close

عزة سليمان: التعامل الأمني مع حالات اليأس حل قاصر.. والدولة تراجعت عن الحماية الاجتماعية

نحاور المحامية الحقوقية عزة سليمان، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة قضايا المرأة المصرية، للحديث عن أهمية الإسراع في إصدار قانون الأحوال الشخصية، وأسباب التوجهات الرئاسية الأخيرة بعد سنوات من الانتظار، وما الذي ينبغي أن تقوم عليه الفلسفة التشريعية للقانون، وملامح القانون الذي يجب أن يتم العمل عليه وإقراراه.
Picture of شيماء حمدي

شيماء حمدي

تتزايد المناقشات مؤخرًا حول تعديلات قانون الأحوال الشخصية، خاصة بعد دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي بضرورة تسريعها، في ضوء تزايد وقائع العنف الأسري، وانتحار سيدة بالإسكندرية على خلفية مشكلات أسرية، ما دفع نواب البرلمان للتسابق على تقديم مقترحات لتعديل القانون.

القانون يشهد حالة من الجدل الحقوقي المستمر، خاصة فيما يتعلق بخفض سن الحضانة، والولاية التعليمية للأب، إلى جانب الاعتراض على بنود تتعلق بحق الرؤية والاستضافة خشية استخدامها للضغط على الأمهات أو تعريض الأطفال لاضطرابات نفسية في ظل النزاعات الأسرية .

في هذا الإطار، نحاور المحامية الحقوقية عزة سليمان، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة قضايا المرأة المصرية، للحديث عن أهمية الإسراع في إصدار قانون الأحوال الشخصية، وأسباب التوجهات الرئاسية الأخيرة بعد سنوات من الانتظار، وما الذي ينبغي أن تقوم عليه الفلسفة التشريعية للقانون، وملامح القانون الذي يجب أن يتم العمل عليه وإقراراه.

 

 

  • في البداية، صدرت توجيهات من رئاسة الجمهورية بشأن ضرورة إصدار قانون للأحوال الشخصية. كيف قرأتِ هذه التوجيهات؟ ولماذا الآن؟

في الحقيقة، استقبلتُ توجّهات الرئاسة، وكذلك الحكومة، بشأن الإسراع في إصدار قانون الأحوال الشخصية بقدر كبير من القلق. فعندما ننظر إلى كيفية صناعة القوانين في مصر، نجد أنها غالبًا لا تقوم على أسس علمية أو منهجية واضحة، كذلك تغيب عنها فلسفة تشريعية متكاملة، لا نرى دراسات كافية، ولا حوارًا جادًا مع المتخصصين، أو مع أصحاب المشكلة أنفسهم، ولا حتى طرحًا حقيقيًا للقضية في إطار حوار مجتمعي واسع. كل هذه العناصر، للأسف، غير حاضرة.

وقد حدث أمر مشابه قبل نحو ثلاث سنوات، عندما أُثيرت القضية على خلفية عمل درامي، ووجّه رئيس الجمهورية بضرورة التغيير، بل وطلب من وزير العدل تشكيل لجنة. وبالفعل، عملت اللجنة على مدار ثلاث سنوات، وكانت تظهر بين الحين والآخر تسريبات لبعض النصوص، وكان جزء كبير منها، في الحقيقة، متقاطعًا مع المقترحات التي قدمتها مؤسسة قضايا المرأة المصرية.

أما ما حدث مؤخرًا في واقعة السيدة “بسنت”، رحمها الله، فهو حادث مأساوي وصادم بكل المقاييس. وعندما نستمع إلى قصتها، وإلى حجم المعاناة التي عاشتها لسنوات، ندرك عمق الأزمة.

 بحكم عملي كمحامية منذ 38 عامًا، أرى هذه المعاناة يوميًا، بشكل متكرر، ومع ذلك لا يبدو أن هناك إدراكًا كافيًا من الدولة لحجم ما تعانيه النساء، لذلك، عندما تأتي هذه التوجّهات بهذا الشكل، أشعر بالقلق؛ لأن ذلك قد يعني إدخال تعديلات جزئية على بعض النصوص دون معالجة شاملة. أنا لا أطالب فقط بتعديل قانون الأحوال الشخصية لمنح النساء بعض الحقوق، لكني أرى ضرورة الانطلاق نحو قانون أسرة حديث وشامل، يقوم على المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة في المراكز القانونية، ويؤسس لمبدأ المشاركة في المسؤولية. ويستند إلى مبادئ أساسية، مثل المواطنة، والمساواة، والعدالة. ومن هذا المنطلق، أشعر بقلق حقيقي.

 

 


  • هل تعتقدين أن قانون الأحوال الشخصية سيكون ضمن أولويات أجندة البرلمان؟ وهل يمكن أن نشهد مناقشته قريبًا؟

 هذا احتمال وارد، لكن في مصر يصعب التنبؤ بما يمكن أن يحدث، الحراك الذي نشهده حاليًا، والجدل الدائر حول قوانين الأسرة والأحوال الشخصية، يتسم أحيانًا بحدة شديدة، بعض النقاشات والتعليقات على هذه القضايا تحمل قدرًا من القسوة والقلق؛ إذ يتعامل البعض مع النساء وكأنهن سلعة، ومع الأطفال وكأنهم مجرد أشياء.

