أثار الاعتراف الأحادي لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بما يسمى بـ”جمهورية أرض الصومال” أو ما يُعرف بإقليم “صوماليلاند”، – كدولة “مستقلة ذات سيادة” -، ردود أفعال دبلوماسية مصرية وعربية غاضبة؛ إذ أدانت مصر ذلك بشدة، واعتبرته انتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ويقوّض أسس السلم والأمن الدوليين، ويُسهم في زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، مؤكدة في بيان صادر عن وزارة الخارجية، السبت، رفضها التام للاعتراف بأي كيانات موازية أو انفصال بطرق غير شرعية وغير قانونية، ودعمها الكامل لوحدة وسيادة وسلامة الأراضي الصومالية، اتساقًا مع مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
بدوره اعتبر الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، الاعتراف خروج واضح عن القواعد الدبلوماسية والقانونية المعترف بها دوليًا، فيما عقد مجلس جامعة الدول العربية، اجتماعًا طارئًا، الأحد، على مستوى المندوبين الدائمين، وصف خلاله الاعتراف بأرض الصومال، بغير القانوني، وأنه جزء من محاولات تل أبيب لزعزعة الأمن والسلم الدوليين، مبديًا رفضه لاستباحة موانئ شمال الصومال ومُتهمًا دولة الاحتلال بالسعي لإنشاء قواعد عسكرية فيها، وعلى النقيض قال وزير الرئاسة في إقليم أرض الصومال، خضر حسين عبدي، إن الاعتراف الإسرائيلي لا يعني بالضرورة إقامة قاعدة عسكرية إسرائيلية.
وتقع صوماليلاند في منطقة القرن الأفريقي في البرّ الرئيسي لقارة أفريقيا على شاطئ خليج عدن وبالتحديد في شمال الصومال، وتحدها إثيوبيا من الغرب وجيبوتي من الشمال الغربي وخليج عدن من الشمال حتى الحدود البحرية مع اليمن، وتبلغ مساحة أراضيها المزعومة 176,120 كيلومترًا مربعًا (68,000 ميل مربع)، وبلغ عدد سكانها حوالي 6.2 مليون نسمة في عام 2024، وتعد عاصمتها وأكبر مدنها هي هرجيسا، وسبق أن أعلنت استقلالها عن الصومال عام 1990، لكنها لم تنل أي اعتراف رسمي بها، وفي عام 2001 أجرت استفتاء شعبي، كرس الانفصال المطلق عن الصومال وتأسيس جمهورية أرض الصومال، ولاحقًا استحدثت حكومة وبرلمانًا وجيشًا، كما أصدرت جواز سفر لسكانها منذ سبتمبر 2000.
ويتوقع مراقبون تداعيات إقليمية واسعة للاعتراف الأحادي من جانب تل أبيب بـ”أرض الصومال”، تمتد من الصومال إلى السودان والدول المطلة على البحر الأحمر، ولا تنفصل هذه الخطوة عن صراعات النفوذ الجارية في المنطقة، بحسب أحمد جيسود، الباحث الصومالي في العلاقات الدولية، ويوضح أن تجارب سابقة في الإقليم، أظهرت كيف يمكن لمثل هذه التحركات أن تؤثر في مسارات النزاعات ولاسيما في السودان قبل اندلاع أزمته الحالية، مشيرًا إلى اتهامات سابقة بوجود دعم عسكري ولوجستي لقوات الدعم السريع عبر مناطق في شمال الصومال، من بينها بوصاصو، أكبر مدن الصومال، والميناء الرئيسي فيها، ومطار بربرة، في سياق تدخلات إقليمية معروفة.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال قد تكون له انعكاسات مباشرة على الحرب الدائرة في السودان، كذلك قد يسهم في خنق عدد من الدول العربية المطلة على البحر الأحمر، وعلى رأسها مصر والسعودية، من خلال التضييق على الممرات البحرية الحيوية وتهديد أمن الملاحة في هذه المنطقة الاستراتيجية”.
