تجددت الاشتباكات بين الأمن والأهالي داخل جزيرة الوراق خلال الأيام القليلة الماضية، وذلك على خلفية اعتداءات متواصلة على السكان الراغبين بإدخال بعض مواد البناء مثل (الأسمنت)، اللازمة لإجراء أعمال صيانة وتجديدات في المنزل، في حين تمنع السلطات بشكل صارم دخولها إلى الجزيرة منذ سنوات، في إجراء يعتبره السكان وسيلة ضغط قصوى لإجبارهم على “التهجير”.
وقبل أيام احتجزت قوات أمنية سيارة المواطن الشاب محمد سعد، الذي أصيب قبل أربعة سنوات إثر مشاركته باحتجاجات سلمية رافضة لإخلاء وإزالة المنازل والتصدي لتهجير الأهالي بحسب ما يحكي لـ”زاوية ثالثة”.
والأحد الماضي، كان “سعد” يستقل سيارة بها بعد “شيكارات الأسمنت”، فاستوقفته القوات الأمنية المرتكزة على كمين الوراق بإحدى المعديات، واحتجزت السيارة، فيما اعتدى عليه رجال والعساكر وحاولوا مصادرة هاتفه الشخصي لمنعه من توثيق الواقعة.
الواقعة التي أشعلت حالة الغضب مجددًا بين الأهالي ليست الأولى خلال هذا تتالشهر، فقبل نحو أسبوعين وثق الأهالي في فيديوهات اعتداء أفراد الشرطة على أحد المعديات (القللي) بالاعتداء السافر على مواطن من ذوي الاحتياجات الخاصة، يدعي أشرف عطا، إثر محاولته إدخال شيكارة أسمنت على دراجته النارية، ما تسبب له في إصابات بالغة.
كذلك وثق الأهالي اعتداءات أمنية على الشاب يوسف سمورة، أثناء بمروره بالمعدية ذاتها، قبل أن تحدث مشاجرة بسيطة بين الضابط المتواجد وصديقه، وإثر تدخله اعتدت عليه قولت الأمن بشكل مكثف، فيما تظهر الفيديوهات تعرضه للضرب المفرط، فيما تؤكد مصادرنا داخل الجزيرة وهم شهود عيان على الواقعة تعرضة لانتهاكات أكبر وصلت حد تعمد الضابط المسؤول بوضع حذاءه أعلى رأسه والضغط عليه في محاوله لإذلاله كما يصفها الأهالي.
نوصي للقراءة: اشتباكات الوراق: 90 ألف نسمة يرفضون الإخلاء القسري

رصاص حي
الوقائع، رغم أنها أثارت حالة من الغضب، سبقتها فترات توتر متفاوتة أبرزها ما تكشف عنه مصادر زاوية ثالثة، وتوثقه فيديوهات أرسلت إلينا، إذ تعرض الشابين ( مصطفى سيد ١٨ عام وأحمد عضمة ٢٠ عام) لإطلاق رصاص حي من مسافة صفر، في فبراير الماضي على إيدي قوات الأمن الوطني وقوات خاصة.
وفي التفاصيل توضح المصادر أن الشابان كان متواجدين داخل أحد المقاهي في الجزيرة، يشاهدان مباراة كرة قدم بعد انتهاء يوم العمل، قبل أن تقتحم قوة أمنية المكان في محاولة للقبض على أحد المطلوبين، وتبدأ – وفق شهادته – بإطلاق النار، ما أدى إلى إصابتهما رغم عدم مشاركتهما في أي اشتباكات.
وتضيف أن القوة كانت تستهدف شخصًا آخر”، دخل المقهى وغادره قبل اقتحام المكان بدقائق، وكانت القوة التي نفذت العملية تضم عناصر من “القوات الخاصة ومكافحة الإرهاب”، رغم أن الموجودين في المقهى “لم يكن لهم أي علاقة بما يجري”.
وتقول المصادر إن الإصابة التي تعرض لها الشاب كانت بالغة الخطورة، إذ اخترقت الرصاصة بطنه وأصابت المثانة وتسببت في تلف داخلي حاد، ما استدعى خضوعه لثلاث عمليات جراحية معقدة، بينها عمليات “استكشاف وتحويل مسار”، إضافة إلى تدخلات جراحية مرتبطة بالقولون والجهاز الهضمي.
