close

الحرب على إيران.. كيف يلامس التصعيد الأمريكي-الإسرائيلي حدود مصر؟

نحو خُمس تجارة النفط العالمية يمر عبر مضيق هرمز، وأي تهديد بإغلاقه قد يدفع الأسعار إلى نطاق 100–120 دولارًا للبرميل ويهز إمدادات الطاقة عالميًا.
Picture of رشا عمار

رشا عمار

تشهد الساحة الدولية حالة من الغليان، جراء التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى، بعد تنفيذ ضربات أمريكية إسرائيلية واسعة على إيران صباح اليوم السبت، ردت عليها طهران بمهاجمة تل أبيب، بالإضافة إلى القواعد الأمريكية في دول الخليج: السعودية، قطر، الإمارات، البحرين والكويت، (لاتزال الهجمات مستمرة حتى كتابة التقرير)، ما ينذر بتداعيات خطيرة على المنطقة والعالم خاصة في الشرق الأوسط وبالقلب منها مصر ودول الخليج.

وشنّت الولايات المتحدة وإسرائيل، صباح السبت، هجومًا واسعًا على إيران، بعد أسابيع من تصاعد التهديدات الأمريكية لطهران بعمل عسكري، ترافقت مع حشد قوات أمريكية إضافية في منطقة الشرق الأوسط.

الضربات تركزت في طهران ومحيطها، مع ورود تقارير عن استهداف مجمع مكتب المرشد علي خامنئي في قلب العاصمة، إضافة إلى مواقع في مدن أصفهان وكرج وكرمنشاه وبندر بوشهر جنوبًا حيث توجد منشآت حساسة، بينما لم تتضح بعد درجة الضرر الذي لحق بالبنية النووية. أعقبت الغارات موجة انفجارات متتالية وسُجلت أعمدة دخان كثيفة في عدة مناطق، ما دفع السلطات الإيرانية إلى إغلاق المجال الجوي وإصدار إنذار طواريء لوقف حركة الطيران المدني فوق البلاد والإقليم كإجراء طارئ.

كذلك استهدف الهجوم مدرسة ابتدائية للبنات في جنوب إيران، وأسفر عن مقتل 57 من تلميذاتها، حسبما أفاد التلفزيون الرسمي نقلًا عن مسؤول محلي في محافظة هرمزكان. فيما أفادت مصادر محلية لشبكة روسيا اليوم ارتفاع عدد ضحايا الهجوم إلى ٨٥ ضحية فيما أصيب ٩٢ آخرين. 

من جانبه، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في رسالة مصوّرة، بدء عمليات قتالية واسعة النطاق داخل إيران، مؤكدًا أن الهدف يتمثل في “الدفاع عن الشعب الأمريكي عبر القضاء على التهديدات الوشيكة الصادرة عن النظام الإيراني”. مشددًا على أن طهران “لا يمكن أن يُسمح لها بامتلاك سلاح نووي”، واصفًا النظام الإيراني بأنه “جماعة شريرة من أشخاص قساة وسيئين”.

وأضاف ترامب أن العمليات تستهدف “تدمير الصواريخ الإيرانية وتسوية صناعتها الصاروخية بالأرض”، فضلًا عن ضرب القدرات البحرية. كذلك لوّح ترامب بخيارين أمام القوات المسلحة الإيرانية، إما “الحصانة” أو “الموت المحتوم”، موجّهًا في الوقت ذاته رسالة إلى الإيرانيين قال فيها إن “ساعة حريتكم باتت في المتناول”، داعيًا الشعب إلى “استعادة السيطرة” على حكومته.

كذلك أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الهجوم يهدف إلى “إزالة التهديد الوجودي” الذي تمثّله إيران، داعيًا الإيرانيين إلى الوقوف في وجه النظام القائم منذ ثورة عام 1979. وقال نتنياهو، في بيان مصوّر، إن إسرائيل والولايات المتحدة أطلقتا عملية مشتركة للقضاء على ما وصفه بـ“التهديد الوجودي الذي يشكله النظام في إيران”.

في المقابل أعلنت إيران إطلاق هجوم مضاد ردًا على الضربات التي تعرضت لها، إذ أطلقت صواريخ باتجاه مواقع عدة داخل إسرائيل، فيما دوت انفجارات في القدس بعد انطلاق صفارات الإنذار في المدينة.

