الدين العام، فإن العلاقة بينهما تبدو حتى الآن علاقة “نوعية” أكثر منها “حجمية”، وفق دراسات اقتصادية. فحجم الإصدارات من الصكوك، بالعملة الأجنبية والمحلية، ما زال يمثل نسبة محدودة من إجمالي الدين الخارجي والداخلي، مقارنةً بالرصيد الضخم المتراكم من القروض والسندات التقليدية. في الأرقام التقريبية المتاحة، تتراوح مساهمة الصكوك الدولية حول بضع مليارات من الدولارات مقابل دين خارجي يتجاوز 160 مليار دولار، أي أن أثرها على نسبة الدين إلى الناتج أو على هيكل الالتزامات الكلي يظل محدودًا عدديًا، حتى وإن حظيت بحضور سياسي وإعلامي مضاعف.
مع ذلك، تكتسب الصكوك وزنًا سياسيًا واقتصاديًا يفوق حصتها الرقمية لأنها تمثل توجهًا جديدًا في إدارة الدين والاعتماد على أصول الدولة وحقوق الانتفاع بها كضمانات. فاختيار توسيع استخدام الصكوك يعني عمليًا إعادة تشكيل مزيج أدوات التمويل عبر تحويل جزء من الاحتياجات التمويلية إلى أوراق مالية مضمونة بأصول أو منافع عامة، بدل الاعتماد الحصري على القروض والسندات غير المضمونة بأصول بعينها. من زاوية إدارة الدين، يمكن النظر إليها كأداة لمحاولة تنويع المستثمرين وخفض تكلفة الاقتراض في الهامش، لكنها في الوقت نفسه تعمّق اعتماد نموذج النمو على الاستدانة.
نوصي للقراءة: هل تخدعنا مؤشرات التعافي؟ ما تكشفه أرقام التعداد الاقتصادي السادس عن هشاشة النمو في مصر

الديون تلتهم الأخضر واليابس
يؤكد الخبير الاقتصادي ونائب رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، إلهامي الميرغني، في تصريحات خاصة لـ”زاوية ثالثة”، أن مصر تعاني من انفجار غير منضبط في الاستدانة يجري دون أي رقابة، وأحيانًا دون مبرر موضوعي للاقتراض، إذ تتجاوز الديون الخارجية 165 مليار دولار، بينما تخطو الديون المحلية حاجز 15 تريليون جنيه، وهو ما يشكل عبئًا هائلًا على الإنفاق الحكومي.
ويشير الميرغني إلى أن موازنة مصر (2025/2026) تكشف أن فوائد القروض تبلغ 2298 مليار جنيه، بينما تصل الأقساط إلى 2084.6 مليار جنيه، وبذلك تسدد الدولة 4382.6 مليار جنيه أقساطًا وفوائد تمثل 65% من إجمالي استخدامات الموازنة، بما يجعل المتاح لبقية بنود الإنفاق لا يتجاوز 35% فقط.
ويضيف أن البنك المركزي المصري يرفع في أحدث بياناته تقديراته لخدمة الدين الخارجي خلال عام 2026 بنحو 1.3 مليار دولار، ليصل إلى 29.18 مليار دولار مقابل 27.87 مليار دولار سابقًا. كما تكشف البيانات عن ارتفاع قيمة الأقساط المستحقة بنحو 1.1 مليار دولار لتسجل 23.79 مليار دولار. ويشدد على أن هذه هي المرة الثالثة التي يرفع فيها البنك تقديرات خدمة الدين للسنة المقبلة، ليصل إجمالي الزيادة إلى نحو 4.5 مليارات دولار.
ويحذر الميرغني من أن التوسع في الاقتراض الداخلي يزيد الأعباء على الاقتصاد المصري نتيجة ارتفاع الفوائد واستنزاف الموارد، إضافة إلى أن الجهاز المصرفي يصبح معتمدًا على شراء الديون المحلية ذات العائد المرتفع بدلاً من تمويل مشروعات التنمية، وهو ما يحقق عوائد كبيرة للبنوك، لكنه يعني أن أي إضافة جديدة للمديونية تتحول مباشرة إلى مزيد من الأعباء وتقليص فرص الإنفاق العام والاستثماري.
ويخلص إلى أن الطرح الجديد يقود إلى زيادة الديون المحلية وتفاقم أعباء خدمتها، مع تقليل الإنفاق العام والاستثماري، وتضييق فرص التنمية، بما يعني خفض معدلات النمو وعدم القدرة على تمويل المشروعات الضرورية لصالح تغطية الأعباء المتصاعدة لخدمة الدين.
وسجلت السنوات العشر الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في حجم الدين، حيث سجل في يونيو 2015 نحو 48 مليار دولار فقط، ليرتفع في نهاية 2016 إلى حوالي 55.8 مليار دولار، ومع بدء برنامج الإصلاح الاقتصادي المدعوم من صندوق النقد الدولي في 2016 وما تبعه من تحرير سعر الصرف، قفز الدين إلى 82.8 مليار دولار في 2017. واستمر التصاعد خلال السنوات التالية، فوصل إلى 96.6 مليار دولار في 2018، ثم 106.2 مليار دولار في 2019، ليتجاوز حاجز 123.5 مليار دولار في 2020.