وبحسب المصادر، فإن الشابين تعرضا لضغوط وتهديدات داخل المستشفى التي كان يتلقى العلاج فيها، لإجباره هو والمصاب الآخر على التنازل عن حقوقهما القانونية، والإقرار بأن ما جرى كان “مشاجرة بين الأهالي” وأن الإصابة حدثت “عن طريق الخطأ”، وإلا فسيواجهان الحبس.
وتضيف المصادر أن الشابين رضخا لهذه الضغوط خوفًا من السجن، خصوصًا في ظل حالتهما الصحية الحرجة، موضحةً أنه كان يتلقى العلاج في مستشفى القصر العيني، لكنه لم يتمكن من الحصول على تقرير طبي رسمي يوثق حالته، بعدما أُبلغ بوجود “تعليمات أمنية” تمنع تسليم أي مستندات تخص الواقعة.
وتلفت مصادرنا إلى المصادر أن الأطباء أنفسهم كانوا يتجنبون شرح تفاصيل حالته الصحية أو طبيعة العمليات التي أُجريت له، وإن كل ما يعرفه حتى الآن أنه خضع “لعملية استكشاف وتحويل مسار وعملية أخرى”، دون أي توضيحات طبية كاملة بشأن حجم الأضرار التي تعرض لها.
وتتهم المصادر وشهود العيان، ضابطان يُدعيان “محمد أبو القاسم” و”علاء فتحي” بإصدار الأوامر للقوة التي اقتحمت المقهى وأطلقت النار، مشيرًا إلى أنهما كانا ضمن المسؤولين عن العملية الأمنية التي شهدتها الجزيرة.
نوصي للقراءة: جزيرة الوراق.. زاوية ثالثة توثق استخدام الرصاص الحي ضد الأهالي

ضوء أخضر سيادي بإنهاء الملف
ويرجع الأهالي، فضلًا مصادر مطلعة على الملف تحدثت لـ”زاوية ثالثة” وفضلت عدم ذكر اسمها، إن السلطات تمارس قدرًا متزايدًا من الضغوط على الأهالي خلال الفترة المقبلة، لإنهاء الملف وتسليم الأراضي والمساكن للحكومة لإقاة خطط التطوير، فيما يصف أحدهم ما يحدث باعتباره “ضوء أخضر” من السلطات لفرض المزيد من التضييقات على الأهالي من جانب الأمن الوطني لإغلاق الملف.
وخلال الأعوام الماضية فشلت كل المفاوضات التي قادها في بداية الأمر، منذ ٢٠١٧ الفريق كامل الوزير، ثم وزارة الإسكان، وأخيرًا جهاز الأمن الوطني في غالبية الأهالي في التنازل عن حقوقهم أو بيعها لصالح مشروعات التطوير الحكومية.
ويتلخص مطلب الأهالي بحسب المحامي سيد محمد في توفير مساحة أرض ٣٠٠ لإنشاء مجمتع عمراني بديل لهم داخل الجزيرة وعدم إجبارهم على ترك منازلهم، وهو الطلب الذي ترفضه الجهات المعنية على مدار السنوات الماضية، بحد قوله.
يقول “محمد” لـ”زاوية ثالثة” إن إدارة ملف جزيرة الوراق باتت تُدار فعليًا عبر الأجهزة الأمنية، وعلى رأسها جهاز الأمن الوطني، بالتنسيق مع محافظة الجيزة، مشيرًا إلى أن “المشهد لم يعد تنمويًا بقدر ما أصبح أمنيًا بالكامل”. ويوضح، في حديثه إلى “زاوية ثالثة”، أن القيادات الأمنية تعقد بشكل متكرر لقاءات مع أهالي الجزيرة في محاولة لاحتواء أي توتر أو غضب شعبي، إلا أن جوهر الأزمة – بحسب وصفه – لا يزال قائمًا منذ عام 2017 وحتى اليوم.
ويضيف أن الدولة، خلال السنوات الماضية، “تتحرك بهدف الاستحواذ على أكبر مساحة ممكنة من أراضي الجزيرة، حتى وإن لم تكن تستهدف السيطرة عليها بالكامل”، في مقابل مطلب وحيد يرفعه السكان يتمثل في “الاستقرار والبقاء داخل أرضهم، والاستفادة من أي تطوير يُنفذ دون اقتلاعهم من المكان”.
ويلفت إلى أن الدولة أنشأت خلال الفترة الأخيرة “جهاز جزيرة الوراق”، الذي يتولى إدارة عمليات شراء الأراضي والمنازل داخل الجزيرة، بوصفها عمليات “رضائية”، إلا أن هذه العمليات – وفق قوله – تجري في ظل وجود أمني مكثف ومستمر على مداخل الجزيرة ومخارجها وعند المعديات، ما يخلق “حالة ضغط نفسي وخوف دائم”، خصوصًا بين كبار السن والنساء.
