طالبة في مدرسة بقرية نزلة المشارقة بمحافظة بني سويف أحضرت وجبتها إلى المدرسة: كيس فول ورغيفَين من الخبز. مرّ وكيل وزارة التربية والتعليم محمد الفولي، فسخر منها أمام زملائها. انتشرت الواقعة، وأجبرته على الاعتذار للطفلة وأسرتها. لكن السؤال الذي بقي بعد الاعتذار: الحكومة تُخصص 7 مليارات جنيه سنويًا للتغذية المدرسية. فأين يذهب هذا المال؟
هذا ما طالب النائب أحمد بلال البرلسي بالإجابة عنه في طلب إحاطة رفعه إلى رئيس مجلس النواب موجَّهًا لرئيس الوزراء ووزير التربية، معتبرًا أن ما جرى ليس خطأً فرديًا، بل كاشفًا عن خلل أعمق في منظومة التغذية المدرسية.
وربط “البرلسي” بين تعرض الطالبة لتعليقات ساخرة خلال جولة تفقدية، وبين إعلان الحكومة تخصيص نحو 7 مليارات جنيه سنويًا لتوفير مئات الملايين من الوجبات لقرابة 19.5 مليون طالب، متسائلًا عن غياب أثر هذه المنظومة في المدارس، منتقدًا استمرار اعتماد الأسر على توفير الطعام يوميًا للطلاب، في ظل الظروف الاقتصادية المتفاقمة، وغياب الدور الحكومي، يطرح تساؤلات حول كفاءة التنفيذ، مشيرًا إلى أن الواقعة تثير شبهات إهدار مال عام.
البرلسي لم يكن وحده في طرح السؤال؛ تقدّم النائب بسام الصواف بطلب إحاطة مماثل، مطالبًا بمراجعة منظومة التغذية وآليات اختيار القيادات التعليمية. وتقدّم النائب محمود نجيب مشعل بطلب ثالث، قائلًا: “الطفلة لم تكن تستحق الإحراج. من يستحقه هم التنفيذيون الذين يجب أن يسألوا أنفسهم: لماذا احتاجت هذه الطفلة إلى ذلك أصلًا، طالما أن هناك تغذية مدرسية يُصرف عليها الملايين سنويًا؟”
وفي طلب إحاطة موجه إلى رئيس مجلس الوزراء، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، قال النائب إن الواقعة تكشف عن عجز منظومة التغذية المدرسية في مصر، عن توفير حد أدنى من الاحتياجات الغذائية للطلاب، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، وهو ما يفرض ضرورة إعادة تقييم هذه المنظومة، ليس فقط من حيث التغطية، وإنما أيضًا من حيث الجودة والاستمرارية، ومدى وصولها إلى الفئات الأكثر احتياجًا.
وكان وزير المالية أحمد كوجك أعلن، في أبريل الماضي، عن تخصيص 7 مليارات جنيه للتغذية المدرسية ضمن الموازنة العامة الجديدة للعام المالي 2026/2027، تهدف هذه المخصصات إلى توفير نحو 660 مليون وجبة لحوالي 19.5 مليون طالب، إلا أن الواقع يكشف عن فجوة كبيرة بين المخصصات المالية وتطبيقها الفعلي.
وتراجعت مخصصات التغذية المدرسية في موازنة (2025/2024) إلى6.1 مليار جنيه، مقارنة بـ 6.6 مليار جنيه في 2023، وبلغ متوسط نصيب الطالب في عام 2024 من المخصصات 467 جنيه طوال العام الدراسي، مقارنة بـ 494 جنيهًا في العام السابق، فيما واجهت وزارة التربية والتعليم عجزًا تمويليًا بقيمة 1.9 مليار جنيه خلال العام المالي 2026/2025 لتغطية الاحتياجات الفعلية لقطاع التغذية المدرسية.
