close

صيادو بحيرة ناصر يرفضون منح مستقبل مصر 40% من إنتاجهم دون مقابل

2800 رخصة صيد معلقة في بحيرة ناصر بعد رفض 234 صيادًا منح جهاز مستقبل مصر 40% من إنتاجهم دون تحمله أي تكاليف تشغيل، فيما لا يتجاوز العائد اليومي للصياد الواحد 250 جنيهًا في منطقة حدودية معزولة تفتقر إلى أبسط الخدمات.
Picture of رشا عمار

رشا عمار

فوجيء 234 صياد يعملون في بحيرة ناصر، قبل أيام، بامتناع الجهات المعنية عن إصدار تراخيص الصيد الخاصة بهم بعد انتهاء المدة السنوية لوقف عمليات الصيد المقررة من منتصف مارس إلى منتصف مايو من كل عام، وذلك إثر رفضهم دفع ٤٠٪؜ من صافي الربح لجهاز مستقبل مصر الذي تولى إدارة المشروع مؤخرًا بحسب ما أكده صيادون لـ”زاوية ثالثة”. 

الصيادون توجهوا صباح الخميس باستغاثة عاجلة لرئيس الجمهورية، ورئاسة مجلس الوزراء، وجميع المسؤولين لحل الأزمة ورفع “الظلم عنهم”، بحد قولهم، مؤكدين أن ما يحدث يمثل ضررًا بالغًا لآلاف الأسر التي تعتمد على صيد البحيرة كمصدر رئيسي للرزق. 

ويجمع عدد من الصيادين تحدثنا إليهم، طلب بعضهم عدم ذكر اسمه، على رفضهم القاطع وكذلك زملائهم، العرض المقدم من جهاز مستقبل مصر، لإجبارهم على دفع نحو 40% من صافي أرباحهم للجهاز، دون وجه حق، موضحين أنه تولى إدارة البحيرة بديلًا عن شركة مصر أسوان لتصنيع الأسماك في عام 2024 بدعوى تطوير المنطقة، لكن ذلك لم يحدث، بحد وصفهم، فيما يتم إجبارهم على دفع مبالغ تفوق قدرتهم وتضعهم أمام خسائر كبيرة، وأخيرًا تم منع التراخيص لهم ومد وقف الصيد في البحيرة كنوع من الضغط.

 

 فيديو يوضح اجتماع للصيادين صباح السبت لبحث التصعيد ضد البرلماني والقضائي ضد مستقبل مصر

ونقلت ملكية الشركة إلى جهاز مستقبل مصر، نهاية عام 2024، بعد تحويلها إلى صندوق مصر السيادي، في أعقاب تخارج 14 جهة حكومية من إدارتها أبرزها البنك الأهلي بحصة 31%، وهيئة المجتمعات العمرانية بحصة 29%، فضلًا عن مجموعة شركات أخرى مثل المقاولون العرب، ومصر للتأمين ، ومصر لتأمينات الحياة، والإسكندرية للتبريد، وبنك الكويت الوطني، وبنك مصر، وبنك الإسكندرية، والجمعية التعاونية لصائدي أسماك أسوان، ومحافظة أسوان، وجهات أخرى.

و”مستقبل مصر” هو كيان حكومي أُنشئ بقرار رئيس الجمهورية رقم 591 لسنة 2022، يرأسه العقيد طيار بهاء الدين محمد الغنام ويتبع القوات الجوية المصرية، ويُدير مشروعات تنموية كبرى تشمل استصلاح أراضٍ زراعية، استيراد سلع تموينية (مثل القمح والزيوت)، إنتاج غذائي، وعقاري، بالإضافة إلى مشاريع صناعية مثل إنتاج ألبان الأطفال، الأمر الذي يثير جدلًا واسعًا حول طبيعة الدور الذي يلعبه وآليات عمله، خاصة أنه لا يخضع لأي جهات رقابية. 