وأفادت وكالة أنباء الإمارات بأن أراضي الدولة تعرضت لقصف بعدد من الصواريخ الإيرانية، مشيرة إلى مقتل شخص إثر سقوط شظايا صاروخية على منطقة سكنية في أبوظبي.

من جانبه، قال الحرس الثوري الإيراني إنه استهدف قواعد أمريكية في كل من قطر والإمارات، إضافة إلى مراكز عسكرية وأمنية داخل الأراضي المحتلة، وأوضح في بيان لاحق أنه قصف مقر قيادة الأسطول الأمريكي الخامس في البحرين باستخدام صواريخ وطائرات مسيّرة. وشهدت البحرين أيضًا دوي انفجارات، فيما أعلنت وزارة الداخلية تفعيل صفارات الإنذار في مختلف أنحاء البلاد، داعية المواطنين والمقيمين إلى التوجه فورًا إلى أقرب مكان آمن.

المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني توعّد أيضًا برد “ساحق” و”حاسم” مؤكدًا أن طهران ستستخدم “كل إمكاناتها الدفاعية والعسكرية في إطار حق الدفاع الشرعي عن النفس” لحماية وحدة أراضيها، وفي وقت لاحق طالب المجلس الإيرانيين بمغادرة طهران والتوجه إلى مناطق أكثر أمنًا.

وزير الخارجية عباس عراقجي أجرى سلسلة اتصالات هاتفية عاجلة مع مسؤولين في السعودية والإمارات وقطر والبحرين والعراق، أوضح خلالها أن إيران سترد على الهجمات، وحذّر هذه الدول من السماح باستخدام أراضيها أو قواعدها لانطلاق عمليات جديدة، ملوّحًا بأنها تتحمل مسؤولية قانونية عن أي استخدام لأراضيها في الأعمال العسكرية. في السياق نفسه، نقلت وسائل إعلام عن مسؤولين أمنيين إيرانيين قولهم إن بلادهم “حذّرت مسبقًا” من أن أي هجوم سيقابل بـ”رد ساحق”، في رسالة موجهة للرأي العام الداخلي والخارجي على حد سواء.

في المقابل أغلقت تل أبيب مجالها الجوي أمام الرحلات المدنية وإعلان حالة الطوارئ، وسط توقعات رسمية بوصول رشقات من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية خلال الساعات التالية.

على مستوى دول الخليج العربية، بدت ردود الفعل مزيجًا من القلق ومحاولة تحييد الذات عن مسرح المواجهة المباشرة، في ظل مخاوف حقيقية من تحوّل أراضيها إلى ساحات رد ونزاع.

في حين تشير تقارير ميدانية من الدوحة ودبي والكويت إلى سماع انفجارات وتشغيل منظومات الدفاع الجوي في قطر والإمارات والكويت والبحرين والأردن لاعتراض صواريخ قالت مصادر إنها أطلقت من إيران باتجاه مواقع يُحتمل وجود قوات أميركية فيها، مع تأكيد عدد من هذه الدول على حقها في الدفاع عن نفسها مع تجنّب التصعيد اللفظي المباشر ضد طهران.

داخل العواصم الخليجية، يتركز القلق حول سيناريوهين رئيسيين: الأول يتعلق بإمكانية أن توسّع إيران بنك أهدافها ليشمل منشآت النفط والغاز ومحطات الكهرباء ومحطات تسييل الغاز المسال، والثاني احتمال لجوئها إلى تهديد الملاحة في مضيق هرمز بما يحمله ذلك من تداعيات كارثية على أسواق الطاقة العالمية وأمن الإمدادات. إلى جانب ذلك، تحذر تقديرات عربية من أن انهيار محتمل للنظام الإيراني، إذا نجحت حملة عسكرية طويلة النفس، قد يفتح الباب أمام موجات لجوء واسعة وتدفقات سلاح ومجموعات مسلحة عابرة للحدود، وهو ما ترى فيه بعض الدول الخليجية والعربية تهديدًا مباشرًا لأمنها الداخلي الهش أصلًا.

و‎أدانت مصر، السبت، استهداف إيران “لوحدة وسلامة أراضي دول عربية وانتهاك سيادتها”، وحذرت من انزلاق المنطقة بأسرها إلى “حالة الفوضى الشاملة”. 