ويشير الباحث الصومالي إلى أن الخطوة الإسرائيلية الأخيرة قد تشجع النزعات الانفصالية في أكثر من دولة، سواء في السودان، عبر تحفيز قوى انفصالية في الشرق أو الغرب، أو في الصومال، من خلال تعزيز واقع الانقسام في شمال البلاد، وما قد يترتب عليه من تصعيد بين القوى الرافضة والداعمة للانفصال داخل الأقاليم الصومالية، مشيرًا إلى وجود تشابه متزايد بين حالتي السودان والصومال من حيث مخاطر التفكك وتجزئة الدولة الواحدة، مؤكدًا أن أي دعم خارجي لكيانات انفصالية يعمّق هذه الأزمات بدلًا من معالجتها.
ويُحذر من تأثر الدول المطلة على البحر الأحمر سلبًا بأي نية للتوسع العسكري أو الاستخباراتي في هذه الممرات، معتبرًا أن الأبعاد العسكرية والأمنية والاقتصادية للتحرك الإسرائيلي تشكل تهديدًا مباشرًا لاستقرار المنطقة، وقد تفضي إلى نتائج سلبية طويلة المدى على دول الإقليم كافة.
بالإضافة إلى ذلك، يُرى القرار كمحاولة من تل أبيب لتعزيز نفوذها في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، ولا يأتي ذلك بمعزل عن تداعيات حرب الإبادة التي شنتها على قطاع غزة، عقب السابع من أكتوبر 2023، وخططها لتهجير سكان القطاع؛ وفي وقت سابق، زعمت وسائل إعلام عبرية أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يخطط لترحيلهم وتوطينهم في ثلاث بلدان هي أرض الصومال “صوماليلاند” وأرض البنط “بونتلاند” والمغرب، وادعت أن حكومة “أرض الصومال” أبدت استعدادها لاستقبال الفلسطينيين المهجّرين من غزة، مقابل الاعتراف بها كدولة مستقلة.
غير أن ترامب، أعلن في مقابلة رسمية نشرت، الجمعة، رفضه الاعتراف باستقلال “أرض الصومال”، متسائلًا “هل يعرف أحد ما هي أرض الصومال، حقًا؟”، فيما زعم وزير خارجية حكومة أرض الصومال المزعومة، عابد رحمن ظاهر آدم، في مقابلة مع القناة 12 الإسرائيلية، مساء السبت، أن اعتراف إسرائيل ببلاده لا علاقة له بقضية غزة أو أي التزامات سياسية.
نوصي للقراءة: 738 خرقًا إسرائيليًا.. السيسي إلى واشنطن واتفاق غزة على الحافة

صراع نفوذ عند باب المندب
يأتي الاعتراف الإسرائيلي الأحادي بـ”أرض الصومال” في إطار ما يوصف بمرحلة التوسع والانتشار الإسرائيلي، التي تنتهجها الحكومة اليمينية الحالية في إسرائيل، مستفيدةً من غياب أي عقاب دولي فعّال أو قدرة حقيقية على ردع سياساتها، رغم القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية والدولية، بحسب السفير رخا أحمد حسن، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة، والذي يوضح أن إسرائيل استطاعت، خلال السنوات الأخيرة، تنفيذ تحركات عسكرية وسياسية في سوريا ولبنان وغزة والضفة الغربية دون أن تواجه عواقب رادعة، ما شجّعها على المضي قدمًا في استراتيجية توسعية تهدف، في أحد أبعادها الرئيسية، إلى تأمين وجود عسكري عند مضيق باب المندب، بوصفه مدخلًا استراتيجيًّا للبحر الأحمر.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “هذا التوجه يحمل بُعدًا استراتيجيًّا ثانيًا يتمثل في قرب هذا الوجود العسكري المحتمل من إيران، بما يسمح لإسرائيل بالتحرك عسكريًّا عبر مسار بحري يمر ببحر العرب بمحاذاة السواحل اليمنية وصولًا إلى الأراضي الإيرانية، دون الحاجة للمرور عبر دول أخرى، وهذه الأهداف تفسر جانبًا مهمًّا من الدوافع الإسرائيلية وراء الاعتراف بأرض الصومال”.
“هذه الخطوة تأتي أيضًا في سياق سعي إسرائيل لإظهار نفسها كـ “قوة كبرى في الشرق الأوسط، قادرة على التحرك بحرية وفرض وقائع جديدة دون اعتبار للقانون الدولي أو لمواقف الدول العربية والإفريقية، والرسالة الأساسية التي تسعى إسرائيل لتكريسها هي أنها تفعل ما تريد”، يضيف حسن.
