close

الحرب تهدد الدواء في مصر: 90% من المواد الخام مستوردة وسلاسل الإمداد تحت الضغط

90% من المواد الخام للأدوية في مصر تُستورد من الخارج بتكلفة تصل إلى 3 مليارات دولار سنويًا، بينما ترفع الحرب الإقليمية تكاليف الشحن وتؤخر وصول الإمدادات.
Picture of آية ياسر

آية ياسر

تلامس  أزمة الإمدادات الناجمة عن الحرب الإقليمية المندلعة منذ الثامن والعشرين من فبراير الماضي، كافة القطاعات الحيوية في مصر، من الغاز إلى مختلف السلع الغذائية وصولًا للدواء المعتمد على المواد الخام المستوردة بنسبة  90٪ ، بتكلفة سنوية تبلغ نحو 3 مليار دولار، إضافة إلى مئات الملايين من الدولارات نظير استيراد أدوية تامة الصنع لا تتوافر بدائل محلية لها، بعضها منقذ للحياة. 

من جهتها حذّرت الجمعية المصرية للحق في الدواء من احتمال حدوث أزمة دوائية نتيجة التداعيات الإقليمية الراهنة، أو استغلال بعض الشركات للظروف لرفع الأسعار، داعيًة هيئتي الدواء المصرية والشراء الموحد إلى إصدار بيان يوضح حجم المخزون الحالي من المواد الخام وموقف شحنات الأدوية تامة التصنيع، مع إعلان الاستعدادات لطمأنة الرأي العام ومنع التلاعب بالأسواق. 

وتوقعت الجمعية أن يؤدي ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة، وصعود الدولار وتعطل التجارة عبر البحر الأحمر، إلى تأخر وصول المواد الخام التي تتجاوز فاتورة استيرادها 1.3 مليار دولار سنويًا، بجانب تأخر وصول أدوية مستوردة بنحو 700 مليون دولار ومستلزمات طبية مرتبطة بالعمليات الجراحية، بما قد يفاقم نقص الأدوية ويؤثر على برامج العلاج والتأمين الصحي.

من جانبه أقر علي عوف، رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية، باحتمال تأثر سوق الدواء المصري بالتوترات إلى حدٍ كبير، وقال في تصريحات صحفية إن استمرار التوترات الجيوسياسية الحالية لأكثر من ثلاثة أشهر قد يدفع صناعة الدواء إلى مواجهة زيادة متوقعة في تكاليف الإنتاج تصل إلى نحو 30%. مشيرًا إلى أن قطاع الدواء في مصر يمر بمرحلة دقيقة نتيجة الضغوط المتزامنة الناجمة عن تحركات سعر الدولار واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، ما يضع الصناعة أمام تحديات كبيرة.

وهاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران، نهاية فبراير الماضي، فيما ردت طهران بمهاجمة تل أبيب والقواعد الأمريكية في دول الخليج، ولا تزال الهجمات المتبادلة مستمرة حتى كتابة التقرير، وبالتزامن  أغلقت مجالات جوية وعلقت معظم رحلات الطيران، فضلًا عن إغلاق جزئي لمضيق هرمز،  وتهديد الملاحة في مضيق باب المندب، ما أدى إلى توجه السفن نحو رأس الرجاء الصالح حول أفريقيا، مما يزيد التكاليف وتأخير وصولها.

ومع تزايد مخاطر الملاحة في البحر الأحمر ومضيقي هرمز وباب المندب، وارتفاع تكاليف الشحن عبر طريق رأس الرجاء الصالح، بجانب تأثيرات التصعيد العسكري على أسعار النفط العالمية، وارتفاع سعر صرف الدولار في مصرمتجاوزًا 52 ج جنيهًا، يتوقع خبراء في قطاع الدواء، ارتفاع أسعار الأدوية خلال الأشهر المقبلة، وكذلك تأخر وصول بعض الشحنات الدوائية والمستلزمات الطبية.

ويُحذر مراقبون من أن استمرار الاضطرابات الإقليمية وتعطل سلاسل الإمداد قد يدفع السوق إلى مواجهة ضغوط جديدة، سواء على مستوى الأسعار أو توافر بعض الأصناف الحيوية، وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة في ظل اعتماد الصناعة الدوائية المحلية بشكل كبير.

