close

ملحق أحمد زويل.. مدرسة يمولها الأهالي وتتنصل منها التعليم

وزارة التعليم ترفض اعتماد المدرسة رسميًا، تاركة مئات الأطفال بين حضور فعلي وقيد غير موجود، وسط تناقض الروايات الرسمية وغياب الحلول
Picture of آية ياسر

آية ياسر

منذ نحو أربع سنوات تعيش أسرة سامي عوض، معاناة كبيرة، كون طفلها الذي يدرس حاليًا في الصف الثاني الابتدائي، تم تسكينه في مدرسة القرية السياحية الأولى الرسمية للغات، الواقعة بإدارة 6 أكتوبر التعليمية، والتي تبعد مسافة 28 كيلو مترًا عن محل سكنه مع أسرته في شارع ترسا بالهرم، منذ كان في الصف الأول بمرحلة رياض الأطفال، الأمر الذي شكّل عائقًا أمام انتظامه في الحضور إلى المدرسة، وحمّل أسرته أعباءًا مالية بسبب نفقات المواصلات.

ما عاشه الطفل وأسرته، لم يكن استثناءًا، إذ يشكو المئات من أولياء الأمور المتضررين من سكان أحياء الهرم وفيصل والدقي والعجوزة بمحافظة الجيزة، والذين يدرس أبناؤهم في مراحل رياض الأطفال والصفين الأول والثاني الابتدائي، من تسكينهم في إدارات تعليمية بعيدة مثل أطفيح والصف وأكتوبر والشيخ زايد، غير أن الأب والمئات من أولياء أمور التلاميذ المقيمين في نطاق إدارة العمرانية التعليمية، حاولوا إيجاد مخرج لأزمتهم بعد فشلهم في تحويل أبنائهم عبر البوابة الالكترونية لوزارة التربية والتعليم.

يؤكد سامي أنه ساهم مع أولياء أمور التلاميذ، وسددوا مشاركة مجتمعية قيمتها 45 ألف جنيه عن الصف الثاني الابتدائي، وحده، لتضاف إلى مساهمات الأهالي التي تصل إلى نحو 900 ألف جنيه، بغرض تجهيز ملحق مدرسة أحمد زويل التابعة لإدارة العمرانية التعليمية، لكي تستوعب أطفالهم بدلًا من اضطرارهم لتحمل مشقة ومخاطر طريق الذهاب والعودة، من وإلى المدرسة، ونفقات انتقالاتهم، لكنهم صدموا بعد الانتهاء من أعمال التجديدات ومع بدء العام الدراسي الجديد بعدم تسوية الأوضاع القانونية لأبنائهم داخل ملحقة أحمد زويل.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “الملحقة غير معتمدة حتى الآن من إدارة العمرانية التعليمية ووزارة التربية والتعليم ولم تسلّم بعد، كما لم يتم نقل ملفات أبنائنا إليها، رغم انتظام التلاميذ في الحضور إليها منذ بداية شهر أكتوبر الماضي، إلاّ أن حضورهم لا يعتد به قانونًا، وبالتالي لم يعتمد كشف الحضور والغياب ولم يتم تسليم نتائج التقييمات وامتحان الشهر للإدارة التعليمية”.

ويضيف: “نحن وأطفالنا نعاني منذ أربعة سنوات لعدم تحويل أبناءنا إلى مدارس قريبة من المربع السكني، ولم تقم الوزارة بحل مشكلتنا، وآخر ما قيل لنا هو أن الملحقة غير معتمدة للتسكين، أنهم سينقلون أطفالنا إلى مدارس أخرى، بمجرد افتتاح مدارس جديدة لنقل الأطفال إليها، ولا نعرف بالضبط ما هو مصير أبنائنا؟”.

