أثار قرار حكومي، صادر عن جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك في مصر، بوقف العمل بآلية صافي القياس، والمعروفة أيضًا بالعدادات التبادلية، – وهي آلية تتيح لمنتجي الطاقة الشمسية تبادل الفائض مع الشبكة الكهربائية، وتساهم في تعزيز الطاقة المتجددة اللامركزية -، انتقادات ومخاوف واسعة لدى قطاع إنتاج الطاقة الشمسية؛ خشية توقف نشاط نحو 168 شركة مؤهلة من هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة، مما يؤثر على فرص العمل والاقتصاد الأخضر.
القرار الذي لم يصدر في صورة كتابٍ دوريٍّ أو ينشر في الجريدة الرسمية ويفترض أن يدخل حيز التنفيذ في 31 ديسمبر الجاري، لم يتم الإفصاح عن الأسباب الفنية التي دفعت وزارة الكهرباء إلى اتخاذه، ووُصف بأنه يتعارض مع الإرادة السياسية الداعمة للتحول إلى الطاقة النظيفة، بما في ذلك رؤية مصر 2030 واستراتيجية الطاقة المستدامة والمتكاملة، والاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ في مصر 2050، كونه يؤدي إلى إهدار الطاقة الخضراء المنتجة من المحطات الصغيرة والمتوسطة، ويحرم الشبكة القومية من طاقة نظيفة، مع إهدار ملايين الأطنان من الوقود المكافئ، وقد يعيق تحقيق هدف 42% من الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة بحلول 2030.
ومن المتوقع أن يسفر القرار عن رفع فترة استرداد الاستثمارات في مشروعات الطاقة الشمسية من 5 سنوات إلى أكثر من 10 سنوات، بحسب المهندس أيمن هيبة، رئيس شعبة الطاقة المستدامة بالغرفة التجارية بالقاهرة، ورئيس جمعية تنمية الطاقة المستدامة “سيدا”، مما قد يفقد هذه المشروعات جدواها الاقتصادية ويعيق التوسع في الطاقة المتجددة، ويضاعف أعباء المصانع، وربما يضر بسلاسل التوريد التصديرية، ويؤثر على تنافسية المنتجات المصرية حال عدم الالتزام بمعايير البصمة الكربونية.
بدورها أعربت الشبكة العربية للبيئة والتنمية (رائد) عن قلقها البالغ تجاه قرار وقف صافي القياس، معتبرة إياه يعوق الجهود الوطنية للتحول إلى الطاقة النظيفة، ودعت في بيان لها، إلى إعادة النظر فيه وفتح حوار مع وزارة الكهرباء وجهاز التنظيم لتصويب المسار وضمان استمرارية الدعم، وحفاظًا على مسار التحول للطاقة النظيفة في مصر.
فيما أعلنت شعبة الطاقة المستدامة بالغرفة التجارية بالقاهرة، أنها تعد مذكرة تفصيلية لرفعها إلى رئيس الغرفة التجارية للقاهرة لطلب عقد اجتماع عاجل مع وزارة الكهرباء، وذلك لبحث تداعيات قرار جهاز تنظيم مرفق الكهرباء بوقف العمل بآلية صافي القياس، الذي قد يؤثر سلبًا على استثمارات الشركات المؤهلة من هيئة الطاقة المتجددة. موضحة أن مشروعات الطاقة الشمسية الصغيرة والمتوسطة تعد عنصرًا أساسيًا في خفض دعم الوقود وتقليل الفجوة الدولارية ودعم استقرار الشبكة القومية، و أن إلغاء صافي القياس سيضاعف فترة استرداد الاستثمارات، ويضعف جدوى المشروعات مما قد يؤثر على الصادرات المصرية في ظل آلية تعديل حدود الكربون (CBAM).
