يواجه ترام الإسكندرية التاريخي خطة تطوير حكومية أثارت جدلًا واسعًا بسبب تهديد قيمته الحضارية فضلًا عن شبهات حول مسار الإنفاق العام المرتبط بها. إذ اتهم قانونيون الحكومة بإهدار المال العام وغياب الشفافية في عرض تفاصيل خطة التطوير، في حين تنظر جهات قضائية دعاوى تطالب بوقف تنفيذ المشروع. وبينما تستمر الإجراءات القانونية، تواصل الجهات التنفيذية المضي في تنفيذ الخطة، ما يعكس تباينًا بين المسار القضائي والتحركات التنفيذية.
دخلت خطة إيقاف ترام الإسكندرية حيز التنفيذ في الأول من فبراير الماضي ببدء مرحلة تجريبية استمرت 10 أيام، شملت المسار من محطة فيكتوريا حتى مصطفى كامل، وذلك تنفيذًا لقرار رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي بإعادة تأهيله. ومع مطلع فبراير، انتقلت الخطة إلى مرحلة الإيقاف الجزئي للقطاع ذاته لمدة 45 يومًا، تمهيدًا للإيقاف الكلي المقرر في 1 أبريل المقبل. وتزامن تطبيق هذه المراحل مع تكدسات مرورية ملحوظة في عدد من شوارع المدينة.
ويواجه المشروع، الذي يٌتوقع أن تستمر مدة تنفيذه نحو عامين، انتقاداتٍ مجتمعية واسعة بين المواطنين لأنه يهدد النمط الحضاري للمدينة، ويظهر مخطط التطوير تحويل نحو 6.3 كيلومترات من المسار إلى جزء علوي (كباري خرسانية)، ما يثير اعتراضات معمارية وبيئية بدعوى أنه سيغير الطابع البصري للمدينة، خاصة في المناطق ذات القيمة التاريخية القريبة من الكورنيش، وقد يمنح أولوية أكبر لحركة السيارات على حساب المشاة.

وفيما يتم تفكيك القضبان والأسلاك الكهربائية وإزالة بعض المحطات القديمة، أثارت أنباء بيعها في مزايدات، بقيمة إجمالية تقارب 176 مليون جنيه،بحسب مصادر تحدثت لموقع البورصة الاقتصادي، تساؤلات حول تقييم الأصول وشبهات إهدار المال العام.
في المقابل، حرر المحامي بالنقض محمد فتوح محضرًا برقم 2935 لسنة 2026 إداري أول المنتزه، بشأن واقعة إتلاف مال عام بمحطتي فيكتوريا والسيوف. ويأتي ذلك بالتوازٍ مع الدعوى رقم (8397) لسنة (80) ق، المقامة من المحامي محمد فتوح أحمد فكري، ضد رئيس مجلس الوزراء ووزير النقل ورئيس الهيئة القومية للأنفاق ومحافظ الإسكندرية، والمنظورة حاليًا أمام محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية، طعناً على القرار رقم ٣٥٠٨ لسنة ٢٠٢١، والمطالبة بالإفصاح عن الدراسات البيئية والتراثية، وبيان مدى التزام المشروع بأحكام قانون حماية التراث رقم 144 لسنة 2006.

وبدأت أعمال فك القضبان والأسلاك الكهربائية وتفكيك أجزاء من المرفق، رغم استمرار النزاع القضائي وعدم صدور حكم نهائي، إذ تم إسناد مزايدة لبيع أصول الترام شملت 41 قطارًا بإجمالي 123 عربة، إضافة إلى الشبكة الكهربائية النحاسية والقضبان والورش، بإجمالي قيمة بلغت 176 مليون جنيه، وذلك لصالح منشأة عز الدين خميس، وشركة الشروق للمقاولات، بحسب المحامي محمد فتوح، مقدم البلاغ والدعوى القضائية.
