close

ماذا تغيّر بعد 4 أعوام من إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان؟

تُظهر الشهادات والتقارير الحقوقية استمرار القيود على حرية التعبير والاحتجاز المطول رغم إعلان الحكومة تنفيذ أكثر من 50 إجراءً ضمن الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان.
Picture of شيماء حمدي

شيماء حمدي

أيام قليلة فصلت بين توجيه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ببدء الإعداد لاستراتيجية جديدة لحقوق الإنسان لتدخل حيز التنفيذ مع انتهاء الاستراتيجية الحالية المعمول بها (2021–2026)، وبين إعلان فوز مصر بعضوية مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة للفترة من 2026 إلى 2028، فيما يحتدم الجدل حول منظومة الحقوق والحريات في مصر عمومًا، في ضوء إشارات متضاربة تعكس تناقضات تتعلق بطبيعة إدارة السلطات في مصر لهذا الملف. 

وحصلت مصر منتصف أكتوبر الماضي،  على 173 صوتًا في انتخابات عضوية المجلس، في فوز يُعد الثالث من نوعه لمصر، من بينها فترتان خلال رئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي. ورأت وزارة الخارجية المصرية في بيانها أن السنوات الأخيرة شهدت تطورات مهمة في الملف الحقوقي، من أبرزها إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان عام 2021، ومتابعة تنفيذها عبر تقارير دورية ترصد ما تحقق من مستهدفاتها.

وأوضحت الوزارة أن توجيهات الرئيس تضمنت، إلى جانب البدء في إعداد استراتيجية وطنية جديدة، تطوير منظومة العدالة الجنائية، وتحديث مراكز الإصلاح والتأهيل، والتوسع في برامج الحماية الاجتماعية، وتمكين المرأة والشباب وذوي الإعاقة. كما أشارت إلى دمج مبادئ الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان في خطط وموازنات عدد من الوزارات والهيئات الحكومية، وتكثيف برامج التدريب وبناء القدرات داخل أجهزة الدولة.

 

نوصي للقراءة: بعد أزمتين قلبيتين وفشل كلوي.. أسرة هدى عبد المنعم تناشد الرئيس بالعفو عنها


قراءة في التقرير الرابع للاستراتيجية 

بحسب التقرير التنفيذي الرابع الصادر عن اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان، في أكتوبر الماضي،  رصدت الدولة خلال عام واحد فقط في الفترة من سبتمبر 2024 حتى أغسطس 2025، أكثر من 50 إنجازًا في مختلف المجالات، تراوحت بين الرعاية الصحية والتعليم والحياة الكريمة من جهة، وتعزيز الحياة السياسية وحرية الرأي والتعبير من جهة أخرى.
فيما يصف التقرير أن ما تحقق خلال هذه الفترة يؤكد “توافر الإرادة السياسية لمواصلة تنفيذ الاستراتيجية التي أطلقت قبل أربع سنوات، مشيرًا إلى تعديلات تشريعية وقرارات عفو رئاسية ومبادرات خدمية واجتماعية مثل مبادرة “حياة كريمة”، إلى جانب جهود تمكين المجتمع المدني.”

الصورة “الإيجابية” التي يقدمها التقرير الرسمي، تصطدم  بروايات أخرى رصدتها عددًا من المنظمات الحقوقية المصرية والدولية، بجملة من التحديات الواقعية التي ما زالت قائمة في ملف الحقوق والحريات، أبرزها استمرار القيود على حرية الرأي والتعبير، والاحتجاز المطول على ذمة قضايا سياسية، وغياب الشفافية في تنفيذ بعض بنود الاستراتيجية.