وفي وقت يشدّد فيه على أن الاعتراف الإسرائيلي يشكل اعتداءً صريحًا على دولة عضو في جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي ومنظمة التعاون الإسلامي، واختراقًا جديدًا للقانون الدولي واعتداءً على سيادة وسلامة أراضي دولة غير مجاورة لها، فإن الحدث كان يستدعي، برأيه، تحركًا عربيًّا أكثر قوة، يصل إلى مستوى اجتماع وزراء الخارجية العرب، بدلًا من الاكتفاء باجتماع المندوبين الدائمين، إذا كان هناك إدراك حقيقي لخطورة التداعيات، متساءلًا عمّا إذا كانت هذه الخطوة الإسرائيلية ستشجع أطرافًا إقليمية أخرى، وعلى رأسها إثيوبيا، على اتخاذ مسار مشابه، مذكرًا بأن أديس أبابا كانت قد أثارت، خلال شهري نوفمبر وديسمبر من العام الماضي، جدلًا واسعًا حول نيتها الاعتراف بـ”أرض الصومال” مقابل الحصول على تسهيلات عسكرية وتجارية في ميناء بربرة، قبل أن تتدخل أطراف إفريقية للوساطة وإيقاف المسار، مع التأكيد على ضرورة التفاوض مع الحكومة الاتحادية الصومالية في مقديشو.
ويرى حسن أن الاعتراف الإسرائيلي قد يشجع دولًا أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة تجاه “أرض الصومال”، في ظل واقع تاريخي يعود إلى عام 1991، حين أعلن الإقليم نفسه منطقة حكم ذاتي عقب انهيار الدولة الصومالية، ثم أعلن استقلاله في عام 2000، وحذّر من أن هذه التطورات قد تعيد رسم خرائط النفوذ في القرن الإفريقي، بما يحمل تداعيات مباشرة على المصالح المصرية في المنطقة، مشيرًا إلى أن مصر عززت حضورها هناك من خلال مشاركتها بقوات ضمن بعثات حفظ السلام، إضافة إلى اتفاقيات ثنائية لتدريب القوات الصومالية.
ويلفت عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، إلى تردد أقاويل حول ارتباط هذا الاعتراف بمخططات تهدف إلى تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إلى “أرض الصومال”؛ إذ أن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب كان قد طرح هذا المقترح في وقت سابق، ولم يسحبه رسميًّا، بل اكتفى بالصمت حياله، كما أشار إلى أن الولايات المتحدة دخلت في مفاوضات غير معلنة مع “أرض الصومال” منذ مارس الماضي، رغم تصريحات ترامب التي زعم فيها عدم معرفته الكافية بالإقليم، وهو ما وصفه بالتناقض الواضح في المواقف الأمريكية.
ويؤكد الدبلوماسي المصري أن استمرار إسرائيل في خطتها، خاصة إذا ما أقدمت على إنشاء قاعدة عسكرية في موانئ مثل هرجيسا أو بربرة، قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية بين إقليم “أرض الصومال” والحكومة الصومالية المركزية، يستدعي تدخلات إقليمية ودولية جديدة، محذرًا من أن ذلك يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي العربي، ولا سيما الأمن القومي المصري.
ويرى مراقبون أن الاعتراف الإسرائيلي يمثل تهديد مباشر للأمن القومي المصري، إذ يأتي في سياق توترات جيوسياسية مع إثيوبيا، التي وقّعت في يناير 2024 مذكرة تفاهم مع ما يُعرف بإقليم أرض الصومال، يسمح لها باستغلال ميناء بربرة على البحر الأحمر، تجاريًا وعسكريًا، الأمر الذي قد يشكّل مستقبلًا تهديدًا لحركة الملاحة في البحر الأحمر وبالتالي قناة السويس.
ووقعت مصر والصومال، في أغسطس 2024 ، بروتوكول تعاون عسكرى، بهدف تدعيم قدرات الدولة الصومالية ومؤسساتها الوطنية، لحفظ الأمن والاستقرار، ومكافحة التنظيمات الإرهابية والمتطرفة، وقبل عام، وصلت إلي العاصمة الصومالية “مقديشيو” شحنة من المساعدات العسكرية المصرية للجيش الصومالي.