ويتابع: “وجود القوات الأمنية بشكل ثابت في كل نقاط الدخول والخروج يجعل كثيرين يشعرون بأنهم تحت الحصار أو المراقبة المستمرة، ورغم ذلك لا يزال قطاع واسع من الأهالي متمسكًا بمنازله وأرضه، ويرفض مغادرة الجزيرة”.
ويؤكد محمد أن الأهالي طرحوا، على مدار السنوات الماضية، بدائل ومقترحات قال إنها “عادلة وقابلة للتنفيذ”، تقوم على الاحتفاظ بنحو 300 فدان داخل الجزيرة لصالح السكان، وفق نموذج قريب من مشروع “ابني بيتك”، بما يسمح بإعادة تنظيم العمران ونقل الأهالي إلى مساكن مستقرة داخل الجزيرة نفسها، “من دون تهجير أو اقتلاع اجتماعي”.
ويضيف: “قلنا بوضوح: ليكن للدولة ما تبقى من مساحة الجزيرة، لكن دعوا الناس تعيش في أرضها بصورة مستقرة وآمنة، إلا أن كل مقترح نقدمه كان يُقابل بمسارات تفاوض متغيرة ومربكة؛ مرة عبر رفع قيمة التعويضات، ومرة بطرح مساكن بديلة خارج الجزيرة، ثم العودة للحديث عن وحدات سكنية داخلها… لكن في النهاية لا توجد رؤية واضحة تضمن المصلحة الحقيقية للأهالي أو تمنحهم شعورًا بالأمان تجاه مستقبلهم”.

الأبراج الفاخرة
ويوضح مصدر من مجلس العائلات داخل الجزيرة، وهو أحد المفاوضين من الأهالي منذ بداية الأزمة، أن بدأت تتخلى عن سياسية النفس الطريل التي تعاملت بها خلال السنوات الأخيرة وترغب في حسم الملف، على حد نقديره، بسبب ضغوط المستثمرين الأجانب وتأخر تنفيذ المشروع.
ويوضح في حديثه معنا أن المطلب الأساسي للأهالي يتمثل في البقاء داخل الجزيرة، مع توفير مساحة 300 فدان لإقامة مجتمع سكني لأهالي الجزيرة، دون أن يضطروا للمغادرة، لكنه يؤكد على رفض الجهات المعنية ( الأمن الوطني كوسيط وهيئة المجتماعات العمرانية الجديدة والحكومة) لهذا الطلب بشكل قاطع.
ويشير إلى توجه الحكومة لبناء نحو 94 برجًا سكنيًا قيد الإنشاء داخل الجزيرة، أُنجز عدد كبير منها بالفعل، غير أن عدم توصيل المرافق حال دون تسكينها حتى الآن. موضحًا أن الدولة تشترط على المواطنين الراغبين في الحصول على وحدات سكنية داخل الجزيرة مغادرة منازلهم أولًا مقابل صرف بدل إيجار لمدة ثلاث سنوات، على أن يعودوا بعد انتهاء أعمال التطوير، وهو ما يثير مخاوف الأهالي الذين يعتبرون هذا الطرح غير واضح المعالم ويفتقر إلى الضمانات الكافية لعودتهم مجددًا إلى الجزيرة
وتُعد جزيرة الوراق إحدى أكبر الجزر النيلية في مصر، ويقطنها أكثر من 100 ألف نسمة، وتخوض الدولة منذ عام 2017 مواجهات قانونية وشعبية مع سكانها ضمنخطة لتحويل الجزيرة إلى منطقة استثمارية كجزء من مشروعات “تطوير واجهة النيل”، وهو ما يرفضه العديد من الأهالي الذين يتمسكون بحقهم في السكن وملكية الأراضي. وتجدر الإشارة إلى أن مجلس الدولة كان قد أصدر أحكامًا قضائية لصالح عدد من أهالي الجزيرة، إلا أن الأزمة لا تزال تراوح مكانها، في ظل ما يعتبره السكان غيابًا للحلول التوافقية، واستمرارًا لسياسة فرض الأمر الواقع بالقوة الأمنية.