وأبدت الشعبة رغبتها في عقد اجتماع مع وزارة الكهرباء لبحث هذا الملف، موضحة أن آلية صافي القياس تُعد عاملًا مهمًا في تعزيز الاستفادة من الطاقة المنتجة، خاصة في ظل اختلاف توقيتات الإنتاج عن فترات تشغيل المصانع، آملة في إعادة دراسة القرار وبحث الحلول التي تضمن استمرار الاستفادة من آلية صافي القياس، بما يدعم تنافسية الصناعة المصرية ويُسهم في تعزيز جهود التحول للطاقة النظيفة وجذب الاستثمارات الخضراء.
ويتوقع المهندس حاتم الرومي، النائب الأول لشعبة الطاقة المستدامة بالغرفة التجارية بالقاهرة، أن قرار وقف العمل بالعدادات التبادلية أو آلية “صافي القياس” سيتسبب في خسائر مباشرة لنحو 168 شركة عاملة في مجال الطاقة الشمسية في مصر، إلى جانب إلحاق أضرارٍ واسعةٍ بالمستثمرين في القطاعين الصناعي والزراعي، خاصةً المصانع الصغيرة والمتوسطة التي باتت تعتمد على الطاقة الشمسية كخيارٍ أساسيٍّ للاستمرار في العمل.
ويوضح الرومي، في تصريحات لـ”زاوية ثالثة”، أن كثير من المصانع الصغيرة والمتوسطة كانت تعتمد على محطات الطاقة الشمسية المرتبطة بالشبكة بنظام “صافي القياس”، بسبب ارتفاع أسعار الكهرباء، تجنبًا للإغلاق أو تقليص الإنتاج، وبالتالي ستتأثر سلبًا بالقرار، مستغربًا توقيت اتخاذه في ظل الانخفاض الحاد في أسعار الخلايا الشمسية ومكونات المنظومات، تزامنًا مع تراجع سعر الدولار أمام الجنيه المصري ليصل إلى نحو 47 جنيهًا ونصف، معتبرًا أن هذه الظروف كانت تمثل فرصةً حقيقيةً لإنعاش قطاع الطاقة الشمسية ودعم القطاعين الصناعي والزراعي، إلا أن القرار جاء ليبعث برسالةٍ سلبيةٍ مفادها توقف هذا المسار بالكامل.
يقول: “شركات الطاقة الشمسية تواجه بالفعل حالة شلل، إذ لم تعد طلبات الشركات تُقابل بأي رد، قبل أن يتم إبلاغها لاحقًا بوقف النظام نهائيًّا، ذلك سيحرم آلاف المصانع من الاستفادة من الانخفاض الكبير في تكلفة إنشاء المحطات الشمسية، في وقتٍ تشهد فيه أسعار الكهرباء ارتفاعًا مستمرًّا”.
ويُبيّن أن تكلفة إنشاء محطات الطاقة الشمسية انخفضت بنسبةٍ تراوح بين 30% و40%، ما أدى إلى تقليص فترة استرداد التكلفة من نحو ثماني سنوات إلى أربع سنوات فقط، وهو ما كان يمثل حافزًا قويًّا للمصانع للتحول إلى الطاقة الشمسية، مؤكدًا أن القرار سيؤدي إلى فقدان هذه الفرصة، وقد يترتب عليه إغلاق أو تراجع إنتاج آلاف المصانع.
ويضيف: “الأضرار لا تقتصر على 168 شركة فقط، بل تمتد إلى ما بين ألفين وثلاثة آلاف مصنع باتت بحاجةٍ ملحّةٍ إلى تركيب محطات طاقة شمسية، والخسائر المحتملة في القطاع الصناعي والزراعي “والتجاري قد تفوق بكثير خسائر شركات الطاقة الشمسية نفسها.
ويلفت الرومي إلى أن القرار لا يُطبق بأثرٍ رجعيٍّ، موضحًا أن العدادات التبادلية القائمة بالفعل في المنازل والمصانع ستظل تعمل، ولا يمكن المساس بها، بينما يقتصر المنع على الطلبات الجديدة، حيث يتم حاليًّا رفض استقبال أي طلبات ربط جديدة بنظام صافي القياس.