وأعربت “الخارجية المصرية”، في بيان لها، عن قلقها من “التصعيد العسكري الخطير الذي تشهده المنطقة، وما ينطوي عليه من مخاطر توسيع رقعة الصراع وانزلاق المنطقة بأسرها إلى حالة من الفوضى الشاملة والتي ستكون لها بدون شك، تداعيات كارثية على الأمن والاستقرار والسلم الإقليمي والدولي”.

وجددت القاهرة “التأكيد على الأهمية البالغة للحلول السياسية والسلمية” مشيرة إلى “أن الحلول العسكرية لن تفضي إلا إلى المزيد من العنف وإراقة الدماء، وأن السبيل الوحيد لضمان الأمن والاستقرار يكمن في الالتزام بخيار الدبلوماسية والحوار”. 

فضلًا عن ذلك، أصدرت وزارة الطيران المصرية بيانًا عاجلًا صباح السبت، أكدت خلاله أن السلطات “تتابع عن كثب” التطورات في المنطقة بعد الضربات على إيران وتقيّم تأثيرها المحتمل على حركة الطيران في أجواء الشرق الأوسط. البيان أكد تنسيق مصر الكامل مع سلطات الطيران الإقليمية والدولية لضمان أعلى مستويات السلامة والأمن لرحلات الطيران، ودعا المسافرين لمراجعة مواعيد الإقلاع والوصول وأي تعديلات على الجداول في ظل إغلاق أجواء إيران وإسرائيل وتعليق الحركة فوق العراق.

أوروبيًا، اتسمت ردود الفعل بالحذر الشديد والدعوة إلى “ضبط النفس”، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة، مع محاولة فهم حجم التحول الاستراتيجي الذي يمثله قرار واشنطن وتل أبيب بضرب العمق الإيراني بهذا الشكل المباشر.

العواصم الأوروبية، التي كانت منخرطة في مسارات دبلوماسية مرتبطة بالملف النووي الإيراني، تخشى أن يؤدي هذا التصعيد إلى نسف ما تبقى من فرص تفاوضية وتعزيز موقف التيار المتشدد داخل إيران، بما يزيد احتمالات سباق تسلح إقليمي، خصوصًا في المجالين النووي والصاروخي.

في موسكو، أدانت وزارة الخارجية الروسية الهجمات بوصفها “عملًا مسلحًا مخططًا، وغير مبرر ضد دولة ذات سيادة”، واتهمت الولايات المتحدة وإسرائيل بالسعي إلى تغيير النظام في طهران تحت ذريعة البرنامج النووي، داعية إلى وقف فوري للعملية والعودة إلى مسار الدبلوماسية.

الصين بدورها، أكدت على رفض “انتهاك سيادة إيران ووحدة أراضيها”، والتحذير من “أعمال عسكرية خطيرة” يمكن أن تخرج عن السيطرة وتضرب جهود تسوية الملف النووي بالوسائل السلمية.

ويتوقع مراقبون أن يعقد مجلس الأمن جلسات طارئة جديدة في ضوء هذا التطور، في ظل انقسام واضح بين الدول الداعمة للخطوة الأميركية‑الإسرائيلية وتلك التي تعتبرها انتهاكًا لميثاق الأمم المتحدة وتهديداً للسلم والأمن الدوليين.

 

نوصي للقراءة: القاهرة في مواجهة تحركات الاحتلال: ماذا يعني الاعتراف الإسرائيلي بـ”أرض الصومال”؟


كيف تتعاطى طهران مع سيناريو الحرب؟

الباحث السياسي الإيراني محمد رحماني يقول إن اندلاع الحرب لم يكن مفاجئًا، بل كان متوقعًا في ضوء مسار التصعيد السابق بين إيران وإسرائيل، موضحًا أن المرحلة الأولى من المواجهة، التي استمرت نحو 12 يومًا، كشفت فجوة بين الأهداف المعلنة والنتائج المتحققة على الأرض، إذ تحدثت القيادة الإسرائيلية عن تحجيم النفوذ الإقليمي لإيران، بل ولوّحت أحيانًا بإسقاط النظام، غير أن تلك الأهداف لم تتحقق كما كان يُروَّج لها.

ويشير “رحماني” في حديث إلى “زاوية ثالثة” إلى أن الحديث عن اتفاقات أو تفاهمات غير معلنة خلال فترة التهدئة لم يُفضِ إلى أي تقدم فعلي في المفاوضات، مؤكدًا أن الجمود كان سيد الموقف، وأن طهران اتخذت قراراتها بصورة مستقلة، لا سيما فيما يتعلق بإدارة انتشارها الإقليمي وتجنب بعض أنماط الانخراط المباشر، وبرأيه، فإن غياب أي اختراق سياسي جعل استئناف الحرب أمرًا مرجحًا، وهو ما حدث بالفعل.

