close

أوروبا تدفع، مصر تحرس، و17 مصريًا يغرقون قبالة مطروح

17 جثة لمصريين تراوحت أعمارهم بين 16 و28 عامًا عُثر عليها في قارب مطاطي على شاطئ سيدي براني بعد أن ظل تائهًا في عرض البحر أسابيع، فيما تكشف الأرقام أن أكثر من 16 ألف مصري عبروا غير نظاميين من الساحل الليبي عام 2025 وحده، بعد أن حوّل التشديد الأمني على السواحل المصرية مسار الرحلة لا دوافعها.
Picture of آية ياسر

آية ياسر

منتصف مايو الجاري، أعلنت مؤسسة “العابرين لمساعدة المهاجرين والخدمات الإنسانية”  العثور السكان المحليون، على قارب  مطاطي  صغير، يحمل 17 جثة متحللة لمهاجرين غير نظاميين، قبالة شاطئ أبو غليلة بمدينة سيدي براني غرب محافظة مطروح، قرب الحدود المصرية الليبية، في حادثة أعادت تسليط الضوء على تصاعد مخاطر الهجرة غير النظامية عبر البحر المتوسط، وخاصة المسار الوسطي الممتد من السواحل الليبية نحو أوروبا.

وتُرجح المعطيات الأولية إلى أن الرحلة انطلقت من السواحل الليبية أو من مناطق قريبة منها، في محاولة للوصول إلى أوروبا عبر البحر المتوسط، غير أن الضحايا الذين كانوا على متنه لاقوا حتفهم نتيجة الجوع والعطش، بعد أن ظل القارب عالقًا أو تائهًا في عرض البحر لفترة طويلة قد تمتد لأسابيع، قبل أن تجرفه الأمواج نحو الساحل المصري.

وتمكنت السلطات المصرية من التعرف على هوية سبعة مصريين من بين الضحايا، عبر بطاقات الرقم القومي التي عُثر عليها ضمن متعلقاتهم، وتراوحت أعمارهم بين 16 و28 عامًا، ينحدرون من محافظات البحيرة والغربية والدقهلية والقليوبية والجيزة وأسيوط، فيما أعاقت حالة التحلل الشديدة عمليات التعرف على بقية الجثامين.

وفي أول تحرك برلماني، عقب الحادث، تقدم النائب أيمن محسب بطلب إحاطة للحكومة بشأن تصاعد الهجرة غير النظامية بين الشباب المصري، محذرًا من تنامي نشاط شبكات تهريب البشر عبر مسارات بديلة تمر بليبيا وتركيا وشرق المتوسط، رغم الإعلان رسميًا عن توقف انطلاق القوارب مباشرة من السواحل المصرية منذ 2016.

 وأشار النائب إلى ارتفاع أعداد المهاجرين المصريين غير النظاميين إلى أوروبا من 709 حالات عام 2018 إلى أكثر من 21 ألفًا في 2022، مع استمرار المعدلات المرتفعة خلال 2023 وظهور المصريين ضمن أبرز الجنسيات الواصلة عبر المتوسط في 2024 و2025، داعيًا إلى مراجعة السياسات الحالية، وعدم الاكتفاء بالحلول الأمنية، مع تعزيز الحماية الاجتماعية والتأهيل والاقتصادي للشباب بالمناطق الأكثر تصديرًا للهجرة.

ويلفت إلى أن هذه الحادثة ليست الأولى من نوعها؛ إذ عُثر على 10 جثث لمهاجرين غير نظاميين، بينهم 8 مصريين، على شاطيء “بق بق” بمدينة سيدي براني غرب مرسى مطروح، في 10 يونيو 2025 يُعتقد أنهم جاؤوا من ليبيا وكانوا في طريقهم لأوروبا عبر البحر المتوسط.

 وبحسب مشروع المهاجرين المفقودين التابع للمنظمة الدولية للهجرة، هناك أكثر من 32000 حالة وفاة موثقة في البحر الأبيض المتوسط ​​منذ عام 2014، بينما لا يزال عدد غير معروف في عداد المفقودين، فيما شهدت الأشهر الأولى من 2026 ارتفاعًا ملحوظًا في أعداد الضحايا مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، ما يجعل البحر المتوسط أحد أكثر طرق الهجرة فتكًا في العالم.

