close

أزمة ثقة: من يُقاضي؟.. شاشات الهاتف أم النيابة؟

في مقابل تنامي انتشار مقاطع الفيديو ذات الطابع الجنائي على مواقع التواصل الاجتماعي،  دعت النيابة العامة في بيان لها المواطنين إلى الكف عن نشر تلك المقاطع والاكتفاء بإرسالها إلى القنوات الرسمية
Picture of شيماء حمدي

شيماء حمدي

لم تعد كاميرات الهواتف مجرد وسيلة لتوثيق اللحظات اليومية، بل تحوّلت إلى شاهد حاضر في قلب الأحداث، تكشف ما قد تغفل عنه السلطات أو كاميرات المراقبة. من وقائع تحرش وسرقات علنية، إلى حوادث عنف منزلي وجرائم قتل، لعبت مقاطع الفيديو دورًا حاسمًا في تحويل الجريمة إلى قضية رأي عام، وأجبرت السلطات المعنية على التحرك العاجل.

أمام هذه الظاهرة برزت تساؤلات أساسية: لماذا يفضّل المواطنون النشر على المنصات الرقمية بدلًا من اللجوء إلى المسارات القانونية التقليدية؟ وكيف ساهمت هذه المقاطع في جذب انتباه الجهات المعنية وتسليط الضوء على الجرائم التي تقع في الشوارع المصرية؟

في مقابل تنامي انتشار مقاطع الفيديو ذات الطابع الجنائي على مواقع التواصل الاجتماعي،  دعت النيابة العامة في بيان لها المواطنين إلى الكف عن نشر تلك المقاطع والاكتفاء بإرسالها إلى القنوات الرسمية.  وأوضحت أن تداول هذه المواد خارج الإطار القانوني لا يضر فقط بالضحايا وذويهم، وإنما يهدد سلامة سير التحقيقات، ويمنح المتهمين فرصة للتلاعب أو التأثير على الرأي العام، بل وقد يعرض ناشريها أنفسهم للمساءلة القانونية. 

وكانت النيابة العامة قد طالبت من المواطنين بالإبلاغ عن المحتوى الذي قد يتضمن جرمًا قانونيًا من خلال الرقم المُعلن على الصفحات الرسمية بمختلف منصات التواصل الاجتماعي منذ مطلع شهر مايو الماضي، ويأتي ذلك في إطار مبادرة النائب العام المستشار محمد شوقي.

يفسر الدكتور فتحي قناوي، أستاذ كشف الجريمة بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، ما جاء في بيان النيابة العامة الأخير، ويقول أن “نشر مقاطع مجتزأة من فيديوهات القضايا الجنائية يعرّض التحقيقات والضحايا للضرر”.

ويضيف في حديثه لــ”زاوية ثالثة” أن الدليل يجب أن يكون متكاملًا؛ إذ إن الاعتماد على لقطات منفصلة لبناء رواية قد يؤدي إلى افتراءات وإثارة البلبلة بين الجمهور. ويرى أن منصات التواصل الاجتماعي تساهم أحيانًا في تشويه الحقائق عندما تُستخدم لنشر أجزاء مختارة بغرض تحقيق انتشار واسع، بينما المسار الصحيح هو تقديم الشكاوى إلى الجهات المختصة مرفقة بالفيديو الكامل والوثائق الداعمة.

ويختم بالتشديد على أن حماية مسار العدالة وحقوق المتهمين والضحايا تستلزم الالتزام بتقديم الأدلة كاملة، والابتعاد عن نشر المواد الناقصة على المنصات الرقمية.

 

طعن دستوري يعيد الأمل لمفصولي المخدرات

قضية صانع المحتوى أدهم سينجر نموذجًا

يتفق عبد الرازق مصطفى، المحامي والباحث القانوني، مع ما ذكره أستاذ علم الجريمة الاجتماعية والجنائية، موضحًا في حديثه لـ”زاوية ثالثة” أن بيان النيابة العامة بشأن نشر الفيديوهات الجنائية لا يعني رفض استلام الأدلة، وإنما تأكيد على ضرورة تقديمها عبر القنوات الرسمية، بما يضمن سلامة التحقيقات وصون الأدلة من التلاعب.