ولو اطلعنا على هذه التعليقات، سنجد أنها في كثير من الأحيان صادمة ومؤلمة. لذلك، نحن في حاجة ماسة إلى دراسات جادة، تقوم بها مراكز بحثية واجتماعية، لفهم هذه الظواهر وتحليلها بشكل علمي.

من الضروري دراسة وفهم ما يجري داخل الأسرة، لأن المسألة يجري تصويرها وكأنها معركة، بينما هي في الحقيقة ليست كذلك، بل هناك خللًا تشريعيًا واضحًا، السؤال الأهم هو: كيف يمكننا تقديم تصور متكامل لقانون أحوال شخصية “أو قانون أسرة” ينطلق من حماية الأسرة ككل؟

لذلك، يجب أن تتعامل الدولة مع هذا الملف باعتبارها ضامنة، وليس مجرد جهة تشرّع القوانين وتلقي بها دون متابعة أو تقييم. وهذا، للأسف، هو ما يحدث في كثير من الأحيان.

على سبيل المثال محاكم الأسرة: أوضاعها الحالية غير ملائمة تمامًا لطبيعة القضايا التي تنظرها، هي محاكم تعاني من ضعف شديد في البنية والخدمات. وإذا قارناها بالمحاكم الاقتصادية  التي تتعامل مع “قضايا المال”  سنجد فارقًا واضحًا؛ فهذه الأخيرة توفر بيئة مريحة للمتقاضين، تضم خدمات أساسية مثل أماكن انتظار لائقة، وكافيتريات، وحتى حمامات للأطفال.

في المقابل، تفتقر محاكم الأسرة إلى أبسط المقومات، حتى إن بعضها لا يحتوي على مرافق مناسبة للأطفال. نجد النساء والرجال يدخلون هذه المحاكم في أوضاع نفسية بالغة الصعوبة، وكأنهم يُدفعون إلى بيئة تزيد من معاناتهم بدلًا من أن تخففها، أنا هنا أتحدث عن الجانب الإجرائي والشكل المؤسسي، وهو جزء لا يتجزأ من العدالة، لذلك، أتمنى أن يُؤخذ هذا الملف بجدية حقيقية، وأن يعيد المشرّع النظر في فلسفته تجاه هذا القانون.

 

نوصي للقراءة: غرامة مالية مقابل تسرب إشعاعي: ما الذي أقره مجلس النواب؟


 

قدمت مؤسسة قضايا المرأة مشروع قانون متكامل بالفعل إلى البرلمان. هل يمكن أن تطلعينا على مسار هذا المشروع؟ وهل جرى بشأنه حوار مع النواب؟ وما الفلسفة التي استندت إليها؟

 مشروع قانون الأحوال الشخصية الذي قدمته المؤسسة تتبناه حاليًا النائبة عبلة الهواري، وفي البرلمان السابق تبنّته النائبة نشوى الديب. وقد حصل المشروع على موافقات مبدئية، كذلك عرضته الدكتورة عبلة على اللجنة التشريعية، وتلقّينا عددًا من الملاحظات، بناءً عليها تم تعديل بعض النصوص بالفعل.

كان هناك حوار حقيقي حول المشروع خلال الفترة التي أثير فيها تعديل القانون، وعندما صدرت توجيهات رئيس الجمهورية بتشكيل لجنة عبر وزارة العدل، حرصنا على إرسال نسخة من المشروع إلى رئاسة الجمهورية، وإلى رئيس البرلمان، وكذلك إلى النواب الذين أبدوا دعمهم له.

كذلك أرسلنا المشروع إلى اللجنة التي شكّلها وزير العدل، انطلاقًا من فكرة البناء على مقترح قائم بالفعل، خاصة أنه كان يتضمن جوانب موضوعية وإجرائية متكاملة. ومع ذلك، لم نتلقَّ ردودًا واضحة.

بالإضافة إلى ذلك تواصلنا مع الأزهر الشريف، الذي شكّل لجنة لمراجعة المشروع من حيث توافقه مع الشريعة الإسلامية. ولم ترد ملاحظات تفيد بوجود تعارض، على العكس، كان المشروع متسقًا مع مقاصد الشريعة.

حتى الآن، نواصل العمل على تطوير هذا المشروع من خلال حوار مجتمعي واسع، فقد شهد المقترح تطورات بناءً على النقاشات مع المجتمع؛ إذ قمنا بجولات في 26 محافظة، وعقدنا أكثر من جلسة نقاش في بعض المحافظات الكبيرة، شارك فيها فئات متنوعة، من إعلاميين، ومحامين، وبعض القضاة، إلى جانب نواب في البرلمان، كذلك التعاون مع الجمعيات الأهلية، في نقاشات موسعة حول مضمونه. 

ويرتكز القانون على مجموعة من المبادئ الأساسية التي تتسق مع الدستور المصري، ومع أحكام الشريعة الإسلامية، وكذلك مع التزامات مصر الدولية، خاصة ما يتعلق بقيم العدالة، والمساواة، والإنصاف، والمعروف، والمسؤولية المشتركة، هذه هي المنطلقات الأساسية لفلسفة القانون.

وقد نظرنا إلى منظومة قوانين الأحوال الشخصية باعتبارها متفرقة عبر عدة تشريعات، مثل قانون الطفل وقوانين الولاية وغيرها، وسعينا إلى إعادة تجميع هذه الأطر في تصور متكامل يحقق الاتساق والوضوح.