وكانت الجريدة الرسمية نشرت قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1797 لسنة 2025، بشأن إضافة ممثل عن جهاز “مستقبل مصر للتنمية المستدامة” إلى عضوية اللجنة التنسيقية الدائمة المختصة بالترخيص لممارسة الأنشطة في بحيرة ناصر وشواطئها ومنافعها، وهي اللجنة المُشكلة بموجب قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 990 لسنة 2023.

ونص القرار على أنه جاء بعد الاطلاع على عدد من القوانين والتشريعات المنظمة لملفات الزراعة، والإدارة المحلية، وأملاك الدولة، والاستثمار، وحماية البحيرات والثروة السمكية، والموارد المائية والري، إلى جانب القوانين المتعلقة بحماية البيئة ونزع الملكية للمنفعة العامة.

وقد استند إلى قانون حماية وتنمية البحيرات والثروة السمكية الصادر بالقانون رقم 146 لسنة 2021، وقانون الموارد المائية والري الصادر بالقانون رقم 147 لسنة 2021، ولائحته التنفيذية الصادرة بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 81 لسنة 2023، فضلًا عن قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 990 لسنة 2023 بشأن تشكيل اللجنة التنسيقية الدائمة للترخيص بممارسة الأنشطة في بحيرة ناصر وشواطئها ومنافعها

 

نزع الملكية بـ”التحايل”… هل خدعت الحكومة سكان القاهرة التاريخية؟

ماذا يحدث في بحيرة ناصر؟

يقول أحمد سيلمان، وهو أحد كبار الصيادين  العاملين في بحيرة ناصر، إن آباءهم وأجدادهم امتهنوا الصيد في البحيرة منذ إنشاء السد العالي في سبعينيات القرن الماضي، موضحًا أن الصيادين القادمين من محافظات أسوان وقنا وسوهاج، لا سيما من مركزي جهينة والبلينة، أسسوا خمس جمعيات تعاونية وفقًا لقانون التعاونيات

ويضيف في حديث لـ”زاوية ثالثة” أن الصيادين كانوا يوردون إنتاجهم من الأسماك إلى الشركة المصرية لتسويق الأسماك، التابعة لوزارة التموين، حتى عام 2008، وكانت الدولة تتسلم الأسماك بسعر جبري محدد مسبقًا، قبل أن يتم تحرير التداول وفقًا لقانون التجارة الداخلية، ليصبح تسويق الإنتاج خاضعًا لقواعد العرض والطلب.

ويوضح أن العمل ظل يسير وفق قانون 621 لسنة 1981، الذي نظم مناطق الصيد بين الجمعيات والقبائل المختلفة، بهدف منع التعديات بين الصيادين، مشيرًا إلى أن أسعار الأسماك في فترة التسعير الجبري كانت متدنية مقارنة بأسعار السوق الحرة، إذ وصل سعر الكيلو عام 2008 إلى 3 جنيهات و60 قرشًا، بينما كان يُباع خارج المنظومة بأسعار تتراوح بين 20 و30 جنيهًا.

 

ويشير إلى أن الصيادين، بعد تحرير السوق، أصبحوا يسددون استقطاعات ورسومًا لصالح المحافظة والجمعيات والثروة السمكية، إلى جانب الضرائب والتأمينات، موضحًا أن قيمة الرسوم الحالية بلغت نحو 750 جنيهًا عن كل طن أسماك يتم اصطياده.

ويقول “سليمان” إن الأزمة الحالية بدأت مع دخول جهاز “مستقبل مصر للتنمية المستدامة” إلى منطقة “المفايض”، وهي البحيرات التي تشكلت نتيجة ارتفاع منسوب المياه في بحيرة ناصر منذ عام 1998، وأصبحت، بحسب وصفه، أكبر من البحيرة الأم نفسها، موضحًا أن الجهات المعنية سلمت هذه المناطق إلى صيادين مقابل استقطاعات مالية تُسدد لصالح أجهزة الدولة.