فبينما تؤكد الدولة أنها عملت خلال العام الماضي على تحسين البيئة التشريعية تنفيذًا للاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، واجهت العديد من هذه التشريعات انتقادات من منظمات حقوقية مستقلة. فعلى سبيل المثال تقول الحكومة المصرية في قانون الإجراءات الجنائية الجديد خطوة نوعية نحو تقليص الحبس الاحتياطي وتحقيق العدالة الناجزة، وبالمقابل، تشير تقارير حقوقية وقع عليها منظمات حقوقية وأحزاب سياسية معارضة إلى أن القانون تضمن عددًا من المخالفات الدستورية والقانونية، حتى بعد التعديلات التي أُقرت في الجلسة البرلمانية الطارئة الأخيرة التي دعا إليها رئيس الجمهورية. ورغم رفض الرئيس التصديق على القانون وإعادته إلى مجلس النواب، إلا أن مجلس النواب أقره في وقت لاحق رغم عدم الاتفاق حول المواد المُختلف عليها. 

 حملة “نحو قانون عادل للإجراءات الجنائية”، قالت إن “موقفها من التعديلات الأخيرة يعكس قلقًا متزايدًا من اتجاه التشريع نحو التراجع عن الضمانات الأساسية للعدالة بدلًا من تعزيزها. فبعد أن انتهت اللجنة الخاصة بمجلس النواب من إعادة صياغة عدد من مواد مشروع القانون استجابةً لملاحظات رئيس الجمهورية، أصدرت تقريرها النهائي متضمنًا اقتراحات جديدة وافق عليها المجلس في جلسته العامة.”

وأوضحت أن القراءة المتأنية لما ورد في التقرير، بحسب خبراء قانونيين وحقوقيين استندت إليهم الحملة، أظهرت أن بعض التعديلات تمثل تراجعًا واضحًا عن المبادئ الحاكمة للمشروع في صيغته الأولى، إذ أضعفت من ضمانات الحريات الفردية وقلّصت من مساحة حق الدفاع الذي يُعد أحد الركائز الجوهرية للعدالة الجنائية.

وعن تشريعات أخرى تناولها التقرير التنفيذي الرابع، مثل قانون اللجوء رقم 164 لسنة 2024 وقانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025، فقد أثارت بدورها انتقادات حقوقية وسياسية واسعة.

وبالرغم من تضمين قانون العمل الجديد بعض المواد التي تنظم العلاقة بين العامل وصاحب العمل وتوسع في الإجازات، منظمات حقوقية وأحزابًا سياسية وباحثين في الشأن العمالي رأوا أنه لم يحقق التوازن المطلوب بين طرفي العلاقة، واستمر في تقييد الحق في التنظيم النقابي، فضلًا عن ضعف آليات حماية العمالة غير المنتظمة التي تمثل النسبة الأكبر من قوة العمل في مصر.

أما قانون اللجوء، فقد رأت منظمات حقوقية من بينها منصة اللاجئين، أنه افتقر إلى الضمانات الكافية لحماية اللاجئين وطالبي اللجوء، ولم يكرّس مبدأ عدم الإعادة القسرية، وهو ما يتعارض مع الاتفاقيات الدولية التي وقّعت عليها مصر، بحسب منظمات مختصة في قضايا الهجرة واللجوء.

وفي يونيو 2024، أكدت منظمة العفو الدولية أن السلطات المصرية رحّلت قسرًا نحو 800 لاجئ سوداني خلال الربع الأول من العام ذاته دون تمكينهم من طلب اللجوء أو التواصل مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أو الطعن على قرارات ترحيلهم. كما وثّقت المفوضية المصرية تعرض عدد من النساء اللاجئات للتحرش والاعتداء الجنسي، وسط امتناع أقسام الشرطة عن تسجيل البلاغات أو إحالة الضحايا إلى الجهات الطبية، بل واتهام بعضهن بممارسة الدعارة.

وفيما يخص مشروع قانون حرية تداول المعلومات، فلا يزال المشروع حبيس الأدراج، رغم مرور أعوام على المطالبات المتكررة بإقراره. وقد دعت منظمات حقوقية ومجلس نقابة الصحفيين أكثر من مرة إلى ضرورة إصدار قانون يضمن حق الحصول على المعلومات بوصفه أحد أعمدة الشفافية والمساءلة ومكافحة الفساد، وإعمالًا بالمادة 68 من الدستور المصري.