ومن أبرز ملامح المشروع: “إقرار مبدأ الولاية المشتركة بين الرجل والمرأة، بحيث لا يُنظر إلى المرأة باعتبارها مجرد حاضنة للأطفال، ولا إلى الرجل باعتباره مجرد مصدر للإنفاق، بل باعتبارهما شريكين في المسؤولية. إعادة تنظيم ترتيب الحضانة، بحيث يكون الأب في المرتبة التالية مباشرة، دون المساس بحقوق الأم. عدم إسقاط حق الأم في الحضانة في حال زواجها. في حال وفاة الأب، تكون الأم هي الوصية على الأطفال، وليس الجد.”

وفيما يتعلق بتعدد الزوجات، ينص المشروع على تنظيمه عبر القضاء؛ بحيث يُلزم الرجل، قبل الإقدام على الزواج مرة أخرى، باللجوء إلى المحكمة وتسوية كافة الحقوق المالية للزوجة الأولى والأبناء. الهدف هو تحقيق العدالة المسبقة، بدلًا من أن تدخل الزوجة لاحقًا في نزاعات قضائية للحصول على حقوقها.

أما في ملف الطلاق، فيتضمن المشروع:”إلغاء الطلاق الشفوي، إلغاء الطلاق الرجعي بصيغته التقليدية، إنهاء الطلاق بالإرادة المنفردة، حتى يصبح الطلاق إجراءً قضائيًا يتم عبر المحكمة.”

وبذلك، يصبح ملف النزاع الأسري موحدًا أمام دائرة قضائية واحدة، تنظر في جميع القضايا المرتبطة به (نفقة، حضانة، طلاق، وغيرها)، بدلًا من تشتيت الأطراف بين عدة قضايا ومحاكم. المحكمة في هذه الحالة تكون الجهة المختصة بتسوية كافة الحقوق، سواء للرجل أو المرأة، بشكل متكامل.

نسعى أن يتم طرح المشروع  داخل البرلمان بالتوازي مع القوانين التي قد تُقدَّم. وقد حصلنا على موافقة النائبة عبلة الهواري لتبني مشروع القانون، ومن المقرر أن تُعقد مناقشات بشأنه خلال الفترة القريبة، وأعتقد أن تجري المناقشة بنهاية أبريل الجاري.

 

 


 

في الفترة الأخيرة، ظهرت انتقادات حادة تتعلق بقانون الخلع.. هل بالفعل هو السبب في ارتفاع معدلات الطلاق؟

 هذا الطرح غير دقيق على الإطلاق، ويفتقر إلى بيانات حقيقية، قبل إطلاق مثل هذه الأحكام، يجب الرجوع إلى إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وهي جهة رسمية تقدم بيانات موثوقة يمكن البناء عليها.

لكن دعيني أشرح المسألة من زاوية أخرى، هناك تناقض واضح في الخطاب المجتمعي؛ مثلًا هناك إجماع على أن الزواج يجب أن يقوم على الإرادة الحرة للطرفين، ونرفض تمامًا إجبار النساء أو الفتيات على الزواج، لكن عند الحديث عن إنهاء العلاقة، يُسلب من المرأة هذا الحق، ويُشكك في قدرتها على اتخاذ القرار، وكأنها غير مدركة لتبعاته أو أنها تهدم الأسرة.

السؤال هنا: كيف يُمنح الإنسان حرية الاختيار عند الزواج، ثم تُقيّد هذه الحرية عند الخروج منه؟ من الذي يملك حق منح هذه الإرادة أو سلبها؟

النقطة الثانية تتعلق بازدواجية المعايير؛ فحين يُمارس الرجل حقه في الطلاق بالإرادة المنفردة، لا يُطرح نفس الخطاب الناقد، ولا يُطلب منه “الحفاظ على الأسرة” بنفس الحدة التي تُوجَّه بها النساء. لماذا يُنظر إلى المرأة باعتبارها المسؤولة الأساسية عن بقاء الأسرة، بينما لا يُحاسب الرجل بنفس المنطق؟

إذا كان يُفترض أن النساء أكثر حرصًا على الأسرة، فهذا يعني أنهن أكثر وعيًا بمصالحها، وبالتالي يجب أيضًا احترام قراراتهن عندما يجدن أن استمرار العلاقة لم يعد ممكنًا، خاصة عندما يتعلق الأمر بحماية أنفسهن أو أطفالهن.

أما الادعاء بأن الخلع هو السبب في ارتفاع معدلات الطلاق، فهو ادعاء غير صحيح، تشير البيانات إلى أن معدلات الطلاق مرتفعة بالفعل، خاصة في الفئة العمرية ما بين 35 و40 عامًا، وهو ما يؤكد على وجود مشكلات عميقة داخل العلاقات الزوجية.

وعندما تلجأ المرأة إلى الخلع، فهي غالبًا ما تضطر للتنازل عن حقوقها المالية، وهو قرار صعب لا يُتخذ بسهولة، أن تصل امرأة إلى هذه المرحلة، فهذا يعكس حجم المعاناة التي تعيشها، وليس اندفاعًا أو تهورًا كما يُصوَّر أحيانًا.

لكن هذا البعد الإنساني يغيب في كثير من النقاشات، لأن هناك تصورًا راسخًا في المجتمع يقوم على نوع من “الاستحقاق” أو السيطرة على النساء، إلى جانب تطبيع واسع للعنف ضدهن. ولا يقتصر هذا على المجتمع فقط، بل يمتد في بعض الأحيان إلى مؤسسات داخل الدولة، وهو ما يفاقم من تعقيد الأزمة.