وتشترك معه في المعاناة نفسها مارينا فرانسيس، والدة أحد تلاميذ الصف الثاني الابتدائي من إدارة أكتوبر، والذي يقيم مع أسرته في حي الهرم، إذ كانت مضطرة لاصطحاب ابنها الصغير إلى مدرسته البعيدة والذهاب عند الظهيرة لاصطحابه منها، على مدار السنوات الماضية، متحمّلة مشقة كبيرة، كغيرها من ذوي التلاميذ المتضررين، نتيجة توزيعهم على إدارات تعليمية مختلفة خارج نطاق العمرانية، من بينها أكتوبر والصف وأطفيح وزايد، الأمر الذي اضطرهم إلى الاعتماد على حافلات خاصة لنقل أطفالهم، تتجاوز تكلفتها ألف جنيه للطفل الواحد شهريًا، وهو ما اعتبرته عبئًا ماديًا كبيرًا على أولياء الأمور، مؤكدةً أن بعد المسافة بين منازلهم ومدارسهم في أكتوبر جعل الأطفال مرهقين وغير قادرين على متابعة دروسهم بانتظام.

تقول لـ”زاوية ثالثة”: “الأطفال كانوا يخرجون من منازلهم في الساعة السادسة صباحًا ويعودون إلى بيوتهم بعد الساعة الرابعة عصرًا، بعد يومٍ دراسي طويلٍ وشاق، وإحدى حافلات النقل المدرسي، انقلبت أثناء الطريق وكانت تقل عددًا من التلاميذ، وهو ما زاد من قلق الأهالي وخوفهم على أبنائهم”.

تحكي الأم أن أولياء الأمور تقدموا بطلبات رسمية وأوراق تحويل لتسكين أبنائهم داخل ملحقة مدرسة أحمد زويل بالعمرانية، وجهزوا الكشوفات المطلوبة وساهموا في تجهيز المبنى ضمن جهودهم لحل الأزمة، إلا أنهم لم يتلقوا ردًا واضحًا حتى الآن، رغم أكثر من شهر على بدء العام الدراسي، مؤكدة أن الأطفال بدأوا بالفعل في الخضوع للتقييمات الدراسية، لكنهم يُحسبون ضمن “المتغيبين” في إداراتهم الأصلية بسبب عدم تثبيت ملفاتهم رسميًا في المبنى الجديد، مشيرةً إلى أن هذا الوضع “غير مقبول إنسانيًا ولا تربويًا”، لأن الأطفال لا ذنب لهم في المشكلة الإدارية.

وناشدت مارينا، وزارة التربية والتعليم والجهات المختصة، بالتدخل العاجل لتسوية أوضاع الطلاب قانونيًا داخل ملحقة أحمد زويل، حفاظًا على مستقبلهم الدراسي، قائلة إن: “أولياء الأمور لا يطلبون سوى حق أبنائهم في التعليم القريب من منازلهم، وفي بيئة آمنة ومستقرة بعد كل ما بذلوه من جهدٍ ومالٍ”.

الحال لم يختلف كثيرًا بالنسبة إلى محمد سمير، الذي تم تسكّين ابنته، في إحدى مدارس إدارة أطفيح التعليمية، والتي تبعد مسافة 105.8 كم عن محل سكنها، الواقع في حي العمرانية بالهرم، ويستغرق الوصول إليها بالسيارة أكثر من ساعة ونصف، ومنذ أكثر من عام كان والد الطفلة، التي تدرس حاليًا بالصف الأول الابتدائي، يحاول تحويلها إلى مدرسة قريبة من محل السكن، متقدّمًا بعدة طلبات إلى إدارة العمرانية ومديرية التعليم بالجيزة، لكن جهوده باءت بالفشل.

