صدق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على قانون الإجراءات الجنائية الجديد، بعد أن وافق مجلس النواب في جلسته العامة المنعقدة يوم 16 أكتوبر الماضي على غالبية التعديلات المطلوبة لتجاوز أسباب الاعتراض الرئاسي السابقة. ونشرت الجريدة الرسمية القانون رقم 174 لسنة 2025 ( قانون الإجراءات الجنائية) في العدد الصادر رقم ٤٥ مكرر (د) فى 12 نوفمبر لسنة 2025.
وتضمنت التعديلات الجديدة، تأجيل العمل بالقانون إلى أول العام القضائي التالي لصدوره في 1 أكتوبر العام المقبل، لإتاحة الوقت الكافي لتدريب جهات إنفاذ القانون، وتجهيز المحاكم بمراكز الإعلان الهاتفي المنصوص عليها في التشريع. كذلك شملت عرض قضايا المحبوسين احتياطيًا على النائب العام كل ثلاثة أشهر، تنفيذًا لتوصية اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان، بدلاً من العرض لمرة واحدة فقط كما كان في مشروع القانون السابق.
بالإضافة إلى الإبقاء على وسائل الإعلان التقليدية في القضايا إلى جانب الإعلان الإلكتروني، وذلك حتى لا تتعطل المواعيد والإجراءات عند تعذر استخدام الوسائل التقنية. وتعزيز ضمانات المحاكمة الغيابية في الجنايات، من خلال إلزام المحكمة بتأجيل جلسة الاستئناف مرة واحدة إذا تعذر حضور المتهم أو محاميه، لإتاحة الفرصة لممارسة حق الدفاع.
ووافق البرلمان نهائيًا على مشروع القانون بعد التصويت على المواد الثماني محل التحفظ الرئاسي، وبينها المادة (105) التي تتيح لعضو النيابة العامة استجواب المتهم دون حضور محامٍ في حالات “الخشية على حياته وفوات الوقت”. ويأتي قرار الرئيس المصري بالموافقة على القانون رغم استمرار الجدل الحقوقي والسياسي حوله، وذلك بعد التعديلات التي أقرّها مجلس النواب في جلسته الطارئة التي عُقدت خصيصًا لإعادة مناقشة القانون عقب إعادته من الرئيس إلى البرلمان.
نوصي للقراءة: ماذا تغيّر بعد 4 أعوام من إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان؟

نقابة المحامين تتجه إلى الطعن أمام الدستورية
الجلسات البرلمانية الطارئة التي عُقدت، مطلع أكتوبر الماضي، لمناقشة التعديلات المقترحة على القانون بعد رده من جانب الرئاسة، شهدت حالة من الجدل لم تُبدّدها التعديلات التي أُدخلت على تلك المواد. ورغم موافقة المجلس على التعديلات، بقيت الاعتراضات من بعض أعضاء النواب مركّزة على المادتين 48 و105، ما أدى إلى انسحاب بعض النواب خلال الجلسة اعتراضًا على تمريرها، كما استمرت الانتقادات الحقوقية للعملية برمتها، لا سيما مع إصرار الأغلبية على تمرير القانون بوتيرة متسارعة، رغم مطالبات الانتظار إلى البرلمان القادم.
وأثارت المادة 48 خلافًا واسعًا خلال الجلسة وبعدها، إذ نصت صيغتها النهائية على السماح لرجال السلطة العامة بدخول المنازل في حالات الاستغاثة أو الخطر “وما شابه ذلك”، وهي العبارة التي اعتبرتها بعض النواب فضفاضة وقد تُستخدم على نحو يخلّ بضمانة حرمة المنازل.
أما الأزمة الكبرى كانت حول المادة 105 المتعلقة باستجواب المتهم دون حضور محامٍ عند “خشية فوات الوقت”. فقد اعتبر بعض النواب ونقيب المحامين أن هذه الصياغة تتعارض صراحة مع المادة 54 من الدستور التي تُلزم بحضور محامٍ في أي تحقيق، أو بندب محامٍ عند غيابه. ما دفع نواب الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي إلى الانسحاب من الجلسة احتجاجًا.
من جهته يقول عمرو الخشّاب، عضو مجلس نقابة المحامين، لـ”زاوية ثالثة” إن نقابة المحامين تتجه للطعن على قانون الإجراءات الجنائية أمام المحكمة الدستورية، تنفيذًا لقرار النقيب العام. ويوضح الخشّاب أن النقابة ما زالت تناشد رئيس الجمهورية سحب التعديلات قبل سريانها، باعتبار أنها تمسّ حق الدفاع وتُخل بضماناته بشكل جوهري. وأن موقف النقابة يستند أيضًا إلى ما صدر مؤخرًا عن الرئيس من تأكيدات بوجود إشكاليات في العملية الانتخابية، وهو ما اعتبره الخشّاب “دليلًا على أن الرئيس يستمع إلى نبض الشارع ويعيد النظر في القرارات التي تشوبها مخالفات للدستور والقانون”.