 

نوصي للقراءة: بعد الاغتصاب.. القانون يُكمل ما بدأه الجاني


 

ماذا عن دور الدولة؟ هل هناك تقصير؟

 الدولة لا تقوم بالدور المطلوب منها، وجودها يجب أن يتمثل في سد فجوات المعاناة، خاصة الاقتصادية، التي تواجه النساء والرجال، فعلى سبيل المثال، إذا كان الرجل غير قادر ماديًا، فمن الذي سيتحمل نفقات المعيشة؟ من سيضمن توفير الاحتياجات الأساسية للمرأة والأطفال؟ هنا يجب أن تتدخل الدولة بشكل فعّال.

وفي هذا السياق، يبرز دور بنك ناصر الاجتماعي، الذي من المفترض أن يكون شبكة أمان اجتماعي حقيقية، لكن الواقع يشير إلى أنه لا يؤدي هذا الدور بالشكل الكافي، إذ لا يوفر حتى الدعم اللازم لتغطية نفقات أساسية مثل التعليم، في ظل تراجع الخدمات المجانية.

بشكل عام، يمكن القول إن الدولة تراجعت عن كثير من التزاماتها في مجال الحماية الاجتماعية، وهو ما يزيد من حدة الأزمة. كما أن الخطاب الإعلامي والمجتمعي السائد يُصوّر القضية وكأنها صراع بين الرجال والنساء، بينما هي في الحقيقة مسألة مسؤولية مشتركة. التعامل معها بهذا الشكل الخاطئ يؤدي إلى تعميق النزاعات داخل الأسرة، وهو ما ينعكس سلبًا على استقرار المجتمع ككل.

 

 


 

كيف تابعتِ قرار وزارة العدل الأخير الخاص بتعطيل بعض الخدمات عن الممتنعين عن دفع النفقة؟

بصراحة، هذه الإجراءات لا تُطبق بالشكل الفعلي، أو على الأقل ليس بالقدر الذي يحقق أثرًا ملموسًا، شخصيًا، أنا لا أؤيد سجن الرجال في قضايا النفقة كحل أساسي، البديل الأكثر فاعلية هو تفعيل دور بنك ناصر الاجتماعي ليكون جهة ضامنة، بمعنى: تحصل المرأة على حكم قضائي بالنفقة، وتقدمه للبنك، فيقوم البنك بصرف النفقة لها بشكل فوري، ثم يتولى هو عملية تحصيلها من الرجل.

ولإنجاح هذا النموذج، يجب ربط بيانات الأفراد عبر منظومة رقمية متكاملة تشمل جهات مثل المرور، والضرائب، والتأمينات، وغيرها من الخدمات. بهذه الطريقة، يمكن تتبع مصادر الدخل وضمان التحصيل بشكل عادل ومنظم.

لكن ما يحدث حاليًا أن كثيرًا من الرجال يتهربون من السداد، في حين تمتلك نساء كثيرات أحكامًا قضائية لا يتم تنفيذها. ومع مرور الوقت، سنة أو سنتين أو أكثر، تفقد المرأة الأمل في الحصول على حقوقها، وتضطر للتركيز على العمل بأي وسيلة لتأمين احتياجاتها واحتياجات أطفالها. هناك حالات اضطرت فيها أسر إلى إخراج أطفالها من المدارس أو تأجيل تعليمهم، بسبب عدم القدرة على دفع المصروفات، حتى في المدارس الحكومية.

الدولة قادرة على فعل الكثير في هذا الملف، إذا تم تفعيل آليات حقيقية للحماية الاجتماعية، ويمكن أن يتحول بنك ناصر الاجتماعي إلى شبكة ضمان فعّالة، إذا تم ربطه بباقي مؤسسات الدولة بشكل متكامل.

 ولذلك يجب أن تكون هناك منظومة متكاملة تربط بين الجهات المختلفة، مثل المرور، والتأمينات، والضرائب، بحيث يتمكن النظام من تتبع مصادر الدخل. في هذه الحالة، تقوم الجهة الضامنة، مثل بنك ناصر الاجتماعي، بصرف المستحقات للمرأة، ثم تتولى هي تحصيلها من الرجل عبر هذه الشبكة.

كذلك، يمكن للدولة أن تلعب دورًا مهمًا في ملف السكن، من خلال تخصيص وحدات من الإسكان التعاوني للرجال غير القادرين ماديًا. كثير من النزاعات تنشأ بسبب السكن؛ إذ يلجأ بعض الرجال إلى طرد الزوجة والأبناء أو نقلهم إلى سكن غير ملائم، أحيانًا بدافع العجز وأحيانًا بدافع الانتقام. في المقابل، قد يكون الرجل نفسه بلا مأوى مناسب. هنا يظهر دور الدولة في تنظيم هذا الملف بشكل عادل، بدلًا من تركه لصراعات فردية. أما الحديث عن تخصيص نسب إسكان لفئات معينة دون تطبيق فعلي، فهو يظل حبرًا على ورق.

في النهاية، نحن بحاجة إلى إعادة بناء الثقة بين المواطنين والدولة. فغياب هذه الثقة، وتعقيد الإجراءات، يدفعان الكثيرين إلى العزوف عن المطالبة بحقوقهم، خاصة عندما تكون النتائج هزيلة ولا تتناسب مع حجم المعاناة.