بدوره يوضح محمود فؤاد، رئيس الجمعية المصرية للحق في الدواء، أن التجارب السابقة أظهرت أن الأزمات الجيوسياسية، مثل الحرب الروسية-الأوكرانية أو التوترات المرتبطة بالحرب في غزة واضطرابات الملاحة في البحر الأحمر، غالبًا ما تنعكس على سلاسل الإمداد الدوائي، ويتسائل ما إذا كانت الجهات التنظيمية تمتلك بيانات دقيقة عن المخزون وإدارة واضحة للأزمات المحتملة، مشيرًا إلى أن الجمعية، تواصلت مع الشركات الدوائية الأجنبية العاملة في مصر، لسؤالها حول حجم المخزون وخطط التوريد، وفهم اتجاهات السوق خلال الأزمة.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “المخاوف الحالية ترتبط بشكل أساسي باحتمالات تأخر وصول الشحنات الدوائية أو المواد الخام، لمدة قد تصل لشهرين، نتيجة اضطراب طرق التجارة العالمية، واضطرار بعض الشحنات للمرور عبر طريق رأس الرجاء الصالح بدلًا من المسارات الأقصر، ما سيؤثر بدوره على قدرة المصانع على العمل بكامل طاقتها الإنتاجية”.

ويؤكد أن مصر تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد المواد الخام الدوائية من الخارج، بجانب الأدوية المستوردة كاملة التصنيع، ويجعل هذا الاعتماد الكبير، السوق المحلي عرضة للتأثر بأي اضطرابات في حركة التجارة الدولية أو في أسعار الشحن والعملات الأجنبية، لافتًا إلى أن شركات صناعة الدواء المحلية تواجه بالفعل ضغوطًا مرتبطة بارتفاع تكاليف الإنتاج بعد زيادة أسعار الطاقة والوقود، وبعض الشركات تشير إلى أن هذه التكاليف ارتفعت بنسب قد تصل إلى نحو 20%.

ويضيف: “ارتفاع تكاليف الشحن وتغير مسارات النقل البحري قد يؤديان إلى زيادة إضافية في تكاليف استيراد المواد الخام والأدوية، إلى جانب تأثير ارتفاع سعر الدولار، هذه العوامل قد تعيد طرح مسألة زيادة أسعار الأدوية، وهي قضية أثارت جدلًا متكررًا خلال السنوات الماضية في ظل مطالبة بعض الجهات بربط الأسعار بتقلبات التكلفة”.

ويرى فؤاد أن التصريحات الرسمية التي تتحدث عن وجود مخزون يكفي عدة أشهر لا يمكن التحقق من دقتها في ظل غياب بيانات رسمية معلنة، إذ أن المعلومات المتعلقة بالمخزون الدوائي، خاصة ما يتعلق بالمناقصات الحكومية أو توريدات الجهات السيادية، لا تكون متاحة عادةً للرأي العام أو حتى للمتابعين في القطاع، مضيفًا أن المصانع المصرية عادةً ما تحتفظ بمخزون من المواد الخام لتأمين عملية الإنتاج، لكن حجم هذا المخزون ومدى انتظام استخدامه يظل غير واضح في غياب بيانات معلنة.

ويلفت إلى أن سوق الدواء في مصر يعاني بالفعل من نواقص في عدد محدود من الأصناف، يبلغ نحو 168 صنفًا، مؤكدًا أن المسؤولية الأساسية في هذه المرحلة تقع على عاتق هيئة الدواء المصرية، باعتبارها الجهة المنظمة لسوق الدواء، في منع تكرار الأزمة الحادة التي شهدها السوق خلال عام 2023، مطالبًا إياها بإعلان بيانات واضحة حول حجم المخزون الاستراتيجي من المواد الخام والأدوية، وإيضاح خطة إدارة الأزمة في حال تأثر سلاسل الإمداد.