بدوره يؤكد السفير محمد حجازي، – مساعد وزير الخارجية الأسبق-، أن منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي تمرّ بـلحظة تحول دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن البحري مع إعادة ترتيب خرائط النفوذ الإقليمي والدولي، محذرًا من أن الاعتراف الإسرائيلي بإقليم “صومالي لاند” لا يمكن قراءته بمعزل عن مساعٍ إقليمية ودولية باتت واضحة لفتح منافذ بحرية جديدة على البحر الأحمر، سواء لإسرائيل أو لإثيوبيا، عبر مواقع مثل عصب الإريترية أو بربرة في صومالي لاند.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “هذه التطورات تطرح تساؤلًا جوهريًا حول ما إذا كانت مجرد إجراءات أمنية ظرفية، أم بداية هندسة استراتيجية جديدة لإعادة تشكيل الإقليم؟، ومن منظور المصلحة المصرية لا يجوز التعامل مع هذه التحركات كأحداث منفصلة، بل كسلسلة مترابطة ذات تداعيات مباشرة على أمن البحر الأحمر، وتوازنات حوض النيل، والموقع الإقليمي لمصر، فضلًا عما تمثله من تحدٍّ صريح لمبادئ القانون الدولي وقدسية الحدود وفق المواثيق الأفريقية والدولية”.
القراءة الأولى لهذه التحركات، المدعومة بقوى إقليمية ودولية، تعكس، في رأيه، مسعى أوسع لإعادة توزيع النفوذ في أحد أهم الممرات البحرية عالميًا، لافتًا إلى أن البحر الأحمر لم يعد مجرد ممر تجاري، بل تحول إلى فضاء أمني دولي تتقاطع فيه حسابات القوى الكبرى مع مصالح دول الإقليم، مؤكدًا أن التهديد لا يُقاس بخطوة واحدة أو قرار منفرد، وإنما بطبيعة المسار التراكمي، موضحًا أن أي وجود إسرائيلي أو إثيوبي، مباشر أو غير مباشر، على البحر الأحمر وتحت مظلة ترتيبات دولية، يعني إدخال عنصر جديد في معادلة الأمن القومي المصري، التي ارتكزت تاريخيًا على رفض أي حضور لغير الدول المشاطئة للبحر الأحمر والسواحل المقابلة لقناة السويس وباب المندب، معتبرًا أن هذا المسار يفتح الباب أمام تدويل أوسع لأزمات الإقليم.
ويشير مساعد وزير الخارجية الأسبق، إلى أن الدبلوماسية وحدها لا تكفي، معتبرًا أن المسار الأكثر فاعلية يتمثل في بناء تحالفات إقليمية قائمة على المصالح المشتركة للدول المشاطئة للبحر الأحمر، مؤكدًا أن أمام مصر فرصة واقعية لتنسيق موقف جماعي مع السعودية والأردن واليمن وجيبوتي وإريتريا، ومع الصومال ذاته، لتأكيد أن أمن البحر الأحمر مسؤولية إقليمية، وأن أي ترتيبات تُفرض عبر كيانات غير معترف بها ستؤدي إلى زعزعة الاستقرار لا إلى حمايته.
ويضيف أن “خيار إعادة التموضع البحري المصري يظل عنصر ردع ضروريًا، ليس بهدف التصعيد، بل لتثبيت معادلة واضحة مفادها أن البحر الأحمر ليس ساحة مفتوحة لإعادة الهندسة الجيوسياسية لصالح دول حبسة”، لافتًا أن تعزيز الوجود البحري المصري، وإحياء أطر التعاون الإقليمي المطلة على البحر الأحمر، وعلى رأسها مجلس التعاون للدول المطلة على البحر الأحمر ومقره الرياض، إلى جانب تكثيف التدريبات البحرية المشتركة وإظهار الجاهزية لحماية خطوط الملاحة، تمثل رسائل استراتيجية مكملة للمسار الدبلوماسي، داعيًا إلى تحرك مصري فاعل على المستويات العربية والأفريقية والدولية لإفشال مخطط يتجاوز وحدة الدولة الصومالية ويضرب أسس التعايش داخل الوطن الواحد.