من جهته يرى مجدي عبد الحميد، المدير التنفيذي للمشروع الأوروبي في المجلس القومي لحقوق الإنسان، أن توجيه الرئيس بإعداد مرحلة ثانية من الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان يُعد “أمرًا طبيعيًا ومنطقيًا”، باعتباره امتدادًا للنهج الذي اختارته الدولة منذ إطلاق المرحلة الأولى عام 2021.

ويؤكد عبد الحميد في حديثه إلى زاوية ثالثة، أن الوثيقة الأولى للاستراتيجية كانت “مكتوبة بشكل جيد من حيث الأهداف والأفكار”، لكنها افتقدت إلى آليات التنفيذ الواضحة، والجداول الزمنية، وأدوات قياس الأداء، وهو ما مثل، بحسب وصفه، “نقطة الضعف الأساسية في المرحلة الأولى”.

ويشير عبد الحميد إلى أن المجلس القومي لحقوق الإنسان بدأ بالفعل في التحرك نحو إعداد تصور متكامل للمرحلة الثانية من الاستراتيجية، قبل صدور التكليف الرئاسي رسميًا، موضحًا أن المجلس يعتزم تنظيم سلسلة من اللقاءات والحوارات خلال الأشهر المقبلة مع مختلف الفاعلين من المجتمع المدني والجهات الحقوقية والمهنية والأكاديمية، لصياغة رؤية أكثر وضوحًا وشمولًا، تركز على تحويل المبادئ العامة إلى خطط تنفيذية وبرامج عملية قابلة للقياس والتقييم.

من جهته يرى حليم حنيش المحامي الحقوقي والاستشاري في منصة اللاجئين،  أن مشاريع القوانين التي تتباهى بها الحكومة، مثل قانون الإجراءات الجنائية الجديد الذي لم يصدر بعد، وقانون العمل، وقانون اللجوء، قوبلت بانتقادات واسعة، ليس فقط من الداخل، بل أيضًا من جانب المقررين الخواص بالأمم المتحدة، الذين اعتبروا أن تلك التعديلات تمثل تراجعًا عن الضمانات الأساسية التي التزمت بها مصر بموجب اتفاقياتها الدولية.

ماذا حققت الاستراتيجية؟

ارتكزت الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان عند إصدارها عام 2021 إلى 4 محاور رئيسية، الأول يشمل الحقوق المدنية والسياسية، والمحور الثاني، الحقوق الاقتصادية والسياسية، والمحور الثالث حقوق المرأة والطفل والأشخاص ذوي الإعاقة والشباب وكبار السن، والمحور الرابع، التثقيف وبناء القدرات في مجال حقوق الإنسان.

وبالرغم من الإشارة في التقرير التنفيذي الأخير إلى ما اعتبره “خطوات إيجابية” في مجال حرية التعبير والتجمع السلمي ضمن ما التقدم الذي أُحرز في محور الحقوق المدنية والسياسية، مثل توقيع بروتوكول التعاون بين وزارة التربية والتعليم والهيئة الوطنية للانتخابات لتنمية الوعي السياسي، وتنظيم فعاليات سلمية شارك فيها ممثلو النقابات والمجتمع المدني. فقد أشارت تقارير حقوقية إلى استمرار القيود المفروضة على الحق في التنظيم والتظاهر، واحتجاز مواطنين على خلفية تعبيرهم عن آرائهم عبر الإنترنت، إلى جانب التضييق على النقابات المستقلة والجمعيات الأهلية في ممارسة نشاطها بحرية.