وكان نقيب المحامين، عبد الحليم علام، قد جدّد خلال مداخلته أمام البرلمان في جلسة مناقشة تعديلات القانون في 16 أكتوبر الماضي، اعتراض النقابة على أي تعديل يُدخل استثناءات على المادة 105، معتبرًا أن ذلك يمسّ جوهر ضمانات الدفاع المنصوص عليها في المادة 54 من الدستور، التي تشترط حضور محامٍ مع المتهم وعدم جواز التحقيق أو الاستجواب في غيابه. وأكد علام أن “التعديل المقترح من الحكومة، والذي أقرته اللجنة الخاصة، يصطدم نصًا وروحًا بالدستور وبمبادئ العدالة”.
وأوضح النقيب إن تحديد الهدف في هذه المرحلة “يجب أن يكون واضحًا”، مضيفًا أن المادة 105 مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمادة 54، ولا يجوز المساس بها تحت أي مبرر. وأضاف: “نقدّر ما بذله البرلمان من جهد في إعداد القانون، لكن المنتج النهائي يصدر باسم الشعب المصري، ومن ثمّ لا يجوز المساس بضمانات الحقوق والحريات التي أقرّها الدستور”.
وأشار علام إلى أن تقرير اللجنة الخاصة جاء “مخالفًا لما ورد في مذكرة رئيس الجمهورية، ولم يراعِ توصيات اللجنة العامة لمجلس النواب”، مؤكدًا أن نقابة المحامين لم توافق على إدخال أي استثناء من شأنه التأثير على جوهر الضمانات الدستورية.

الفرصة الأخيرة
رغم التصديق الرسمي من جانب الرئيس على القانون بعد إدخال التعديلات الثمانية عليه، ما تزال بعض الآراء القانونية والحقوقية ترى أن الباب لم يُغلق تمامًا. ولا تزال هناك “فرصة أخيرة” يمكن استثمارها لإعادة النظر في القانون أو تعديل عدد من مواده، سواء عبر آليات الطعن الدستوري، أو من خلال المسارات التشريعية التي تتيح إعادة تقديم تعديلات لاحقة إذا توفرت الإرادة السياسية والضغوط المجتمعية الكافية.
وفي هذا الإطار، يرى المحامي الحقوقي ممدوح جمال، عضو حملة نحو قانون إجراءات جنائية عادل، في حديثه لــ “زاوية ثالثة”، أن الباب ما زال مفتوحًا أمام “فرصة أخيرة” لوقف تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد، رغم إقراره رسميًا من الرئيس عبد الفتاح السيسي.
وبحسب جمال، يمتد العمل بالقانون حتى أكتوبر 2026، وهي فترة انتقالية تسمح للبرلمان الحالي أو المقبل بإعادة النظر في القانون كاملًا أو الاكتفاء بتعديل مواد محددة منه، مستشهدًا بسابقة قانون العمل الأهلي الذي أُلغي رغم صدوره ونشره رسميًا، بعد ضغط مجتمعي واسع.
ويؤكد جمال أن القانون بصيغته الحالية يمثّل تحولًا خطيرًا في منظومة العدالة الجنائية، وأن الاعتراض عليه لا يقتصر على المحامين والحقوقيين، إذ بدأ عدد من المحامين بالفعل في نشر مقاطع مصوّرة على منصات التواصل للتحذير من العواقب الكارثية المتوقعة عند بدء تطبيقه.
ويشير إلى أن الأزمة المقبلة لن تكون سياسية أو حقوقية فحسب، بل مهنية أيضًا، نظرًا لما قد يخلقه القانون من صدام واسع بين المحامين من جهة، والنيابة العامة والسلطة القضائية من جهة أخرى.
ويحذّر جمال من أن الدولة ليست مستعدة بالبنية التحتية أو التقنية اللازمة لتطبيق نموذج “رقمنة العدالة” المنصوص عليه في القانون، لافتًا إلى أن معظم المحاكم تفتقر إلى الحد الأدنى من التجهيزات التي تجعل هذا الانتقال ممكنًا. ويشدد على أن تفادي الأزمة يتطلب تضافر كل القوى المدنية والحقوقية والمهنية في هذه المرحلة، قبل أن تتحول التحذيرات المتداولة إلى واقع فعلي.