 ويشير إلى أن القانون يشترط سلسلة حفظ واضحة لأي مادة جنائية لتكون لها حجية أمام القضاء، بينما نشر المقاطع مجتزأة على الإنترنت قد يضر بالقضية من خلال تنبيه المتهمين أو التأثير على الشهود والرأي العام.

ويضيف مصطفى أن لهذا الموقف بعدًا حقوقيًا أيضًا، إذ يحمي الخصوصية وكرامة الضحايا، ويحول دون تداول مشاهد مؤلمة قد تسبب أذى نفسيًّا لذويهم، فضلًا عن أن ناشر الفيديو قد يتعرض للمساءلة القانونية بموجب قوانين الجرائم الإلكترونية إذا انطوى النشر على مساس بالخصوصية أو الآداب العامة. ويختم بالقول: «العدالة ليست سلعة للتداول على منصات التواصل الاجتماعي. الطريق السليم لتقديم الأدلة هو عبر القنوات الرسمية التي تضمن نزاهة التحقيق وسرية الإجراءات وتحمي حقوق جميع الأطراف».

ويأتي حديث مصطفى في سياق جدل أثارته قضية موكله صانع المحتوى أدهم سينجر، الذي تعرض لواقعة سب وقذف واعتداء لفظي موثق بالفيديو في طريق وصلة دهشور بالجيزة على يد شخص عرّف نفسه بصفته “قاضي”. ونفى مصطفى ما تردد من شائعات على منصات التواصل حول رفض  النيابة استلام مقطع الفيديو. وأوضح أن النيابة طالبت المجني عليه بتقديم مقطع الفيديو بنفسه خلال التحقيق معه أو عبر  القنوات المخصصة للبلاغات الرسمية.

وقد تقدم مصطفى ببلاغ رسمي إلى النيابة العامة (2551 لسنة 2025 إداري أول الشيخ زايد)، إضافة إلى شكوى أمام المجلس الأعلى للقضاء واستغاثة موجهة إلى رئاسة الجمهورية ضد صاحب الواقعة، في انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات.

 

العنف ضد نساء مصر.. بين فصول القوانين الغائبة وسنوات التراجع


الجهات الرسمية؟

لماذا يفضّل بعض المواطنين تصوير وقائع الاعتداء والانتهاك ونشرها على مواقع التواصل بدلًا من الاكتفاء باللجوء إلى الجهات الرسمية؟،  تجيب المحامية الحقوقية آية حمدي في حديثها لـ”زاوية ثالثة: بأن تعقّد أنماط الجريمة، وضعف الحماية القانونية للشهود والمبلّغين، والخوف من التدخل المباشر في مواقف قد تهدد سلامة الفرد، كلها عوامل تدفع الناس لاستخدام كاميرات هواتفهم كوسيلة إثبات بديلة. فليست كل الشوارع مزودة بكاميرات مراقبة، ومن ثم يصبح الفيديو المنشور أداة يصعب إنكارها.

 وتشير إلى أن تزايد عدد السكان واتساع العمران أفرزا جرائم متنوعة، لم تعد قاصرة على الفضاء العام بل تسللت إلى الأسرة ذاتها، مما يجعل الحاجة إلى وسائل إثبات غير تقليدية أكثر إلحاحًا

من جانبه، يرى الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع، أن دور المواطن أساسي في كشف الجرائم، موضحًا أن الشرطة ليست حاضرة في كل مكان، بينما يسهم التوثيق في فضح الجناة ودفع السلطات للتحرك، كما حدث في قضايا التحرش. لكنه ينتقد ما وصفه بـ”تساهل القضاء” في بعض هذه القضايا، ويشير إلى أن غياب الشفافية في إعلان نتائج التحقيقات والأحكام يفقد المواطنين الثقة في المؤسسات. ويشدد على أن الإعلام ومنصات التواصل ليسوا خصمًا للسلطات الأمنية.