نوصي للقراءة: قمة شرم الشيخ: هدنة أم بداية مسار سياسي نحو السلام؟

تنافس جيوستراتيجي متصاعد
اعتراف تل أبيب بـ”أرض الصومال” يأتي في إطار محاولة لتطويق مصر وخنقها استراتيجيًّا من جهة البحر الأحمر جنوبًا، ويصب بشكل مباشر في مصلحة إثيوبيا، التي تسعى منذ سنوات للحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر، إذ يمنح أديس أبابا غطاءً سياسيًّا غير مباشر لتعزيز تحركاتها في إقليم غير معترف به دوليًّا، ومنشق عن الدولة الصومالية، ولا يحظى باعتراف الأمم المتحدة أو المجتمع الدولي، ويأتي ذلك بالتوازي مع الضغوط المتزايدة على الأمن القومي المصري، الناتجة عن الحرب في السودان، بحسب الدكتورة سارة كيرة، خبيرة العلاقات الدولية ومديرة المركز الأوروبي الشمال إفريقي للأبحاث.
تقول لـ”زاوية ثالثة”: “خطورة الصومال لا تنبع فقط من أزماته الممتدة، مثل الفقر والمجاعات والقرصنة البحرية التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الماضيين، بل من موقعه الجيواستراتيجي شديد الحساسية، الذي يمثل نقطة ضغط خانقة على مصر من المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، بما ينعكس مباشرة على أمن قناة السويس والملاحة الدولية”.
“التحركات الإسرائيلية في هذا السياق تُمثل أداة ضغط سياسية خبيثة على مصر، تستهدف دفعها إلى مواقف بعينها، وعلى رأسها رفض مقابلة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ورفض أي سيناريو يتعلق بتهجير الفلسطينيين إلى سيناء”، تؤكد الخبيرة، معتبرة أن إسرائيل توظف الورقة الإثيوبية للضغط غير المباشر عبر ملف “سد النهضة” وتوسيع النفوذ في القرن الإفريقي.
وتشير إلى أن أي تعاون عسكري أو لوجستي محتمل بين إثيوبيا و”أرض الصومال”، بما في ذلك إنشاء قواعد عسكرية أو منح أديس أبابا منفذًا بريًّا أو ميناءً على البحر الأحمر، سيشكّل تهديدًا مباشرًا لمصر وقناة السويس، معتبرةً أن الاعتراف الإسرائيلي بالإقليم المنشق يأتي في هذا السياق تحديدًا.
وحول احتمالات تحوّل ميناء بربرة أو “أرض الصومال” إلى بؤرة صراع عسكري يؤثر على الملاحة في البحر الأحمر، قالت إن “هذا السيناريو وارد نظريًّا لكنه غير مرجّح في المدى القريب”، لكنها توضح أن الأطراف المنخرطة في هذا المسار لا تملك القدرة على خوض مواجهة عسكرية مباشرة مع مصر، كما أن إسرائيل نفسها غير قادرة على التحرك منفردة دون ضوء أخضر أمريكي ودعم من أطراف دولية أخرى، وهو ما يجعل التصعيد العسكري الشامل أمرًا مستبعدًا في المرحلة الراهنة.
وتضيف أن الضغوط الحالية تندرج في إطار استخدام أوراق سياسية لإرباك الموقف المصري وتحريك المياه الراكدة، لافتةً إلى أن مصر سبقت هذه التحركات بخطوة عبر إرسال قوات إلى الصومال، ما يعكس نهجًا استباقيًّا لتأمين مصالحها الاستراتيجية في القرن الإفريقي.
وفيما يتعلق بالنفوذ الإسرائيلي في القرن الإفريقي، ترى كيرة إن لإسرائيل نفوذًا اقتصاديًّا واسعًا في إفريقيا، يقوم على تبادل المصالح، واستفاد سابقًا من غياب الدور المصري خلال فترة حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، لكنه لا يرقى إلى مستوى خوض حرب أو فرض هيمنة عسكرية مستقلة، إلا أن القاهرة عادت بقوة إلى الساحة الإفريقية قبل السابع من أكتوبر، وتعاملت مع هذا الملف برؤية استراتيجية استباقية، معززةً علاقاتها بدول محورية في الإقليم، من بينها إريتريا، مؤكدةً أن إسرائيل لا تستطيع التحرك دون الولايات المتحدة، التي تمتلك قاعدة عسكرية كبرى في جيبوتي، والتي لن تسمح باندلاع حرب بين مصر وإسرائيل في هذه المرحلة.