يتفق أحمد مختار، المحامي الحقوقي في مؤسسة قضايا المرأة مع المحامي الحقوقي ممدوح جمال، ويرى أن الباب ما زال مفتوحًا لإعادة النظر في قانون الإجراءات الجنائية قبل بدء تطبيقه المقرر في أكتوبر المقبل.
ويشير مختار في حديثه لزاوية ثالثة إلى أن هناك نحو سنة كاملة قبل التطبيق، وهو وقت كافٍ لإجراء تعديلات أو إعادة النظر في بعض المواد، خاصة وأن هناك “لايحة تنفيذية” وإجراءات مرتبطة بالحوكمة وربط الخدمات الإلكترونية والاتصالات لم تُستكمل بعد، ما قد يخلق فرصًا للتعديل.
ويضيف مختار أن البرلمان لن يقوم بتعديل القوانين من تلقاء نفسه إلا إذا قدم أحد النواب مقترحًا جديدًا وجمع عليه توقيعات كافية أو تقدمت الحكومة بمشروع قانون جديد أو أصدر الرئيس قرارًا بتأجيل التطبيق أو إعادة النظر في القانون.
ويشير المحامي الحقوقي إلى أن المؤشرات الحالية توضح أن الحكومة ترغب في تطبيق القانون وفق أجندة معينة، لكن الضغط الشعبي والمهني قد يفتح المجال للتعديل. مشيرًا إلى أن “الضغط العملي”، أي المشكلات التي ستظهر أثناء التطبيق، يمثل وسيلة ضغط مهمة لإحداث تعديل، وأن دور نقابة المحاميين والحقوقيين يجب أن يكون أقوى لتوضيح أن القانون يخلق الكثير من الأزمات للمحامين والمواطنين على حد سواء. ويختم مختار حديثه بالقول إن تحريك الضغط على النواب والحكومة بشكل منسق يمكن أن يتيح فرصًا للتعديل، حتى لو كانت الحكومة أو الرئيس متمسكين بتطبيق القانون.
نوصي للقراءة: مشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد: خطوة نحو العدالة أم تقييد للحريات

ليست المرة الأولى
يُعد مسار قانون العمل الأهلي في مصر واحدًا من أبرز السوابق التشريعية التي يُستشهد بها اليوم عند الحديث عن إمكانية التراجع عن القوانين حتى بعد صدورها رسميًا وفقًا لما يوضحه الحقوقي حسام بهجت المدير التنفيذي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية. ففي مايو 2017 صدّق رئيس الجمهورية على قانون الجمعيات الأهلية، على أن يبدأ العمل به بعد صدور لائحته التنفيذية خلال عام. إلا أن اللائحة لم تصدر، ولم يدخل القانون حيّز التنفيذ.
وفي نوفمبر 2018، عاد الرئيس نفسه ليعلن، خلال إحدى جلسات منتدى شباب العالم، عدم رضاه عن القانون الذي وقّع عليه قبل عام، مطالبًا بإعادة النظر فيه وتعديله قبل تطبيقه. وذلك بعد أن تزايدت الانتقادات المحلية والدولية للقانون، ، ليقرّ مجلس النواب في يوليو 2019 قانونًا جديدًا للجمعيات الأهلية، وتم إلغاء قانون 2017 الذي سبق وأن وافق عليه المجلس نفسه ونُشر في الجريدة الرسمية بعد تصديق الرئيس عبد الفتاح السيسي. وقد جاءت هذه السابقة لتؤكد أن التراجع عن القوانين أو استبدالها ليس احتمالًا نظريًا، بل مسارًا تحقّق فعليًا في ظل ذات الحقبة السياسية.
ويرى بهجت أن إمكانية إسقاط أو تعديل قانون الإجراءات الجنائية “الكارثي”، بحد وصفه، الذي صدر مؤخرًا ليست فرضية نظرية، بل احتمال قابل للتحقق، وقد حدث ما هو مماثل بالفعل في هذا العهد، وفي واحدة من أكثر اللحظات قتامة في سجل القمع خلال السنوات الماضية.
ويرى المدير التنفيذي للمبادرة المصرية أن المعركة التي اندلعت منذ تحرك هذا المشروع المثير للجدل في صيف العام الماضي حتى اليوم يجب أن تستمر ليس فقط لأن القانون لن يبدأ تطبيقه قبل عام، ولا من باب المسؤولية المهنية والأخلاقية فحسب، بل أيضًا من أجل انتزاع ما يمكن انتزاعه من مكاسب، أو على الأقل تقليل الخسائر، أو حتى الحفاظ على ما تبقى من منظومة عدالة جنائية تتعرض لانهيار وشيك يهدد الجميع.