 

 


 

لماذا تغيب الدولة؟ هل السبب مجرد خلل في الفلسفة التشريعية، أم أن هناك غيابًا في الإرادة السياسية؟ 

في تقديري، الأمر يرتبط أيضًا بغياب الإرادة، خلال السنوات العشر الأخيرة، يمكن أن نلاحظ ذلك بوضوح في الأجندة التشريعية والبرلمانية؛ إذ لا نجد اهتمامًا حقيقيًا بقضايا النساء، فعلى سبيل المثال، بعد حادثة مقتل الشابة نيرة أشرف، ثم تكرار حوادث مشابهة، لم يتحرك المجلس القومي للمرأة بشكل يتناسب مع حجم الأزمة، ولم نشهد استجوابات أو إحاطات برلمانية جادة لوزير الداخلية حول كيفية التعامل مع البلاغات السابقة أو أوجه القصور في الاستجابة.

كذلك مشروعات قوانين مهمة، مثل قانون موحد لمناهضة العنف ضد النساء، لم تحظَ بالزخم التشريعي المطلوب، رغم دعم عدد من النواب وبعض منظمات المجتمع المدني. في المقابل، لم تُدرج هذه الملفات كأولوية حقيقية على أجندة البرلمان.

هذا يعكس أن الأولويات التشريعية غالبًا ما تُحدد وفق احتياجات النظام السياسية أكثر من كونها استجابة لاحتياجات المواطنين والمواطنات. وبالتالي، تظل قضايا النساء في الهامش، وكأنهن غير مرئيات داخل عملية صنع القرار.

هناك أيضًا إشكال آخر يتعلق بغياب المهنية في التعامل مع بعض القضايا؛ ففي أحيان كثيرة، نسمع خطابات رسمية لا تستند إلى بيانات علمية أو تحليل موضوعي، بل تعكس تصورات فردية وخلفيات اجتماعية وثقافية لصناع القرار، دون الرجوع إلى دراسات أو خبراء متخصصين.

 

 


 

بعد حادثة سيدة الإسكندرية، اتجهت وزارة الداخلية إلى التعامل مع بعض الحالات المرتبطة بمنشورات أو فيديوهات تتحدث عن الانتحار أو اليأس، عبر القبض عليهم. كيف ترين هذا النهج؟


هذا النهج، في تقديري، لا يعالج جذور المشكلة، التعامل الأمني وحده مع حالات اليأس أو الانتحار هو حل قاصر وبائس. نحن بحاجة أولًا إلى تفعيل دور المؤسسات البحثية، مثل المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، لإجراء دراسات حقيقية حول الأسباب التي تدفع الأفراد إلى هذه المرحلة، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو نفسية.

كما يجب أن تكون الأزمة الاقتصادية والمعيشية في صدارة النقاش العام، بدلًا من التركيز على ملاحقة الأفراد الذين يعبرون عن معاناتهم. التحول إلى مقاربة أمنية بحتة يعكس نمطًا من الدولة الرقابية، لا الدولة الضامنة لحقوق مواطنيها.

المطلوب هو الانتقال إلى دولة تفهم أسباب الأزمة وتتعامل معها من جذورها، لا أن تكتفي بملاحقة الأعراض.

ما تحتاجه حالات مثل “سيدة الإسكندرية” أو غيرها ليس مجرد تعاطف لحظي، بل منظومة دعم حقيقية: من اعتراف بالحقوق، إلى ضمانات تنفيذها، إلى وجود آليات حماية تمنع وصول الأفراد إلى هذا الحد من الانهيار.

في النهاية، هؤلاء لم يطالبوا إلا بالحد الأدنى من الحياة الكريمة: أن يعيشوا في أمان، ويستطيعوا إعالة أطفالهم وتعليمهم، وأن يحصلوا على حقوقهم دون إذلال أو تعقيد.

نحن بحاجة أولًا إلى تفعيل دور المؤسسات البحثية، مثل المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، لإجراء دراسات حقيقية حول الأسباب التي تدفع الأفراد إلى هذه المرحلة، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو نفسية.

كما يجب أن تكون الأزمة الاقتصادية والمعيشية في صدارة النقاش العام، بدلًا من التركيز على ملاحقة الأفراد الذين يعبرون عن معاناتهم. التحول إلى مقاربة أمنية بحتة يعكس نمطًا من الدولة الرقابية، لا الدولة الضامنة لحقوق مواطنيها.

المطلوب هو الانتقال إلى دولة تفهم أسباب الأزمة وتتعامل معها من جذورها، لا أن تكتفي بملاحقة الأعراض.

ما تحتاجه حالات مثل “سيدة الإسكندرية” أو غيرها ليس مجرد تعاطف لحظي، بل منظومة دعم حقيقية: من اعتراف بالحقوق، إلى ضمانات تنفيذها، إلى وجود آليات حماية تمنع وصول الأفراد إلى هذا الحد من الانهيار.

في النهاية، هؤلاء لم يطالبوا إلا بالحد الأدنى من الحياة الكريمة: أن يعيشوا في أمان، ويستطيعوا إعالة أطفالهم وتعليمهم، وأن يحصلوا على حقوقهم دون إذلال أو تعقيد.