في السياق ذاته يوضح نور خليل، الباحث في سياسات الهجرة واللجوء ومدير منصة اللاجئين في مصر، أن حالة الجثامين التي عُثر عليها داخل القارب قبالة ساحل سيدي براني تشير إلى أن الضحايا ظلوا عالقين في البحر لفترة طويلة تجاوزت غالبًا عشرة أيام،  وسط درجات حرارة مرتفعة، دون وسائل استغاثة أو ملاحة تساعدهم على النجاة، مثل هاتف “الثريا”، أو البوصلة ووسائل تحديد الاتجاه، ما أدى إلى فقدان مساره في عرض البحر.

ويؤكد أن الحادثة ليست الأولى من نوعها، ولن تكون الأخيرة طالما استمرت الدولة في التعامل مع ملف الهجرة من زاوية أمنية فقط، دون معالجة الأسباب الحقيقية التي تدفع الشباب والأطفال إلى المخاطرة بحياتهم، معتبرًا أن الأولوية يجب أن تكون لعمليات البحث والإنقاذ وحماية المهاجرين، وليس فقط ملاحقة شبكات التهريب.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “البيانات الأوروبية نفسها تعكس فشل المقاربة الحالية، لأن أعداد المصريين الواصلين إلى أوروبا ارتفعت خلال السنوات الأخيرة، حتى أصبحت مصر من بين أعلى الجنسيات الإفريقية وصولًا إلى الاتحاد الأوروبي، وهو ما يعتبر دليلًا على أن سياسات الردع والأمنية لم تنجح لا في وقف الهجرة ولا في حماية المهاجرين”.

 ويضيف مدير منصة اللاجئين أن “تحويل ملف الهجرة إلى ملف أمني ودبلوماسي أدى إلى مزيد من الانتهاكات، بدلًا من معالجة الأسباب التي تدفع الناس إلى الهجرة”.

ويرى أن قانون مكافحة الهجرة غير الشرعية الصادر عام 2016 وتعديلاته في 2022، ركّز على التجريم والعقاب دون توفير إطار فعّال لحماية الضحايا أو معالجة جذور الظاهرة، مشيرًا إلى أن اللجنة الوطنية لمكافحة الهجرة غير الشرعية وصندوق حماية الضحايا والمبلغين والشهود لم يؤديا دورًا حقيقيًا على الأرض، في وقت تتزايد فيه أعداد الضحايا والمفقودين.

كذلك ينتقد الشراكات الأوروبية مع مصر في ملف الهجرة، معتبرًا أن التمويل الأوروبي المخصص لما يسمى حوكمة الهجرة وحراسة الحدود يذهب في الأساس إلى دعم المقاربة الأمنية والعسكرية، دون شفافية كافية بشأن أوجه إنفاقه أو تأثيره الفعلي.

 

ويتابع: “في حين يتم تقديم الدعم الأوروبي لإعادة المهاجرين لدول شمال أفريقيا بينها مصر، تجرم عمليات البحث والإنقاذ، وآخرها قضية سي ووتش 5، في مايو الجاري، والتي فتحت خلالها إيطاليا تحقيق جنائي من ضد كابتن السفينة بالمساعدة في وصول غير نظامي لمهاجرين، وفي خضم عمليات الدفع للخلف ومنع الإنقاذ وتقاعس الدول عن تنفيذ واجبها في الإنقاذ يفقد الآلاف أو يموتون أو يعادون إلى مراكز احتجاز مميتة

 

ومنذ تشديد الرقابة الأمنية على السواحل المصرية عام 2017، تراجعت محاولات الانطلاق المباشر من مصر، بينما تصاعد الاعتماد على المسار الوسطي للبحر المتوسط عبر السواحل الليبية، خصوصًا من مناطق شرق ليبيا مثل طبرق، باتجاه إيطاليا أو اليونان، لا سيما جزيرتي كريت وغافدوس.