وكغيره من الأهالي الذين حاولوا إيجاد مخرج لمعاناة أطفالهم، فإنهم لجأوا إلى النائب البرلماني، إيهاب منصور، والذي تدخّل واجتمع مع مديرة الإدارة التعليمية بالعمرانية، سعاد محمد، وعدد من المسؤولين في الإدارة، واتفقوا وقتئذٍ على استغلال مبنًى مهجور تابع لمدرسة “الصديق” وخلف مدرسة أحمد زويل للغات، ليكون مقرًا دراسيًا جديدًا، مع اشتراط أن يتولّى أولياء الأمور تجهيز المبنى بالكامل على نفقتهم الخاصة كنوع من المشاركة المجتمعية، بعد زيارتها للمدرسة رفقة النائب، بحسب ما يؤكد محمد سمير، لـ”زاوية ثالثة”.

يحكي الأب أن أولياء الأمور جمعوا مبلغًا قدره 1000 جنيهٍ من كل أسرة، وتجاوز عدد المشاركين نحو 1000 من المتضررين، وتم تجهيز المبنَى من جميع الجوانب، بما في ذلك الأسوار الحديدية والأبواب الخشبية والسباكة والكهرباء والدهانات والمراوح للفصول، حتى صار المبنَى جاهزًا للاستخدام، ثم جرى تسليمه رسميًا إلى مديرة الإدارة سعاد محمد ولجنة من المسؤولين، لبدء الدراسة، – على حد قوله-.

ومع انطلاق العام الدراسي الجديد 2025 – 2026، صُدم أولياء الأمور، برفض الإدارة التعليمية إدخال التلاميذ لملحقة مدرسة أحمد زويل، بعد تجديدها، ثم طلبها منهم استخراج أربع استمارات تحويل من الإدارات الأصلية المقيد بها الأطفال، وبالفعل استخرجها أولياء الأمور وسددوا المصروفات واستلموا الكتب الدراسية، لكنهم فوجئوا مجددًا برفض الإدارة توقيع أو ختم أوراق التحويل، ومصادرتها بحجة “مراجعتها”.

يقول: “منذ بداية أكتوبر الماضي يدرس أبناءنا في مبنَى ملحق بمدرسة أحمد زويل دون أي إثبات قانوني، فيما لا يزال الطلاب مقيدين في إداراتهم الأصلية، مثل أطفيح والصف وأكتوبر، الإدارة أخبرتنا بأن أبناءنا ضيوف فقط، ولن يتم نقل ملفاتهم رسميًا إلى المدرسة”.

ويعتقد الأب أن بعض الإدارات التعليمية التابعة لوزارة التربية والتعليم ما زالت تظن أن المبنَى لم يخضع للتجديدات بعد ولا توجد به دراسة، بينما الحقيقة أن التلاميذ يداومون يوميًا في ملحقة مدرسة أحمد زويل، ويؤدون امتحانات وتقييمات كاملة، إلا أن الحضور والغياب ونتائج التقييمات لا تُرسل للإدارات التعليمية لعدم الاعتراف الرسمي بالمبنى.

ويؤكد محمد أن أولياء الأمور يخشون ضياع العام الدراسي على أبنائهم بسبب هذا الوضع المعلق، موضحًا أنهم قدّموا شكوى جماعية إلى رئاسة مجلس الوزراء حملت رقم 10889325، لكنهم لم يتلقوا ردًا حتى الآن من الجهات المعنية، مطالبًا الجهات المختصة بالتدخل العاجل لمحاسبة من وصفهم بـ”المسؤولين عن هذا التقصير”، وتسجيل المبنى رسميًا ضمن مدارس إدارة العمرانية التعليمية، وإثبات قيد الطلاب بشكل قانوني.

وحصلت “زاوية ثالثة” على نسخ من فواتير مساهمات أولياء أمور التلاميذ في أعمال الصيانة والتجديدات التي تمت في مبنى ملحقة مدرسة أحمد زويل، التابعة لإدارة العمرانية التعليمية، كما حصلت على صورًا توثق تلك الأعمال، إضافة إلى الزيارة التي قامت بها سعاد محمد، مديرة إدارة العمرانية التعليمية، إلى موقع المبنى، قبل أشهر، رفقة النائب إيهاب منصور، عضو مجلس النواب ووكيل لجنة القوى العاملة، قبل إنطلاق أعمال التجديدات.