ووفقًا لبيانات رسمية، بلغ عدد المدارس المستفيدة بالتغذية بمرحلة رياض الأطفال 18306 مدرسة فقط، وعدد المدارس المستفيدة بالتغذية سنويًا بمرحلة التعليم الابتدائي 32331 مدرسة، و2931 مدرسة بمرحلة التعليم الإعدادي، و388 مدرسة بمرحلة التعليم الثانوي، و436 مدرسة بمرحلة التعليم الثانوي الفني، بينما بلغ عدد المدارس المستفيدة بالتغذية في مدارس التربية الخاصة 1048 مدرسة وذلك عام 2023.
وتوزع الوزارة وجبات على مدارس رياض الأطفال، تتضمن توزيع “1 باكو بسكويت 80 جم عجوة، 1 باكو بسكويت 80 جم سادة” بإجمالي وزن 160 جم للطفل، مورد من شركة سايلو فودز طبقاً للحضور الفعلي للتلاميذ، ويبلغ سعر الوجبة 12,375 جنيهًا، بحسب منشور صادر عن بوابة مصر للتحول الرقمي.
أزمة غذائية حادة في مصر: كيف تُثقل أخطاء الإصلاح الاقتصادي صحة المصريين؟

خلل الإنتاج وآليات التوزيع
ترى النائبة أميرة صابر، عضو مجلس الشيوخ، أن ملف التغذية المدرسية يحتاج إلى إعادة طرح ومناقشة برلمانية جادة، مشيرة إلى اعتزامها إعادة فتحه خلال دور الانعقاد المقبل، في ظل استمرار أوجه القصور في تنفيذ البرنامج على أرض الواقع. مؤكدة أن تقييم مخصصات التغذية المدرسية لا ينبغي أن يقتصر على الرقم الإجمالي المُعلن، بل يجب ربطه بعدد التلاميذ ومدى انعكاسه الفعلي على جودة الوجبات المقدمة واستمراريتها، لافتة إلى أن التجربة السابقة للتغذية المدرسية كانت أكثر انتظامًا من الوضع الحالي.
تقول لـ”زاوية ثالثة”: “الإنفاق على التغذية المدرسية يجب التعامل معه باعتباره استثمارًا تنمويًا طويل الأجل، وليس بندًا استهلاكيًا، لما له من تأثير مباشر على صحة الأطفال وقدراتهم الذهنية والجسدية، وهو ما ينعكس لاحقًا على إنتاجيتهم وسوق العمل”، مشيرة إلى أن نقص العناصر الغذائية الأساسية يسهم في ارتفاع معدلات سوء التغذية والتقزم بين الأطفال.
وتؤكد “أميرة” أن تحسين منظومة التغذية المدرسية يمكن أن يلعب دورًا مهمًا في الحد من التسرب من التعليم، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية وارتفاع معدلات الفقر، حيث تمثل الوجبة المدرسية حافزًا رئيسيًا لبعض الأسر لإرسال أبنائها إلى المدارس. وتلفت كذلك إلى إمكانية تنويع مصادر تمويل البرنامج، من خلال شراكات مع القطاع الخاص في إطار المسؤولية المجتمعية، إلى جانب الموازنة العامة، بما يضمن استدامة تقديم وجبات غذائية مناسبة للطلاب.
وفي وقت سابق تقدمت النائبة، بطلب إحاطة بشأن تعثر تعميم مشروع التغذية المدرسية، في عام 2024، أثناء وجودها في البرلمان، معتبرة إياه أحد برامج الأمن القومي والحماية الاجتماعية، نظرًا لدوره في دعم الأسر وتخفيف الأعباء المعيشية وتحسين صحة الطلاب، مشيرة إلى أن أكثر من 30% من أطفال المدارس في مصر يعانون من اضطرابات سوء التغذية، ما يعزز أهمية توفير وجبات مدرسية منتظمة.