ويوضح “فتوح” أن الدعوى المنظورة أمام محكمة القضاء الإداري في الإسكندرية تستند إلى الطعن ببطلان قرار رئيس مجلس الوزراء الصادر عام 2021 بشأن مشروع تطوير ترام الرمل، باعتبار أن المرفق مدرج ضمن التراث الحضاري للمدينة ويتجاوز عمره 160 عامًا، ما يخضعه للحماية الدستورية وفق المادة 50 من الدستور، التي تنص على “التزام الدولة بحماية الآثار المصرية، والمحافظة عليها، وصيانتها، وترميمها، واسترداد ما استولى عليه منها، وتنظيم التنقيب عنها والإشراف عليه، مع حظر إهداء أو مبادلة أي أثر، واعتبار الاعتداء عليها أو الاتجار فيها جريمة لا تسقط بالتقادم” ، إلى جانب أحكام قانون حماية التراث رقم 144 لسنة 2006.
ويكشف لـ”زاوية ثالثة”، أن أوجه الطعن تشمل أربعة محاور رئيسية: المساس بالقيمة التراثية، وعدم كفاية التعويضات المرصودة منذ عام 2021 في ظل التضخم، وغياب دراسة بيئية واضحة بشأن قطع الأشجار المعمرة بمحاذاة خط الترام، فضلًا عن الأثر الاجتماعي الناتج عن وقف المرفق بالتزامن مع تطوير خط أبو قير، مما تسبب في ضغط مروري واقتصادي على المواطنين.
ويرى “فتوح” أن طرح أصول الترام في مزايدة بقيمة 176 مليون جنيه يُمثّل، بخسًا للتثمين وينطوي على شبهة إهدار للمال العام، فضلًا عن وجود عوار قانوني يتعلق بجهة الولاية على المرفق، مؤكدًا أن أعمال الفك ما زالت مستمرة رغم نظر الدعوى.

في 22 فبراير الماضي قررت هيئة مفوضي الدولة، إلزام الهيئة القومية للأنفاق بتقديم مستندات جوهرية، من بينها دراسة المكتب الاستشاري الفرنسي لبيان ما إذا كان التخريد يمثل توصية فنية من عدمه، وما يفيد بتاريخ البدء الرسمي للمشروع، والخرائط المساحية التي توضح التعديلات المقترحة على مساره، فضلًا عن تقديم ما يثبت الحصول على موافقة الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، بوصفه الجهة المختصة بحماية الطابع التراثي
وفي هذا السياق، يقول محامي الدعوى: “المحكمة طلبت مستندات من الهيئة القومية للأنفاق، بينها موافقة الجهاز القومي للتنسيق الحضاري والتقارير الفنية والاستشارية، تمهيدًا لإعداد تقرير هيئة مفوضي الدولة، التي ستحدد توصيتها للمحكمة بشأن وقف التنفيذ أو استمرار نظر الدعوى، ويعكس قرار المحكمة تمسكها بفحص مدى استيفاء المشروع للاشتراطات القانونية قبل المضي في تنفيذه، مشيرًا إلى أن الجلسة المقبلة المحددة في 8 مارس ستكون مخصصة لإيداع المستندات المطلوبة أو بيان “موقف جهة الإدارة حال تعذر تقديمها.
بالتوازٍ، تقدم فتوح ببلاغ إلى هيئة الرقابة الإدارية بالإسكندرية بشأن ما أُثير حول تقييم الأصول، وكذلك شكوى إلى النيابة الإدارية ضد المسؤولين عن إجراءات التخريد، مع توجيه إنذارات رسمية إلى الشركات المنفذة بوقف الأعمال لحين حسم النزاع قضائيًا، بحسب مقدم الدعوى.

نوصي للقراءة: دراجات المدينة.. مشروع بيئي أم تجميل سياسي؟

القيمة التراثية للترام
يؤكد ماجد الراهب، رئيس الجمعية المصرية للحفاظ على التراث، أن مشروع تطوير ترام الرمل يُهدد جانبًا أساسيًا من السياحة في الإسكندرية، مشيرًا إلى أن الترام لا يمثل مجرد وسيلة نقل، بل عنصرًا من عناصر الجذب السياحي والهوية العمرانية للمدينة، إذ يتيح للسكان والزوار الاستمتاع بمشاهدة المدينة من أولها لآخرها، فضلًا عن كونه يعمل بالكهرباء، ما يجعله صديقًا للبيئة ويحد من التلوث.