وتواصلت “زاوية ثالثة”، هاتفيًا مع سعاد محمد، مديرة إدارة العمرانية التعليمية، وتوجهت إليها بالسؤال حول المشكلة التي يواجهها أولياء أمور التلاميذ في ملحقة مدرسة أحمد زويل، بصفتها المسؤولة عن الإدارة التعليمية التي تتبعها المدرسة، لكنها قامت بقطع الاتصال بشكل مفاجئ رافضة الإجابة على تساؤلاتنا بشأن شكاوى أهالي التلاميذ المتضررين، كما قامت بحظرنا من الاتصال الهاتفي بها.

وكان النائب إيهاب منصور، عضو مجلس النواب ووكيل لجنة القوى العاملة، ورئيس الهيئة البرلمانية للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، قد نشر، تدوينة عبر صفحته الرسمية على موقع فيسبوك بتاريخ 27 سبتمبر الماضي، أعلن فيها عقد اجتماع مع سعاد محمد، مديرة الإدارة التعليمية بالعمرانية، لمناقشة عددٍ من الموضوعات المتعلقة بقطاع التعليم في المنطقة.

وأوضح منصور في تدوينته، آنذاك، أنه فيما يخص ملحقة مدرسة أحمد زويل، فقد تم الانتهاء من تجهيز المبنى بالكامل، مشيرًا إلى أنه جارٍ التسكين على دفعات بدءًا من الأسبوع الحالي، مؤكدًا أن الخطوة تأتي في إطار المتابعة البرلمانية لملف التعليم وخدمة الأهالي والطلاب في دائرة العمرانية.

 

وحين توجهنا بالسؤال إلى النائب، أكد لـ”زاوية ثالثة”، إنه لم يتلقَّ حتى الآن أي معلومات رسمية بشأن التطورات الأخيرة المتعلقة بمشكلة ملحق مدرسة أحمد زويل في حي العمرانية بمحافظة الجيزة، والتي تتعلق بشكاوى أولياء الأمور من عدم اعتماد تسجيل أبنائهم بالمدرسة بشكل قانوني، موضحًا أن تدخله السابق في هذا الملف كان بهدف توفير مقر بديل ومناسب لاستيعاب التلاميذ، الذين وُجهوا وفقًا للتنسيق إلى مدارس بعيدة عن نطاقهم السكني.

 ويؤكد منصور أن المساعي في ذلك الوقت كانت مركزة على حل أزمة التكدس والمسافة، وأنه لم يكن على علم بوجود مشكلات جديدة تتعلق بالإجراءات القانونية أو اعتماد ملفات الطلاب، متعهدًا بأن يقوم بالاستعلام عن تفاصيل الأزمة، عبر الجهات المعنية في مديرية التربية والتعليم بالجيزة لمعرفة تفاصيل الموقف الحالي، والوقوف على أسباب عدم استكمال إجراءات القيد الرسمية للتلاميذ رغم انتظام الدراسة فعليًا داخل المبنى، ومتابعة الموضوع حتى الوصول إلى حل يضمن حقوق الأطفال وأولياء الأمور.

 

نوصي للقراءة: “كفى عبثًا”.. أولياء أمور يقودون دعوات إضراب احتجاجًا على سياسات التعليم في مصر


رواية التعليم تتناقض مع شهادات الأهالي

في محاولة منّا للوقوف على أسباب الأزمة، توجهت “زاوية ثالثة” بالسؤال إلى سعيد عطية، مدير مديرية التربية والتعليم بمحافظة الجيزة، والذي أفاد في اتصال هاتفي، أن المبنى محل الجدل هو “منشأة ملحقة” تم إنشاؤها بشكل مؤقت لتخفيف معاناة الطلاب من مشقة الانتقال لمسافات طويلة إلى مدارسهم الأصلية، إلى حين استلام مدرسة جديدة تُخصص لها هوية رقمية رسمية من الوزارة، يتم بعدها نقل الطلاب إليها بصورة قانونية.