ووفق بيانات وكالة حرس الحدود الأوروبية “فرونتكس”، رُصدت 3292 حالة لمهاجرين مصريين على طول طريق وسط البحر الأبيض المتوسط ​​إلى الاتحاد الأوروبي في الفترة بين يناير ومايو 2022، وكانت الجنسية المصرية الأكثر شيوعًا بنسبة 20%، فيما سجلت الوكالة أكثر من 16 ألف عبور غير نظامي لمصريين خلال عام 2025، انطلقوا من الساحل الليبي، بينهم 8715 حالة وصلوا إلى إيطاليا، 7371 حالة وصلوا إلى اليونان، رغم انخفاض إجمالي أعداد العابرين إلى أوروبا بنسبة 26% مقارنة بالعام السابق.

وبحسب المنظمة الدولية للهجرة، شكّل المصريون ثاني أكبر مجموعة من المهاجرين غير النظاميين الذين دخلوا الاتحاد الأوروبي العام 2025، بعد البنغلاديشيين، ووفقًا للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فإن ما يقرب من 26 ألف مصري يطلبون اللجوء حاليًا في إيطاليا، مقابل أقل من 3 آلاف مصري في فرنسا.

 

نوصي للقراءة: الهجرة غير النظامية من مصر: جهود الحكومة غيرت مسار الرحلة فقط

مسارات خطرة وحراس حدود

على مدار تسع سنوات مرت على حادث غرق مركب صيد، قبالة سواحل مدينة رشيد بمحافظة البحيرة، في سبتمبر عام 2016 (كان يقل عددًا يتراوح بين 450 إلى 600 مهاجر غير شرعي، وراح ضحيته أكثر من 204 شخص)، قالت  السلطات المصرية إنها تمكنت من غلق الباب أمام مراكب الهجرة غير النظامية التي كانت تخرج من السواحل المصرية إلى أوروبا مباشرة عبر البحر المتوسط، معتمدة في ذلك على الحلول الأمنية، التي رأى حقوقيون أنها قد شابتها انتهاكات بحق أشخاص وجهت لهم تهم التهريب والاتجار بالبشر، وتم حبسهم احتياطيًا لسنوات.

من جهته يرى حليم حنيش، المحامي الحقوقي والاستشاري بمنصة اللاجئين، أن السلطات المصرية نجحت منذ حادثة مركب رشيد عام 2016 في الحد من انطلاق قوارب الهجرة غير النظامية مباشرة من السواحل المصرية، وكان هذا الملف ظل أحد أبرز الرسائل التي تقدمها الحكومة المصرية لشركائها الأوروبيين باعتباره دليلًا على نجاحها في ضبط الحدود ومنع تدفقات الهجرة.

ويوضح أن الدولة اعتمدت خلال السنوات الماضية على ما وصفه بـ”عسكرة الحدود”، عبر تعزيز التواجد الأمني وتطوير معسكرات ومراكز مراقبة في مناطق ساحلية مثل مطوبس وبرج مغيزل وكفر الشيخ، وهي مناطق تُعرف تاريخيًا بنشاط الصيد وانطلاق بعض رحلات الهجرة، ورغم ذلك يعتبر حنيش أن نجاح السلطات في منع تحرك القوارب من السواحل المصرية لا يعني بالضرورة معالجة أزمة الهجرة غير النظامية أو تقليص دوافعها الأساسية.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “المصريون ما زالوا ضمن أكثر الجنسيات وصولًا إلى السواحل الأوروبية عبر البحر المتوسط، رغم تشديد الرقابة داخل مصر، لافتًا إلى أن الرغبة في الهجرة لم تتراجع، وإنما تغيرت مساراتها، مع تحول ليبيا إلى نقطة العبور الرئيسية للمهاجرين المصريين”.

ويشرح أن المسار الليبي ينطوي على مخاطر مضاعفة مقارنة بالانطلاق المباشر من مصر، إذ لا يقتصر الخطر على عبور البحر، بل يمتد إلى الطريق البري داخل الأراضي الليبية، في ظل حالة الانفلات الأمني وانتشار الميليشيات والجماعات المسلحة وشبكات التهريب، لافتًا إلى أن المهاجرين قد يتعرضون للاحتجاز من قبل ميليشيات أو مهربين يطالبون ذويهم بدفع فديات مالية مقابل إطلاق سراحهم، بينما يواجه آخرون الاحتجاز والترحيل إذا أوقفتهم السلطات الرسمية.