وفي ظل تداعيات جائحة كورونا، ارتفع الدين الخارجي إلى 137.8 مليار دولار بنهاية 2021، ثم إلى 162.9 مليار دولار في نهاية 2022. وفي عام 2023 بلغ الدين حوالي 168 مليار دولار، قبل أن يتراجع قليلًا إلى 155 مليار دولار في يناير 2025 وفق أحدث بيانات البنك المركزي المصري.

نوصي للقراءة: تسريع بيع أصول الدولة.. من يضع السعر؟ ومن يشتري؟
تعافٍ حذر
نهاية أكتوبر الماضي، قدّم التعداد الاقتصادي السادس، الصادر قبل أيام، عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، صورة أحدث عن تركيب النشاط الاقتصادي وهيكل المنشآت في مصر، وبيّن تغيّرات في توزيع القطاعات وحجم منشآت الأعمال، لكن التعداد وحده لا يكفي للحكم على التعافي الاقتصادي من عدمه، وفقًا لمراقبين. كون المؤشرات النقدية والمالية والمؤشرات الخارجية التي تمثل من الناحية العملية، (النمو الحقيقي، التضخم، عجز الموازنة، مصادر العملة الأجنبية) تُظهر تحسّنًا ملموسًا منذ مطلع عام 2024 لكن مع هشاشة مستمرة.
فالبرغم من أن النمو عاد ليقترب من معدلات 4% إلى 4.5٪ في (2024/2025)، وفق التعداد الأخير، كذلك تراجع معدل التضـخم السنوي الإجمالي إلى 6.8% في ديسمبر، لكن العجز العام، الدين العام، وضغوط التجارة الخارجية والاعتماد على تدفقات استثنائية ممثلة في الاستثمارات الخليجية واتفاقات بيع أراضٍ، ما زالت تشكل مخاطر على الاستدامة، وتنذر وفقاً لمراقبين باحتمالات غير متفائلة، بحسب تقرير نشرته زاوية ثالثة.
ونهاية سبتمبر الماضي، أعلنت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي عن نمو الاقتصاد المصري خلال العام المالي (2024-2025) بنسبة 4.4٪، مقارنة بـ 2.4٪ في العام المالي السابق. وأوضحت الوزارة أن الناتج المحلي الإجمالي سجل معدل نمو ربع سنوي بلغ نحو 5٪ في الربع الرابع من العام المالي (2024-2025)، وهو الأعلى منذ ثلاثة أعوام، مقارنةً بنفس الربع من العام السابق الذي سجل 2.4٪، وفق البيان.
ويبدأ العام المالي في مصر في الأول من يوليو وينتهي في 30 يونيو من العام التالي. وأكدت الوزارة أن الأداء الاقتصادي، خلال العام المالي الماضي، ساهم في رفع معدل النمو السنوي إلى 4.4٪، متجاوزًا معدل النمو المستهدف للعام البالغ 4.2٪، واصفة ذلك بأنه يعكس مرونة الاقتصاد المصري في مواجهة الصدمات الخارجية المتكررة، مشيرة إلى أن النمو جاء نتيجة السياسات الاقتصادية الداعمة لاستقرار الاقتصاد الكلي، وحوكمة الإنفاق الاستثماري، وتعزيز مساهمة القطاع الخاص، ضمن إطار البرنامج الوطني للإصلاحات الهيكلية.
وأوضحت الوزارة أن النمو في الربع الرابع من العام المالي جاء مدفوعًا بأداء قوي لعدة قطاعات رئيسية، أبرزها: قطاع السياحة، والصناعات التحويلية غير البترولية، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. كذلك شهد مؤشر الصناعة التحويلية غير البترولية ارتفاعًا بنسبة 18.8٪ خلال الربع الرابع، مقارنة بـ 4.7٪ في الربع نفسه من العام السابق، مدعومًا بتوسع صناعات مثل المركبات (126٪)، والمستحضرات الصيدلانية (52٪)، والملابس الجاهزة (41٪).
وقد أظهرت نتائج التعداد الاقتصادي السادس في مصر أن 99.85% من المنشآت الاقتصادية مملوكة للقطاع الخاص، ما يعكس انحسارًا شبه تام لدور القطاع العام في النشاط المباشر، لكنه لا يعني بالضرورة تطورًا في الكفاءة أو الإنتاجية. بلغ عدد هذه المنشآت نحو 3.852 مليون منشأة من إجمالي 3.858 مليون منشأة على مستوى الجمهورية، مقابل 0.15% فقط للقطاع العام وقطاع الأعمال العام.