وعلى النقيض من رواية الأهالي وما حصلنا عليه من صور ومستندات، نفى ، مدير مديرية التربية والتعليم بمحافظة الجيزة، أن تكون هناك صحة لمساهمة أولياء أمور طلاب مدرسة أحمد زويل أو ملحقها في تجهيز المبنى عبر المشاركات المجتمعية، قائلًا: “إن هذا غير صحيح، وإدارة المدرسة لم تتلق أي مبالغ مالية من الأهالي، ولا علاقة لها بما يتم تداوله حول تجهيزها على نفقة المجتمع المحلي”.

يقول  لـ”زاوية ثالثة”: “العملية التعليمية تسير بانتظام داخل الملحق، حيث يتم تسجيل حضور وغياب الطلاب، وإرسال تقييماتهم ونتائجهم الدورية إلى المدرسة الأساسية التابعة لهم، والحضور العام الدراسي يُحتسب رسميًا لجميع الطلاب المقيدين.

وحول خطة المديرية لمواجهة الكثافة الطلابية ونقص الفصول، يوضح سعيد عطية أن هناك مدرسة جديدة تضم 80 فصلًا دراسيًا جارٍ استلامها حاليًا، ومن المنتظر أن تُسهم في حل الأزمة داخل نطاق إدارة العمرانية التعليمية، مشيرًا إلى أن الجيزة تضم عددًا من المشروعات التعليمية الجديدة الجاري تنفيذها لتخفيف الضغط على المدارس القائمة.

 

وكان مدير مديرية التربية والتعليم بالجيزة، قد صرح لـ”زاوية ثالثة”، في وقتٍ سابق، بأن الأولوية في التعليم بمصروفات (المدارس التجريبية) تتحدد وفقًا لمعيار السن، إذ يتم أولاً تسكين التلاميذ الذين يلتحقون برياض الأطفال ممن يبلغ عمرهم 6 سنوات إلاّ يوم، في مدارس تجريبية داخل المربع السكني لهم، ثم الأطفال الذين يقل عمرهم عن ذلك تدريجيًا، بحيث تصبح الأولوية للسن الأكبر.

وبيّن أن المديرية قامت بتسكين 10 آلاف تلميذ داخل 85 مدرسة في الجيزة، تبعًا للمربع السكني الذين ينتمون إليه، في حين ظل 8 آلاف تلميذ دون إلحاقهم بمدارس، العام الماضي، لعدم وجود مقاعد شاغرة داخل المدارس المحيطة بهم، وحين طالب أولياء الأمور بإلحاق التلاميذ بالمدارس في أي إدارة تعليمية كي لا يضيع عليهم العام الدراسي، فإن المديرية اضطرت إلى تكسين 8 آلاف تلميذ من مرحلة رياض الأطفال في مدارس بها مقاعد شاغرة، في إدارات مثل: الصف وأطفيح، كي لا تضطر إلى زيادة كثافة الفصول في المدارس التجريبية الواقعة في المربعات السكنية التي ينتمي إليها التلاميذ، مما يضر بالعملية التعليمية ويؤثر على استيعاب التلاميذ.

ويعاني عدد كبير من أولياء الأمور بمحافظة الجيزة من توزيع أبنائهم المقدمين لمرحلة رياض الأطفال أو الصفوف الأولى على مدارس تقع في إدارات تعليمية بعيدة جداً عن محلّ سكنهم، تصل إلى نحو 100 كيلومتر أو أكثر، وفي مايو المنقضي، أصدرت مديرية التربية والتعليم بمحافظة الجيزة توجيهاتٍ رسمية إلى مديري الإدارات التعليمية، بشأن استيعاب الأطفال المتبقّين من مرحلة رياض الأطفال حتى سن خمس سنوات، في إطار خطة المديرية لاستيعاب جميع المتقدمين للمرحلة الأولى من التعليم قبل الابتدائي للعام الدراسي الجديد.