وعلى المستوى الرسمي، أكد  الدكتور خالد عبد الغفار، وزير الصحة والسكان، في 3 مارس الجاري، أن المخزون الاستراتيجي من الأدوية والخامات الدوائية والمستلزمات الطبية يشهد حالة من الاستقرار، وبعض الأصناف الحيوية يتوافر منها احتياطي يكفي لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر، ويمتد مخزون أصناف أخرى لأكثر من ستة أشهر. كذلك شدد الدكتور علي عوف، رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية، في تصريحاتٍ إعلامية، أن سوق الدواء المصري لديه مخزون استراتيجي من المواد الخام ومواد التعبئة يكفي لمدة 6 أشهر، ويمتد إلى 10 أشهر عند احتساب المنتج النهائي.

 

نوصي للقراءة: نقص الأدوية يضاعف معاناة مرضى السرطان والفشل الكلوي

 تداعيات التوترات الإقليمية

حذّرت النائبة نيفين إسكندر، عضو لجنة الصحة بمجلس النواب عن تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، من تداعيات تصاعد التوترات الإقليمية على قطاع الدواء في مصر، في ظل الضغوط المتزايدة على سلاسل الإمداد وحركة التجارة وتوفير العملة الأجنبية، موضحة أن صناعة الدواء المحلية تعتمد بنحو 90٪ على استيراد المواد الخام، بتكلفة سنوية تُقدّر بنحو 1.8 مليار دولار، إضافة إلى نحو 600 مليون دولار لاستيراد أدوية تامة الصنع.

وتقدمت “نيفين” بطلب مناقشة عامة في البرلمان لتقييم سياسة الحكومة في إدارة أزمة الدواء، ومدى توافقها مع أهداف تعزيز الصمود الاقتصادي وتقليل الاعتماد على الخارج، مؤكدة أن تحقيق الأمن الدوائي يتطلب توطين التصنيع المحلي وضمان استدامة توافر الأدوية الأساسية، خاصة أدوية الأمراض المزمنة.

وتوضح النائبة البرلمانية لـ”زاوية ثالثة” أن البيانات التي قدمتها هيئة الدواء المصرية خلال مناقشات سابقة داخل البرلمان أظهرت أن مصر تمتلك مخزونًا من الأدوية يكفي في المتوسط نحو تسعة أشهر، موزعًا بين ستة أشهر في المخازن الحكومية وثلاثة أشهر في الصيدليات، وهذه التقديرات تعكس متوسطًا زمنيًا للمخزون المتاح من الأدوية المتداولة في السوق.

وترى نيفين أن هذه الأرقام ينبغي النظر إليها في ضوء طبيعة سوق الدواء في مصر، التي تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، مشيرةً إلى أن نحو 90% من مكونات الأدوية المصنعة محليًا يتم استيرادها من الخارج، في حين لا تتجاوز نسبة الأدوية المستوردة تامة الصنع نحو 10%، مؤكدة أن هذا الاعتماد الكبير على الاستيراد يجعل سوق الدواء عرضة للتأثر بأي اضطرابات في حركة التجارة العالمية أو سلاسل الإمداد، خاصة في ظل التوترات الإقليمية وتأثيرها على الملاحة البحرية والنقل الجوي.

تقول: “سوق الدواء في مصر يعاني بالفعل من نقص في بعض الأصناف الدوائية، والحكومة أعلنت في وقت سابق عن وجود نحو 540 صنفًا غير متوفر في السوق، قبل أن تعلن لاحقًا عن توفير نحو 400 صنف منها، ما يعني استمرار نقص يقارب 100 صنف دوائي حتى الآن، غالبيتها تعتمد بشكل كامل على الاستيراد”.

وتضيف أن تأثير الأزمات الحالية لا يقتصر على الأدوية المستوردة بالكامل، بل يمتد أيضًا إلى الأدوية المصنعة محليًا، نظرًا لاعتماد تصنيعها بدرجة كبيرة على المواد الخام المستوردة، موضحة أن العديد من مصانع الدواء بدأت بالفعل تتحدث عن التحديات التي تواجهها في توفير هذه المواد، في ظل الاضطرابات التي تشهدها سلاسل الإمداد العالمية.