ويتساءل عضو شعبة الطاقة المستدامة عن جدوى التضييق على نحو 300 ميجاوات فقط من الكهرباء الناتجة عن محطات الطاقة الشمسية الصغيرة والمتوسطة ، مقابل التوسع في محطات مركزية للطاقة بقدرات تصل إلى 3000 ميجاوات، مؤكدًا أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بنظام صافي القياس أكثر أمانًا واستقرارًا للشبكة الكهربائية، نظرًا لتوزعها الجغرافي، مقارنةً بالمحطات المركزية الضخمة التي تتركز في نقاطٍ محددةٍ، ما قد يسبب اختلالاتٍ في الشبكة ومشكلاتٍ فنيةً مثل التوافقيات الكهربائية.
ويشرح أن نظام صافي القياس يتميز بمرونته، إذ يتيح ربط الطاقة الشمسية في مواقع الاستهلاك نفسها، سواء في المصانع أو المباني، دون الحاجة إلى استثماراتٍ ضخمةٍ في محطات محولات أو رفع وخفض الجهد، وهو ما يقلل الأعباء على الشبكة التي تعاني بالفعل من ضغوطٍ فنيةٍ، موضحًا أن القدرة المركبة للكهرباء في مصر تصل إلى نحو 60 جيجاوات، في حين لا يتجاوز الاستهلاك الأقصى 36 جيجاوات، إلا أنه يشدد على أن هذا الفائض لا يبرر وقف صافي القياس، خاصةً أن تأثير المحطات الصغيرة أقل ضررًا من المحطات الكبرى.
غير أنه يقرّ بأن الشبكة تحولت فعليًّا إلى “بطارية” لمحطات الطاقة الشمسية، حيث يتم ضخ الفائض نهارًا وسحبه ليلًا، معترفًا بوجود تأثيراتٍ فنيةٍ تحتاج إلى تنظيم ودراسة، لكنه يشدد على أن الحل لا يكمن في إلغاء الآلية، بل في وضع ضوابط علمية واضحة، مثل إلزام المحطات الأكبر بتركيب بطاريات لتحقيق التوازن، مؤكدًا على أن ملف الطاقة الشمسية، يحتاج إلى دراساتٍ علمية معلنة وبحوث جادة لحماية الشبكة، داعيًا إلى الشفافية والاعتماد على البحث العلمي بدلًا من اتخاذ قراراتٍ مفاجئةٍ من شأنها الإضرار بالاقتصاد القومي ومناخ الاستثمار.
وكانت القدرة المركبة للطاقة الشمسية قد وصلت بنهاية عام 2024، إلى حوالي 2.59 جيجاوات، وتجاوز إجمالي القدرات المركبة للطاقة المتجددة، نهاية العام المالي 2024/2025، حوالي 8.6 جيجاوات، من بينها 3.034 جيجاوات طاقة رياح، و2.8 جيجاوات من الطاقة الشمسية والكتلة الحيوية، و 2.8 جيجاوات تقريبًا من الطاقة الكهرومائية.
وهي تشكل نسبة 33.4% من إجمالي الطاقة المتجددة في مصر، التي تخطط للوصول إلى 8.5 جيجا وات من الطاقة الشمسية بحلول 2030، ضمن استراتيجية لزيادة حصة الطاقة المتجددة، من المتوقع نمو سوق الطاقة الشمسية الكهروضوئية من 2300 ميجاوات (2023) إلى أكثر من 3500 ميجاوات بحلول 2028.