وأوضح الخطاب الصادر عن وكيل وزارة التربية والتعليم بالجيزة والموجّه إلى مديري الإدارات التعليمية، أن القرار يأتي استنادًا إلى إحصاءات الإدارات التعليمية التي رصدت وجود أطفال لم يتم تسكينهم حتى الآن ضمن القبولات الرسمية.

وتضمن القرار تسكين تلاميذ إدارات أبو النمرس والبدرشين والحوامدية في مدرستي صلاح سالم للتعليم الأساسي، والشهيد محمد عبد الحفيظ الابتدائية التابعين لإدارة العياط، وتسكين تلاميذ إدارة العمرانية في مدرستي أبو بكر الصديق الابتدائية وعمرو بن العاص التابعتين لإدارة الصف، وتسكين تلاميذ إدارة الهرم في مدرسة أطفيح الابتدائية المشتركة التابعة لإدارة أطفيح، وتسكين تلاميذ إدارة الدقي، في مدرسة كفر عمار الابتدائية التابعة لإدارة العياط، وتسكين تلاميذ إدارة العجوزة في مدرسة صلاح سالم للتعليم الأساسي التابعة لإدارة العياط، وتسكين تلاميذ إدارة شمال الجيزة، في مدرسة الشهيد محمد عبد الحفيظ الابتدائية الملحقة التابعة لإدارة العياط.

وأكدت المديرية في ختام تعليماتها أن هذه الإجراءات تأتي في إطار تخفيف الكثافات وضمان إتاحة التعليم لجميع الأطفال، مع متابعة الإدارات التعليمية لتنفيذ قرارات التسكين ومراعاة انتظام العملية التعليمية داخل المدارس الملحقة.

 

نوصي للقراءة: توزيع مدرسي يُبعد أطفالًا في الجيزة 100 كم عن مدارسهم

 

الكثافة الطلابية

من جهته يؤكد اللواء المهندس يسري الديب، رئيس الهيئة العامة للأبنية التعليمية، أن الهيئة تعمل حاليًا على تنفيذ خطة موسعة لإنهاء مشكلات الكثافة الطلابية والفترات الدراسية في المدارس الابتدائية، تنفيذًا لتوجيهات وزير التربية والتعليم، محمد عبد اللطيف، مؤكدًا أن المستهدف هو ألا تشهد أي مدرسة ابتدائية فترات مسائية أو تكدسًا طلابيًا ابتداءً من العام الدراسي القادم.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “هناك عدد من المدارس الحكومية والتجريبية الجديدة دخلت الخدمة خلال العام الحالي، بينما يجري حاليًا العمل على الانتهاء من طرح وإنشاء مدارس أخرى ستدخل الخدمة خلال الأشهر المقبلة”.

وبشأن أزمة ملحق مدرسة أحمد زويل، يشدد الديب على أن هيئة الأبنية التعليمية لا تختص بتشغيل المدارس أو إدارة الملحقات التابعة لها، إذ يندرج ذلك ضمن اختصاص مديريات التربية والتعليم، موضحًا أن دور الهيئة يقتصر على الإنشاءات والتوسعات والتجهيزات، بينما تتولى المديريات تحديد آليات التشغيل وتوزيع الطلاب.

ويرى رئيس الهيئة أن تحويل مبنى داخل مدرسة حكومية إلى ملحق تابع لمدرسة تجريبية، غير ممكن من الناحية الإدارية والتنظيمية، إذ أن المدرسة الحكومية (عربي( تظل حكومية، والمدرسة الرسمية للغات تظل تجريبية، مضيفًا أنه :”لا يجوز اقتطاع جزء من مبنى حكومي وتحويله إلى تجريبي، لأن ذلك يسبب مشكلات هيكلية وإدارية”.