وتعرب نيفين عن أملها ألا تضطر الدولة إلى اتخاذ قرارات بزيادة الأسعار خلال الفترة الحالية، نظرًا لحساسية هذا القطاع وأهميته بالنسبة للمواطنين، خاصة أن الدواء يمثل سلعة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها، مشيرة إلى أن العديد من المرضى يعتمدون على الأدوية بشكل يومي، خصوصًا مرضى الأمراض المزمنة مثل الضغط والسكري، إلى جانب المرضى الذين يحتاجون إلى أدوية خاصة بالأورام أو الأدوية المستخدمة في علاج الفيروسات أو المستلزمات المرتبطة بغسيل الكلى، وهذه الفئات لا يمكنها تحمل زيادات جديدة في الأسعار.

وتوضح أن تسعير الدواء في مصر يتم بشكل مركزي من خلال هيئة الدواء المصرية، وفق نظام ملزم يحدد أسعار الأدوية في السوق، مشيرةً إلى أن وجود مخزون من الأدوية يكفي نحو تسعة أشهر يفترض أن يساهم في الحفاظ على استقرار الأسعار خلال هذه الفترة، مطالبةً بعدم اتخاذ أي قرارات بزيادة أسعار الأدوية خلال فترة توافر هذا المخزون، والحفاظ على استقرار السوق وضمان استمرار توافر الأدوية للمواطنين.

وتدعو إلى الاستعداد للسيناريوهات المحتملة بعد انتهاء فترة المخزون المتاح، مشيرةً إلى ضرورة أن تبدأ الجهات المعنية في اتخاذ إجراءات استباقية للتعامل مع أي اضطرابات قد تطول سلاسل الإمداد الدوائي، موضحة أن “هذه الإجراءات ينبغي أن تشمل عقد اجتماعات عاجلة بين هيئة الدواء والجهات المعنية في قطاع الدواء، إلى جانب العمل على تنويع مصادر استيراد المواد الخام والأدوية، بما يحد من الاعتماد على مسارات تجارية محددة قد تتأثر بالأزمات الجيوسياسية”.

وتلفت إلى أن مصر أعلنت في وقت سابق عن استراتيجية لتوطين صناعة الدواء، إلا أن الظروف الدولية الأخيرة تفرض ضرورة تقييم مدى التقدم في تنفيذ هذه الاستراتيجية، والوقوف على ما تحقق منها على أرض الواقع، داعية إلى إعلان هذه الخطط بشكل واضح للرأي العام، مع إصدار إرشادات توعوية لتجنب حدوث حالة من الذعر بين المواطنين في حال ظهور نقص مؤقت في بعض الأدوية.

وتشير كذلك إلى أهمية دراسة إمكانية تنويع مصادر استيراد المواد الخام الدوائية، التي تعتمد مصر حاليًا في جزء كبير منها على دول مثل الصين والهند، مؤكدةً ضرورة البحث عن بدائل إضافية في أسواق أخرى لتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على عدد محدود من الموردين.

 

نوصي للقراءة: نزيف الأدوية.. نقص الدولار يُهدّد صحة المصريين

تأثر الإنتاج الدوائي بالحرب

تعد صناعة الدواء في مصر بطبيعتها شديدة التأثر بأي توترات جيوسياسية أو إقليمية، لاعتمادها الكبير على استيراد المواد الخام ومدخلات التصنيع من الخارج، هذا التأثير لا يقتصر على مصر وحدها، بل يشمل معظم دول العالم التي تعتمد على سلاسل إمداد دولية في إنتاج الأدوية، بحسب الدكتور مصطفى الوكيل، وكيل النقابة العامة للصيادلة، والذي يشير إلى أن الأزمات السياسية أو العسكرية غالبًا ما تدفع الدول إلى إعادة ترتيب أولوياتها المتعلقة بالمخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية، وعلى رأسها الدواء.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “الدواء سلعة استراتيجية وحيوية وليست ترفيهية، لذلك تظهر آثار أي اضطرابات في سلاسل الإمداد بسرعة على السوق وعلى المرضى، والإنتاج الدوائي بدأ بالفعل يتأثر بدرجة ما نتيجة المخاوف المرتبطة بخطط الاستيراد خلال الفترة المقبلة”، مشيرًا إلى أن استمرار التوترات أو اتساع نطاقها قد يؤدي إلى نقص أو عجز في بعض الأدوية.