في جلسة المراجعة الدورية الشاملة لمصر أمام مجلس حقوق الإنسان في 28 يناير الماضي، تقدّمت 137 دولة بأكثر من 370 توصية تتعلق بتحسين أوضاع حقوق الإنسان في البلاد. وشملت التوصيات طيفًا واسعًا من القضايا؛ من بينها ممارسات التعذيب، و”تدوير” المحبوسين احتياطيًا، والاعتقال السياسي، والإخفاء القسري، إلى جانب القوانين المقيّدة للحريات مثل قانون الجمعيات والإجراءات الجنائية واللجوء، فضلًا عن ملاحقة الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، والانتهاكات المتعلقة بحقوق النساء وتراجع الإنفاق الاجتماعي.

وقد جرى دمج التوصيات المتشابهة ليبلغ عددها النهائي 343 توصية، وفق ما ورد في التقرير الختامي للمراجعة. وطبقًا لـ”مذكرة الرد المصري”، أعلنت الحكومة قبولها الكامل لـ 264 توصية (77%)، وقبولًا جزئيًا لـ16 توصية (5%)، بينما اكتفت بالإحاطة علمًا – أي الرفض – بـ62 توصية (18%)، في دلالة على استمرار الفجوة بين الالتزامات المعلنة والتطبيق الفعلي لمعايير حقوق الإنسان.

في السياق، تقدم لبنى درويش، الباحثة في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، قراءة نقدية مغايرة لما تراه الحكومة من إنجازات، مؤكدة أن “اللحظة الحالية هي الأنسب لتقييم تصميم الاستراتيجية الأولى لمعرفة ما إذا حققت أهدافها أم لا”. وتضيف درويش في حديثها إلى زاوية ثالثة أن المشكلة الأساسية تكمن في كونها “مولودة بلا أهداف محددة”، إذ اكتفت بصياغة شعارات عامة دون تحديد مستهدفات زمنية أو مؤشرات أداء قابلة للقياس، الأمر الذي يجعل تقييمها أو محاسبة القائمين عليها أمرًا صعبًا أو مستحيلًا.

وترى درويش أن الاستراتيجية بُنيت على فرضية غير دقيقة مفادها أن “أزمة حقوق الإنسان في مصر سببها المواطنون لا الحكومة”، إذ ركزت الوثيقة على ضعف ثقافة المشاركة وغياب الوعي المجتمعي، متجاهلة القيود المفروضة على المجال العام. كما انتقدت الباحثة ما وصفته بتحوّل التقارير السنوية الصادرة عن اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان إلى مجرد “رصد لأنشطة وزارات وجهات حكومية” دون أي تقييم فعلي لنسب الإنجاز أو نسب الإخفاق.

 

نوصي للقراءة: كيف واجهت الحكومة المصرية توصيات المراجعة الدورية الشاملة؟


أزمة نصوص أم تطبيق؟

فيما يتعلق بالحق في التقاضي وتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة، أشار التقرير التنفيذي الأخير،  إلى تحسّن نسبي في مؤشرات أداء منظومة العدالة خلال الفترة التي يغطيها، إذ بلغ عدد القضايا المعروضة أمام المحاكم الابتدائية بمختلف أنواعها نحو 9.2 ملايين قضية، جرى الفصل في ما يقارب 8.6 ملايين منها، وفقًا لبيانات وزارة العدل. غير أن باحثين قانونيين يرون أن ارتفاع معدلات الفصل في القضايا لا يعني بالضرورة تحسن جودة العدالة أو ضمانات المحاكمة المنصفة، في ظل استمرار العمل بقوانين توسّع من نطاق الحبس الاحتياطي وتحدّ من استقلال النيابة والقضاء.

أما فيما يخص معاملة السجناء والمحتجزين، فقد أوضح التقرير أنه تم الإفراج عن 8528 نزيلًا في إطار الإفراج الشرطي، إلى جانب 13 ألفًا و406 نزلاء بموجب قرارات العفو الرئاسي في مناسبات وطنية ودينية، وذلك خلال الفترة من سبتمبر 2024 حتى يونيو 2025. 