نوصي للقراءة: الطاقة الشمسية في مصر: فرص هائلة ومعوقات ضخمة

ارتباك في سوق الطاقة والاستثمار
يشرح الدكتور محمد السبكي، – أستاذ هندسة الطاقة والرئيس السابق لهيئة الطاقة الجديدة والمتجددة-، أن العمل بنظام “صافي القياس” لا يزال ساريًا حتى 31 من الشهر الجاري، وفقًا لما أعلنه جهاز تنظيم مرفق الكهرباء، إلا أن الإعلان لم يتضمن أسبابًا واضحةً للإلغاء، مشيرًا إلى أن ما تم تداوله بشأن التطوير اقتصر على إفاداتٍ شفويةٍ دون طرح بديلٍ واضحٍ أو آليةٍ مطوَّرةٍ تُطبَّق قبل إيقاف النظام القائم، غير أنه يستنكر الإعلان عن إلغاء آليةٍ قائمةٍ بحجة التطوير دون الانتهاء أولًا من هذا التطوير أو الإعلان عن البديل، مؤكدًا أن الجهة المسؤولة عن آلية صافي القياس كان يتعين عليها الاستمرار في العمل بالنظام الحالي إلى حين استكمال تطويره، أو تنفيذ التطوير دون تحديد موعدٍ للإلغاء قبل اكتماله.
ويؤكد لـ”زاوية ثالثة” أن نظام صافي القياس يحقق عدة فوائد لشبكات توزيع الكهرباء، أبرزها: إمداد الكهرباء بشكلٍ شبه مباشرٍ إلى مراكز الأحمال ومواقع الاستهلاك، ما يسهم في تقليل الفاقد الكهربائي على مستوى شبكات التوزيع، إلى جانب دوره في تأجيل الاستثمارات المستقبلية اللازمة لتقوية الشبكات لدى شركات التوزيع، مٌبينًا أن للنظام بُعدًا اقتصاديًّا مهمًّا، إذ تعتمد عليه أعدادٌ لا بأس بها من الشركات، سواء بشكلٍ مباشرٍ من خلال شركات توريد وتركيب الخلايا الشمسية، أو بشكلٍ غير مباشرٍ عبر المصانع التي تنتج مستلزمات هذه المشروعات، مثل حوامل الخلايا الشمسية، وبالتالي فإن إلغاء النظام سيؤثر سلبًا على هذه الكيانات، خاصةً الشركات التي يقتصر نشاطها على هذا المجال.
يقول السبكي: “إن المشروعات التي طبقت نظام صافي القياس بالفعل لن تتأثر، وستظل عقودها ساريةً وفقًا لما تم التعاقد عليه، بينما سينحصر تأثير القرار على المستثمرين الذين يخططون لتنفيذ مشروعاتٍ مستقبليةٍ تعتمد على الطاقة الشمسية”، مؤكدًا تأييده لمطالب العاملين والمطورين في قطاع الطاقة المتجددة بضرورة طرح بديلٍ واضحٍ قبل وقف العمل بنظام صافي القياس.
ويشير الرئيس السابق لهيئة الطاقة الجديدة والمتجددة، إلى أن جهاز تنظيم مرفق الكهرباء كان قد أعلن استمرار العمل بنظام صافي القياس إلى حين اقتراح التطويرات المطلوبة ومناقشتها بشكلٍ علميّ وفنيّ وتطبيقيّ مع الجهات المعنية، وفي مقدمتها شركات توزيع الكهرباء، والمطورون، والمستثمرون، والمستخدمون النهائيون الراغبون في تركيب الخلايا الشمسية.
وينفى السبكي وجود أي تأثيراتٍ سلبيةٍ حالية لمنظومات صافي القياس على الجهد أو استقرار الشبكة، لافتًا إلى أن مصر لا تزال بعيدةً عن أي مخاطر فنية ناتجة عن هذه المنظومات، لا سيما أن الحديث ينحصر في الألواح الشمسية ضمن نطاقاتٍ محدودة، مؤكدًا أن الفرصة ما زالت قائمة لتدارك أي تبعاتٍ سلبيةٍ محتملة، إذا ما جرى التعامل مع الملف بحوارٍ جادّ ومشاركةٍ حقيقية لجميع الأطراف المعنية.