وأشار الديب إلى أن توزيع الطلاب على المدارس يخضع لمعايير محددة، من بينها أن تتراوح المسافة بين سكن الطفل ومدرسته من 500 إلى 800 مترًا كحد أقصى، مؤكدًا أن تجاوز هذه المعايير ليس من اختصاص الهيئة، وإنما من مهام الإدارات التعليمية التي تشرف على التشغيل.

واختتم رئيس الهيئة العامة للأبنية التعليمية تصريحاته لنا بالتأكيد على أن وزارة التربية والتعليم، تسعى لتوفير مدارس جديدة في المناطق المحرومة من الخدمات التعليمية، بما يضمن حصول كل طفل على حقه في التعليم بالقرب من محل سكنه، مضيفًا أن العام المقبل سيشهد “تحسنًا ملموسًا في توزيع الطلاب وتخفيف الكثافات داخل الفصول”.

ووفقًا لموقع خريطة مشروعات مصر، فقد شهدت محافظة الجيزة افتتاح 8 مدارس جديدة في بداية العام الدراسي 2019/2020 ، بتكلفة إجمالية 48 مليون و880 ألف جنيه، ضمن خطة الدولة للحد من التكدس الطلابي، وقبيل العام الدراسي 2023 – 2024، تم إنشاء 11 مدرسة جديدة بتكلفة 222 مليون و600 ألف جنية بإجمالي 367 فصلا دراسياً، وشهدت 9 مدارس توسعات وتعلية بتكلفة 65 مليون جنيه بإجمالي 207 فصول دراسية.

وقبيل انطلاق العام الدراسي 2025 – 2026، تم افتتاح 14 مدرسة في محافظة القاهرة تضم 539 فصلاً دراسياً، بالإضافة إلى 43 مدرسة جديدة في محافظة الإسكندرية، بجانب افتتاح وزير التربية والتعليم، محمد عبد اللطيف لثلاث مدارس بعدد من الإدارات التعليمية بمحافظة الجيزة، لتقليل الكثافة الطلابية في الفصول، كما أعلن المهندس عادل النجار، محافظ الجيزة، في سبتمبر المنقضي عن دخول 22 مدرسة جديدة وتوفير 619 فصلاً دراسيًا جديدًا بالمحافظة، لتحسين جودة الخدمات التعليمية المقدمة للطلاب، فيما أفاد سعيد عطية، وكيل مديرية التربية والتعليم بالجيزة، بدخول 35 مدرسة جديدة في الجيزة، للخدمة لأول مرة.

 

نوصي للقراءة: الأعباء أولًا، والتعليم لاحقًا.. عام دراسي جديد بقرارات صادمة لأهالي “التجريبية والدولية”

غياب التنسيق

وتعليقًا منه على أزمة أولياء أمور تلاميذ ملحق مدرسة أحمد زويل بالعمرانية، يرى الدكتور كمال مغيث، الخبير التربوي وعضو المركز القومي للبحوث التربوية، أن الأزمة تعكس خللًا واضحًا في منظومة إدارة التعليم، سواء من حيث نقص المدارس والفصول الدراسية أو غياب التنظيم القانوني للمشاركات المجتمعية التي تحولت إلى عبء مالي كبير على الأسر المصرية.

ويعتقد مغيث أن ما حدث في حالة المدرسة المذكورة يمثل نتيجة مباشرة لغياب التنسيق الرسمي بين أولياء الأمور والوزارة، مشيرًا إلى أنه لا يجوز قانونًا إنشاء أي ملحق تعليمي أو استقبال طلاب دون صدور موافقة مكتوبة ومختومة من وزارة التربية والتعليم، قائلًا لـ”زاوية ثالثة”: “إن الأهالي، رغم نواياهم الحسنة، وقعوا ضحية سوء تنظيم، وأن تصرفهم في تجهيز المدرسة دون مستند رسمي يجعلها من الناحية القانونية أشبه بمركز للدروس الخصوصية، وليست مؤسسة تعليمية معترفًا بها”.