 

وتحتل مصر المرتبة الثانية مــن حيث أعداد المهاجرين غير النظاميين عبـر الطريـق البحري مـن البحر المتوسـط والبري إلى أوروبا، إذ وصل إلى نحو 7938 مهاجـرًا منـذ يناير 2021 وحتى ديسمبر من العام نفسه، ولاسيما إلـى اليونان ومالطا وإيطاليا، بحسب دراسة، للمنتدى الاستراتيجي للسياسات العامة ودراسات التنمية “دراية”.

ويأتي المصريون في المركز الثاني بقائمة المهاجرين إلى أوروبا، عبر المنطقة الوسطى لحوض البحر المتوسط، والتي تشمل السواحل التونسية والليبية، وهو الطريق الذي يوصف بأنه الأخطر، واحتلت ليبيا المرتبة الأولى في عدد المهاجرين المتجهين إلى إيطاليا منذ بداية العام 2024، بحسب تقارير المنظمات المعنية بالهجرة غير القانونية.

وفيما يتعلق بالتعاون الأوروبي مع مصر في ملف الهجرة، يعتقد المحامي الحقوقي أن الاتحاد الأوروبي يركز بصورة أساسية على منع وصول المهاجرين إلى السواحل الأوروبية، عبر دعم دول شمال أفريقيا ماليًا وسياسيًا للقيام بدور حراس الحدود، وفي هذا السياق يشير إلى اتفاق الشراكة الاقتصادية الأخيرة بين مصر والاتحاد الأوروبي، التي تتضمن حزمة تمويلية بمليارات اليورو، تعطي الأولوية لوقف تدفقات الهجرة أكثر من معالجة الانتهاكات أو الخسائر البشرية المرتبطة بها.

ويرى أن الحكومة المصرية توظف ملف الهجرة غير النظامية للحصول على دعم تمويلات خارجية، بينما لا يجري التعامل بصورة كافية مع الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الشباب إلى مغادرة البلاد والمخاطرة بحياتهم في البحر، معتبرًا أن الاستراتيجيات الرسمية الخاصة بمكافحة الهجرة غير النظامية تركز بدرجة أكبر على الردع الأمني ومنع الخروج، دون تقديم حلول جذرية للأزمة.

وخلال السنوات الأخيرة كثف الاتحاد الأوروبي تعاونه مع ليبيا ومصر في ملف مكافحة الهجرة غير النظامية، عبر دعم خفر السواحل وبرامج إدارة الحدود، ممولًا مشروعًا بقيمة 80 مليون يورو في عام 2022، يشمل تجهيزات وتدريب، ووقعت مصر والاتحاد الأوروبي في مارس 2024 اتفاقية “الشراكة الاستراتيجية الشاملة” بقيمة 7.4 مليار يورو، تضمنت 200 مليون مخصصات لدعم إدارة الهجرة ومكافحة التهريب وتعزيز الرقابة الحدودية.

غير أن هذه السياسات تواجه انتقادات حقوقية متزايدة، إذ ترى منظمات دولية، من بينها العفو الدولية أن التركيز على إغلاق الحدود وردع المهاجرين يدفعهم إلى سلوك طرق أكثر خطورة، ويزيد اعتمادهم على شبكات التهريب، دون معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع آلاف الشباب إلى المخاطرة بحياتهم.

 

نوصي للقراءة: من قرى مصر إلى سجون ليبيا: قُصّر في قبضة الابتزاز والصمت الرسمي

ليبيا كنقطة عبور بديلة

تُعد ليبيا مركزًا رئيسيًا لشبكات تهريب المهاجرين بسبب موقعها الجغرافي وقربها من السواحل الأوروبية، إضافة إلى الانقسام السياسي وانتشار الميليشيات المسلحة منذ عام 2011، وتفيد تقارير أممية وحقوقية بأن آلاف المهاجرين يتعرضون لانتهاكات واسعة داخل الأراضي الليبية، سواء خلال الاحتجاز أو أثناء محاولات العبور البحري، تتضمن: (القتل، التعذيب، العنفال جنسي، الاتجار بالبشر).