ويوضح أن الفارق بين صيادي بحيرة ناصر وصيادي “المفايض” يتمثل في أن صيادي البحيرة يمتلكون تراخيص صيد موروثة عن آبائهم وأجدادهم، ومحمية بنصوص دستورية تنظم الملكية التعاونية منذ مرحلة سياسات التعاونيات والإصلاح الزراعي في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، مضيفًا أن المادة 37 من الدستور تكفل حق الملكية التعاونية وحق توريثها، سواء كانت زراعية أو خاصة بالصيد.

ويلفت إلى أن الجهاز طلب مؤخرًا تطبيق الاستقطاعات المفروضة على صيادي “المفايض” على صيادي بحيرة ناصر، عبر بروتوكول طُلب من حائزي التراخيص توقيعه، مؤكدًا أن مناطق الصيد موزعة منذ عام 1981 بين الجمعيات والقبائل المختلفة، مثل جهينة والبلينة وطنطا وأسيوط، وفقًا للقانون، وبإشراف من شرطة المسطحات المائية وأجهزة الدولة المختصة.

صورة من الطلب المقدم من الجهاز

 

ويضيف أن قانون 146 لسنة 1984 ينظم عمليات الصيد في البحيرات والبحار، بما يشمل تراخيص الصيد وتجديدها، وأنواع المراكب والمحركات والشباك المستخدمة.

ويقول إن جهاز “مستقبل مصر للتنمية المستدامة” أعلن أن دوره يتمثل في دعم وتنمية البحيرات والثروة السمكية، بالتنسيق مع هيئة الثروة السمكية التابعة لوزارة الزراعة، إلا أنه اعتبر أن الجهاز “لم يقدم أي خدمات فعلية للصيادين”، مضيفًا: “لم تُنشأ مصانع لتصنيع الأسماك، أو مفرخات سمكية، أو خدمات دعم تتعلق بالمراكب والمحركات والشباك، رغم الحديث عن تنمية القطاع”.

ويوضح أن البروتوكول المقترح ينص على حصول الجهاز على 35% من قيمة الأسماك المصطادة، إضافة إلى 20% لصالح “المسوق”، دون تحمل أي من تكاليف التشغيل أو مستلزمات الإنتاج، مثل الوقود وصيانة المراكب والشباك وأجور العمال.

 

ويضيف أن الجهاز استعان بعدد من الأشخاص لإدارة ملف “التسويق”، من بينهم، بحسب قوله، محمد صلاح الضبع وعلاء إبراهيم بخيت الضبع، عن طريق شخص يدعى كمال الضبع، معتبرًا أن ما يحدث “يشبه فرض الإتاوات على الصيادين”.

ويقول: “بعدما تم تحرير سعر تداول الأسماك منذ عام 2008 وفق قانون التجارة الداخلية، أصبح مطلوبًا منا الآن العودة إلى نظام التوريد الإجباري مرة أخرى”.

ويضيف أن الصيادين يعملون في ظروف معيشية شديدة القسوة داخل البحيرة، التي تمتد، بحسب وصفه، لمسافات طويلة وسط الجبال والصحراء، في بيئة تفتقر إلى الخدمات الأساسية، موضحًا أنه “لا توجد تغطية لشبكات المحمول أو كهرباء أو مستشفيات أو خدمات إسعاف، فضلًا عن المخاطر الطبيعية المرتبطة بالتماسيح والعقارب والثعابين”.

ويشير إلى أن متوسط إنتاج المركب الواحد يتراوح بين 30 و50 كيلوجرامًا يوميًا، بينما تتراوح أسعار البيع بين 30 و55 جنيهًا للكيلوجرام بحسب نوع السمك، موضحًا أن العائد اليومي للصياد بالكاد يكفي احتياجاته الأساسية، وقد لا يتجاوز 200 إلى 250 جنيهًا يوميًا، خاصة مع توقف الصيد لعدة أشهر من كل عام، حفاظًا على الثروة السمكية.