ما جذور الأزمة؟
تمتد جزيرة الوراق على مساحة تقارب 1400 فدان، وتقع بين منطقتي إمبابة وشبرا الخيمة، ويصل عدد سكانها إلى نحو 90 ألف نسمة حسب تقديرات غير رسمية، يتوزع السكان على عائلات ممتدة توارثت الأراضي منذ عقود طويلة، ويعمل معظمهم في الزراعة أو الأنشطة المرتبطة بالنقل النيلي والتجارة البسيطة، لم تكن الجزيرة تحظى باهتمام كبير من الحكومة حتى العقدين الأخيرين، حين بدأت خطط لتحويل الجزر النيلية إلى مناطق جذب استثماري.
تعود جذور الأزمة إلى عام 1998 حين صدر قرارباعتبار جزيرة الوراق محمية طبيعية، ما أثار شكوكًا لدى السكان حول نية الحكومة إخلاء الجزيرة. لاحقًا، صدرقرار آخر من رئيس الوزراء سنة 2001 بإخضاع الجزيرة لقانون أملاك الدولة، منذ ذلك الحين بدأت النزاعات القضائية بين السكان والدولة. في 2017،تصاعدت الأزمة مع محاولة قوات الأمن تنفيذ قرارات إزالة بُنيت على أساس أن الأراضي ملك للدولة. إلا أن هذه المحاولة قوبلت بمقاومة شعبية واسعة، وسقط خلالها أحد السكان متأثرًا بإصابته.
منذ ذلك الحين، أصبحت الوراق تحت رقابة أمنية مشددة، وزادت وتيرة محاولات الإخلاء التدريجي، إذ صدرت قرارات بالإزالة، وتوقفت خدمات حكومية، وتم تقييد دخول مواد البناء إلى الجزيرة، في الوقت ذاته، ظهرت خرائط لمشروعات تطوير تُظهر الجزيرة كموقع لإنشاء مدينة استثمارية تحت اسم “حورس”، ما أكد شكوك السكان بأن الهدف النهائي هو تحويل الجزيرة إلى مشروع عقاري فاخر.
في عام 2002، حصل الأهالي على حكم لصالحهم بتملك أراضي الجزيرة، وفي عام 2010، أعلنت الحكومة، ترسيم الحدود الإدارية لـ5 محافظات، كانت بينها محافظة الجيزة، وضمنها الوراق، ووضعت خطة لتطوير الجزيرة، قبل أن تهدأ الأمور في الجزيرة لبضع سنوات بعد الإطاحة بنظام الرئيس الأسبق حسني مبارك (1981 – 2011).
تعتمد الحكومة في موقفها على اعتبار أن معظم أراضي الجزيرة تابعة لأملاك الدولة، وأن السكان لا يمتلكون وثائق ملكية قانونية كافية، لكن الواقع أن العديد من السكان يملكون عقود بيع وشراء موثقة منذ أربعينيات القرن الماضي، وبعضهم يحمل حُججًا عرفية وعقودًا مسجلة، ما يخلق إشكالية قانونية معقدة حول طبيعة الملكية.
في المقابل، تستند السلطات إلى القانون رقم 7 لسنة 1991 بشأن أملاك الدولة الخاصة، والقانون رقم 144 لسنة 2017 الخاص بتقنين وضع اليد، وتُعد هذه القوانين، وفق مراقبين أساسًا للإخلاء القسري إذا لم يقم الأهالي بتقنين أوضاعهم وفقًا لإجراءات الدولة، لكن الأهالي يرون أن تلك القوانين لم تأخذ في الاعتبار خصوصية الجزيرة كسكن دائم لعائلات متجذرة فيها.
من جهته، يؤكد مدير المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، مالك عدلي، في تصريحات لـ”زاوية ثالثة”، أن الحكومة لا ينبغي أن تكون طرفًا في أزمة جزيرة الوراق، معتبرًا أن تدخلها المباشر في النزاع يزيد من تعقيد المشهد ويعمّق حالة الاحتكاك مع الأهالي. ويقول عدلي إن الأزمة الحالية تحتاج إلى تدخل طرف ثالث للوساطة والحل، قد يتمثل في القضاء أو البرلمان، موضحًا أن “القضاء من المفترض أن يسير وفق مسار قانوني واضح للفصل في النزاع، أما في المرحلة الراهنة، فمن الأفضل أن يتدخل البرلمان بالنزول إلى الأهالي والاستماع مباشرة إلى مطالبهم واحتياجاتهم، بدلًا من الاكتفاء بالمقاربات الأمنية”.