ويلفت إلى أن إيران وسّعت نطاق تهديداتها لتشمل عددًا من الدول العربية، من بينها قطر والبحرين والسعودية والإمارات، عبر استهداف أو التلويح باستهداف قواعد عسكرية ومصالح مرتبطة بالولايات المتحدة وحلفائها. في المقابل، يشير إلى أن طهران تجنبت حتى الآن توجيه تهديد مباشر إلى تركيا وأذربيجان، مرجعًا ذلك إلى حساسية البعد القومي داخل إيران، حيث يعيش ملايين من الأتراك الأذريين، ما يجعل أي تصعيد مع أنقرة أو باكو ذا كلفة داخلية محتملة.

وفيما يتعلق بالتصريحات الأمريكية والإسرائيلية حول الاستمرار في العمليات حتى تحقيق “الأهداف النهائية”، يرى رحماني أن هذه الأهداف تتجاوز مجرد الردع، لتشمل استهداف البنية التحتية الاستراتيجية الإيرانية، بما فيها المنشآت النووية ومراكز التسليح ومفاصل القوة الصلبة للدولة.

أما على الصعيد الداخلي، يعتبر الباحث الإيراني أن المزاج الشعبي في إيران معقد ومتباين، لكنه يشير إلى أن قطاعات واسعة من الإيرانيين تُبدي رفضًا للنظام، وأن البلاد شهدت خلال السنوات الماضية موجات احتجاج متكررة، جرى التعامل معها أمنيًا بعنف شديد. وبرأيه، فإن استمرار الضغط الخارجي قد يفتح المجال أمام عودة الاحتجاجات إلى الشارع، خصوصًا إذا اقترن بتدهور اقتصادي وأمني.

ويقول رحماني إن طهران كانت قد أعلنت سابقًا أنها سترد بقوة في حال تعرضها لهجوم مباشر، بما في ذلك تهديد إسرائيل بشكل شامل، لكنه أعرب عن شكوكه في قدرة إيران على تنفيذ تهديد من هذا النوع على نحو كامل، معتبرًا أن جزءًا كبيرًا من قدراتها الصاروخية استُخدم في جولات سابقة. ورجّح أن يتراجع هامش التصعيد الهجومي الإيراني خلال الأيام المقبلة، مع تزايد الضغوط العسكرية وتضييق الخيارات الاستراتيجية أمامها.

من جانبها ترى مديرة المركز الأوربي الشمال أفريقي للدراسات الاستراتيجية، الدكتورة سارة كيرة، إن الحرب الجارية تمثل امتدادًا لجولة سابقة من المواجهة استمرت ١٢ يومًا، لكنها تختلف عنها في الهدف والرهانات، معتبرة أن الغاية المباشرة من التصعيد الحالي هي إسقاط النظام الإيراني، لا مجرد احتواء سلوكه الإقليمي.

وتوضح “سارة” في حديثها إلى “زاوية ثالثة” أن جوهر الصراع يرتبط بالبرنامج النووي الإيراني وبرنامج الصواريخ الباليستية، مؤكدة أن الولايات المتحدة وإسرائيل لن تقبلا بوجود برنامج نووي متقدم في يد نظام ولاية الفقيه. مضيفة أن “هناك تقديرات وتقارير غربية تشير إلى أن إيران قطعت شوطًا بعيدًا في تخصيب اليورانيوم، وأن مستوى التخصيب المعلن سابقًا لا يعكس، بحسب هذه التقديرات، الصورة الكاملة لقدراتها الفعلية، وهو ما عزز القناعة لدى خصومها بضرورة التحرك الحاسم.”

وترى الباحثة المصرية أن واشنطن حاولت في مراحل سابقة الدفع نحو تسويات سياسية أو ترتيبات داخلية تؤدي إلى تغيير في بنية النظام أو قيادته، إلا أن تلك المسارات لم تُفضِ إلى نتائج، ما جعل خيار إسقاط النظام مطروحًا بقوة على الطاولة. واعتبرت أن الحرب لن تتوقف – في حال استمرارها بالوتيرة الحالية – إلا بإحداث تغيير جذري في بنية الحكم داخل إيران.