ويشرح أن الاعتماد على الاستيراد لا يقتصر على المواد الخام الدوائية فقط، بل يشمل منظومة متكاملة من مدخلات الإنتاج، مثل مواد التغليف كالألومنيوم فويل، ومساحيق التصنيع، والأحبار والأوراق وغيرها من المكونات المرتبطة بعملية الإنتاج، مشيرًا إلى أن نسبة الاعتماد على الاستيراد في هذه المدخلات مرتفعة للغاية، وتصل حالياً إلى نحو 95%.

ويتوقع وكيل النقابة العامة للصيادلة، أن يؤثر ارتفاع سعر العملة الأجنبية على تكلفة الإنتاج، ومن ثم على أسعار الأدوية والمستلزمات الطبية، إلى جانب بقية السلع، لكنه يوضح أن أي زيادة في أسعار الأدوية لا تتم بشكل تلقائي أو فوري مع تحرك سعر الدولار، إذ تخضع هذه المسألة لدراسات وإجراءات تنظيمية.

ويُبيّن أن الشركات الدوائية التي تواجه زيادة في تكاليف الإنتاج نتيجة زيادة أسعار المواد الخام أو تقلبات سعر الصرف تتقدم بطلبات رسمية إلى هيئة الدواء المصرية لإعادة تسعير منتجاتها، على أن تقوم الهيئة بدراسة هذه الطلبات وتقييم مدى استقرار التغيرات الاقتصادية قبل اتخاذ أي قرار بشأن تعديل الأسعار.

كذلك يشير إلى أن الشركات عادة ما تعتمد على تعاقدات استيرادية طويلة الأجل لتأمين احتياجاتها من المواد الخام لفترات قد تمتد إلى ستة أو سبعة أشهر، وهو ما يخفف من التأثير الفوري لأي تغيرات مفاجئة في الأسعار أو في سلاسل الإمداد، ومع ذلك، يرى أن احتمال زيادة أسعار بعض الأدوية يظل واردًا إذا استمرت الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف الاستيراد.

ويعتقد الوكيل أن هذا الوضع الراهن يبرز أهمية تعزيز التصنيع المحلي، إذ أن الاعتماد الكامل على الاستيراد يمثل نقطة ضعف رئيسية في منظومة الدواء، مشيرًا لوجود توجه رسمي خلال السنوات الأخيرة بالتوسع في إنشاء مصانع لإنتاج المواد الخام الدوائية، بهدف تقليل الفجوة وتقليل الاعتماد على الخارج في مدخلات الصناعة وتعزيز الإنتاج المحلي للمواد الخام ومدخلات الصناعة.

ويوضح أن معظم الدول باتت تعتمد في أنظمتها الصحية على سياسات واضحة لتخزين الأدوية والمواد الطبية الضرورية، تحسبًا للأزمات مثل الجوائح أو الحروب أو أي اضطرابات مفاجئة، مشيرًا لكون مصر لديها بالفعل مخزون من الأدوية والمواد الأساسية يكفي لفترة من الوقت، لكن وجوده لا يعني بالضرورة اختفاء ظاهرة نواقص الأدوية من السوق، والذي يحدث لأسباب، من بينها نقص بعض المواد الخام أو حدوث مشكلات في التصنيع، بجانب ثقافة استهلاك الدواء، إذ يعتاد كثير من المرضى على اسم تجاري محدد للدواء ويرفضون استخدام بدائل تحمل نفس المادة الفعالة والتركيز، ولكن بأسماء تجارية مختلفة. 

بدوره يعتقد الدكتور محمود فتوح، رئيس النقابة العامة للصيادلة الحكوميين، أن التصعيد العسكري واضطرابات حركة الشحن وسلاسل الإمداد العالمية سينعكس بالضرورة على مختلف القطاعات، ومن بينها قطاع الدواء، موضحًا أن إطالة أمد الحرب قد تؤدي إلى تفاقم مشكلة نقص الأدوية في مصر، خاصة في ظل نظام التسعير الجبري الذي يحدد أسعار الدواء بمستويات منخفضة مقارنة بتكاليف الإنتاج المرتبطة بسعر الدولار. 