الاعتراف الإسرائيلي الأحادي بـ”أرض الصومال” لم يكن مفاجئًا ولا يمكن فصله عن مسار سابق من العلاقات الأمنية والاستخباراتية بين الجانبين، إذ أن هذه العلاقات تسبق أحداث السابع من أكتوبر، وتندرج ضمن عملية أوسع لإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، بحسب أحمد سلطان، الباحث في الأمن الإقليمي والإرهاب، لافتًا إلى أن “أرض الصومال” كانت مطروحة، في أعقاب السابع من أكتوبر، كإحدى الوجهات المحتملة ضمن سيناريوهات تهجير الفلسطينيين، وهو ما أسهم في تسريع الإعلان الرسمي عن الاعتراف.
ويشير إلى أن بروز جماعة الحوثي في شمال اليمن كجبهة ضاغطة على إسرائيل، وإن كانت ثانوية من الناحية العسكرية، شكّل عامل إزعاج مؤثرًا دفع تل أبيب إلى تعزيز تحركاتها في البحر الأحمر، معتبرًا أن “أرض الصومال” تمثل نقطة ارتكاز استخباراتية وأمنية مهمة لإسرائيل في هذا السياق.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “إسرائيل تسعى من خلال هذا الاعتراف إلى السيطرة على مجالها الحيوي في البحر الأحمر، وهو ما يشكل تهديدًا مباشرًا لدول الإقليم، وعلى رأسها مصر والمملكة العربية السعودية، والتحرك الإسرائيلي يندرج ضمن مواجهة جيواستراتيجية أوسع بين إسرائيل وحلفائها من جهة، ومصر وعدد من الدول العربية من جهة أخرى”.
ويضيف: “إسرائيل حاولت بعد السابع من أكتوبر توسيع نطاق تحركاتها وإعادة تشكيل هذه الخرائط، إلا أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لحسم المواجهات الجيواستراتيجية، ورغم تفوقها العسكري، فإنها تظل كيانًا منبوذًا إقليميًّا، ولا تمتلك مقومات الهيمنة الشاملة في المنطقة”.
ويلفت سلطان إلى أن البيان الصادر عن المجموعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، والذي أدان الاعتراف الإسرائيلي، يعكس إدراكًا عربيًّا بأن هذه الخطوة لا تغير من الواقع القانوني شيئًا، وإنما تهدف إلى فرض مسار يخدم المصالح الإسرائيلية، في إطار تنافس جيواستراتيجي متصاعد، يمثل البحر الأحمر أحد محاوره الرئيسية.
ويرى الباحث أن الاعتراف الإسرائيلي بـ”أرض الصومال” قد يرتد سلبًا على إسرائيل نفسها، موضحًا أنه رغم امتلاكها محطة استخباراتية في الإقليم، تضم قدرات استخبارات إشارية وبشرية، واستخدامها مؤخرًا في رصد الصواريخ المنطلقة من شمال اليمن، فإن هذه الخطوة تمثل استعداءً مباشرًا لقوى إقليمية فاعلة مثل مصر والسعودية، التي ستواصل بدورها العمل على تحجيم النفوذ الإسرائيلي في القرن الإفريقي.
وفيما يتعلق بالعلاقة بين الاعتراف الإسرائيلي والتوترات القائمة في ملف “سد النهضة”، يقول سلطان إن التحركات الإثيوبية تجاه “أرض الصومال” سابقة على الخطوة الإسرائيلية، موضحًا أن إثيوبيا تسعى منذ فترة للحصول على منفذ بحري، بينما تبحث صوماليلاند عن اعتراف دولي، وهو ما أدى إلى تقاطع المصالح بين الجانبين، مشيرًا إلى وجود تفاهمات سابقة بين إثيوبيا و”أرض الصومال” تقضي باعتراف أديس أبابا بالإقليم مقابل الحصول على منفذ بحري ومنطقة عسكرية، إلا أن هذه التفاهمات لم تدخل حيز التنفيذ بسبب ضغوط إقليمية، في مقدمتها موقف الصومال ومصر ودول أخرى.