ومع ذلك، أكدت منظمات حقوقية أن تلك الإفراجات لا تُغيّر من واقع السجون بشكل جوهري، في ظل استمرار الاحتجاز المطوّل دون محاكمة وغياب الشفافية بشأن أوضاع المحتجزين في مراكز الإصلاح الجديدة، لا سيما في مجمع سجون بدر.

ففي يناير الماضي، أدانت منظمات حقوقية قرارات نيابة أمن الدولة العليا بإحالة مئات المحتجزين، الذين تجاوزت فترات احتجاز بعضهم ست سنوات دون محاكمة، إلى محاكم الإرهاب بدلًا من الإفراج عنهم، في خطوة تُعد، وفقًا لتلك المنظمات، محاولة لطمس الانتهاكات الجسيمة التي شابت التحقيقات وظروف الاحتجاز التعسفي في القضايا ذات الطابع السياسي.

وخلال الربع الأخير من عام 2024، أحالت النيابة ما لا يقل عن 90 قضية سياسية إلى تلك المحاكم، وهو رقم غير مسبوق يفوق إجمالي القضايا المشابهة المُحالة خلال عقد كامل (2013–2023)، في مخالفة صريحة للتعليمات القضائية التي تشترط توافر أدلة مادية واتهامات محددة لكل متهم على حدة.

وتشمل هذه القضايا شخصيات عامة وحقوقية بارزة مثل هدى عبد المنعم، وإبراهيم متولي، ووليد سليم، وأحمد نظير الحلو، والمترجمة مروة عرفة، إلى جانب رجال أعمال مثل محمد ثابت وعصام السويركي، والداعية أنس السلطان، والسياسيين عبد المنعم أبو الفتوح، ومحمد القصاص، وجهاد الحداد، وأنس البلتاجي، فضلًا عن أطباء ومهندسين وأكاديميين يعملون في مؤسسات بحثية وهيئات حكومية.

في السياق، يقول حليم حنيش المحامي الحقوقي والاستشاري في منصة اللاجئين، أن الأزمة الحقيقية في ملف حقوق الإنسان في مصر لا تتعلق بغياب القوانين أو الاستراتيجيات، بل بانعدام الإرادة السياسية لتطبيق القوانين القائمة أصلًا. ويوضح في حديثه لـ “زاوية ثالثة” أن التشريعات المصرية، وعلى رأسها قانون الإجراءات الجنائية الحالي، تتضمن بالفعل نصوصًا كافية لضمان الحد الأدنى من العدالة، مثل وضع سقف للحبس الاحتياطي، إلا أن غياب الرغبة في التنفيذ هو ما يجعلها بلا أثر فعلي.

ويرى حنيش أن “الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان”، التي تروّج لها الحكومة داخليًا وخارجيًا، ليست سوى محاولة لتجميل صورة النظام أمام المجتمع الدولي، دون أن تتضمن إصلاحات حقيقية أو خطوات ملموسة. ويشير إلى أن ما تصفه الحكومة بإنجازات، مثل زيارات مراكز الإصلاح والتأهيل أو تعديلات القوانين، يفتقر إلى الشفافية والمضمون، إذ لم تُنشر تقارير عن نتائج تلك الزيارات، بينما يعاني معتقلون في سجن بدر من إضراب عن الطعام منذ أكثر من شهرين وسط انقطاع كامل عن العالم الخارجي.

وختم حنيش حديثه بالتأكيد على أن أي إصلاح حقيقي لا يحتاج إلى مزيد من القوانين أو الاستراتيجيات الشكلية، بل إلى قرار سياسي واضح من الرئيس عبد الفتاح السيسي لاحترام القانون والإفراج عن المحتجزين تعسفيًا، معتبرًا أن “الإصلاح الحقيقي يبدأ من تفعيل ما هو موجود، لا من كتابة شعارات جديدة”.

في سبتمبر الماضي، أصدرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تقريرًا بعنوان “بين الدعاية والحقيقة: انتهاكات حقوق نزلاء سجون بدر”، وذلك بمناسبة اقتراب الذكرى الرابعة لافتتاحه في الربع الأخير من سنة 2021. 

