close

اشترِ حياتك: التصالح في جرائم القتل

541 حكمًا بالإعدام في 2025 و20 منفذًا، قبل أن تدخل المادة 22 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد حيز التنفيذ في أكتوبر، بدأت محكمة النقض بالفعل تطبيق الصلح في جرائم القتل العمد لتخفيف أحكام الإعدام، فيما يحذر حقوقيون من تحوّل هذا المسار إلى وسيلة لشراء تخفيف العقوبة بالقدرة المالية.
Picture of شيماء حمدي

شيماء حمدي

قبل أن يدخل قانون الإجراءات الجنائية الجديد حيز التنفيذ في أكتوبر المقبل، أرست محكمة النقض، أعلى هيئة قضائية في مصر، منتصف أبريل الماضي مبدأً مثيرًا للجدل: تُجيز المادة 22 من القانون الجديد التصالحَ في جرائم القتل العمد والضرب المفضي إلى الموت، ويترتب عليه تخفيف أحكام الإعدام إلى السجن المؤبد أو المشدد، حال تصالح الجاني مع ورثة المجني عليه، حتى قبل أن يصبح الحكم باتًا.

قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025، الصادر بتصديق الرئيس عبد الفتاح السيسي ونشره في الجريدة الرسمية، أتاح للمرة الأولى اعتبار الصلح مع ورثة المجني عليه سببًا قانونيًا لتخفيف العقوبة، بما قد يفضي إلى استبدال الإعدام بالسجن المؤبد أو المشدد أو عقوبات أخف، وفق السلطة التقديرية للمحكمة.

وتقول محكمة النقض إنها بدأت بالفعل تطبيق هذا التوجه في بعض القضايا المنظورة أمامها قبل سريانه رسميًا، مستندةً إلى قواعد الرأفة في قانون العقوبات. ويرى مؤيدو المادة أن التوسع في الصلح قد يحدّ من إصدار أحكام الإعدام وتنفيذها، في وقت تتصاعد فيه الدعوات الدولية لتقليص هذه العقوبة أو إلغائها.

في المقابل، يحذر منتقدون من أن النص، بصيغته الحالية، قد يكرّس تفاوتًا في فرص النجاة من الإعدام؛ إذ تصبح إمكانية الاستفادة من الصلح مرتبطة بالقدرة المالية على دفع تعويضات كبيرة، أو بالنفوذ الاجتماعي والقبلي القادر على إتمام التسويات.

 

550 مليار دولار على البنية التحتية في عشر سنوات.. الحكومة تبني والمطر يهدم


المادة 22 والتمييز بين المواطنين

محمد بصل، الكاتب والباحث القانوني، يقول إن الحكم الأخير فتح الباب أمام إثبات الصلح في قضايا القتل العمد والضرب المفضي إلى الموت أمام المحاكم على اختلاف درجاتها، حتى صدور حكم بات غير قابل للطعن، بما يُرسّخ عمليًا تطبيق المادة (22) باعتبارها قانونًا أصلح للمتهم.

ويضيف لـ”زاوية ثالثة” أن هذا الحكم، وإن كان الأول في التطبيق المباشر للمادة (22)، فليس الأول الذي يُقرّ بإمكانية الاستناد إليها قبل أكتوبر المقبل؛ إذ سبق أن أشارت دوائر قضائية إلى قابلية النص للتطبيق المبكر متى تحقق الصلح فعليًا، وهو ما غاب في بعض القضايا السابقة التي امتنعت فيها المحاكم عن إعماله لغياب الاتفاق.

ويتوقع “بصل” أن يؤدي تفعيل المادة إلى توسع ملحوظ في محاولات إبرام التسويات بين الجناة وورثة الضحايا، بما قد ينعكس على مسار الدعوى الجنائية منذ تحريكها وحتى نظر الطعون أمام محكمة النقض.

ويدعو إلى إعادة النظر في المادة (22) قانونيًا ومجتمعيًا، مع تقييم أثر تجربة التصالح في القتل الخطأ المعمول بها منذ 2006. ويرى أن غياب الضوابط المنظِّمة يُثير مخاوف جدية حول التمييز بين الجناة على أساس القدرة المالية، وغياب ضمانات تحول دون التلاعب بحقوق الورثة أو التأثير عليهم.