واستعرضت تطور البرنامج تاريخيًا منذ عام 1942، لافتة إلى توقفه في فترات سابقة بسبب حوادث تسمم، قبل إعادة تشغيله جزئيًا منذ 2021، مع خطة لتغطية 25% من الاحتياجات الغذائية للطلاب. ووفق بيانات حديثة، تم توزيع نحو 435 مليون وجبة خلال العام الدراسي 2023/2024 حتى نوفمبر. مؤكدة استمرار التحديات، خاصة ما يتعلق باستدامة المشروع وتعميمه، مشددة على ضرورة دمجه ضمن الموازنة العامة والسياسات الحكومية، في ظل تكلفة تقترب من 8 مليارات جنيه سنويًا.
وتضم منظومة التغذية المدرسية في مصر، 16 مصنعًا تابعًا لوزارة الزراعة موزعة جغرافيًا على مختلف المحافظات، منها 8 مصانع في الوجه البحري، و7 في الوجه القبلي، إلى جانب مصنع في شمال سيناء.
ومؤخرًا برز دور شركة “سايلو فودز” بمدينة السادات، التابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، كمورد رئيسي للوجبات في الوقت الحالي، إثر قرار مجلس الوزراء، رقم 160، الصادر في 15 سبتمبر 2021 ، بالتعاقد معه لتنفيذ منظومة التغذية المدرسية.
يكشف أحمد عبد العال، أحد قدامى العاملين بالمشروع الخدمي للتغذية المدرسية وتصنيع الوجبات وتوزيعها، ـ التابع لوزارة الزراعة والذي بدأ نشاطه رسميًا في أواخر التسعينات ـ، كان يمثل نموذجًا ناجحًا للتصنيع المحلي والتوزيع المنتظم للوجبات المدرسية، قبل أن يبدأ في التراجع تدريجيًا منذ عام 2015، مع تغيّر القيادات الإدارية وتزايد ما وصفه بالارتباك في إدارة المنظومة.
ويوضح أن المشروع كان قد توسّع في بداية الألفية الثالثة، ـ خلال فترة تولي يوسف والي، حقيبة وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي ـ، من مصنع واحد في مركز أبشواي بالفيوم إلى مصنعين آخرين في طامية وكوم أوشيم بالمحافظة، ثم 16 مصنع آخر في العريش وأسوان وبورسعيد والإسماعيلية والمنيا وبني سويف ودمياط وطنطا ومدينة السلام، كلها تتبع وزارة الزراعة.
ولسنوات كانت تلك المصانع قادرة على تغطية احتياجات المدارس بشكل منتظم، إلا أن الأزمات بدأت في عام 2015 مع نقص الخامات وسوء الإدارة، ما أدى إلى تراجع الإنتاج وتقطّع سلاسل التوريد، رغم استمرار تخصيص موازنات مالية للتغذية المدرسية.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “الإنتاج حاليًا غير منتظم، وهناك عشوائية في توزيع الوجبات المكونة من بسكويت بالعجوة بحيث لا تصل في كثير من الأحيان لمستحقيها، بعض المدارس قد لا تتلقى أي وجبات خلال تيرم دراسي كامل، بينما تتلقى أخرى كميات غير كافية أو على فترات متباعدة زمنيًا”.
ويضيف أن مصانع إنتاج الوجبات المدرسية التي يتجاوز عددها 16 مصنع لا تزال تعمل بشكل متقطع، دون وضوح بشأن مسارات التوزيع النهائية، وهو ما يثير تساؤلات حول كفاءة إدارة الموارد، في ظل شكاوى متكررة من العاملين وأولياء الأمور على حد سواء.

تعثر الإنتاج وأزمة أجور العاملين
يتزامن تعثر منظومة التغذية المدرسية، الذي يبدأ من رحلة الإنتاج وينتهي بآليات التوزيع على تلاميذ المدارس، مع أزمة ممتدة يعاني منها العاملين بالمنظومة، إذ يتقاضون أجورًا شهرية لا تتجاوز 1150 جنيهًا، مع حوافز محدودة وغير منتظمة، بحسب عدد من العاملين بالمنظومة الذين تحدثوا إلى “زاوية ثالثة”.