ولا يرى الدكتور حافظ السلماوي، – أستاذ هندسة الطاقة بكلية الهندسة في جامعة الزقازيق، والرئيس التنفيذي الأسبق لجهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك-، أي مبررٍ موضوعيّ لوقف آلية صافي القياس، مشددًا على أن الهدف الأساسي من هذه الآلية هو زيادة إنتاج الطاقة الشمسية وهو هدفٌ قوميٌّ، نظرًا لأن كل كيلووات/ساعة يتم توليده من الطاقة الشمسية يقابله خفضٌ في استيراد الغاز من الخارج، وتقليلٌ للضغط على العملة الصعبة.
ويوضح لـ”زاوية ثالثة”، أن المشروعات التي يطبق عليها نظام صافي القياس هي في الأساس مشروعاتٌ صغيرةٌ ومتوسطةٌ، تنفذها شركاتٌ من فئة المشروعات الصغيرة والمتوسطة، التي تعلن الدولة دعمها وتشجيعها، لافتًا إلى أن هذه المشروعات تتميز بارتفاع نسبة المكوِّن المحلي مقارنةً بالمحطات الكبرى، فضلًا عن بساطة تنفيذها وانخفاض تعقيداتها الفنية.
يقول: “هذه المشروعات تسهم في تخفيف الأحمال على شبكات توزيع الكهرباء، حيث يعتمد المستخدم على إنتاجه الذاتي جزئيًّا، ويستكمل احتياجاته من الشبكة، ما يقلل الضغط عليها ويتيح خدمة أعدادٍ أكبر من المستهلكين بنفس الاستثمارات القائمة، فضلًا عن تحقيقها أهدافًا بيئية واضحة”.
ويُبيّن أن تمويل مشروعات صافي القياس يعتمد في الغالب على التمويل المحلي، دون الحاجة إلى ضماناتٍ سيادية أو التزامات حكومية مرهقة، على عكس المحطات الكبرى التي تتطلب عادةً ضماناتٍ حكومية وتفرض أعباءً على الوضع الائتماني للدولة، كما أن المستثمرين في هذه المشروعات لا يطالبون بالسداد أو بتحويل الأرباح بالعملة الأجنبية.
ويعتبر أستاذ هندسة الطاقة أن آلية صافي القياس المطبقة في مصر تُعد من أبسط وأضيق الآليات المعمول بها عالميًّا، مشيرًا إلى أن محدودية تطبيقها هي أحد أسباب تواضع القدرات المنفذة حتى الآن، موضحًا أن توسيع نطاق الآليات المتبعة عالميًّا كان من شأنه تسريع تنفيذ المشروعات وزيادة مساهمة الطاقة الشمسية في مزيج الطاقة.
ويشير إلى أنه كان من المنطقي إعلان القرار رسميًّا ونشره بشكلٍ واضحٍ، وإرفاقه بأسبابٍ ومبرراتٍ معلنةٍ، تجنبًا لحالة الغموض والارتباك الحالية في سوق الطاقة والاستثمار، مؤكدًا أن صدور قرارات غير منشورة أو غير مسببَّة يتعارض مع أبسط قواعد الشفافية، وهو لا يؤثر فقط على قطاع الطاقة الشمسية، بل يمتد تأثيره السلبي إلى مناخ الاستثمار في مصر بصفةٍ عامة.
وينتقد الرئيس التنفيذي الأسبق للجهاز، ما وصفه بحالة “الضبابية الشديدة” في إدارة الملف، سواء من خلال قراراتٍ غير منشورةٍ أو من خلال تعدد الكتب الدورية الصادرة عن الجهاز، موضحًا أن هناك نحو 18 كتابًا دوريًّا تتعلق بآلية صافي القياس، يتسم بعضها بالتضارب، وهو ما يخلق حالةً من الارتباك وعدم اليقين لدى المستثمرين.