في السياق يقول السياسي والحقوقي مصطفى شوقي في تصريحات لزاوية ثالثة إن الاعتراضات التي أبداها رئيس الجمهورية على مشروع قانون الإجراءات الجنائية تكشف إشكاليات أعمق تتجاوز المواد الثمانية محل الملاحظات.
وأوضح شوقي أن الدستور لا يُلزم رئيس الجمهورية بتقديم أسباب اعتراضه عند رد القوانين للبرلمان، ما يعني أن ما كتبه الرئيس ليس مجمل الاعتراضات، وإنما جزء من الملاحظات على الصياغة التي وصلت إليه. وأضاف أن المواد التي وجّه إليها الرئيس اعتراضاته كانت مرتبطة بمواد أخرى داخل القانون، وأن تعديلها كان يستوجب تعديل النصوص المرتبطة بها، وهو ما لم يحدث.
وأشار إلى أن ردّ الرئيس للقانون يعيد للبرلمان “ولايته الكاملة” على النص، بما يتيح له تعديل أي مادة، وليس فقط مواقع الاعتراض المحددة، مؤكدًا أن المجلس اختار تمرير النسخة ذاتها مع تعديلات طفيفة “تفاديًا لأي صدام مع مؤسسة الرئاسة”، وهو ما أبقى على الفلسفة التشريعية الإشكالية للقانون، وعلى المواد التي تمس ضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع ومدد الحبس الاحتياطي والتعويض وجبر الضرر.
وأضاف شوقي أن هناك “إصرارًا واضحًا” على تمرير القانون قبل انتهاء الفصل التشريعي الحالي، تجنبًا لفتح نقاش مجتمعي واسع كان متوقعًا حدوثه في برلمان 2025، لو بدأت مناقشة القانون منذ البداية، بما يشمل النقابات المهنية والمؤسسات الحقوقية والجهات القضائية. وبرأيه، فإن “الاعتبارات الأمنية” لعبت الدور الأكبر في تسريع تمريره، في ظل توازنات تمنح الأجهزة الأمنية نفوذًا كبيرًا على عمل البرلمان.
ورغم ذلك، يتفق شوقي مع كافة الآراء التي تتحدث بأن هناك فرصة قائمة لإعادة النظر في القانون قبل دخوله حيز النفاذ في أكتوبر 2026، سواء عبر تعديلات شاملة أو جزئية يقدمها النواب، أو عبر تدخل تشريعي جديد يحسّن من ضماناته. ويختتم بالقول إن الأزمة الحقيقية تكمن في هيمنة منطق “العدالة الناجزة” ومكافحة الإرهاب والاعتبارات الأمنية على حساب ضمان الحقوق والحريات وحماية الأفراد من التعسف.
وكانت حملة نحو قانون إجراءات جنائية عادل وعددا من المنظمات الحقوقية والأحزاب السياسية، أصدورا بيانًا عقب إصدار القانون تكشف التعديلات التي أدخلها المجلس على بعض المواد المعترض عليها عن اضطراب تشريعي واضح، سواء في ما يتعلق بمدة العمل بالقانون، أو بضمانات حضور المحامي أثناء الاستجواب، أو بابتداع آلية “الإيداع” التي قد تتحول عمليًا إلى التفاف على القيود الدستورية للحبس الاحتياطي.
وقد حذر الموقعون على البيان من أن هذه المنهجية في التشريع لا تُضعف فقط الضمانات التقليدية لحقوق المتهمين، بل تهدد البنية الكاملة للعدالة الجنائية، داعين رئيس الجمهورية إلى عدم إصدار القانون، وإعادة إرساله إلى مجلس الشيوخ للمراجعة الشاملة قبل طرحه على مجلس النواب الجديد. مؤكدين على أن إصدار قانون بهذا الحجم في ظل مناخ سياسي مضطرب يهدد بتحويله إلى أداة تقويض للحقوق بدل تعزيزها، ويقوّض الثقة العامة في منظومة العدالة.
رغم إصدار قانون الإجراءات الجنائية الجديد رسميًا وسط جدل حقوقي وسياسي واسع، يرى بعض الحقوقيين أن الأمر محسوم وأن القانون قد يضع منظومة العدالة في مأزق حقيقي. في المقابل، يؤكد آخرون أن الفرصة ما زالت قائمة لإعادة النظر في بعض مواده قبل دخوله حيّز التطبيق الرسمي في أكتوبر 2026. السؤال يبقى: هل سيتجاوب الرئيس مجددًا مع مناشدات ‘الفرصة الأخيرة’، أم سينتهي الأمر بأزمة حقيقية في منظومة العدالة؟