وتسهم شبكات تهريب المهاجرين في توسيع الظاهرة، مستفيدة من الأوضاع الأمنية الهشة في ليبيا، ومن الطلب المتزايد على الهجرة، وتعمل هذه الشبكات ضمن هياكل عابرة للحدود تضم سماسرة ووسطاء ومهربين، بينما يتحول كثير من عمليات التهريب إلى أنماط من الاتجار بالبشر، تشمل الاحتجاز القسري والابتزاز والتعذيب والعمل القسري والاستغلال الجنسي.

 

بدوره يشرح طارق لملوم، الباحث في قضايا المهاجرين وطالبي اللجوء في ليبيا ومدير مركز بنغازي لدراسات الهجرة، أن العثور على جثث متحللة لمهاجرين داخل قوارب هجرة غير نظامية لم يعد حادثًا استثنائيًا، بل أصبح جزءًا متكررًا من مشهد الهجرة عبر البحر المتوسط، مشيرًا إلى أن كثيرًا من حوادث الغرق أو اختفاء القوارب تمر دون توثيق أو اكتشاف، وخو أمر متكرر في الرحلات التي تنطلق عبر زوارق متهالكة يشرف عليها مهربون وتجار بشر.

ويوضح أن بعض شبكات التهريب كانت في السابق تحرص نسبيًا على توفير حد أدنى من مقومات الرحلة، مثل الوقود أو سترات النجاة، إلا أن الفترة الأخيرة شهدت دخول مجموعات وصفها بـ”المتهورة” إلى سوق التهريب، تضم أشخاصًا كانوا يعملون سابقًا مع المهربين، ويتعاونون مع عناصر مرتبطة بأجهزة أمنية أو خفر السواحل لتسهيل خروج القوارب من نقاط عشوائية ودون تجهيزات أساسية.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “المهاجرين يُدفعون أحيانًا بالقوة إلى الصعود على متن القوارب، رغم الوعود التي يحصلون عليها بشأن توافر سترات النجاة أو وجود خطة آمنة للعبور، موضحًا أن تعطل المحركات بعد ساعات قليلة من الإبحار يؤدي إلى نفاد المياه والطعام، ومن ثم وفاة الركاب تدريجيًا بسبب الجوع والعطش”، مشيرًا إلى أن بعض الشهادات السابقة أفادت بأن المهربين كانوا يلقون الجثث في البحر تباعًا مع تزايد أعداد الوفيات داخل القوارب.

ويعتبر مدير مركز بني غازي أن هذه الحوادث تكشف عن التجاهل المتعمد من جانب الجهات المسؤولة عن مراقبة البحر وإنقاذ المهاجرين، متهمًا بعض أجهزة خفر السواحل في دول المتوسط، ومنها ليبيا واليونان وتركيا، بتجاهل نداءات الاستغاثة أو التعامل العنيف مع القوارب لإجبارها على العودة. 

ويضيف: “مسؤولية البحث والإنقاذ لا تقع على ليبيا وحدها، بل تشمل أيضًا الدول الأوروبية المطلة على المتوسط، مثل إيطاليا ومالطا، التي تمتلك قدرات مراقبة بحرية واسعة، لكنها تركز على سياسات الردع والمنع أكثر من حماية أرواح المهاجرين”.

ويرى أن تشديد الرقابة على السواحل المصرية نجح فعليًا في الحد من انطلاق القوارب المباشرة من مصر، لكنه دفع آلاف المصريين، وبينهم أعداد متزايدة من القاصرين، إلى استخدام ليبيا كنقطة عبور بديلة، رغم ما تمثله من مخاطر مضاعفة. وأكد أن ليبيا، في ظل الانقسام الأمني وانتشار الجماعات المسلحة، لا يمكن اعتبارها مسارًا آمنًا للهجرة، موضحًا أن المهاجرين يواجهون هناك مخاطر الغرق والخطف والاحتجاز والابتزاز.