بدوره يشرح عثمان حسن (اسم مستعار)، أحد العاملين في مصنع التغذية المدرسية بمحافظة أسوان، أن أزمة العاملين في المشروع تمتد لسنوات طويلة دون حلول جذرية، إذ ظلت أجورهم عند مستويات متدنية، حيث ارتفع الراتب من نحو 500 جنيه منذ التعيين في عام 2010 إلى قرابة 1300 جنيه حاليًا، دون تطبيق فعلي للحد الأدنى للأجور.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “بعض العاملين لجأوا إلى القضاء وحصلوا على أحكام نهائية لصالحهم، سواء أمام جهات الوزارة أو القضاء الإداري، إلا أن هذه الأحكام لم تُنفذ حتى الآن، رغم مرور سنوات على صدورها، ما فاقم من أوضاعهم المعيشية”.
ويكشف العامل أن المصنع كان ينتج في السابق نحو 100 ألف وجبة يوميًا لصالح وزارة التربية والتعليم، قبل أن يتوقف عن الإنتاج منذ قرابة عامين، مع استمرار العاملين في تسجيل الحضور والانصراف دون تشغيل فعلي، عازيًا ذلك ذلك إلى إسناد عمليات التوريد والتوزيع إلى مصنع “سايلو فودز”، ما أدى إلى تعطّل عدد من مصانع الوجبات المدرسية التابعة لوزارة الزراعة على مستوى الجمهورية، في ظل غياب رؤية واضحة لإعادة تشغيلها أو تسوية أوضاع العاملين بها، ـ بحد قوله ـ.
وتوضح شيرين سالم (اسم مستعار)، تعمل بمصنع التغذية المدرسية في أبو سلطان بمحافظة الإسماعيلية منذ 17 عامًاـ، أن مصانع التغذية المدرسية كانت تتولى إنتاج وتوريد الوجبات للمدارس الحكومية، إلا أن دورها تراجع مؤخرًا مع دخول “سايلو فودز” إلى المنظومة، مما انعكس على استقرار التشغيل داخل المصانع.
ومن ناحية أخرى تؤكد أن العاملين بالمنظومة لا يتمتعون بتغطية علاجية فعالة، ويضطرون لتحمل تكاليف العلاج على نفقتهم الخاصة، رغم تعرض بعضهم لإصابات مرتبطة بطبيعة العمل المرهق، لافتة إلى تلقي العاملين وعود متكررة بتحسين الأجور والتثبيت المؤقتين منهم، لم تُنفذ على مدار سنوات.
تقول لـ”زاوية ثالثة”: “حصلت مع عدد محدود من زميلاتي على حكم قضائي بالتثبيت في نهاية عام 2023، إلا أن مسار تنفيذ الحكم واجه تعطيلات إدارية متكررة بين جهات مختلفة، شملت وزارة الزراعة والجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، دون الوصول إلى نتيجة نهائية حتى الآن”.

بدوره يؤكد سعيد عبد السلام (اسم مستعار)، مندوب توزيع بمصنع العريش للتغذية المدرسية، في شمال سيناء، أنه وزملائه العاملين الحاصلين على أحكام قضائية بالتثبيت منذ عام 2022 ما زالوا ينتظرون تنفيذها حتى الآن، رغم استكمالهم جميع الأوراق المطلوبة وإرسالها من الإدارة المحلية إلى وزارة الزراعة ثم إلى الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة منذ أغسطس 2022.
ويكشف أن الأوضاع المعيشية للعاملين تزداد صعوبة بسبب تدني الأجور، إذ لا يتجاوز دخل بعضهم 1100 إلى 1300 جنيه شهريًا، وهو مبلغ لا يغطي تكاليف الانتقال من العريش إلى القاهرة لمتابعة ملفات التثبيت، بما يشمل المواصلات والإقامة والطعام، ـ بحسب تعبيره، لافتًا إلى أن ذلك يمثل عبئًا أكبر على النساء والعاملين ذوي الظروف الأسرية.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “العاملين يواجهون صعوبة في متابعة إجراءاتهم أو إيصال شكواهم، خاصة في ظل الطبيعة الأمنية والظروف الخاصة بمحافظة شمال سيناء كمنطقة حدودية”.