ويشدد عدلي على أن “الحلول الأمنية وحدها لن تفضي إلى نتائج حقيقية، وأي إجراء أمني يجب أن يستند إلى أحكام قضائية، لا إلى قرارات إدارية صادرة عن الحكومة، التي أصبحت طرفًا في الأزمة ولديها مصالح خاصة، ما يجعل القرارات الصادرة عنها غير مضمونة الانحياز إلى حقوق المواطنين”.
ويوضح المحامي والحقوقي أن نزع الملكية يجب أن يتم وفق ضوابط قانونية واضحة، من خلال تفاوض حقيقي مع الأهالي والاستعانة بخبراء لتقييم العقارات وتحديد قيمتها العادلة، مع إيداع التعويضات في البنوك قبل تنفيذ أي قرارات إزالة أو إخلاء. لكنه يشير إلى أن ما يجري حاليًا يعتمد في كثير من الأحيان على تفاهمات شفهية وغير رسمية، الأمر الذي يجعل أي إجراءات لاحقة محل خلاف ومواجهة
نوصي للقراءة: مكافحة الفساد في مصر: كيف تحوّلت الاستراتيجيات إلى حبرٍ على ورق؟
المشروعات الحكومية المقترحة
بحسب خرائط منشورة من الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، فإن مشروع تطوير جزيرة الوراق يشمل إنشاء منطقة استثمارية كبرى تحت اسم “مدينة حورس”، تضم أبراجًا سكنية وفنادق ومنطقة أعمال، وقد أعلنت الحكومة أن هذه المشروعات ستوفر فرص عمل وتدر دخلًا استثماريًا للدولة، لكنها لم توضح بشكل مفصل خطط إعادة توطين السكان الأصليين، ووفقًا لما نشرتهالهيئة العامة للاستعلامات التابعة للحكومة المصرية، يهدف المشروع إلى تحويل الجزيرة إلى مركز تجاري عالمي بمساحة 1516 فدانًا، بتكلفة إجمالية تبلغ 17.5 مليار جنيه. يتضمن المخطط إنشاء 8 مناطق استثمارية، منطقة تجارية، منطقة إسكان متميز، حديقة مركزية، مناطق خضراء، مرافئ (مارينا) سياحية، واجهة نهرية سياحية، منطقة ثقافية، وكورنيش سياحي.
وفي 2021، تم نقل تبعية ملف الجزيرة إلى هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، التي بدأت في شراء الأراضي من السكان بأسعار تراوحت بين 6 آلاف و12 ألف جنيه للمتر. وقبلها كانت الهيئة الهندسية قد أنهت بناء كورنيش على الضفة الغربية من الجزيرة. هذه الإجراءات تُظهر أن الدولة تسير في اتجاه تطوير شامل للجزيرة، دون وجود خطة واضحة لإشراك سكانها.
منذ يوليو 2017، بدأ الأهالي تنظيم احتجاجات متفرقة على الجزيرة، للمطالبة بحقهم في البقاء والعيش الآمن. تشكلت لجان شعبية للدفاع عن الجزيرة، وأُطلق وسم (#الوراق_مش_للبيع) على مواقع التواصل، ورفض الأهالي مغادرة منازلهم أو قبول التعويضات المقدمة، معتبرين إياها دون القيمة الفعلية للأرض والموقع.
وفي سبتمبر 2024، منعت قوات الأمن دخول مواد البناء إلى الجزيرة عبر المعديات، مما أدى إلى تكدس كبير واحتقان شعبي. وقد سجلت منظمات حقوقية مثل المفوضية المصرية للحقوق والحريات عدة انتهاكات بحق سكان الجزيرة، من بينها اعتقالات تعسفية واستخدام مفرط للقوة.
وعلى الجانب الرسمي، أكد محافظ الجيزة ومسؤولون في وزارة الإسكان أن مشروع تطوير جزيرة الوراق يأتي في إطار خطة قومية لتطوير الجزر النيلية، وقالت الحكومة إنها ملتزمة بتوفير وحدات بديلة وتعويضات عادلة، وأنها لا تستهدف التهجير القسري. لكن غياب الشفافية في تفاصيل التعويضات، وعدم إشراك السكان في اتخاذ القرار، يزيد من حدة التوتر.
كما أصدر مجلس الوزراء بيانًا في نوفمبر 2024 أكد فيه أن “الدولة لا تصادر ممتلكات أحد، لكنها تطبق القانون على المخالفين”. إلا أن منظمات حقوقية محلية ودولية، مثل مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، شككت في مدى التزام الدولة بالمعايير الدولية للترحيل الطوعي.