ويرى “الراهب” أن بيع أصول الترام يُمثل إضرارًا بتراث المدينة ويقلل من جاذبية المدينة للسياح، مؤكدًا لـ”زاوية ثالثة” أن الترام جزء من هوية إسكندرية وتاريخها العمراني، والحفاظ عليه يمثل حماية للذاكرة الجمعية والسياحة البيئية في المدينة.
ويُحمّل مسؤولية حماية هذا التراث لوزارة الثقافة، المجلس الأعلى للثقافة، اللجنة المختصة بالتراث، ووزارة البيئة، مشددًا على أهمية تدخل هذه الجهات لضمان حماية المرافق التاريخية وعدم الإضرار بها تحت أي ذريعة استثمارية، آملًا أن يتدخل القضاء لإيقاف المشروع لحماية التراث والبيئة.
ويتفق معه الدكتور عباس الزعفراني، أستاذ التصميم البيئي وعميد كلية التخطيط الإقليمي والعمراني بجامعة القاهرة الأسبق، حول كون الترام القديم في أي مدينة تاريخية يُعد جزءًا أساسيًا من التراث ويجب التعامل معه باعتباره أحد المعالم الثقافية، مشيرًا إلى أن تجارب المدن الأوروبية مثل فيينا ولشبونة تثبت أن الحفاظ على الترام التراثي يجذب السياحة ويعود بالفائدة الاقتصادية على المدينة، ويحافظ على ذاكرة السكان ويمنح المدينة هويتها المميزة.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “أي تدخل في مرافق النقل التاريخية يجب أن يتم بعد استشارة المتخصصين والخبراء في التراث العمراني، مثل جهاز التنسيق الحضاري والمتخصصين في العمران التراثي، لضمان التوازن بين تطوير النقل والحفاظ على التراث”.
ويؤكد أن القرارات الفردية من قبل مسؤولي النقل دون الحوار مع الأطراف المعنية ، حتى لو ساهمت في تحسين سيولة المرور، ستؤدي إلى خسارة المدينة لقيمتها التراثية والثقافية وفقدان فرص اقتصادية وسياحية كبيرة، مشيرًا إلى أهمية الحوار المجتمعي والمهني المتخصص، للوصول إلى حلول متوازنة تحقق الحفاظ على التراث، حماية المشهد العمراني، وضمان سيولة النقل.
بدوره يرى شهاب أبو زيد، مستشار سياسات النقل ومدير البرامج بمؤسسة ندى لطرق آمنة، ضرورة الحفاظ على ترام الرمل لما يمثله من قيمة تراثية وهوية مميزة لمدينة الإسكندرية، مشيرًا إلى أنه كان من الممكن تطويره مع تحديث بنيته بدلاً من إزالته بالكامل وتحويله إلى خط مترو، وهو ما يعكس من وجهة نظره، تراكمات غياب التخطيط العمراني المنضبط على مدار عقود، وما ترتب عليه من زيادة سكانية وضغط على شبكة النقل.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “الترام كان يؤدي دورًا تشغيليًا مقبولًا من حيث الطاقة الاستيعابية وخدمة قطاعات واسعة، خاصة الطلاب وكبار السن”، محذرًا من فجوة زمنية بين إلغاء الخدمة الحالية وتشغيل البديل، قد تؤدي إلى زيادة التكدس المروري والضغط على المواطنين.
ويضيف أن نجاح مشروع المترو الجديد سيظل مرهونًا بمدى تحقيقه التكامل الفعلي مع باقي وسائل النقل، لافتًا إلى أن الاستراتيجيات المعلنة للتنقل المستدام تبدو إيجابية نظريًا، إلا أن الحكم النهائي يتوقف على التطبيق العملي.
ويشدد على أهمية إجراء دراسات أثر بيئي واجتماعي شاملة، واتباع حلول أكثر ابتكارًا تحافظ على النقل الجماعي كخيار مستدام، بدلًا من استبدال منظومة قائمة دون ضمان بديل متكامل.
وكانت وزارة النقل، بدأت مطلع فبراير الماضي، تنفيذ مشروع شامل لإعادة تأهيل وتطوير ترام الرمل بالإسكندرية، قالت إنها تستهدف تحويله إلى وسيلة نقل ذكي خضراء وسريعة بطول 21.7 كم، وتقليل زمن الرحلة إلى 35 دقيقة وزمن التقاطر إلى 3 دقائق، مع زيادة الطاقة الاستيعابية لأكثر من 13 ألف راكب/ساعة، وسط خطة إيقاف مرحلي بدأت أوائل 2026.