لقد انتهينا من فكرة أن دور الدولة أو المؤسسات هو “التعاطف” فقط أو التربيت على الأكتاف. ما نحتاجه فعليًا هو الاعتراف بالحقوق وتمكين أصحابها من الحصول عليها. فالتأخر في تحقيق العدالة هو شكل من أشكال القهر.

 

 


 

كيف تقيمين دور المجلس القومي للمرأة خلال السنوات العشر الأخيرة، خاصة فيما يتعلق بقانون الأحوال الشخصية والميزانية المخصصة لقضايا النساء؟

ما زلت أؤكد عليه، أن المجلس القومي للمرأة يتعامل في كثير من الأحيان وكأنه جمعية أهلية، بل وأحيانًا دون مستوى المهنية المطلوبة لمؤسسة رسمية معنية بسياسات الدولة تجاه النساء.

لقد شهدنا مواقف وملفات كان ينبغي أن يكون فيها حضور واضح ومؤثر، خاصة في قضايا العنف ضد النساء منذ حادثة نيرة أشرف وحتى قضايا لاحقة، لكن في كثير من الأحيان لم يكن هناك تحرك يتناسب مع حجم الأزمة.

كان يفترض بالمجلس أن يكون جهة ضغط سياساتي حقيقية، تقوم بدور رقابي على الوزارات للتأكد من تطبيق سياسات غير تمييزية ضد النساء، وأن يتابع التزامات مصر الدولية، سواء أمام اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) أو آلية الاستعراض الدوري الشامل (UPR).

لكن ما نراه غالبًا هو تركيز على أنشطة توعوية أو اجتماعية أقرب لدور الجمعيات الأهلية، بدلًا من الاشتباك مع السياسات العامة وتغييرها. المطلوب ليس العمل الاجتماعي فقط، بل العمل على مستوى الدولة وصناعة القرار.

 

 


 

 في شهر رمضان الماضي، تناولت بعض الأعمال الدرامية قضايا مثل الرؤية والاستضافة، وقدّمتها بصورة أثارت جدلًا، بعد عرض أعمال درامية تناولت الولاية والوصاية،  كيف ترين هذا التحول في تناول الدراما لهذه القضايا خلال السنوات الأخيرة؟

في تقديري، هناك تراجع واضح في طريقة تناول قضايا الأسرة، سواء في الخطاب الإعلامي أو حتى في النقاشات المرتبطة بالتشريع. ما زلنا نتعامل مع قوانين الأحوال الشخصية باعتبارها ملفات جزئية أو صراعات منفصلة، بينما هي في حقيقتها منظومة متكاملة لا يمكن فصل عناصرها عن بعضها.

فلا يمكن أن نتحدث عن الحضانة بمعزل عن باقي الحقوق، أو أن نقرر مثلًا أن الحضانة قد تنتقل إلى الأب في بعض الحالات، ثم في الوقت نفسه نقول إن حضانة الأم تسقط تلقائيًا إذا تزوجت، دون رؤية شاملة توازن بين المصلحة الفضلى للأطفال وحقوق الطرفين.

كذلك لا يمكن أن نسمح بمنح الطلاق أو تعدد الزوجات دون ضمانات واضحة لحقوق المرأة والأطفال، يجب أن يكون هناك ملف واحد متكامل أمام المحكمة، وأن يتم التعامل مع قضايا الأسرة كوحدة واحدة، وليس كقضايا متفرقة تُرفع في أكثر من جهة.

كذلك تطوير منظومة محاكم الأسرة أمر ضروري، ليس فقط من الناحية القانونية، أيضًا من حيث التأهيل النفسي والاجتماعي للقائمين عليها، لأن هذه القضايا بطبيعتها ليست قانونية بحتة، بل تمس الإنسان في أبعاد متعددة. فمن المهم أيضًا ترسيخ قيم العدالة داخل القانون، بحيث تنعكس على المجتمع، ويصبح المجتمع نفسه شريكًا في حماية هذه القيم وتطبيقها.

أما الواقع الحالي، فيُظهر أن النساء في كثير من الحالات يتحملن أعباء كبيرة جدًا؛ فهن مطالبات في كل مرة بإثبات دخل الزوج، وتجديد الإجراءات سنويًا، وتحمل تكاليف التعليم والمعيشة، ثم اللجوء إلى القضاء لاسترداد الحقوق، وغالبًا ما يتم ذلك في ظل تعقيدات شديدة.

ورغم ذلك، هناك كثير من النساء لا يلجأن إلى إجراءات الحبس ضد الأزواج حفاظًا على الأبناء وصورتهم الاجتماعية، وهو ما يعكس حجم التعقيد الإنساني في هذه القضايا.

 

 


 

 تحدثت عن قلق بشأن الجدل حول التعديلات.. ما أكثر ما يقلقك  في قانون الأحوال الشخصية الجديد؟
أكثر ما يقلقني هو استمرار النظر إلى قضايا الأسرة باعتبارها مجرد صراع بين رجل وامرأة، يتم التعامل معه بمنطق “توازنات” أو حلول وسط شكلية، دون إدراك أن الأمر يتعلق ببنية الأسرة كلها وانعكاساتها على المجتمع.

المقلق أيضًا هو غياب الدولة بمؤسساتها بشكل متكامل داخل هذا الملف؛ فلا توجد رؤية شاملة أو فلسفة تشريعية واضحة. وبالتالي، نفقد الضمانة الأساسية لأي تشريع عادل.