ويشرح لـ”زاوية ثالثة” أن ارتفاع سعر الدولار وتكاليف الشحن والطاقة يفرض ضغوطاً كبيرة على المصانع، ما قد يدفع بعضها إلى تقليل الإنتاج أو طرح بعض الأصناف بخسارة لتجنب إلغاء تسجيلها، معتبرًا أن الحديث عن وجود مخزون استراتيجي محدد من الأدوية غير دقيق، لأن المخزون يختلف من شركة إلى أخرى.

ويُقدر حجم سوق الدواء في مصر، في عام 2025، بحوالي 7.072 مليار دولار أمريكي، مع توقعات نمو تصل إلى 14.5 مليار دولار بحلول 2034؛ فيما بلغت مبيعات الأدوية داخل السوق المحلي نحو 307 مليار جنيه مصري، أي حوالي 6-7 مليار دولار، في عام 2025، بمعدل نمو 42% مقارنة بالعام السابق، ويعتمد السوق على إنتاج محلي يغطي نحو 80% من الاحتياجات، ويوجد في مصر أكثر من 170 مصنع مرخص للأدوية ينتجون أكثر من 150 مليون عبوة دواء سنويًا.

 

نوصي للقراءة: مرضى الفشل الكلوي في مصر.. مأساة مضاعفة بين نقص الدواء وانهيار الرعاية

زيادة تكلفة الإنتاج

تعتمد صناعة الدواء في مصر، بدرجة كبيرة على سلاسل الإمداد الدولية، خاصة في ما يتعلق بنقل المواد الخام ومدخلات الإنتاج، ويُنقل  الجزء الأكبر من هذه المواد عبر الشحن البحري، بينما يُنقل جزء آخر عبر الشحن الجوي، وكلا المسارين تأثر خلال الفترة الأخيرة نتيجة التوترات الإقليمية واضطراب حركة الملاحة، بحسب الدكتور محفوظ رمزي، رئيس لجنة التصنيع الدوائي بنقابة الصيادلة.

ويوضح أن هذه الاضطرابات أدت إلى ارتفاع كبير في تكاليف الشحن، مشيرًا إلى أن تكلفة النقل في بعض الحالات ارتفعت بنحو خمس إلى ست مرات، فضلًا عن زيادة تكلفة التأمين على الشحنات، وهو ما ينعكس في النهاية على التكلفة المباشرة وغير المباشرة لإنتاج الدواء.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “التأثير لا يقتصر على تكاليف النقل فقط، بل يمتد أيضًا إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، وهو ما يؤدي بدوره إلى زيادة تكلفة التصنيع داخل المصانع، مشيرًا إلى أن العديد من المصانع ترتبط تكاليف تشغيلها بشكل مباشر بأسعار الطاقة، ما يجعل أي ارتفاع في هذه الأسعار ينعكس تلقائيًا على تكلفة الإنتاج، والتي تتضمن تكاليف العمالة والتوزيع والطباعة والتغليف، وتشكل في مجموعها التكلفة النهائية للدواء”.

ويشرح “رمزي” أن الدواء في مصر يخضع لنظام التسعير الجبري، وفق القرار رقم 499، الذي يربط إمكانية تعديل سعر الدواء بتحرك سعر الدولار بنسبة تصل إلى 15% زيادةً أو نقصانًا، ورغم تحرك سعر الدولار في الفترة الأخيرة إلاّ أنه – في رأيه – لا يستدعي زيادة فورية في أسعار الأدوية.

وفيما يتعلق بتأثير الأزمة على مدخلات الإنتاج، يوضح أن العديد من المكونات المستخدمة في صناعة الدواء قد تشهد زيادات في الأسعار، مثل الورق المستخدم في الطباعة، والكرتون، والنشرات الداخلية، والألومنيوم، ومادة الـPVC المستخدمة في عبوات الأقراص، بالإضافة إلى الكبسولات الفارغة والنشا وبعض المواد الأخرى، مشيرًا إلى أن كثيرًا من هذه المدخلات تُصنّع داخل مصر، لكن موادها الخام تُستورد من الخارج، وغالبًا ما تصل عبر الشحن البحري بكميات كبيرة، ما يجعلها عرضة للتأثر بارتفاع تكاليف النقل.