وفيما يتعلق بالتداعيات الإقليمية، تشير إلى أن التأثيرات المباشرة ستطال دول الخليج بصورة أكبر من غيرها، سواء عبر ارتفاع أسعار النفط أو اضطراب حركة التجارة العالمية، فضلًا عن المخاطر الأمنية المرتبطة باستهداف القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة. ولفتت إلى أن حجم الإنفاق الدفاعي الخليجي الضخم لم يترجم، حتى الآن، إلى مظلة حماية كاملة من تداعيات التصعيد.

أما بالنسبة لمصر، تعتبر سارة أن التأثيرات المباشرة قد تكون محدودة مقارنة بدول الخليج، انطلاقًا من طبيعة تموضع القاهرة في الأزمة، لكنها شددت على أن أي اضطراب واسع في أسواق الطاقة أو الملاحة الدولية ستكون له انعكاسات غير مباشرة على الاقتصاد الإقليمي ككل.

وتعتقد أن إيران ستواصل القتال وستحاول الصمود إلى أقصى مدى ممكن، مستفيدة من دعم عسكري ولوجستي من حلفائها، بما في ذلك الحصول على طائرات مسيّرة وأنظمة تسليح متطورة. لكنها ترجح في المقابل أن استمرار الضربات المكثفة قد يفضي إلى تصدعات داخلية وانقسامات في بنية نظام ولاية الفقيه، ما يسرّع احتمالات التغيير من الداخل.

وتقول إن الولايات المتحدة، التي كان لها دور تاريخي في تشكيل موازين القوى داخل إيران، تبدو اليوم عازمة على إعادة هندسة المشهد السياسي هناك، معتبرة أن مسار الحرب الحالي يشير إلى أنها معركة مفتوحة قد تستمر إلى أن يتحقق هدف التغيير السياسي في طهران.

 

نوصي للقراءة: قمة شرم الشيخ: هدنة أم بداية مسار سياسي نحو السلام؟

التأثيرات المباشرة للتصعيد.. النفط يضرب الأسواق

ترجح التقديرات أن الضربات سترفع درجة التوتر في أهم منطقة نفط في العالم، لذلك التأثير على أسواق النفط سيكون أساسًا عبر “علاوة المخاطر” وخطر تعطل الإمدادات، مع سيناريوهات تختلف حسب مسار التصعيد.

في المدى القصير، التوقع المرجّح هو قفزة حادّة في الأسعار تتجاوز الارتفاعات الاعتيادية، مع زيادة واضحة في التقلبات اليومية، لأن المتعاملين يسعّرون احتمال تعطل جزء من الصادرات الإيرانية أو الخليجية حتى لو لم تُضرب منشآت نفطية مباشرة. كلما زادت مؤشرات اتساع الحرب أو امتدت الضربات قرب حقول النفط أو مرافئ التصدير، ارتفعت هذه العلاوة، وقد تدفع الأسعار لاختبار نطاقات قريبة من 100 دولار للبرميل أو أعلى إذا اقترربنا من سيناريو تهديد الملاحة البحرية.

العصب الأخطر هو مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، وأي تهديد بإغلاقه أو استهداف الملاحة فيه سيرفع الأسعار فورًا وبعنف، لأن السوق تفترض حينها أن (15–20) مليون برميل يوميًا يمكن أن تتعرض للتعطيل الجزئي أو المؤقت. حتى التهديد الكلامي دون فعل مباشر عادة يضيف بين 10 و25 دولارًا على السعر مقارنة بالمستويات السابقة، بحسب تقديرات عدد من بيوت الخبرة التي درست سيناريو إغلاق المضيق في جولات سابقة من التوتر.

وفقًا لمراقبين، إذا ظلّ التصعيد “مضبوطًا عسكريًا” بمعنى (ضربات متبادلة لكن بعيدة عن البنية التحتية للطاقة والمضيق)، فمن المرجح أن تبقى الأسعار في نطاق مرتفع لكن يمكن التحكم فيه، مع بقاء برنت في نطاق تقريبي حول 75–85 دولارًا للبرميل، وعودة جزء من الهدوء مع أي مؤشرات على وساطات أو وقف نار. أما إذا دخلنا سيناريو أسوأ، يشمل ضرب منشآت نفطية في الخليج أو إيران، أو عمليات تخريب لأنابيب وموانئ، أو إغلاق فعلي أو شبه فعلي لهرمز، فسيُعامل ذلك كـ”صدمة إمدادات” حقيقية، وتقديرات بعض البنوك الاستثمارية تتحدث عن نطاق 100–120 دولار للبرميل وربما أعلى إذا طال أمد الأزمة.