كما يلفت إلى وجود حالات أخرى من زملائهم، صدرت لهم الأحكام القضائية في التوقيت نفسه، جرى تعيينهم بالفعل منذ نحو عامين، بينما لا تزال مجموعة أخرى تنتظر التنفيذ حتى الآن، معتبرًا أن غياب المساواة في التنفيذ يثير شعورًا بالتمييز والإحباط بين العاملين.
وكانت الدائرة الثانية عشرة بمحكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة، قد أصدرت في 20 يناير 2022، حكمًا في الطعن رقم 8729 لسنة 52 قضائية عليا، المقام من أحد العمال ضد وزير الزراعة واستصلاح الأراضي ومدير عام المشروع الخدمي للتغذية المدرسية، بشأن المطالبة بالتعيين والتثبيت على درجة دائمة بوظيفة مندوب توزيع بمصنع العريش للتغذية المدرسية.
وجاء الحكم بعد طعن المدعي على حكم سابق صادر من المحكمة الإدارية لوزارة المالية قضى بعدم قبول الدعوى لانتفاء القرار الإداري. وطالب الطاعن بإلغاء الحكم السابق والقضاء بأحقيته في التعيين والتثبيت استنادًا إلى أحكام القانونين رقمي 19 لسنة 2012 و81 لسنة 2016.
وأكدت المحكمة، بعد الاطلاع على الأوراق وسماع المرافعات، قبول الطعن شكلاً، مشيرة إلى أن النزاع يتعلق بامتناع جهة الإدارة عن تعيين العامل، رغم عمله ضمن العمالة المؤقتة بالمشروع الخدمي للتغذية المدرسية.

وسبق أن تقدم النائب بسام الصواف، بطلب إحاطة، في فبراير الماضي، بشأن امتناع الجهات التنفيذية عن تنفيذ أحكام قضائية تقضي بتعيين نحو 3500 عامل بمشروع التغذية المدرسية على الموازنة العامة وصرف مستحقاتهم المالية، موضحًا استمرار حرمان العاملين من الرواتب رغم صدور أحكام نهائية لصالحهم.
وأشار النائب إلى أن العاملين، الذين قضوا سنوات بعقود مؤقتة، استوفوا شروط التعيين القانونية، لكن الجهات المختصة لجأت إلى حلول بديلة مثل “الدرجات الشخصية”، بما يعد التفافًا على الأحكام القضائية. كما كشف عن تفاوت في التنفيذ بين المحافظات، حيث لم تُصرف مستحقات موظفي الفيوم منذ 2021، مقابل انتظام الصرف في دمياط، مطالبًا بسرعة تنفيذ الأحكام، وصرف المستحقات بأثر رجعي، وتحديد المسؤولين عن التعطيل، وضمان المساواة بين العاملين، مع معالجة أوضاع المتضررين وأسر المتوفين.
وحاولت “زاوية ثالثة” التواصل مع مسؤولين إداريين في عدد من مصانع التغذية المدرسية التابعة لوزارة الزراعة للتعليق على أوضاع العاملين وأزمة أجورهم، غير أنهم أبدوا تحفظهم ورفضوا التعليق بدون إذن من وزارة الزراعة، فيما كشف مصدر رفض ذكر اسمه، أن بعض العاملين بالمشروع تعرضوا لجزاءات واستقطاعات من الأجور على خلفية مطالبتهم بتحسين أوضاعهم وتطبيق الحد الأدنى للأجور.