ويعتقد أن إغلاق المسارات الآمنة يدفع المهاجرين إلى سلوك طرق أكثر خطورة عبر ليبيا. وأضاف أن المهاجر الذي كان يمكن أن يغادر مباشرة من مصر بات مضطرًا اليوم لعبور مسارات برية وبحرية أكثر تعقيدًا وخطورة داخل الأراضي الليبية.

كذلك يشير إلى تصاعد ظاهرة هجرة القاصرين المصريين غير المصحوبين بذويهم، لافتًا إلى تسجيل حالات لأطفال تتراوح أعمارهم بين 10 و15 عامًا دخلوا ليبيا بمفردهم تمهيدًا لمحاولة العبور إلى أوروبا، بجانب تزايد مشاركة النساء في رحلات الهجرة، مستشهدًا بحالات لأمهات مصريات فقدن أبناءهن خلال حوادث غرق، بينما نجا بعض أفراد الأسرة.

ويعد 58% من المهاجرين غير النظاميين المصريين، هم أطفال دون الـ18 عامًا، بحسب تقرير للجنة الوطنية لمكافحة الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر.

ويؤكد لملوم أن المهاجرين يتعرضون لعمليات احتجاز وخطف متكررة من قبل شبكات تهريب وعصابات مسلحة تنشط قرب الحدود الليبية المصرية، خصوصًا في منطقة مساعد الحدودية؛ إذ أن بعض المهاجرين، حتى بعد دفع تكاليف الرحلة، يُحتجزون داخل مخازن أو أماكن احتجاز غير رسمية، ثم تُطلب من ذويهم فديات إضافية للإفراج عنهم، وقد يستمر احتجازهم لأشهر.

ويتابع: “المهاجرين الذين تتم إعادتهم من البحر إلى ليبيا، خاصة في المناطق الغربية، يتعرضون أحيانًا لعمليات ابتزاز وخطف جديدة، في ظل غياب أي ضمانات قانونية أو حماية فعلية، وسطمحدودية قدرة السفارة والقنصلية المصريتين على الوصول إلى جميع أماكن الاحتجاز أو السجون داخل ليبيا، بسبب تعقيدات الوضع الأمني”.

ويتهم جهات أمنية وعناصر – لم يُسمّها- مرتبطة بخفر السواحل والمجموعات المسلحة، بالتورط المباشر أو غير المباشر في تسهيل عمليات التهريب، معتبرًا أن الاتجار بالبشر في ليبيا لم يعد مجرد نشاط فردي، بل تحول إلى منظومة منظمة ومتشعبة تعززت منذ عام 2011، وأصبحت أكثر نفوذًا وانتشارًا مع مرور الوقت.

وفيما يتعلق بملف المهاجرين المفقودين، يُبيّن أن ليبيا تفتقر إلى قاعدة بيانات دقيقة توثق أعداد المهاجرين المفقودين أو الغرقى، خاصة من المصريين، مشيرًا إلى أن بعض القوارب تختفي بالكامل دون العثور على أي أثر لها، بينما بعض العائلات تتجنب الإبلاغ عن فقدان أبنائها، إما خوفًا من الوصمة الاجتماعية أو تمسكًا بأمل بقائهم على قيد الحياة، رغم مرور سنوات على اختفائهم دون أي تواصل.

 

نوصي للقراءة: أحلام الهجرة: مسارات خطرة يقطعها أطفال من الريف المصري

الحلول الأمنية لا تكفي

يعكس حادث العثور على جثث متحللة لمهاجرين داخل قارب مطاطي قبالة سواحل مطروح، استمرار ظاهرة الهجرة غير النظامية عبر البحر المتوسط، رغم تشديد الإجراءات الأمنية والرقابة على السواحل خلال السنوات الماضية، بحسب  الدكتور أيمن زهري، رئيس الجمعية المصرية لدراسات الهجرة، الذي يرى أن محاولة عبور البحر المتوسط باستخدام قارب مطاطي تعكس ضعف إدراك المهاجرين لحجم المخاطر المرتبطة بهذه الرحلات، خاصة في ظل طبيعة البحر المتوسط وصعوبة الإبحار فيه خلال بعض فترات العام.