ويختتم تصريحاته لنا بالتأكيد على أن ملف صافي القياس يحتاج إلى إعادة نظر شاملة تقوم على رؤيةٍ واضحةٍ ومعلنة، تحدد الهدف القومي المطلوب تحقيقه، والوسائل الأنسب للوصول إليه، وآليات تحفيز الاستثمار وحشد المدخرات، مشددًا على أن أي نقاشٍ جادّ لا يمكن أن يبدأ إلا بوجود قرارٍ رسميّ واضحٍ ومسببّ.
نوصي للقراءة: خفض إمدادات الغاز يُربك قطاع الأسمدة ويهدد الصادرات المصرية

ارتفاع تكلفة إنشاء محطات الطاقة الشمسية
في سياق متصل، يصف خبير الطاقة الشمسية وائل النشار، رئيس شركة أونيرا للطاقة الشمسية، قرار وزارة الكهرباء بوقف العمل بآلية صافي القياس (العدادات التبادلية)، بأنه “غير رشيد”، معتبرًا أن إدماج الكهرباء المولدة من مصادر متعددة داخل الشبكة يسهم في خفض أعباء إنشاء محطات جديدة على الدولة، ويعزز كفاءة المنظومة ككل.
ويوضح النشار أن الدولة نفسها تنفذ مشروعات كبيرة للطاقة الشمسية تضخ إنتاجها في الشبكة القومية، وبالتالي فإن السماح بمدخلات إضافية من المنتجين الصغار كان من شأنه دعم الشبكة وتقليل الحاجة إلى توسعات جديدة، وفي المقابل يشير إلى أن الشبكة القومية لا تزال قيد التطوير، وقد يكون القرار اتُّخذ بدافع محدودية قدراتها الحالية على استيعاب تدفقات كهرباء متزامنة من عشرات الآلاف من المشتركين.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “إن استيعاب هذا النمط من التوليد اللامركزي يتطلب تحويل الشبكة إلى شبكة ذكية مزودة بنظم معلومات متقدمة وتطبيقات للذكاء الاصطناعي، بما يمكّنها من إدارة التدفقات اللحظية للكهرباء بدقة عالية، ويعني وقف التبادلية الإبقاء على الإمداد في اتجاه واحد، بحيث يحصل المستهلك “على الكهرباء من الشبكة دون ضخ فوائضه إليها.
ويُرجّح النشار أن يكون القرار مؤقتًا لحين استكمال تطوير الشبكة، لافتًا إلى أن خطط الدولة حتى عام 2030 تتضمن إضافة نحو 10 آلاف ميجاوات من الطاقة المتجددة، ما ينفي وجود توجه لوقف التوسع في هذا المجال، لكنه يعكس رغبة في التحكم المركزي في مصادر الإمداد.
ودعا الخبير صغار مستخدمي الطاقة الشمسية، خصوصًا في المنازل والمنشآت الصغيرة، إلى الاستثمار في نظم تخزين الطاقة، مشيرًا إلى أن أسعار البطاريات بدأت تصبح في المتناول، بما يسمح بتخزين الفوائض النهارية واستخدامها في أوقات غياب الشمس، في ظل توقف شراء الفائض من قبل شركة الكهرباء.
في المقابل لا يعتقد المهندس محمد شيحة، – الخبير الفني في مجال الطاقة الشمسية-، أن إلغاء العمل بالعدادات التبادلية أو آلية صافي القياس سيمثل تأثيرًا جوهريًّا على شركات الطاقة الشمسية بقدر ما سينعكس بشكلٍ سلبيٍّ على العملاء أنفسهم، لافتًا إلى أن الشركات عادةً تقوم بتصميم محطات الطاقة الشمسية من الناحية الفنية، على قدر الاستهلاك الفعلي للعميل، وليس على قدراتٍ أكبر من احتياجاته، بينما التأثير الأساسي لإلغاء صافي القياس سيتمثل في عدم قدرة العميل على الاستفادة من أي فائضٍ في الإنتاج الكهربائي.