وتبلغ التكلفة التقديرية لمشروع تطوير ترام الرمل بالإسكندرية حوالي 534 مليون دولار، ويتم تمويله بشكل أساسي عبر قرض من الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD)، بالإضافة إلى سعي الهيئة القومية للأنفاق لاقتراض حوالي 9 مليارات جنيه من تحالف بنوك محلية.

نوصي للقراءة: ناهيا تحت قضبان قطار التطوير.. تهجير وشيك وهدم مرتقب

مخاوف بيئية ومذبحة للأشجار
من ناحية أخرى يثير مشروع تطوير الترام، مخاوف واسعة لدى قطاع كبير من المدافعين عن البيئة، تركزت على فقدان الغطاء النباتي؛ لأن بعض الأشجار المحيطة بالترام التاريخية، يزيد عمرها عن 100 سنة، لاسيما الواقعة في شوارع مثل أبو قير والحرية. وقد بدأت إزالة الأشجار في سبتمبر 2025 في شارع أبو قير، واستمرت مع تفكيك قضبان الترام في فبراير 2026، ويصف نشطاء بيئيون ذلك بـ”مذبحة الأشجار” و”أكبر كارثة بيئية في تاريخ الإسكندرية”، معتبرين أن المشروع يهدد الظلال الطبيعية والأكسجين والجمال الحضري في منطقة مكتظة بالسكان.
من جهته يعتقد علي عبده، عضو المجلس الاستشاري لمؤسسة مناخ أرضنا للتنمية المستدامة والمدير التنفيذي لستديو استدامة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن التخوفات الرئيسة تتعلق بالآثار الواقعية على الأرض أثناء تنفيذ المشروع، مشيرًا إلى أن إغلاق خطوط الترام والقطر بشكل متزامن تسبب في زحام مروري شديد وفقدان وسائل نقل بديلة للسكان، مما انعكس سلبًا على حركة المواطنين اليومية والأثر البيئي للمدينة.
ويرى أن المشروع كان بحاجة لتخطيط أفضل للطرق البديلة ووسائل النقل المؤقتة لضمان استمرارية الحركة مراعاة الاعتبارات الاقتصادية والمجتمعية والثقافية، وتقليل الضرر البيئي والاجتماعي أثناء فترة التطوير، مشيرًا إلى أن تصميم المدن المستدامة يتطلب النظر الشامل إلى كل هذه الأبعاد، بما يشمل قابلية التنقل البشري، والبنية التحتية للمشاة ووسائل النقل قصيرة المدى، وليس فقط التحول إلى نقل كهربائي.
وحول أثر قطع الأشجار أثناء التطوير، يقول لـ”زاوية ثالثة” إن “التأثير البيئي المباشر على التنوع البيولوجي محدود، وأن الأشجار المقطوعة تستخدم في دورة إعادة التدوير في مصانع الحديد، بما يضمن الاستفادة من المواد دون إلقائها كنفايات، مع تسجيل انبعاثات كربونية محددة ضمن حساب البصمة البيئية الشاملة للمشروع”.
وشدد على أهمية تبني منظور شامل لتقييم الأثر البيئي والاجتماعي على الأرض، معتبرًا أن أي انتقادات يجب أن توازن بين الأثر الفوري على السكان وبين المكاسب البيئية المستقبلية بعد اكتمال المشروع، مؤكدًا أن التنفيذ الواقعي على الأرض لا يعكس دائمًا التصميم المثالي للمشروع، مما يخلق تحديات عملية للسكان خلال فترة التطوير
فيما يشرح الدكتور عبدالمسيح سمعان، أستاذ الدراسات البيئية بجامعة عين شمس، لـ”زاوية ثالثة” أن مشروعات النقل يفترض أن تخضع لدراسات تقييم الأثر البيئي لقياس تأثيرها على الانبعاثات والضوضاء والتنوع البيولوجي، لافتًا إلى أن استبدال الترام بمشروع مترو الإسكندرية، الذي يعمل بالكهرباء، لن يؤدي إلى زيادة الانبعاثات الكربونية، باعتباره كذلك وسيلة نقل منخفضة الانبعاثات مثل الترام، بل قد يحقق كفاءة وسرعة أعلى.