ويعتبر أن جوهر الأزمة يرتبط باستمرار الاختلالات الاقتصادية والتنموية بين دول الشمال والجنوب، إضافة إلى الأزمات السياسية والصراعات المسلحة التي تدفع أعدادًا متزايدة من الأشخاص إلى البحث عن فرص أو أوضاع أكثر استقرارًا خارج بلدانهم الأصلية؛ إذ أن دول شمال أفريقيا، ومنها مصر، باتت تؤدي دورًا مزدوجًا باعتبارها مناطق منشأ للهجرة غير النظامية ومناطق عبور في الوقت نفسه نحو أوروبا.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “ظاهرة الهجرة غير النظامية في مصر مستمرة منذ ما يقرب من ثلاثة عقود، ونطاق المحافظات والقرى المصدّرة للمهاجرين يتوسع تدريجيًا، وهو ما يعكس حجم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية الواقعة على الشباب، وما يشجع مزيد من الشباب على خوض التجربة، هو انتشار قصص نجاح مرتبطة بالهجرة”.

ورغم أن التشريعات المصرية المتعلقة بمكافحة تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر تتضمن عقوبات رادعة، خاصة بعد تعديلات قانون مكافحة الهجرة غير الشرعية الصادر عام 2016، يؤكد زهري أن تشديد العقوبات يؤدي في المقابل إلى ارتفاع تكلفة خدمات التهريب، مشيرًا إلى أن بعض الشباب يدفعون مبالغ تصل إلى 400 أو 450 ألف جنيه مقابل الرحلة، نتيجة زيادة المخاطر والتضييق الأمني، ومؤكدًا صعوبة القضاء على شبكات التهريب، لأنها تلبي طلبًا قائمًا على خدمات الهجرة غير النظامية.

ويضيف: “المقاربة الأمنية والقانونية، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لوقف الظاهرة، في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية وضعف الفرص المتاحة للشباب. وأضاف أن الاقتصاد غير الرسمي لا يزال يشكل آلية مهمة لاستيعاب جزء من العمالة وتخفيف اختلالات سوق العمل، معتبرًا أن العمل في هذا القطاع قد يمثل بديلًا مؤقتًا للشباب إلى حين تحسن الظروف الاقتصادية وتوفر فرص أكثر استقرارًا”.

ويربط رئيس الجمعية بين تصاعد الظاهرة وبين اختلالات سوق العمل، موضحًا أن الاقتصاد المصري يستقبل سنويًا نحو مليون شخص من الداخلين الجدد إلى سوق العمل، في حين لا يوفر سوى ما يقرب من نصف هذا العدد من فرص العمل، سواء عبر الوظائف الجديدة أو الوظائف الإحلالية الناتجة عن التقاعد، مشيرًا إلى ضعف تأهيل الشباب لسوق العمل، نتيجة هشاشة النظام التعليمي على مدار عقود، وعدم قدرته على إعداد كوادر تمتلك المهارات المطلوبة للمنافسة في سوق العمل الحديث.

وفيما تتواصل انتشال الجثامين وتتكرر حوادث الغرق والاختفاء في البحر المتوسط، تبدو الهجرة غير النظامية أبعد من مجرد أزمة حدود أو ملف أمني، بل انعكاسًا لاختلالات اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة تدفع آلاف الشباب، وبينهم أطفال، إلى المجازفة بحياتهم بحثًا عن حياة أفضل. 

وبينما تراهن الحكومات الأوروبية ودول العبور على تشديد الرقابة على الحدود ومكافحة أنشطة تهريب المهاجرين، تعكس الحوادث المتكررة والإحصائيات أن الحلول الأمنية لم توقف الهجرة، بل دفعتها نحو مسارات أكثر خطورة عبر ليبيا، حيث تتقاطع شبكات التهريب مع الانتهاكات المسلحة والابتزاز. 

آية ياسر
صحافية وكاتبة وروائية مصرية حاصلة على بكالوريوس الإعلام- جامعة القاهرة.

Search