بعد ضم بحيرة البردويل لـ”مستقبل مصر”: مستقبل غامض للصيادين والثروة السمكية

ضغوط ومساومات

ويتهم “سليمان” الجهات القائمة على إدارة الملف بممارسة ضغوط على الصيادين، موضحًا أن تراخيص الصيد لم تُجدد حتى الآن، رغم انتهاء فترة وقف الصيد الرسمية في 15 مايو، تنفيذًا لقرار وزارة الزراعة بحظر الصيد بين 15 مارس و15 مايو من كل عام.

ويضيف أن نحو 2800 رخصة صيد لم يتم تجديدها، وأن الصيادين متكدسون حاليًا في موانئ الصيد بانتظار إصدار التصاريح، مشيرًا إلى أن هناك تهديدًا بنزع مناطق صيد كاملة، بينها منطقة تضم 234 رخصة صيد، لصالح جهاز “مستقبل مصر” في حال رفض الصيادين تسليم إنتاجهم وفق الشروط الجديدة.

 

ويؤكد أن الأزمة تهدد مصادر رزق آلاف الأسر، موضحًا أن كل رخصة صيد يعمل عليها نحو خمسة أفراد، يعول كل منهم أسرته، في منطقة وصفها بأنها “معزولة وقاسية جغرافيًا”، مشيرًا إلى أن الجمعيات التعاونية العاملة في البحيرة تستعد لتنظيم وقفات احتجاجية، إلى جانب دراسة اتخاذ إجراءات قانونية أمام مجلس الدولة.

وفي سياق متصل، يحذر “سليمان” مما وصفه بـ”التداعيات الأمنية والاجتماعية الخطيرة” للأزمة، معتبرًا أن استمرار الضغوط على الصيادين في محافظة حدودية مثل أسوان، التي تعاني، بحسب قوله، من مشكلات التهريب وانتشار السلاح وضعف الخدمات، قد يؤدي إلى حالة من الاحتقان المجتمعي.

ويوضح أن المنطقة تعاني من مشكلات متشابكة تتعلق بتهريب الوقود والمواد الغذائية والسلاح، إلى جانب وجود عناصر خارجة عن القانون ونازحين هاربين من أحكام، معتبرًا أن “غياب التنمية والتعامل الأمني غير المدروس قد يدفع بعض الشباب إلى مسارات خطرة”.

ويلفت إلى أن انتشار السلاح في المنطقة، سواء بين بعض السودانيين أو الأهالي، يجعل الوضع أكثر هشاشة، لافتًا إلى واقعة مقتل ضابط شرطة – بحسب روايته – على يد أحد عناصر “الرشايدة”، محذرًا من أن “استمرار الضغوط قد يجر بعض الشباب إلى مواجهة مع الدولة بدلًا من البحث عن لقمة العيش”.

ويوضح أن ممثلين عن الصيادين عقدوا اجتماعات مع عدد من النواب والنقابيين، بينهم عيد مرسال، نائب رئيس اتحاد نقابات عمال مصر ونقيب الصيادين، لبحث سبل التحرك لحل الأزمة، مضيفًا أنهم يسعون لإيصال أصوات الصيادين إلى الجهات المعنية عبر المسارات القانونية والإعلامية.

وتواصلت “زاوية ثالثة” مع نقيب الصيادين في أسوان إسماعيل الحجاجي، لكنه رفض الحديث عن الأزمة واكتفى بتعليق مقتضب: “إنها اختلاف في وجهات النظر فقط، وأن الأمور في طريقها للحل، لافتًا إلى عدم إلمامه بكافة التفاصيل الخاصة بالأزمة”. 

كذلك تواصلنا مع عيد مرسال رئيس النقابة العامة للعاملين بالزراعة والري والصيد واستصلاح الأراضي، وهو كذلك الأمين العام للاتحاد العام لنقابات عمال مصر، لكنه رفض التعليق هاتفيًا على الأزمة، مشيرًا إلى أنه لا يدلي بتصريحات هاتفية في مثل هذه الأمور، ويفضل لقاء الصحفيين والتأكد من هويتهم.