الفقر وسوء التغذية
يرى الخبير الاقتصادي، إلهامي الميرغني أن تعثر التغذية المدرسية في مصر ترتبط بشكل مباشر باتساع رقعة الفقر وارتفاع معدلات سوء التغذية بين طلاب المدارس الحكومية الذين يبلغ عددهم نحو 22.5 مليون تلميذ، في وقت تتجاوز فيه معدلات الفقر في بعض المناطق 35% وفق البيانات الرسمية، وتصل إلى أكثر من 60% بحسب تقديرات دولية.ويوضح لـ”زاوية ثالثة” أن دراسات ميدانية شملت نحو 25 مليون طالب على مدار ثلاث سنوات كشفت عن معاناة 12.7 مليون طفل من أشكال مختلفة من سوء التغذية، من بينهم 8.2 مليون يعانون من فقر الدم، و3.3 مليون من السمنة، و1.2 مليون من التقزم، إلى جانب نسب ملحوظة من الهزال، وهو ما ينعكس سلبًا على القدرة على التركيز والتحصيل الدراسي.
يقول”: “أهمية التغذية المدرسية تتضاعف في ظل موجات التضخم وارتفاع أسعار الغذاء، إلا أن المخصصات الحالية لا تعكس هذه التحديات”، مشيرًا إلى أن تخصيص نحو 7 مليارات جنيه للبرنامج، عند توزيعه على عدد الطلاب وأيام العام الدراسي التي تبلغ 183 يومًا، يعني أن نصيب التلميذ لا يتجاوز 1.7 جنيه يوميًا، قبل خصم التكاليف الإدارية.
ويعتبر “الميرغني” أن هذا المبلغ غير واقعي ولا يسمح بتوفير وجبة غذائية متوازنة، في ظل ارتفاع أسعار السلع الأساسية مثل: البيض ومنتجات الألبان، مؤكدًا أن القيمة الحالية قد لا تغطي سوى بضعة أشهر من العام الدراسي، وليس كامل مدته.
ويشدد على ضرورة إعادة هيكلة منظومة التغذية المدرسية من حيث حجم التمويل وآليات التوزيع، مع إشراك متخصصين في التغذية لوضع برامج تستهدف مواجهة الأنيميا والتقزم، محذرًا من أن استمرار الوضع الحالي يفاقم مؤشرات الجوع ويؤثر سلبًا على الصحة العامة والقدرات الذهنية للأطفال.
ويظهر المسح الصحي للأسرة المصرية 2021 ، الصادر عن التعبئة والإحصاء، أن معدل انتشار التقزم بين الأطفال دون سن الخامسة يزداد بنسبة 12.8%، بينما بلغت نسبة زيادة الوزن 11.5%، والهزال 3.1%.
وتقع مصر في المرتبة 77 عالميًا من بين 113 دولة في مؤشر الأمن الغذائي العالمي لعام 2022، والمرتبة 57 من أصل 121 دولة في مؤشر الجوع العالمي، وتعد ضمن 36 بلداً يتركز فيها 90٪ من عبء سوء التغذية العالمي، وفقًا لـ”اليونيسيف”، والتي قدرت وقتئذٍ معدلات التقزم بين الأطفال دون الخامسة في عام 2014 بنحو 21٪، ومعدلات نحافة الأطفال 8% ونقص الوزن 6٪، ونسبة انتشار الأنيميا (فقر الدم أو نقص في الخلايا الحمراء / الهيموجلوبين في الدم بين الأطفال دون سن الخامسة بنحو 27.2٪.
يؤكد الدكتور نادر نور الدين، الخبير بالجمعية العمومية لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، أن التجارب الميدانية تؤكد التأثير المباشر لغياب الوجبة المدرسية على قدرة التلاميذ على التركيز والتحصيل، لافتًا إلى وقائع رُصدت داخل مدارس، خاصة في المناطق الأكثر فقرًا، حيث يحضر بعض التلاميذ دون تناول وجبة الإفطار، ما ينعكس على حالتهم الصحية وأدائهم الدراسي.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “الوجبة المدرسية تمثل أداة مزدوجة الأثر، إذ تسهم في تحسين الحالة الغذائية للأطفال وتدعم انتظامهم في العملية التعليمية كما تلعب دورًا مهمًا في تقليل معدلات التسرب، خاصة بين أبناء الأسر محدودة الدخل التي قد تدفع بأطفالها إلى سوق العمل في ظل الضغوط الاقتصادية”.