ويوضح أن التقارب الإسرائيلي مع “أرض الصومال” قد يشجع إثيوبيا على المضي قدمًا في هذا المسار، خاصة في ظل العلاقات العسكرية والاستخباراتية الوثيقة بين تل أبيب وأديس أبابا، محذرًا من أن أي تحالف ثلاثي بين إسرائيل وإثيوبيا و”أرض الصومال” يمثل تهديدًا مباشرًا للمصالح المصرية والعربية والأمن القومي العربي، و قد يؤدي إلى اختلال خطير في توازنات المنطقة، ويدفع القاهرة إلى اتخاذ إجراءات مضادة، وهو ما من شأنه تعقيد المشهد الهش في شرق إفريقيا، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن قدرة تل أبيب على إحداث تغيير جذري أو فرض ضغوط حاسمة على مصر تظل محدودة، لا سيما في ظل عدم توافق الولايات المتحدة معها.
نوصي للقراءة: هجمات الحوثيين في البحر الأحمر: كيف أثرت في أسعار السلع المصرية؟

رسم خرائط المنطقة
في سياقٍ متصل يرى الدكتور علي الأعور، خبير الشؤون الإسرائيلية، أن جهاز الموساد الإسرائيلي يُمدد دوائر نفوذه الإقليمية، بشكل متسارع، وأن تحركات تل أبيب الحالية تستهدف السيطرة على منطقة باب المندب، عبر إنشاء قاعدة عسكرية–استخباراتية–أمنية في “أرض الصومال”، معتبرًا أن الحديث عن صوماليلاند يعني الحديث عن منطقة ذات أهمية استراتيجية فائقة أمنيًا وعسكريًا، لما توفره من قدرة على حماية المنفذ البحري الحيوي الذي يربط إسرائيل بالعالم الخارجي عبر باب المندب، وقناة السويس، وصولًا إلى الهند وجنوب شرق آسيا وخليج عدن.
ويشير إلى أن اعتراف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بـ«أرض الصومال» لا يمكن فصله عن السياق الأوسع للحرب على قطاع غزة، معتبرًا أن الخطوة تعكس سعي نتنياهو إلى فرض نفسه لاعبًا أوحد في رسم خرائط المنطقة، في تحدٍ واضح للمجتمع الدولي، في وقت تتواصل فيه الحرب وما يصفه الأعور بجرائم الإبادة بحق الفلسطينيين في غزة.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “نتنياهو يعترف بشرعية الدول وفقًا لمصالح وأهداف حكومته الأمنية والاستراتيجية وأخشى أن يطبق ذلك في دويلات قد تقوم في الشرق الأوسط، وهو يوجه ضربة قوية تجاه الأمن القومي العربي عبر إقامة قاعدة عسكرية أمنية استخباراتية في باب المندب و وخليج عدن و بالتالي يسيطر على التجارة العالمية وبذلك تفقد عدد من الدول العربية قوتها الاقتصادية والأمنية في البحر الأحمر”.
ويوضح الأعور أن السيطرة على منطقة باب المندب وخليج عدن تتيح لإسرائيل الاقتراب المباشر من اليمن، وربما مراقبة أو تعطيل مسارات السفن التي يُعتقد أنها تنقل أسلحة إلى الحوثيين، فضلًا عن تأمين خطوط التجارة الإسرائيلية، إذ تمر نحو 99% من التجارة الخارجية الإسرائيلية عبر الهند، ومضيق باب المندب، وقناة السويس، وصولًا إلى الموانئ الإسرائيلية على البحر المتوسط، مثل أسدود وحيفا.
ويضيف: “إسرائيل، تتحدى الشرعية الدولية والأمم المتحدة، كما تتحدى دول القرن الإفريقي ودول الشرق الأوسط، وعلى رأسها مصر واليمن، إضافة إلى جماعة الحوثي في اليمن وإيران، هذه الخطوة تمثل، من وجهة نظر الحكومة الإسرائيلية، إنجازًا عسكريًا واستخباراتيًا وأمنيًا» تسعى تل أبيب إلى تسويقه عالميًا”، لافتًا إلى أن نتنياهو يحاول ترسيخ خطاب مفاده أن إسرائيل قادرة على صناعة “الشرق الأوسط الجديد”، ليس فقط عبر القوة العسكرية، بل عبر التمدد الاستخباراتي.