وأوضحت في تقريرها أنه ظل غياب البيانات الرسمية الدورية، سواء الموجزة أو المفصلة، حول الأوضاع داخل مجمع بدر الأمني، وندرة الزيارات الرسمية المعلنة التي تكتفي عادة بالإشادة العامة دون تقديم تفاصيل واقعية، ومع استمرار منع أي جهة مستقلة من المجتمع المدني من إجراء زيارات متابعة للسجون المصرية، اعتمدت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إلى جانب المقابلات مع الأهالي والمحامين والمحتجزين السابقين، على تحليل الأخبار والتقارير الحكومية الرسمية المتعلقة بالمجمع، بهدف مقارنة الرواية الرسمية بروايات المحتجزين وذويهم ومحاميهم.  كما أجرت تحليلًا قانونيًا للتشريعات المصرية والاتفاقيات والقواعد الدولية المنظمة للاحتجاز، للوقوف على مدى التزام الجهات المعنية بتطبيقها، وتحديد ما إذا كانت بعض هذه التشريعات تتطلب تعديلاً جوهريًا لضمان حقوق السجناء.

وأكدت المبادرة في ختام تقريرها أن النتائج التي توصلت إليها حول أوضاع السجن الجديد، استنادًا إلى ما توفر من مصادر، تكشف بوضوح أن الوضع الراهن يستدعي مراجعة شاملة لسياسات وإدارة المنظومة الأمنية، وإجراء تحقيقات جادة ومستقلة تتولاها جهات التحقيق المختصة. كما يقدم التقرير حزمة من الإجراءات العاجلة والقابلة للتنفيذ يمكن للسلطات المعنية تبنيها فورًا، دون الحاجة إلى موارد إضافية أو استثمارات جديدة، إن توفرت الإرادة الحقيقية لتحسين أوضاع السجناء وضمان حقوقهم الأساسية. وشددت المبادرة على أن مسؤولية وزارة الداخلية لا تقف عند حدود تطبيق العقوبة، بل تمتد إلى صون حياة السجناء وصحتهم وكرامتهم، سواء كانوا قيد الحبس الاحتياطي أو قضوا مددًا سالبة للحرية، باعتبارهم مواطنين لم تسقط عنهم حقوقهم الإنسانية والقانونية.

 ما تحتاجه الاستراتيجية

ترى لبنى درويش الباحثة في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن إصدار استراتيجيات جديدة “ليس إنجازًا في حد ذاته”، ما لم تتضمن خطة تنفيذية واضحة وأدوات للقياس والمحاسبة، معتبرة أن غياب هذه العناصر يجعل الاستراتيجيات أقرب إلى وثائق دعائية منها إلى سياسات عامة فعالة. ومع ذلك تشير إلى أن السنوات الماضية شهدت بعض الإنجازات المحدودة، مثل تمكين النساء من تولي المناصب القضائية لأول مرة في تاريخ مصر، لكنها تقابلها، بحسب قولها، انتهاكات جديدة وتراجع مستمر في عدد من الحقوق والحريات الأساسية.

في السياق تقول سوزان ندا، المحامية الحقوقية، أن الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان لم تتجاوز كونها وثيقة شكلية أو “حبرًا على ورق”، لأنها لم تلتزم بالنصوص التي تضمنتها منذ صدورها، ولم تُترجم إلى خطوات عملية تعكس احترام الدولة لتعهداتها الحقوقية.

تضيف ندا في حديثها لـ”زاوية ثالثة”، أن غياب مشاركة منظمات المجتمع المدني في إعداد التشريعات والقرارات المرتبطة بالحقوق والحريات، مثل قانون الإجراءات الجنائية، يعكس تجاهلًا متعمدًا للأصوات الحقوقية والمهنية التي قدمت ملاحظات تفصيلية حول القانون واعتبرته “جائرًا” و”مقيدًا لحق الدفاع”. وتشير إلى أن سنوات الحبس الاحتياطي تحولت في الواقع إلى عقوبة مقنّعة، في ظل غياب التحقيقات الجادة أو آليات فعالة لرصد حالات القتل خارج نطاق القانون.