في النهاية، عندما لا تكون هناك فلسفة عادلة أو رؤية متكاملة، يتحول التعامل مع قضايا الأسرة إلى إدارة صراع بدلًا من حل جذور المشكلة، وهو ما يترك آثارًا خطيرة على المجتمع بأكمله.

 

 


 

فيما يتعلق بتخفيض سن الحضانة، كيف ترين هذا الجدل؟

لا يمكن التعامل مع قانون الأسرة بشكل مجتزأ، يجب النظر إليه كمنظومة واحدة متكاملة، وليس عبر تعديل مادة هنا أو هناك. مسألة الحضانة لن تكون مشكلة في حال وجود تنظيم متكامل يضمن مصلحة الأطفال، مثل إتاحة نظام “الاستضافة”، بحيث يقضي الأطفال فترات منتظمة مع الطرف غير الحاضن، سواء في الإجازات أو نهاية الأسبوع أو حتى فترات أطول مع العائلة الممتدة.

المعيار الأساسي يجب أن يكون “المصلحة الفضلى للطفل”: أين يكون الطفل أكثر استقرارًا نفسيًا واجتماعيًا؟ وما الذي يضمن له بيئة سليمة للنمو؟ في هذه الحالة، يمكن أن تمتد الحضانة حتى سن 15 عامًا دون أن تتحول إلى أزمة.

والحملة الواسعة، على موضوع تخفيض سن الحضانة الموجودة الآن في رأيي خلفيتها ليست المصلحة الفضلى للطفل، بل ترتبط في كثير من الأحيان باعتبارات أخرى: مثل الرغبة في تقليل الالتزامات المالية، أو النزاع حول مسكن الحضانة، أو ردود فعل انتقامية بين الطرفين.

لو تمت معالجة الأمور بشكل عادل ومنظم، بحيث لا تسقط الحضانة عن الأم عند الزواج، وتُصرف النفقات بشكل منتظم يضمن تعليم الأطفال واحتياجاتهم، مع تنظيم واضح لحقوق الطرف الآخر في رؤية الأطفال والاستضافة، سيتراجع كثير من التوتر.

المشكلة أن كل طرف ينظر للآخر من زاوية الصراع، بينما المطلوب هو تقليل النزاع وتنظيم العلاقة داخل إطار قانوني عادل، قائم على قيم “المعروف” و“الرحمة” و“المسؤولية المشتركة”. وفي النهاية، الهدف ليس إدارة خلاف، بل بناء منظومة أسرية أكثر استقرارًا وعدالة.

 

 


 

 حتى الآن لدينا قانون أحوال شخصية للمسلمين، وآخر للمسيحيين. هل ترين أن هذا الوضع طبيعي في ظل الحديث عن المواطنة؟ وهل حان الوقت لوجود قانون واحد موحد؟ 

هذا سؤال مهم جدًا: كيف يكون لدينا قانون للأحوال الشخصية للمسلمين وآخر للمسيحيين؟ لكن المشكلة أوسع من ذلك، فهناك أيضًا أوضاع بالغة الصعوبة لفئات أخرى مثل البهائيين، وهي أوضاع لا تحظى بأي معالجة قانونية واضحة.

من هنا، كانت لدينا داخل مؤسسة قضايا المرأة المصرية منذ عام 2020 رؤية أولية لطرح فكرة قانون مدني موحد، وفتح نقاش مجتمعي حول إمكانية وجود قانون أسرة مدني لجميع المصريين والمصريات، يقوم على مبدأ المواطنة كأحد أهم ركائزه.

لم نكمل هذا الطرح بشكل علني واسع، لكننا واصلنا عقد حوارات وموائد نقاش مغلقة مع فئات متعددة، من بينها مسيحيون من طوائف مختلفة وبهائيون، بهدف مناقشة فكرة القانون المدني.

في تقديري، هذه القضية شديدة الأهمية، ليس فقط بسبب المشكلات القائمة لدى المسلمين، بل لأن التحديات لدى المسيحيين في هذا الملف أكثر تعقيدًا في بعض الجوانب.

وقلت هذا الرأي سابقًا منذ سنوات، بأن هذا التباين في المرجعيات القانونية قد يكون أحد أسباب التوترات الطائفية، لأن بعض الأفراد يلجأون لتغيير الطائفة لحل مشكلاتهم الأسرية.

فعندما يجد البعض أن حقوقهم مقيدة داخل إطار ديني معين، قد يتجهون إلى تغيير الانتماء الديني كحل قانوني، ثم يحاولون لاحقًا العودة مرة أخرى، وهو ما يخلق تعقيدات إنسانية وقانونية كبيرة.

وهناك بالفعل حالات تُعرف إعلاميًا وقانونيًا بـ”العالقين على جدار الكنيسة”، وهي تعكس حجم الأزمة، كذلك هناك أيضًا إشكاليات تاريخية، خاصة في فترات سابقة مثل ما حدث في عهد البابا شنودة، وما تبعه من تعطيل العمل ببعض اللوائح، ثم طرح لائحة 2008 التي تضمنت أسبابًا مثل الزنا والزنا الحكمي كأسباب للطلاق.