كيف ستتأثر القاهرة؟

تشير تقديرات سياسية واقتصادية إلى أن تأثير الضربات على القاهرة سيكون مركّباً، ويمكن تقسيمه إلى أربع مسارات رئيسية مترابطة: اقتصادي–مالي، وقناة السويس والملاحة، وأمن داخلي- إقليمي، ثم الهامش السياسي والدبلوماسي.

اقتصاديًا وماليًا، أي قفزة كبيرة في أسعار النفط تضغط مباشرة على فاتورة الاستيراد المصرية وعلى ميزان المدفوعات، بما يرفع تكلفة دعم الطاقة والنقل والكهرباء، ويغذّي موجة تضخم إضافية في اقتصاد مثقل أصلاً بأزمة أسعار وصرف. كذلك ارتفاع علاوة المخاطر في الإقليم يرفع كلفة الاقتراض لمصر في الأسواق الدولية، ويزيد حساسية المستثمرين للأخبار السلبية، ما قد يترجم إلى خروج جزئي لرؤوس الأموال الساخنة أو تأجيل قرارات استثمارية كانت قيد الدراسة.

وفيما يتعلق بقناة السويس والممرات البحرية، أي تهديد لمضيق هرمز أو تصاعد للهجمات على الملاحة في البحر الأحمر (من الحوثيين أو غيرهم) ينعكس مباشرة على حركة السفن بين الخليج والبحر المتوسط. إذا اختارت شركات الشحن إعادة توجيه مساراتها بعيدًا عن الخليج أو البحر الأحمر بسبب المخاطر التأمينية والأمنية، ستتراجع حركة العبور في القناة وإيراداتها الدولارية، وهو ما يضغط على واحد من أهم مصادر العملة الصعبة لمصر ويزيد هشاشة الموازنة العامة.

أمنياً، التصعيد يرفع منسوب التوتر في كل الإقليم، ومعه احتمالات تنشيط شبكات ووكلاء لإيران أو خصومها في مسارح قريبة من مصر (غزة، سيناء، ليبيا، شرق المتوسط). القاهرة تخشى سيناريوهات مثل: موجات تهريب سلاح أكبر عبر الحدود مع غزة، محاولات تسلل لعناصر متطرفة مستفيدة من الفوضى، أو استخدام الأراضي المصرية، حتى لو بشكل غير مباشر، في عمليات أو رسائل متبادلة، ما يفرض تشديدًا أكبر على الحدود ومحاور سيناء والبحر الأحمر وطابا. أي اختلال كبير في توازن القوى لصالح إسرائيل على حساب إيران يثير أيضًا قلقًا مصريًا تقليديًا من اختلال المعادلة الإستراتيجية الإقليمية وانعكاساته على ملفي غزة والسلام.

سياسيًا ودبلوماسيًا، القاهرة تجد نفسها مضطرة للتمسك بخط “رفض التصعيد العسكري والدعوة للحل الدبلوماسي” مع تجنّب الانحياز الفجّ لمعسكر ضد آخر، حتى لا تخسر قنواتها المفتوحة مع طهران من جهة، وعلاقتها الحيوية بواشنطن وعواصم الخليج من جهة أخرى. وأي توسّع للحرب أو اقترابها من سيناريو “إسقاط النظام الإيراني” يضع مصر أمام معادلات جديدة: إعادة توزيع النفوذ الإقليمي، احتمال موجات لجوء وتحولات في خرائط التحالفات، وضغط أميركي–إسرائيلي أكبر في ملفات حساسة لمصر مثل غزة وشرق المتوسط.

في هذا الصدد، يقول الباحث المصري في قضايا الأمن الإقليمي والإرهاب أحمد سلطان، إن المواجهة الدائرة حاليًا ليست سوى معركة ضمن حرب أوسع، يُراد لها من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل أن تكون المعركة الحاسمة. غير أن هذه الحرب، بحسب تقديره، لا تقتصر تداعياتها على الإقليم، ولا على ما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ”الشرق الأوسط”، بل تمتد آثارها إلى النظام الدولي بأسره.