ويوضح، في تصريحاتٍ لـ”زاوية ثالثة”، أن العداد التبادلي كان يمنح العميل ميزة الاستفادة من فائض إنتاج الكهرباء، سواء عبر تخزينه على الشبكة واستخدامه ليلًا بدلًا من شراء الكهرباء من الشبكة، أو من خلال بيعه للحكومة، وهو ما يسهم في تقليل فاتورة الكهرباء وتسريع فترة استرداد التكلفة، مشيرًا إلى أن غياب هذه الآلية يحرم العميل من هذه الميزة دون أن يضر بالشركة المنفذة للمشروع.
ويشير شيحة إلى أن البديل المتمثل في استخدام البطاريات لتخزين الطاقة يُعد حلًّا مكلفًا للغاية، خاصةً في حالة المصانع، موضحًا أن العميل قد يحتاج إلى مضاعفة قدرة المحطة تقريبًا من أجل شحن البطاريات، فضلًا عن أن بطاريات الليثيوم مرتفعة التكلفة رغم عمرها الافتراضي الذي يتراوح بين 10 و12 عامًا.
ويُبيّن أن تخزين طاقة بقدرة 100 كيلووات/ساعة على مدار اليوم قد يتطلب عشرات البطاريات، تصل تكلفة الواحدة منها إلى نحو 150 ألف جنيه، ما يؤدي إلى مضاعفة تكلفة المشروع مقارنةً بالاعتماد على العداد التبادلي، فضلًا عن الحاجة إلى محطةٍ إضافيةٍ مخصصةٍ لشحن البطاريات.
ويضيف: “هذه التكاليف تجعل نظام البطاريات أقل جدوى اقتصادية مقارنةً بنظام صافي القياس، حيث أن فترة استرداد تكلفة إنشاء محطة الطاقة الشمسية تظل، في المتوسط، نحو خمس سنوات، وبعدها يحصل العميل على كهرباء شبه مجانية، نظرًا لطول العمر الافتراضي للألواح الشمسية الذي قد يصل “إلى 30 عامًا، مع ضماناتٍ تمتد إلى 25 عامًا.
ويلف إلى أن الصيانة الدورية للمنظومة تظل محدودة التكلفة، حيث تقتصر في الغالب على الانفرترات، مؤكدًا أن تكلفة صيانتها أو استبدالها على فتراتٍ متباعدةٍ لا تُقارن بقيمة ما كان يدفعه العميل في فواتير الكهرباء التقليدية، موضحًا أن الفئة الأكثر استفادةً من العدادات التبادلية هي المصانع، نظرًا لاعتمادها على الكهرباء نهارًا وليلًا، وعدم قدرتها على استخدام البطاريات بسبب تكلفتها الباهظة، في حين يمكن للوحدات السكنية، في بعض الحالات، الاعتماد على عددٍ محدودٍ من البطاريات، وإن كان ذلك يظل مكلفًا أيضًا.
ويعتبر شيحة أن الجدل الدائر حول إلغاء صافي القياس ينطلق في معظمه من مخاوف العملاء الذي يستغلون نظام العداد التبادلي باعتباره وسيلة استثمارية، من خلال إنشاء محطاتٍ شمسيةٍ على أراضٍ غير مستغلة وبيع الكهرباء للحكومة، وليس من تأثيرٍ مباشرٍ على شركات الطاقة الشمسية، معتبرًا أن القرار، إن طُبق، ستكون انعكاساته الأساسية اقتصاديةً على المستخدم النهائي، لا على الشركات العاملة في القطاع.
نوصي للقراءة: مضاعفات صحّيّة.. كيف يعاني سكّان شرق القاهرة من الانبعاثات البتروليّة؟

تحرك برلماني
تزامنًا مع حالة الجدل والمخاوف التي أثارها القرار، تقدم النائب محمود عصام موسى، عضو مجلس النواب عن حزب الإصلاح والتنمية، بسؤالٍ برلمانيّ عاجل إلى رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، ووزير الكهرباء والطاقة المتجددة، في 13 ديسمبر الجاري، بشأن قرار إلغاء العمل بنظام “صافي القياس” أو “العدادات التبادلية”، الصادر عن رئيس جهاز تنظيم مرفق الكهرباء، محذراً من أن القرار يمثل كارثة اقتصادية واجتماعية تهدد بانهيار ثقة المستثمرين وإهدار مليارات الجنيهات من الاستثمارات الوطنية.