ويوضح أن أحكام الصلح تنصرف إلى جرائم الاعتداء على النفس، وتشمل القتل العمد بصوره المختلفة: المقترن بسبق الإصرار أو الترصد، الواقع باستخدام السم أو المواد المخدرة، وغير المقترن بظروف مشددة. وتمتد إلى حالات القتل المرتبط بجناية أخرى وفق المادة (234) من قانون العقوبات، وجرائم الاشتراك في القتل، وجرائم الضرب أو الجرح أو إعطاء مواد ضارة المفضية إلى الموت. في المقابل، استثنى المشرّع الجرائم ذات الأغراض الإرهابية من نطاق تطبيق الصلح كليًا.

مالك عدلي، مدير المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، يصف المادة (22) بأنها “نص مستحدث ومثير للجدل”، مشيرًا إلى أنها لم تكن جزءًا من مشروع القانون الذي شاركت في إعداده منظمات المجتمع المدني والحقوقيون، بل أُضيفت خلال المناقشات البرلمانية بناءً على مقترح قدّمه شيخ الأزهر علي جمعة، قبل أن تعتمدها اللجنة التشريعية.

ويرى في حديثه لـ”زاوية ثالثة” أن النص ينطوي على انقسام حقيقي؛ فمن ناحية يُمكن النظر إليه كآلية لتفادي عقوبة الإعدام أمام محدودية مراجعة الأحكام بعد صيرورتها نهائية. ومن ناحية أخرى، يفتح الباب أمام تسويات مالية في جرائم القتل، ما قد يحوّل الصلح عمليًا إلى وسيلة لشراء تخفيف العقوبة.

ويحذر من أن خطورة النص تكمن في سهولة توظيفه، مؤكدًا أن فلسفة التجريم تقوم على يقين الجاني بوقوع عقوبة حاسمة، وأن إتاحة مسار لتفاديها قد يُضعف أثر الردع. ويلفت إلى غياب أي معالجة لظاهرة العود وتكرار الجرائم في نص المادة، مخلصًا إلى أن الصياغة الحالية تستدعي إما ضوابط أكثر صرامة، أو مراجعة فلسفة العقوبة ذاتها نحو إلغاء الإعدام أو إرساء نظام واضح للتعويض.

 

موازنة مصر 2027.. ضرائب أكثر، حماية أقل


الحق في الحياة

عقوبة الإعدام جزء قائم من النظام القضائي المصري، ينص عليها قانون العقوبات في عدد من الجرائم الأشد خطورة، أبرزها القتل العمد المقترن بظروف مشددة وجرائم الإرهاب. وتصدر هذه العقوبة من محاكم الجنايات، ولا تصبح نهائية إلا بحكم بات من محكمة النقض، قبل أن تُحال إلى رئيس الجمهورية للتصديق أو تخفيف العقوبة أو استبدالها.

وعلى مدار السنوات الأخيرة، طالبت منظمات حقوقية بوقف إصدار أحكام الإعدام والاستعاضة عنها بعقوبات سالبة للحرية، إعمالًا للحق في الحياة المنصوص عليه في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي تُعد مصر طرفًا فيه. وتنص المادة السادسة منه على أن “الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان ويحميه القانون، ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفًا”، وتشترط على الدول التي لم تُلغِ الإعدام حصره في “أخطر الجرائم” وبموجب حكم نهائي مع ضمان كامل لحقوق الدفاع.

انتصار السعيد، المحامية بالنقض ورئيسة مجلس أمناء القاهرة للتنمية والقانون، ترى أن الحديث حول المادة (22) لا ينفصل عن قضية الإعدام ذاتها، معتبرةً أن أي آلية تُسهم في الحد منه خطوة إيجابية.

وتوضح لـ”زاوية ثالثة” أن الصلح يظل مرهونًا بقبول ذوي المجني عليه؛ رفضوه يُنفَّذ الحكم، قبلوه خُفِّفت العقوبة. وترى أن هذا لا ينتقص من حقوق الضحايا، بل يُتيح مسارًا بديلًا، مشيرةً إلى أن السجن المؤبد يمكن أن يحقق الردع دون اللجوء إلى الإعدام.