وفي نوفمبر 2024 أثار قرار حكومي مشابهة بنقل تبعية بحيرة البردويل،ثاني أكبر بحيرات مصر بعد بحيرة المنزلة بمساحة تبلغ 165 ألف فدان، إلى جهاز “مستقبل مصر للتنمية المستدامة” جدلًا واسعًا بعد انتشار معلومات غير مؤكدة عن احتمالية استثمار الجانب الإماراتي فيها. وتمتلك البحيرة أهمية استراتيجية واقتصادية كبيرة، حيث تشتهر بوفرة أنواع الأسماك القيمة، مثل أسماك العائلة المرجانية والبوريات، مما يجعلها مصدرًا مهمًا للأسماك في السوق المحلي. وصرح المتحدث الرسمي باسم الحكومة، محمد الحمصاني، أنذاك، أن القرار يهدف إلى تنمية البحيرة اقتصاديًا، مؤكدًا عدم صحة الشائعات حول بيعها أو خصخصتها.

نزع الملكية

من جانبه يوضح عادل عمران، أحد كبار الصيادين في بحيرة ناصر، إن البحيرة منذ إنشائها عقب بناء السد العالي عام 1962 جرى تقسيمها تقسيمًا جغرافيًا بين جمعيات أهلية وصيادين يمتلكون حقوقًا موثقة، موضحًا أن العمل داخل البحيرة يتم بموجب تراخيص رسمية تصدرها هيئة الثروة السمكية التابعة لوزارة الزراعة، وتحمل أسماء المالكين وحصصهم الورثية.

ويضيف في حديثه لـ”زاوية ثالثة” أن تلك التراخيص تُجدد سنويًا، مقابل سداد الرسوم والضرائب والتأمينات المستحقة للدولة، مؤكدًا أن الورثة ظلوا يمارسون العمل بالحقوق نفسها منذ عقود. وأوضح أن بحيرة ناصر تُعد مشروعًا قوميًّا ومصدرًا للدخل القومي منذ عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وأن أوضاع الصيادين داخل البحيرة استمرت مستقرة لسنوات طويلة.

ويشير “عمران” إلى أن الصيادين فوجئوا مؤخرًا بتدخل جهاز “مستقبل مصر” ومحاولته السيطرة على مناطق يعملون بها منذ أكثر من ستة عقود، قائلًا إنهم يقيمون ويعملون في تلك المناطق منذ عام 1962، قبل أن يُفاجأوا بإبلاغهم بأنها “أملاك دولة”، على حد قوله.

ويؤكد أن الصيادين يرفضون ما يعتبرونه انتزاعًا لحقوقهم التاريخية، خاصة أنهم يمتلكون تراخيص رسمية تثبت أحقيتهم في العمل داخل البحيرة، مضيفًا أنهم أبلغوا الجهات المعنية أنهم لا يرفضون أي إجراءات قانونية أو تنظيمية، لكنهم يطالبون بالتعويض أو توفير بدائل مناسبة في حال إخلائهم من مناطق عملهم.

ويوضح “عمران” أن الأزمة تصاعدت بعد طرح مقترح جديد، قال إنه يقضي بأن تتولى جهة وسيطة تسويق إنتاج البحيرة، مقابل حصولها على 40% من العائد، في حين يحصل الصيادون على 40% فقط، بينما تذهب النسبة المتبقية إلى طرف ثالث، متسائلًا: “كيف يُقتطع 40% من عائد عملي وملكي؟”.

 

نماذج من أوراق وتصاريح عمل سابقة تبرز ملكية الصيادين في البحيرة

ويضيف أن الصيادين رفضوا هذا المقترح باعتباره ينتقص من حقوقهم، مشيرًا إلى أن رفضهم صاحبه تعطيل إجراءات استخراج وتجديد التراخيص، في محاولة للضغط عليهم ودفعهم إلى القبول بالأمر الواقع.