ويعتبر صادق أن نشر الجرائم الموثقة بالفيديو لا يُعد تشهيرًا بل هو وسيلة مساعدة للعدالة، ولفت إلى تجارب خارجية مثل “المراقبة المجتمعية” (Community Watch) في الولايات المتحدة، حيث يتعاون المواطنون مع الشرطة عبر الكاميرات والإبلاغ عن أي سلوك مريب. ويختم أستاذ علم الاجتماع حديثه بالقول: “المطلوب ليس منع الناس من النشر، بل أن تُعلن الدولة نتائج التحقيقات والإجراءات بوضوح حتى يشعر المواطنون أن العدالة قوية وفعّالة.”

أما  المحامي عبد الرازق مصطفى يرى أن تجاوز المواطنين للقنوات الرسمية واللجوء إلى النشر عبر مواقع التواصل يعود إلى دوافع متعددة، أغلبها اجتماعية ونفسية. فالبعض يعتبر أن الإجراءات القانونية بطيئة ومعقدة، بينما يحقق النشر الفوري ضغطًا عامًا يسرّع استجابة السلطات.

 ويضيف أن آخرين يسعون إلى الانتشار والشهرة بجعل المحتوى “تريند”، حتى لو كان ذلك على حساب البعد القانوني أو الأخلاقي. وفي المقابل، قد يصدر هذا السلوك أحيانًا بدافع حسن النية لتوثيق الجريمة، لكنه قد يضر بالقضية أو يعرّض ناشره للمساءلة، لما قد يتضمنه من انتهاك للخصوصية أو الأعراف. ويرى مصطفى أن شيوع هذا النمط يعكس قناعة متزايدة بأن “الفضح العلني” أصبح بمثابة عقاب اجتماعي وردع سريع.

وفي السياق، يتفق الكاتب عمر حاذق مع الأصوات الرافضة لتصوير الأطفال والنساء لما يسببه من أضرار اجتماعية ونفسية جسيمة، لكنه يشير في حديثه لـ”زاوية ثالثة” إلى أن الأهالي لا يجدون أحيانًا بديلًا سوى النشر، لخلق ضغط عام يجبر الأجهزة المعنية على التحرك. فبينما تُهمَّش بعض الوقائع تحظى أخرى بمتابعة عاجلة لمجرد انتشارها على مواقع التواصل الاجتماعي.

ويرى حاذق أن هذه الظاهرة في جوهرها تكشف عن أزمة ثقة متراكمة بين المواطنين والسلطات، إذ يعتقد كثيرون أن البلاغات الرسمية لا تنال الاهتمام الكافي ما لم تتحوّل إلى قضية رأي عام

في النهاية، تبقى مقاطع الفيديو التي يوثقها المواطنون سلاحًا ذا حدين: فهي من جهةٍ وسيلة ضغط كشفت عن جرائم متعددة تجبر السلطات على سرعة التحرك واتخاذ الإجراءات الفورية اللازمة، ومن جهة أخرى قد يتحول مقطع الفيديو إلى اتهام يضع صاحبه تحت المساءلة القانونية.

وبين دعوات النيابة العامة للالتزام بالقنوات الرسمية، وتشبث المواطنين باستخدام هواتفهم كعينٍ تراقب وتفضح، تتجلى أزمة ثقة متراكمة بين المجتمع ومؤسساته. وما لم تُسد هذه الفجوة بالشفافية والإفصاح عن نتائج التحقيقات والأحكام، سيبقى المواطنون يلجأون إلى “العدالة الرقمية” كملاذ أخير، رغم التحذيرات. ليكون السؤال: هل تستطيع الدولة أن تُعيد للمسارات القانونية الرسمية قوتها وثقة الناس بها، فتغنيهم عن اللجوء إلى الشاشات الصغيرة كساحةٍ بديلة للعدالة؟ أم ستظل الهواتف مرفوعة في وجه الجميع؟ 

شيماء حمدي
صحفية مصرية، تغطي الملفات السياسية والحقوقية، وتهتم بقضايا المرأة. باحثة في حرية الصحافة والإعلام والحريات الرقمية.

Search