ويوضح أن الألومنيوم المستخدم في تغليف الأقراص الدوائية، وكذلك مادة الـPVC التي تُكوّن الجزء الشفاف من الشريط الدوائي، يتم تصنيعها في مصانع داخل مصر، إلا أن المواد الخام اللازمة لإنتاجها يتم استيرادها من الخارج، وهو ما يجعل تكلفتها مرتبطة بشكل مباشر بظروف التجارة الدولية وأسعار الشحن والطاقة.

ويضيف: “في حال استمرار الظروف الحالية لفترة طويلة، فقد يكون من الضروري النظر في بعض التعديلات السعرية، إلا أنه شدد على أن أي زيادة يجب أن تكون محسوبة بدقة شديدة، وأن تراعي الظروف الاقتصادية للمواطنين والبعد الاجتماعي للدواء، باعتباره سلعة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها”.

رغم ذلك يعارض رئيس لجنة التصنيع الدوائي بنقابة الصيادلة، أي زيادات عامة في أسعار الأدوية، خلال الوقت الراهن، خاصة أدوية الأمراض المزمنة، مثل أدوية الضغط والسكري، نظرًا لما قد تمثله الزيادات الكبيرة من عبء على المرضى، مشيرًا إلى أن عدم قدرة المرضى على شراء هذه الأدوية قد يؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة تتحمل الدولة تكلفتها لاحقًا في منظومة العلاج بالمستشفيات.

ويعتقد أن جانب أساسي من التحدي الذي تواجهه الشركات يرتبط بكون الدواء سلعة مسعرة جبريًا، في حين أن العديد من مدخلات الصناعة لا تخضع للتسعير الإجباري، موضحًا أن بعض المستوردين أو الموردين قد يحددون أسعار هذه المدخلات بحرية، ما قد يؤدي إلى زيادة الضغوط المالية على الشركات المنتجة للأدوية، إذ يفتح غياب تسعير واضح لبعض مدخلات الصناعة، المجال للمضاربات، خاصة في أوقات الأزمات أو ارتفاع أسعار العملات الأجنبية، حيث قد يقوم بعض الموردين بتقليل الكميات المعروضة وطرحها بأسعار أعلى.

ويتابع: “الأزمات السابقة التي شهدها سوق الدواء خلال السنوات الماضية ارتبطت إلى حد كبير بأزمة نقص العملة الأجنبية وارتفاع سعر الدولار بشكل حاد، وهو ما أدى حينها إلى زيادة كبيرة في تكاليف الاستيراد والإنتاج، بينما لا تواجه الشركات في الوقت الراهن صعوبة في تدبير العملة الأجنبية لاستيراد المواد الخام، فالدولة تمنح قطاع الدواء أولوية في تدبير النقد الأجنبي”.

ويشير إلى أن مصر تمتلك في الوقت الحالي مخزونًا استراتيجيًا من المواد الخام الدوائية يتراوح بين ثلاثة وتسعة أشهر، وهو ما يمنح السوق قدرًا من الاستقرار على المدى القصير، كما أن الشركات الدوائية عادةً ما تبني خططها الإنتاجية بناءً على توقعات المبيعات، وتؤمّن احتياجاتها من المواد الخام وفق هذه التوقعات.

وفي ظل التوترات الإقليمية والأزمات الجيوسياسية، يد سوق الدواء في مصر نفسه أمام اختبار جديد لمدى قدرته على الصمود في مواجهة تقلبات سلاسل الإمداد العالمية، وارتفاع أسعار الطاقة وصرف الدولار. 

وبين تطمينات رسمية بوجود مخزون استراتيجي يكفي لعدة أشهر، وتحذيرات من خبراء بشأن تداعيات استمرار التوترات على تكاليف الإنتاج وتوافر بعض الأصناف، يظل مستقبل السوق مرتبطًا بتطورات المشهد الإقليمي وسرعة تحرك الجهات المعنية لإدارة المخاطر المحتملة. 

 

آية ياسر
صحافية وكاتبة وروائية مصرية حاصلة على بكالوريوس الإعلام- جامعة القاهرة.

Search