وترى ندا أن الحوار الوطني، الذي شاركت فيه منظمات حقوقية عدة، تضمن مطالب واضحة بتأسيس مفوضية مكافحة التمييز، ومفوضية مناهضة العنف ضد النساء وإقرار القانون الموحد للعنف ضد المرأة، لكن جميع هذه المقترحات، بحسبها، ظلت دون استجابة أو تفعيل، في حين أُقرت قوانين في البرلمان دون إشراك أصحاب المصلحة أو حتى إخطارهم.

وتوضح ندا أن أزمة حقوق الإنسان في مصر متعددة المستويات، إذ تعود إلى غياب الإرادة السياسية أولًا، “لو كانت هناك إرادة حقيقية لتحقيق العدالة الناجزة أو لإصلاح المنظومة الحقوقية، لكان ذلك ممكنًا”، على حد قولها. أما ثاني أوجه الأزمة ترى ندا أنها تكمن في تضارب النصوص القانونية، حيث تتناقض مواد في قوانين العقوبات ومكافحة الإرهاب والإجراءات الجنائية، ما يخلق ارتباكًا في التطبيق ويفتح الباب للتأويلات الواسعة.

ويتمثل الخلل الثالث في غياب التنفيذ الفعلي، إذ تؤكد ندا أن استقلال القضاء ما زال منقوصًا، واستقلال الجامعات والإعلام وحرية تداول المعلومات لا تزال محدودة، ما يجعل المنظومة الحقوقية برمتها – بحسب وصفها – “تعمل في دائرة مغلقة لا تنتج عدالة ولا تضمن محاسبة حقيقية”.

أما نيفين عبيد، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة المرأة الجديدة، ترى أن أزمة الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان لا تكمن فقط في مضمونها، بل في غياب خطة تنفيذ واضحة وآلية رقابة فعّالة، ما يجعلها، على حد وصفها، “مجرد وثيقة بلا أثر”. وتشير في حديثها لزاوية ثالثة إلى أن أي استراتيجية وطنية جادة يجب أن تستند إلى خطة تنفيذية محددة بجدول زمني ومؤشرات أداء ومخصصات مالية واضحة، وهو ما لم يحدث خلال السنوات الخمس الماضية.

وتضيف أن آلية المتابعة والتقييم في الاستراتيجية الحالية “ضعيفة جدًا”، إذ لا تتيح مشاركة المجتمع المدني في الرقابة أو التقييم المستقل. وتعتبر أن إشراك منظمات المجتمع المدني يجب أن يكون حقيقيًا وفعّالًا، لا شكليًا، من خلال وضع مناهج واضحة للتشاركية تضمن تمثيل الجهات المستقلة.

وفقًا للمصادر التي تحدثت في هذا التقرير، يبدو أن الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، ونحن على أعتاب إطلاق مرحلتها الثانية، لم تنجز مهمتها الرئيسة المتمثلة في تحسين حالة حقوق الإنسان في مصر. إذ تشير الشهادات إلى فجوة واضحة بين النصوص والتطبيق، وإلى أن مساحات المشاركة والشفافية لا تزال محدودة، رغم مرور خمس سنوات على إطلاقها. وفي ظل هذا يبقى السؤال هل تنجح المرحلة الجديدة في تحويل الاستراتيجية من وثيقة حبر على ورق إلى التزام فعلي أم ستلحق بالاستراتيجية الأولى وتظل نصوصها “حبر على ورق”؟

شيماء حمدي
صحفية مصرية، تغطي الملفات السياسية والحقوقية، وتهتم بقضايا المرأة. باحثة في حرية الصحافة والإعلام والحريات الرقمية.

Search