يرى -الخبير الاقتصادي ورئيس مجلس أمناء حزب التحالف الشعبي الاشتراكي-، زهدي الشامي في حديث مع زاوية ثالثة أن مصر باتت تعيش تحت وقع “أخبار الخصخصة والبيع” بشكل شبه يومي، وكأنها تحولت إلى السياسة الاقتصادية الوحيدة المتاحة، متسائلًا: “هل يمكن أن يمثل ذلك فعلًا خيارًا اقتصاديًا رشيدًا؟”.
ويوضح الشامي أن الحكومة بعدما دفعت الدين الخارجي إلى حدود 150 مليار دولار، وأصبحت عاجزة عن تدبير قروض جديدة كما في السابق، اختارت طريق بيع الأصول لسداد الالتزامات، مشددًا على أن هذه السياسة لا تقدم حلًا للأزمة، بل تحرم الدولة من عوائد مشروعات رابحة مثل شركات الأسمدة وأبو قير وموبكو والشرقية للدخان وشركات الأدوية والبنوك، فضلًا عن السماح للمستثمر الأجنبي بتحويل أرباحها إلى الخارج بالعملة الصعبة، ما يفاقم الضغوط بدل معالجتها.
ويؤكد السياسي والخبير الاقتصادي في حديثه معنا أن ما يجري هو “بيع لما لا تملك لمن لا يستحق”، مؤكدًا أن الحكومة تضحّي بمستقبل الأجيال الحالية والقادمة، مشيرًا إلى أن المخاطر لا تقتصر على الاقتصاد، بل تمتد إلى الأمن القومي بعد طرح الموانئ وخصخصة المطارات، معتبرًا أن هذه الخطوة بالغة الخطورة.
من جهتها ترى الدكتورة تغريد بدر الدين، – مدرس الاقتصاد المساعد بكلية السياسة والاقتصاد-، جامعة بني سويف، أن ما يشهده الاقتصاد المصري في الوقت الراهن يمكن وصفه بمرحلة “تعافٍ حذر”، مؤكدة أن مؤشرات الأداء الكلي تُظهر تحسنًا ملموسًا في النمو والاستقرار النقدي، لكنها لا تزال بحاجة إلى دعم إصلاحي عميق لضمان استدامتها.
وتوضح تغريد في تصريحات خاصة لـ”زاوية ثالثة”، إن أن تقديرات صندوق النقد الدولي الصادرة في مايو 2025 تشير إلى أن الاقتصاد المصري مرشح لتحقيق معدل نمو يبلغ 4.3% خلال عام 2025، مقارنة بـ3% فقط في العام السابق، كما رفع البنك الدولي توقعاته إلى 4.2% خلال العام المالي (2025/2026)، مع إمكانية بلوغ 4.6% في العام التالي. مرجعة هذا التحسن إلى زيادة الاستثمارات الأجنبية في البنية التحتية والطاقة، بالإضافة إلى تنفيذ برنامج إصلاح مالي ونقدي جديد بقيمة 8 مليارات دولار بدعم من صندوق النقد الدولي.
فيما أشار التعداد إلى أن معظم المنشآت الخاصة صغيرة الحجم، محدودة رأس المال، وتعمل في قطاعات منخفضة القيمة المضافة مثل الخدمات التجارية والتجزئة، مما يعكس انحسارًا شبه تام لدور القطاع العام في النشاط الاقتصادي المباشر دون بالضرورة دلالة على تطور في الكفاءة أو الإنتاجية، كذلك أوضح أن عدد المشتغلين في هذه المنشآت وصل إلى حوالي 15.234 مليون مشتغل، منهم 14.311 مليون في القطاع الخاص بنسبة 93.9%، رغم أن الأجور المدفوعة في القطاع الخاص تستحوذ على 80.2% من إجمالي الأجور. وهذه البيانات تعكس نموذج الاقتصاد المصري الذي يعتمد بشكل كبير على منشآت القطاع الخاص الصغيرة وغير الرسمية في نشاطات ذات قيمة مضافة منخفضة.
واخيرًا يمكن القول إن الصكوك السيادية في مصر تمثل محاولة لإعادة تشكيل أدوات التمويل الحكومي وتنويع مصادر الدين، بما يفتح الباب أمام جذب استثمارات جديدة ومتوافقة مع الشريعة الإسلامية، وتعزيز العائد الاقتصادي للدولة. ومع ذلك، تبقى مساهمتها العددية في خفض إجمالي الدين محدودة، مقارنة بالرصيد الضخم من القروض والسندات التقليدية، ما يجعل تأثيرها على الاستدامة المالية محدودًا نسبيًا. وفي ظل استمرار النمو الاقتصادي الهش واعتماد الاقتصاد على الاستدانة والتدفقات الأجنبية المؤقتة، فإن نجاح الصكوك السيادية في تحقيق أهدافها يتوقف على قدرتها على دمج التمويل بالاستثمار المنتج وتقليل المخاطر المرتبطة بأصول الدولة، مع المحافظة على ملكيتها والسيطرة على استخداماتها. وهكذا، تظل الصكوك السيادية أداة واعدة من الناحية السياسية والاقتصادية، لكنها ليست حلاً شاملاً لمعالجة التحديات البنيوية التي يواجهها الاقتصاد المصري.