وتُقرّ بوجود مخاوف التمييز على أساس القدرة المالية، لكنها تشير إلى أن قرار الورثة يظل العامل الحاسم بصرف النظر عن المال. وتُشدد على ضرورة وضع ضوابط واضحة لتنظيم الصلح، مؤكدةً موقفها الداعي إلى إلغاء الإعدام واستبداله بالسجن المؤبد.

 


ماذا عن جرائم الشرف؟

عزيزة الطويل، المحامية بـ”المبادرة المصرية للحقوق الشخصية”، ترى أن تطبيق المادة (22) يطرح إشكاليات قانونية وحقوقية معقدة لارتباطه المباشر بقضايا تمس الحق في الحياة.

وتوضح لـ”زاوية ثالثة” أن أبرز أوجه الجدل يتمثل في تأثير النص على منظومة الإثبات الجنائي؛ إذ قد يؤثر إتاحة التصالح على مسار بعض القضايا، خصوصًا فيما يتعلق بالعدول عن الأقوال. وترى أن تنظيم الصلح في إطار قانوني قد يحقق توازنًا بين حقوق المجني عليهم وحقوق المتهمين، بشرط ضمان عدم إنكار الجريمة والحفاظ على حرية الورثة في اتخاذ قرارهم.

وتُعرب عن مخاوف تتعلق بخصوصية جرائم العنف الأسري وما يُعرف بجرائم “الشرف”، حيث قد يكون أولياء الدم أنفسهم من الدائرة الأسرية للجاني، ما يُعقّد تقدير إرادة الصلح ومدى حريتها. وتلفت إلى أن بعض الدوائر القضائية كانت تميل أصلًا إلى تخفيف العقوبات في قضايا القتل داخل الأسرة استنادًا إلى المادة (17) من قانون العقوبات، لكن تعميم أثر الصلح في النص الجديد قد يغير نمط التعامل القضائي مع هذه القضايا بشكل أوسع.

وفيما يُعرف بـ”جرائم الشرف” التي يرتكبها الرجال في حق نساء الأسرة، تلجأ بعض المحاكم أحيانًا إلى تخفيف العقوبة بموجب المادة (17) من قانون العقوبات. ورغم غياب الإحصائيات الرسمية، تكشف بيانات مرصد جرائم العنف التابع لمؤسسة “إدراك” عن تزايد مطرد؛ إذ سجّل عام 2024 وحده 1195 جريمة عنف ضد النساء، من بينها 363 جريمة قتل، مقارنة بـ813 جريمة عام 2021. ونحو 72% منها يرتكبها الزوج أو أفراد الأسرة.

وترى الطويل أن البعد الطبقي حاضر في النقاش لا محالة؛ الوصول إلى الصلح يرتبط في كثير من الأحيان بالقدرة المالية، ما يفتح المجال أمام تفاوت في المراكز القانونية بين المتهمين.

وتؤكد أن تطبيق النص قبل دخوله حيز النفاذ امتداد مستقر لمبدأ “القانون الأصلح للمتهم” في القضاء الدستوري والجنائي، ويُعمل به متى كان في صالح المتهم حتى قبل بدء سريانه الفعلي.

في 20 أبريل، أطلقت حملة “أوقفوا عقوبة الإعدام في مصر” تقريرها الرابع “الطريق إلى المشنقة 4″، مستندةً إلى قاعدة بيانات موثقة خلال 2025. وكشف التقرير عن 541 حكمًا بالإعدام خلال العام في مختلف درجات التقاضي، مع تنفيذ 20 حكمًا فعليًا، مقارنة بـ13 في 2024 و8 في 2023. ودعت الحملة إلى وقف فوري لتنفيذ أحكام الإعدام، واستبدالها في الجرائم الأشد خطورة بالسجن المؤبد دون إفراج مشروط، مع إصلاحات تشريعية تضمن محاكمات عادلة.

541 حكمًا بالإعدام في عام واحد. 20 منفذًا. والمادة 22 لم تدخل حيز التنفيذ بعد. الجدل الحقيقي لم يبدأ.

شيماء حمدي
صحفية مصرية، تغطي الملفات السياسية والحقوقية، وتهتم بقضايا المرأة. باحثة في حرية الصحافة والإعلام والحريات الرقمية.

Search