ويضيف أن البرنامج كان يغطي في فترات سابقة قطاعًا واسعًا من المدارس الحكومية، إلا أن تراجعه أو انقطاعه في بعض المناطق يثير تساؤلات حول كفاءة التنفيذ وتحديد المسؤوليات، رغم توافر التمويل والدعم، بما في ذلك المساهمات الدولية الموجهة لهذا الغرض.
ويؤكد أن التعامل مع ملف التغذية المدرسية يجب أن ينطلق من كونه حقًا أساسيًا للطفل، وليس مجرد خدمة اختيارية، مشددًا على ضرورة إعادة تفعيل المنظومة بشكل منتظم وشامل، بما يضمن وصول وجبات آمنة ومغذية إلى جميع التلاميذ المستحقين، خاصة في المناطق الأكثر احتياجًا.
ومن جانبه يعتبر الخبير التربوي، الدكتور كمال مغيث، أن الفجوة بين الأرقام المعلنة حول مخصصات التغذية المدرسية والواقع الفعلي تعكس خللًا بنيويًا في أولويات السياسات التعليمية، معتبرًا أن ضعف الاهتمام بالتعليم الحكومي ككل ينعكس بالضرورة على برامج داعمة مثل التغذية.
ويعتقد أن الأرقام الحكومية المعلنة للإنفاق على التغذية المدرسية، مضللة وغير معبرة عن التنفيذ الفعلي على الأرض، لاسيما أن المؤشرات المرتبطة بصحة الأطفال، خصوصًا في الفئات الأقل دخلًا، ما تزال تكشف عن معدلات مرتفعة من فقر الدم وسوء التغذية.
ويرى أن أحد أبرز معوقات وصول الوجبات إلى الطلاب يتمثل في ضعف كفاءة المؤسسات المنفذة وغياب الرقابة الفعالة، إلى جانب ما وصفه بانتشار الفساد الإداري، مشيرًا إلى وقائع سابقة تضمنت توزيع منتجات غير صالحة أو منخفضة الجودة.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: ” إدارة منظومة تخدم نحو 25 مليون طالب داخل ما يقرب من 50 ألف مدرسة حكومية تتطلب جهازًا إداريًا قويًا ومنضبطًا”. مشيرًا إلى أن تعدد جهات الاختصاص بين وزارات وهيئات مختلفة يفاقم الأزمة، مؤكدًا ضرورة إسناد الملف إلى جهة واحدة مسؤولة بشكل كامل عن التعاقد والإنتاج والتوزيع، بما يضمن توحيد المعايير وسرعة الاستجابة، خاصة أن الوجبات المدرسية «سلعة حساسة» تتطلب شروطًا دقيقة في النقل والتخزين.
ويلفت إلى أن تطوير منظومة التغذية المدرسية يمكن أن يسهم بشكل مباشر في تقليل التسرب من التعليم وتحسين انتظام الطلاب، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية التي تدفع بعض الأسر للاعتماد على الوجبة المدرسية كحافز أساسي لإرسال أبنائها إلى المدارس، بينما غيابها يؤثر سلبًا على الحضور والتحصيل الدراسي.
ختامًا يمكن القول إن واقعة “طالبة الفول” ليست حادثة فردية، بل انعكاس لسوء إدارة منظومة يُنفق عليها مليارات سنويًا دون أن تنعكس بوضوح على تلاميذ المدارس، وبين أرقام رسمية عن مخصصات متزايدة، وشهادات تكشف عن تعثر الإنتاج والتوزيع، وأوضاع متدهورة للعاملين، تبدو المنظومة في حاجة إلى مراجعة شاملة تعيد ربط التمويل بالنتائج الفعلية.