هذه التعقيدات زادت من صعوبة الملف، فإدراج أسباب مثل الزنا أو ما يسمى بالزنا الحكمي داخل إجراءات الطلاق جعل القضية أكثر حساسية، لأن هذه الاتهامات لا تمس الفرد فقط، بل تمتد لتطول الأسرة بأكملها اجتماعيًا. كثير من الأشخاص، رجالًا ونساءً، يترددون في اللجوء إلى هذه الدعاوى لما تسببه من وصمة اجتماعية، وهو ما يجعل الوصول إلى حلول قانونية أمرًا بالغ الصعوبة.

ومع استمرار هذه التعقيدات، نجد أن البعض يلجأ إلى تغيير الانتماء الديني كحل قانوني، وهو ما يخلق حالة من الارتباك الاجتماعي والقانوني، إذ يشعر الفرد أنه غير مقبول لا داخل الطائفة الأولى ولا الثانية.

هذا الأمر له تداعيات قانونية لاحقة، خصوصًا فيما يخص الميراث والحقوق الأسرية، إذ تتغير قواعد الإرث تبعًا لاختلاف الدين، ما يؤدي إلى قطع صلات قانونية بين أفراد الأسرة الواحدة.

لذا نحن أمام ملف شديد التعقيد، خاصة لدى المسيحيين فيما يتعلق بالزواج والطلاق، وبحاجة فعلًا إلى إطار قانوني واضح وموحد قدر الإمكان، مع ضرورة أن يتم التعامل مع هذا الملف باعتباره ملفًا حساسًا يشبه قضايا الأمن القومي من حيث أثره الاجتماعي.

المشكلة أن كثيرًا من المسودات والتعديلات يتم تداولها دون حوار مجتمعي حقيقي أو مشاركة واسعة، سواء من النساء أو الرجال، وهو ما يتعارض مع مبدأ الشفافية وحق المواطنين في المعرفة والنقاش، وهو حق أصيل كفله الدستور.

 

 


 

هناك بعض الملامح التي طُرحت في قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، مثل المساواة في الميراث، بينما بقيت بعض القضايا الأخرى مثل النفقة مرتبطة بقواعد عامة. كيف ترين ذلك؟

فيما يخص القواعد العامة، هناك تصور بأن النفقة والحضانة تُعامل ضمن ما يُسمّى “القواعد العامة” التي تنطبق على المسلمين والمسيحيين، بينما تظل بعض المسائل الأخرى مرتبطة بالكنيسة، مثل تغيير الملة في حال وقوع خلاف بين الزوجين، وكذلك الزواج الثاني الذي يُترك فيه القرار النهائي للكنيسة.

ففكرة المساواة في الميراث تبدو خطوة إيجابية إذا تم النص عليها بوضوح، لكن في المقابل فإن ربط النفقة بالقواعد العامة ثم إحالتها إلى الشريعة الإسلامية يثير إشكالًا، لأن النفقة والحضانة وسن الحضانة تُعد من القواعد العامة التي تنطبق على جميع المواطنين المصريين، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين.

كذلك مسألة عدم الاعتداد بتغيير الملة تمس بشكل مباشر حرية الاعتقاد، وتثير تساؤلات حول مدى تأثيرها على حرية الفرد في اختيار معتقده، خاصة إذا ترتب على ذلك تقييد لحقوقه القانونية.

وفي هذا السياق، يبرز أيضًا ملف التبني، باعتباره جزءًا أصيلًا من العقيدة المسيحية، وهو ما يستدعي معالجة قانونية أكثر وضوحًا ومرونة، أما فيما يخص الطلاق، فكان النظام السابق (لائحة 1938) يتضمن تسعة أسباب للتطليق، إلا أن الإشكال الأساسي لم يكن في النصوص بقدر ما كان في التطبيق وطول الإجراءات.

في تقديري، الأهم في أي تصور جديد لقانون الأحوال الشخصية للمسيحيين هو تقليل الأعباء الإجرائية، وتحديث أسباب الطلاق بما يتوافق مع التغيرات الاجتماعية والصحية المعاصرة.

فاليوم لم نعد نتحدث فقط عن الأمراض الجسدية أو الجنسية، بل ظهرت أمراض نفسية خطيرة ومعروفة علميًا، قد تجعل استمرار الحياة الزوجية أمرًا بالغ الصعوبة أو حتى يشكل خطرًا على أحد الطرفين. وهذا ملف كان من المفترض أن يحظى باهتمام أكبر من قبل المؤسسات الدينية المعنية.

 

 


 

في الختام، ما الرسالة التي تودين توجيهها للبرلمان بعد أن بدء استقبال مشروعات قانون الأحوال الشخصية؟

أود التأكيد على أهمية دور البرلمان في إدارة هذا الملف، من خلال استخدام أدواته التشريعية في خلق حوار مجتمعي حقيقي، عبر تفعيل لجان الاستماع، بما يتيح الاستماع إلى مختلف الفئات، بما في ذلك الجمعيات الأهلية والمنظمات النسائية العاملة في هذا المجال.

وهناك حاجة ملحّة لتفعيل دور المؤسسات البحثية والاجتماعية، لإجراء دراسات علمية حول الخطاب العنيف والقاسي الموجه ضد النساء، وتحليل كيف أصبحت بعض صور هذا الخطاب مقبولة أو مطبّعة داخل المجتمع، بل وأحيانًا داخل بعض المؤسسات العامة.

شيماء حمدي
صحفية مصرية، تغطي الملفات السياسية والحقوقية، وتهتم بقضايا المرأة. باحثة في حرية الصحافة والإعلام والحريات الرقمية.

Search