كما يشير إلى وجود توجه لدى الدولة نحو النقل المستدام يتسق مع استراتيجية تغير المناخ 2050، عبر التوسع في وسائل النقل العام النظيفة والتحول إلى الغاز الطبيعي والكهرباء، بما يسهم في خفض الانبعاثات الكربونية.
نوصي للقراءة: التطوير مقابل الإزالة: كيف ضّحت الحكومة بمواطنيها من أجل الطرق؟

تحركات برلمانية لحماية الترام
حالة الجدل والانتقادات الموجهة إلى مشروع تطوير الترام، امتدت من مواقع التواصل الاجتماعي وساحات القضاء إلى قبة البرلمان؛ إذ تقدم النائب أحمد علاء فايد، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، بطلب إحاطة عاجل إلى رئيس مجلس النواب موجّه لرئيس الوزراء ووزير النقل، بشأن ما اعتبره شبهة إهدار مال عام وتصفية مرفق ترام الرمل التاريخي في الإسكندرية تحت مسمى التطوير.
وأوضح خلاله أن أعمال فك القضبان والأسلاك بدأت رغم نظر دعوى أمام محكمة القضاء الإداري، بما يمثل، بحد قوله، فرضًا للأمر الواقع قبل صدور حكم نهائي، مشيرًا إلى طرح أصول المرفق للبيع بنظام اللوطات، وتشمل 41 قطارًا (123 عربة) والقضبان والشبكة الكهربائية، بقيمة إجمالية 176 مليون جنيه، واصفًا المبلغ بالمتدني قياسًا بالقيمة الفعلية والتاريخية، ومنتقدًا توصيف الأصول كمهمات ميكانيكية، مطالبًا بوقف الإجراءات وإحالة الأمر للجنة النقل.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “طلب الإحاطة جاء بعد تواصل عدد من أهالي الإسكندرية معي، لتوضيح مخاوفهم وتقديم المستندات التي تثبت وجهة نظرهم، بهدف فتح حوار مع الحكومة لفهم الأبعاد المختلفة للمشروع والتأكد من صحة الإجراءات المتخذة، خصوصًا فيما يتعلق ببدء أعمال فك القضبان وبيع أصول الترام قبل الفصل النهائي في النزاع القضائي”، معتبرًا أن وصول النزاع القضائي إلى هيئة مفوضي الدولة يعد خطوة إيجابية.
ويلفت النائب إلى البُعد التاريخي والتراثي للترام، مؤكدًا أن مثل هذه المشروعات يجب أن تحترم الموروث الثقافي والمعنوي للمدينة، مشيرًا إلى أهمية إشراك جميع أصحاب المصلحة، بما يشمل المواطنين المحليين، والمحليات، ومنظمات المجتمع المدني، والاستشاريين المختصين بالتخطيط العمراني، لضمان أن يكون التطوير متوازنًا ويحافظ على الهوية التاريخية للمدينة.
وحول الأنباء المتعلقة بمزايدة بيع أصول الترام بقيمة 176 مليون جنيه، يوضح فايد أنه لم يطلع على الأوراق أو المستندات المتعلقة بها، مؤكدًا على أهمية مناقشة الموضوع مع الجهات المعنية للحصول على رؤية واضحة، ومن ثم تحديد ما إذا كانت هناك مشكلة تستدعي تحقيقًا برلمانيًا، للرقابة على الحكومة والتأكد من التزامها بالقوانين واللوائح المنظمة للمشروعات، بما يحقق حماية التراث والمصلحة العامة.
بدوره كذلك تقدّم النائب حسام حسن، أمين تنظيم حزب العدل، بطلب إحاطة إلى رئيس مجلس النواب موجّه إلى وزير النقل، بشأن وقف تشغيل ترام الرمل بالإسكندرية وبدء فك وتخريد وبيع أصوله، رغم وجود نزاع قضائي أمام القضاء الإداري. وأكد أن الترام يُعد من أقدم وسائل النقل الجماعي بالمدينة ويخدم آلاف المواطنين يوميًا، فضلًا عن قيمته التاريخية.