ويؤكد الخبير التربوي أن المشكلة الأكبر تكمن في تقصير الدولة في الإنفاق على التعليم، مشيرًا إلى أن الحكومة تتجه تدريجيًا إلى تحميل المواطنين تكلفة العملية التعليمية بدلًا من تحملها كاملة، وهو ما عبّر عنه الرئيس عبد الفتاح السيسي في تصريحات سابقة حول انتهاء مجانية التعليم، مضيفًا أن “الدولة لا ترغب في تحمل عبء تعليم جميع المواطنين، فتركت الباب مفتوحًا أمام التعليم الخاص والجامعات الخاصة”.

ويُبيّن مغيث أن هذا التراجع في التمويل أدى إلى نقص العمالة التعليمية، وتدهور البنية الأساسية، وانتشار ظواهر الدفع الإجباري للمشاركات المالية داخل المدارس الحكومية والتجريبية، حيث يضطر بعض المديرين والمعلمين إلى مطالبة أولياء الأمور بمبالغ تتراوح بين 200 و500 جنيه لتغطية تكاليف النظافة أو الصيانة أو أجور العمال.

ويشير إلى أن حل أزمة التعليم لا يقتصر على بناء مدارس جديدة فقط، لأن العملية التعليمية “منظومة متكاملة” تقوم على عدة عناصر، منها: المعلم المؤهل، والمناهج الحديثة، والبيئة التعليمية الآمنة، والامتحانات المنصفة، والأنشطة المتنوعة، معتبرًا أن “التعليم صناعة ثقيلة تحتاج إلى إصلاح شامل ومتزامن في كل مكوناتها، وليس حلولًا جزئية أو مؤقتة”.

 ويختتم الخبير التربوي حديثه، قائلًا: “لا يمكن معالجة أزمة التعليم ببناء مدارس فقط، فذلك يشبه علاج مريض بنقله إلى غرفة نظيفة دون إعطائه الدواء؛ فالحل الجذري لأزمات التعليم في مصر يبدأ بزيادة مخصصات التعليم في الموازنة العامة، بما يتيح للدولة الاستثمار الحقيقي في تطوير البنية التحتية، وتعيين المعلمين، وتحسين جودة العملية التعليمية”.

 تظلّ أزمة أولياء أمور تلاميذ ملحق مدرسة أحمد زويل بالعمرانية مثالًا صارخًا على تعقيدات المنظومة التعليمية في مصر، وما يعانيه المواطنون من غياب التنسيق بين الجهات التنفيذية، وتباطؤ الإجراءات الإدارية، وضعف التخطيط في توزيع الطلاب على المدارس. وبينما يؤكد المسؤولون انتظام الدراسة وسيرها بشكل قانوني، يعيش مئات الأسر في حالة من القلق والترقب، خوفًا على ضياع العام الدراسي لأبنائهم الذين لا يُعترف رسميًا بقيدهم رغم حضورهم اليومي للفصول.

تكشف الأزمة، في جوهرها، عن فجوة متزايدة بين الخطاب الرسمي وواقع الميدان، وعن اعتمادٍ غير منظم على المشاركات المجتمعية لتغطية عجز الدولة في تمويل البنية التعليمية. وبين وعودٍ بحلول قريبة وخططٍ مستقبلية لتقليل الكثافات، يبقى الأطفال هم الطرف الأضعف في معادلةٍ لم تُنصفهم بعد، فيما يترقب أولياء الأمور تدخلًا حاسمًا يُنهي معاناتهم، ويعيد لأبنائهم حقهم في تعليمٍ آمنٍ، قريبٍ، ومستقرّ.

آية ياسر
صحافية وكاتبة وروائية مصرية حاصلة على بكالوريوس الإعلام- جامعة القاهرة.

Search