وأوضح في سؤاله، – الذي اطلعت زاوية ثالثة على نسخة منه-، أن عشرات أصحاب المصانع والمنشآت الصناعية تلقوا إخطارات رسمية بوقف العمل بالنظام الحالي الذي يسمح باحتساب “صافي الاستهلاك” بين الطاقة المُنتجة من الوحدات الشمسية والمستهلكة من الشبكة القومية، لافتًا إلى أن هذا النظام ساعد المصانع على خفض تكاليف التشغيل بنسبة تصل إلى 70%.
وأوضح النائب، في تصريحاتٍ خاصة لـ”زاوية ثالثة”، أنه تواصل مباشرةً مع رئيس جهاز تنظيم مرفق الكهرباء، محمد موسى العمران، الذي أكد له أن العمل بنظام العداد التبادلي سيتوقف اعتبارًا من 31 ديسمبر، مشيرًا إلى أن ذلك تم بناءً على قرارٍ داخليٍّ لم يُنشر رسميًّا حتى الآن على الموقع الإلكتروني للجهاز أو عبر أي جهةٍ رسميةٍ أخرى.
يقول: “إن رئيس الجهاز برر القرار بأن الكهرباء الناتجة من الخلايا الشمسية تؤثر على تردد الشبكة الكهربائية، رغم أن نسبتها لا تتجاوز 4% من إجمالي الشبكة”، واصفًا هذا التبرير بأنه غير منطقيٍّ، مؤكدًا أنه اعترض على هذه المعلومة وطالب بدراسةٍ فنية موثقة تبرر اتخاذ القرار، إلا أن رئيس الجهاز لم يقدم أي دراسة تدعم هذا الطرح.
ويشير النائب إلى أن القرار، وفقًا لما تم إبلاغه به، ليس مؤقتًا، إذ لم يُذكر أنه ساريٌّ لفترةٍ محددةٍ لحين تطوير الشبكة أو تعديلها، معتبرًا أن غياب أي إشارةٍ إلى الطابع المؤقت يؤكد أن القرار دائمٌ وليس مرحليًّا.
ويلفت موسى إلى أن تطبيق القرار لن يكون بأثرٍ رجعيٍّ، حيث سيقتصر على الطلبات الجديدة المقدمة بعد 31 ديسمبر، بينما سيُسمح باستكمال إجراءات تركيب العداد التبادلي للمتقدمين الذين حصلوا بالفعل على الموافقات اللازمة قبل صدور القرار.
وفي ظل هذا الجدل المتصاعد، يقف قرار وقف العمل بآلية صافي القياس عند مفترق طرقٍ حاسمٍ بين اعتباراتٍ فنيةٍ غير مُعلنة، وتداعياتٍ اقتصاديةٍ وبيئيةٍ واضحةٍ تطال قطاعًا يُعوَّل عليه في دعم الصناعة، وخفض فاتورة الطاقة، وتحقيق أهداف التحول الأخضر.
وبين تحركاتٍ برلمانية، ومطالباتٍ متكررة من الخبراء وأصحاب المصلحة بطرح بدائل مدروسة وشفافة، يبقى مستقبل الطاقة الشمسية اللامركزية في مصر مُعلَّقًا على قدرة صانع القرار على إدارة الملف بالحوار والعلم، لا بالقرارات المفاجئة؛ فإما مراجعةٌ شاملةٌ تُعيد التوازن بين حماية الشبكة وتشجيع الاستثمار، أو خسارة مزدوجة تطال الاقتصاد الأخضر، وتُبدِّد فرصًا كانت قابلةً للنمو في وقتٍ تحتاج فيه البلاد إلى كل كيلووات نظيف.