وأشار إلى ما تردد حول بيع 41 قطارًا تضم 123 عربة، إضافة إلى القضبان والشبكة الكهربائية والورش، بقيمة 176 مليون جنيه، معتبرًا أن المبلغ لا يعكس القيمة الفعلية للأصول. وأبدى مخاوف من غياب رؤية واضحة للبديل وتأثير ذلك على المواطنين، مطالبًا بإحالة الطلب إلى لجنة النقل لبحث الأسس القانونية والفنية للقرار وخطة تطوير النقل بالمحافظة.
كذلك تقدّم النائب محمد جبريل، عضو لجنة النقل والمواصلات بمجلس النواب، بطلب إحاطة عاجل إلى وزيري النقل والتنمية المحلية بشأن تداعيات التوقف المتزامن لترام الرمل وقطار أبو قير في الإسكندرية، وما ترتب عليه من اختناقات مرورية حادة، مؤكدًا أن القرار جاء دون استعداد كافٍ لتفادي تكرار مشكلات سابقة، مطالبًا بالكشف عن خطة الحكومة لتوفير أتوبيسات بديلة كافية وتحديد أسعارها بما لا يرهق المواطنين.
وشدد على ضرورة توضيح أوضاع عمال ترام الرمل وآلية توزيعهم دون المساس بحقوقهم الوظيفية والمادية، إلى جانب تعويض هيئة النقل العام عن تراجع إيراداتها. وأكد أن تطوير النقل مشروع قومي، لكن يجب ألا يتحول إلى عبء يومي على المواطنين، مع متابعة تنفيذ الإجراءات داخل لجنة النقل.
في المقابل ذكرت وزارة النقل من خلال الهيئة القومية للأنفاق، أنها بدأت الإجراءات التنفيذية مع محافظة الإسكندرية عام 2019 لتنفيذ الدراسات التصميمية والفنية لمشروع تأهيل ترام الرمل ودراسات تقييم الأثر البيئى والاجتماعى من خلال المكتب الاستشاري سيسترا الفرنسي، ايكو كونسرف، جامعة الإسكندرية، جامعة القاهرة، المعهد القومى للنقل.
وبينت أن الدراسات خلصت إلى وجود مشكلة مرورية نتيجة وجود عدد 26 من المزلقانات تمثل تقاطعات حرجة والتى تؤثر على سرعة تقاطر وحدات الترام، وتقادم أسطول وحدات الترام وحاجتها إلى تحديث وتطوير شامل للشبكة الكهربائية والمركبات والإشارات ونتج عن ذلك حدوث احتراق لعدد من الوحدات أثناء عملها على الخطوط بدأت فى أكتوبر 2019 وحتى أغسطس 2025، بجانب الاحتياج إلى زيادة القدرة الاستيعابية من 4700 راكب فى الساعة إلى 13800 راكب فى الساعة، وضرورة رفع المسار الخاص بترام الرمل علويًا حتى يمكن تحقيق سرعة التقاطر 3 دقائق وتقليل زمن الرحلة ليكون 25 دقيقة .
فيما أكدت محافظة الإسكندرية، أن مشروع تطوير ترام الرمل لا يستهدف بأي حال من الأحوال إلغاء هذا المرفق التاريخي، وإنما يهدف إلى تطويره وتأهيله ليواكب متطلبات النقل الحديث، ويحقق أعلى معايير السلامة والكفاءة البيئية، مع الحفاظ على دوره الحيوي في خدمة المواطنين، وخاصة الطلبة وكبار السن ومحدودي الدخل.
وبين وجهة نظر رسمية ترى أن تطوير ترام الإسكندرية مشروعًا ضروريًا لتحديث منظومة النقل وحل أزمة المرور، وانتقادات مجتمعية وحقوقية تعتبره مساسًا بذاكرة المدينة وهويتها العمرانية والبيئية، يظل مستقبل ترام الرمل معلقًا بين مسار التطوير ومسار الحماية القانونية والمجتمعية. وبينما تمضي الأعمال التنفيذية قدمًا، تنتظر الأطراف المختلفة ما ستسفر عنه ساحات القضاء ومداولات البرلمان، في ظل مطالبات بالإفصاح الكامل عن الدراسات الفنية والبيئية والتراثية، وضمان التوازن بين اعتبارات الكفاءة المرورية وصون التراث.