وعلى النقيض يرى إبراهيم الدراوي، الخبير في الشؤون الفلسطينية والإسرائيلية، أن الاعتراف الإسرائيلي الأحادي بـ«أرض الصومال» لا يحمل أي قيمة سياسية أو قانونية حقيقية، في ظل غياب أي اعتراف دولي أو أممي بـ«أرض الصومال»، ومع ذلك فإن القاهرة قادت، بالتنسيق مع عدد من الدول العربية، تحركًا دبلوماسيًّا واضحًا للرد عليها، أسفرت عن حالة من عدم الرضا الدولي تجاه ما يجري في الصومال حاليًّا، ومن بينها الموقف الأمريكي الذي يعكس تحولًا مهمًّا في العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “إسرائيل لا تتحرك بدافع الاهتمام بالصومال، وإنما في إطار سعيها لإيجاد بدائل لمخططات تهجير الفلسطينيين، بعد أن أبدت بعض الأطراف استعدادًا نظريًّا لاستقبال سكان من قطاع غزة، وهو ما قوبل برفض فلسطيني قاطع، وهذا السلوك يندرج في إطار محاولات ضغط سياسية “كيدية”، بعدما أفشلت مصر، بشكل واضح، مخططات التهجير الطوعي والقسري للفلسطينيين”.
ويضيف أن الاتفاقيات الإبراهيمية، التي سعى ترامب إلى توسيعها، لم تنضج ولم تنجح بسبب استمرار الاحتلال وغياب الدولة الفلسطينية ذات السيادة، لافتًا إلى أن الرؤية الأمريكية باتت اليوم أقرب إلى الرؤية المصرية في هذا الملف، في ظل تفاهمات ضمنية بين الرئيسين السيسي وترامب، ظهرت ملامحها عقب اجتماع شرم الشيخ.
ويعتبر الدراوي أن ترويج إسرائيل لمبررات مثل مواجهة الحوثيين أو البحث عن موطئ قدم في إفريقيا والبحر الأحمر لا يعدو كونه أوهامًا لليمين المتطرف الإسرائيلي، الذي ما زال يطرح أفكار «إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات»، مؤكدًا أن هذه الطروحات لم تعد تجد قبولًا لدى المجتمع الدولي الذي بات أكثر إدراكًا لطبيعة السياسات الإسرائيلية، بوصفها سياسات دينية متطرفة تستهدف إقصاء الفلسطينيين والعرب، وتسعى إلى فرض التهجير باعتباره حلًا.
في المحصلة، يكشف الاعتراف الإسرائيلي الأحادي بـ«أرض الصومال» عن انتقال الصراع في الإقليم من دائرة البيانات الدبلوماسية إلى مرحلة اختبار التوازنات الجيوسياسية في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. فبين رفض عربي وإفريقي واسع، وتحركات إسرائيلية تسعى لفرض وقائع جديدة على الأرض، تتقاطع ملفات الأمن البحري، ووحدة الدول، والنفوذ الإقليمي، وتهديد المصالح الحيوية لدول مثل مصر والسعودية، في مشهد لا يبدو معزولًا عن صراعات غزة والسودان واليمن وسد النهضة.
ويجمع الخبراء على أن خطورة هذه الخطوة لا تكمن في قيمتها القانونية المحدودة، بقدر ما تكمن في كونها جزءًا من مسار تراكمي لإعادة هندسة النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، عبر كيانات غير معترف بها وتحالفات عابرة للحدود. وبينما تظل احتمالات التصعيد العسكري المباشر محدودة في المدى القريب، فإن استمرار هذا المسار يضع المنطقة أمام مفترق طرق: إما تحرك إقليمي جماعي يحصّن وحدة الدول وأمن الممرات البحرية، أو ترك الفراغ مفتوحًا أمام مزيد من التدخلات التي قد تعيد إنتاج أزمات التفكك والحروب بالوكالة في واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة وتأثيرًا على الأمنين الإقليمي والدولي.