ويشدد “عمران” على أن التراخيص التي بحوزة الصيادين تُعد، من وجهة نظرهم، “سند ملكية”، لأنها تحمل أسماء المالكين والحصص المملوكة وفق نظام الـ24 قيراطًا، وهو النظام المعمول به لتقسيم الحصص الإرثية بين الأبناء والورثة.

كذلك يشير إلى أن الصيادين بدأوا بالفعل التحرك للتصعيد القانوني والبرلماني، من خلال التواصل مع عدد من أعضاء مجلس النواب، بينهم النائب علاء الحيدوي، لبحث سبل وقف ما وصفه بالضغوط الواقعة على الصيادين في بحيرة ناصر. وفي سياق متصل حاولت “زاوية ثالثة” التواصل مع النائب علاء الحيدوي لكنه لم يرد لحين كتابة التقرير.

رأس المال يتمدد على شواطئ مصر.. البحر “ملكية” غير معلنة

كيف يتحرك “مستقبل مصر”؟

ومن جانبه كان “مستقبل مصر” قد أعلن تنفيذ عدد من المشروعات المرتبطة بتنمية المخزون السمكي، شملت تطوير المفرخات السمكية والتوسع في برامج إطلاق الزريعة داخل البحيرة، بهدف رفع معدلات الإنتاج السمكي وتعويض التراجع الذي شهدته البحيرة خلال العقود الماضية نتيجة الصيد الجائر والضغط المتزايد على المخزون الطبيعي، فضلًا عن أعمال تطوير في ميناء جرف حسين، أحد الموانئ الرئيسية على البحيرة، ضمن مساعي تعزيز البنية اللوجستية المرتبطة بقطاع الصيد والنقل والخدمات الإنتاجية في المنطقة.

وفي سياق متصل، أعلن الجهاز عن توفير فرص عمل لأبناء أسوان والمحافظات المجاورة في مشروعات الصيد والاستزراع السمكي والتنمية الزراعية المرتبطة بالبحيرة، باعتبارها جزءًا من استراتيجية أوسع للتوسع في مشروعات الأمن الغذائي والتنمية الزراعية في جنوب مصر.

وامتد نشاط الجهاز في المنطقة إلى مشروعات الطاقة المتجددة، إذ جرى الإعلان عن مشروع للطاقة الشمسية العائمة على بحيرة ناصر بالتعاون مع شركة مصدر الإماراتية، بقدرة إجمالية تصل إلى 5 جيجاوات، في إطار توجه الدولة نحو التوسع في إنتاج الطاقة النظيفة.

وتأسست شركة مصر أسوان لصيد وتصنيع الأسماك، والتي كانت تتولى عملية الإشراف على البحيرة إلى وقت قريب، عام 1979 كشركة مساهمة مصرية،  بمشاركة نحو 14 جهة حكومية استحوذت على قرابة 90% من رأس مال الشركة، الذي بلغ وقت تأسيسها نحو 9 ملايين جنيه قبل أن يرتفع إلى 15 مليون جنيه خلال السنوات الأخيرة، فيما خُصصت النسبة المتبقية، البالغة 10%، للقطاع الخاص. وتعمل الشركة وفقًا لأحكام قانون قطاع الأعمال العام رقم 203 لسنة 1991 وتعديلاته الصادرة بالقانون رقم 185 لسنة 2020.

إلا أن أوضاع المصنع بدأت تتراجع بصورة ملحوظة عقب قرار وزير الزراعة الأسبق يوسف والي إعادة تقسيم بحيرة ناصر إلى ست مناطق عام 2004، وهي الخطوة التي منحت مستثمرين حق استغلال أجزاء من البحيرة، من بينهم رجل الحزب الوطني السابق أحمد أبو حجي، وفق ما وثقته صحيفة  المصري اليوم، وبحسب سعد الدين حسن عمر، المدير الأسبق لمصنع مصر أسوان للأسماك، فقد تقلص نصيب المصنع إلى قطاع واحد فقط بعدما كان يستحوذ على ما يقرب من ربع إنتاج البحيرة بالكامل.