ويوضح سلطان لـ”زاوية ثالثة”، أن دروس التاريخ، لا سيما في العصرين الحديث والمعاصر، تُظهر أن القوى المتوسطة لعبت أدوارًا حاسمة في إعادة تشكيل النظام الدولي. ومن هذا المنظور، فإن اللحظة الراهنة تمثل لحظة إعادة صياغة، ليس فقط لمعادلات المنطقة، بل لبنية النظام الدولي ككل.

ويعتبر أن ما أقدمت عليه واشنطن هو “مقامرة استراتيجية” بُنيت على حسابات متحيزة، مشيرًا إلى أن مدى صمود إيران وقدرتها على التكيف مع العمليات العسكرية والاستمرار في فرض الضغط المقابل سيكشف حدود هذه الحسابات، فالحرب في جوهرها “صراع إرادات” قبل أن تكون صراعًا عسكريًا.

ويضيف أن التطورات لا تزال في بدايتها، وأن مسار التصعيد قد لا يكون له سقف واضح. فخلال الساعات الأولى جرى استهداف قواعد أمريكية في عدد من دول الخليج، لكن إذا خلصت القيادة الإيرانية إلى أن الهدف هو إنهاء النظام بالكامل، فلن تبقى، وفق تقديره، خطوط حمراء تحكم نطاق الرد، ما يعني اتساع رقعة الاشتعال لتشمل الإقليم بأكمله.

ويشير سلطان إلى أن مضيق هرمز مرشح لأن يصبح ساحة تصعيد رئيسية إذا استمرت المواجهة بالوتيرة الحالية، وهو ما سينعكس مباشرة على إمدادات النفط العالمية والصادرات الإقليمية، بما في ذلك دول الخليج. كما لفت إلى أن مصر قد تتأثر مجددًا بتداعيات أي حصار بحري قد يسعى الحوثيون إلى فرضه، موضحًا أنه رغم محدودية قدراتهم، فإنهم ما زالوا قادرين على إحداث إرباك استراتيجي في مسار الصراع. وذكّر بأن شركات شحن عالمية بدأت بالفعل تحويل مساراتها نحو رأس الرجاء الصالح، في مؤشر مبكر على اتساع نطاق المخاطر.

ويؤكد الباحث المصري أن حدود الضربة ومسارات التصعيد ترتبط بتصورات الأطراف المتحاربة. فإذا بقيت الحرب ضمن نطاق محدود، فستظل أدواتها مضبوطة نسبيًا. أما إذا تحولت إلى حرب شاملة تستهدف تغيير النظام، كما ألمح الرئيس الأمريكي، فإن منطق المواجهة سيدفع نحو أقصى درجات التصعيد، إذ “ليس بعد الحد الأقصى إلا السقوط”.

كذلك يشدد على أن المنطقة تقف أمام اختبار حاسم ولحظة إعادة تشكل تتجاوز الأطر التقليدية السابقة، مع احتمال بروز محاور جديدة وخروج قوى من الفلك الأمريكي، وفتح المجال أمام قوى دولية أخرى، وفي مقدمتها الصين. وبرأيه، فإن ما يجري يمثل تحولًا استراتيجيًا لا يطال المنطقة وحدها، بل يعيد رسم ملامح النظام الدولي برمته.

لا تبدو المواجهة الراهنة مجرد جولة عسكرية عابرة بين خصوم تقليديين، بل لحظة فارقة قد تعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط، وربما في النظام الدولي بأسره. فبينما تتسع رقعة الضربات وتتصاعد لغة “الحسم” و”تغيير النظام”، تزداد المخاوف من انزلاق غير محسوب نحو حرب شاملة تتجاوز حسابات الردع التقليدي.

وفي ظل هشاشة أسواق الطاقة، وحساسية الممرات البحرية، وتداخل المصالح الإقليمية والدولية، تقف العواصم المعنية أمام اختبار دقيق بين خيار التصعيد المفتوح وخيار العودة إلى مسار سياسي يبدو، حتى اللحظة، أبعد من أي وقت مضى. المنطقة إذن أمام مفترق طرق تاريخي: إما احتواء النار قبل أن تتمدد، أو الدخول في طور صراع طويل يعيد تعريف موازين القوة لعقود مقبلة.

رشا عمار
صحفية مصرية، عملت في عدة مواقع إخبارية مصرية وعربية، وتهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية.

Search