كذلك شهد الإنتاج السمكي في بحيرة ناصر تقلبات ملحوظة خلال السنوات العشر الأخيرة، وإن اتجه بصورة عامة نحو التحسن النسبي، مدفوعًا بجهود تنمية المخزون السمكي وبرامج الإطلاق الدوري للزريعة، رغم استمرار تحديات الصيد الجائر وتغيرات مناسيب المياه.

وخلال الفترة بين عامي 2014 و2018، تراوح حجم الإنتاج السنوي للبحيرة بين نحو 14 ألف طن و25 ألف طن. وسجل عام 2014 إنتاجًا بلغ نحو 19.6 ألف طن، قبل أن يتراجع في بعض السنوات اللاحقة، ثم يعاود الارتفاع تدريجيًا. وبلغ الإنتاج نحو 18.35 ألف طن في عام 2016، ثم ارتفع إلى قرابة 19.75 ألف طن في 2017، قبل أن يقفز إلى أكثر من 28 ألف طن في 2018، ليستقر عند حدود 25 ألف طن تقريبًا في عام 2019.

ووفقًا لبيانات رسمية واصل الإنتاج تحسنًا نسبيًا خلال السنوات التالية، إذ بلغ نحو 25 ألف طن خلال العام السمكي 2022-2023، مقارنة بنحو 18 ألف طن في العام السابق، فيما ارتفع إنتاج الأسماك الطازجة بنسبة تُقدَّر بنحو 30%، إلى جانب إنتاج أكثر من 127 ألف صفيحة من الأسماك المملحة، وفي عام 2024، ارتفع الإنتاج إلى نحو 27 ألف طن.

 

ورغم هذا التحسن، لا يزال الإنتاج الحالي أقل بكثير من المستويات التاريخية التي سجلتها البحيرة خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، حين تجاوز الإنتاج السنوي ما بين 30 و50 ألف طن، ويُرجع مختصون ذلك إلى تزايد أعداد الصيادين، التي تصل إلى عشرات الآلاف، إلى جانب الصيد غير المنظم وما يسببه من ضغط متزايد على المخزون السمكي.

تمتد بحيرة ناصر، إحدى أكبر البحيرات الصناعية في العالم، على مساحة تقارب 5,250 كيلومتر مربع، مما يجعلها خزانًا مائيًا هائلًا يمتد بطول يصل إلى نحو 500-550 كيلومتر من خلف السد العالي جنوب أسوان وحتى أبو سمبل.

وتعتمد بحيرة ناصر بصورة أساسية على أنواع من الأسماك، أبرزها البلطي النيلي، كما تمثل أحد أهم مصادر الإنتاج السمكي الداخلي في مصر، رغم تفوق الاستزراع السمكي حاليًا من حيث الحجم الإجمالي للإنتاج، وتوفر البحيرة فرص عمل لآلاف الصيادين والعاملين في الأنشطة المرتبطة بها.

وبينما تؤكد الجهات الرسمية أن تدخل جهاز “مستقبل مصر” يأتي في إطار خطط تطوير بحيرة ناصر وتنمية الثروة السمكية، يرى الصيادون أن ما يجري يهدد مصدر رزقهم التاريخي ويفرض أعباء جديدة على قطاع يعاني بالفعل من تراجع الإنتاج وارتفاع تكاليف التشغيل، وفي ظل غياب حلول واضحة حتى الآن، تبدو الأزمة مرشحة لمزيد من التصعيد القانوني والاحتجاجي، خاصة مع تمسك الصيادين بحقهم في التراخيص التي يعتبرونها امتدادًا لحقوق موروثة ارتبطت بالبحيرة منذ عقود.

رشا عمار
صحفية مصرية، عملت في عدة مواقع إخبارية مصرية وعربية، وتهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية.

Search