close

اثنا عشر عامًا من الحصار: كيف أُعيد تشكيل الفضاء المدني في مصر؟

1695 قانونًا صدرت في مصر بين 2013 و2024، بينها 341 قانونًا أقرها البرلمان خلال 15 يومًا، مع حجب 600 موقع صحفي وحقوقي وتوسّع في المراقبة الرقمية وإحكام السيطرة على الانتخابات وملكية الإعلام.
Picture of زاوية ثالثة

زاوية ثالثة

شهدت مصر الكثير من التحولات السياسية عقب أحداث 30 يونيو، التي أدت إلى عزل الرئيس الراحل محمد مرسي وجماعته عن سدة الحكم،  إذ تأثر المجال العام أو ما يعرف بـ “الفضاء العام المدني” بشكل كبير، سواء على مستوى المشاركة السياسية أو التنظيمات النقابية وكذلك حالة الصحافة والإعلام في مصر.

فمنذ العام 2013 وحتى الآن، أظهرت تقارير حقوقية تراجعًا ملحوظًا في أوضاع حرية الرأي والتعبير في مصر، وهو التراجع ذاته الذي أصاب مساحة الحريات الصحفية والإعلامية، جاء ذلك بالتوازي مع تصاعد وتيرة الاستهداف الأمني لصنّاع المحتوى على المنصات الرقمية. مع توسع ملحوظ في توجيه اتهامات من قبيل “الانضمام إلى جماعات إرهابية” أو “نشر أخبار كاذبة” بحق مواطنين وصحفيين ونشطاء، على خلفية التعبير السلمي عن آرائهم أو تناولهم لقضايا الشأن العام.

فخلال السنوات الاثنتي عشرة الماضية، شهدت البلاد زيادة كبيرة في استخدام الحبس الاحتياطي وتدوير القضايا بحق الصحفيين والحقوقيين والسياسيين، بحسب تقارير حقوقية، في ظل غياب أي إحصاءات رسمية بشأن أعداد المحتجزين أو السجناء، رغم المطالبات المتكررة. وفي هذا السياق، وصفت منظمة العفو الدولية هذه السياسات بأنها تمثل مستوى من القمع “أكثر تطرفًا من أي شيء شوهد خلال حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك”، معتبرة أن مصر تحولت إلى “سجن مفتوح للمنتقدين”.

عن الفضاء العام وتقليص المساحات

تُعرّف الأمم المتحدة الفضاء المدني أو( الحيّز المدني) بأنه “البيئة التي تُمكّن المجتمع المدني من الاضطلاع بدور فاعل في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية”. وبصورة خاصة، يتيح هذا الحيّز للأفراد والجماعات الإسهام في صياغة السياسات التي تؤثر على حياتهم، من خلال الوصول إلى المعلومات، والمشاركة في الحوار العام، والتعبير عن المعارضة أو عدم الموافقة، والتضافر الجماعي من أجل عرض آرائهم ومطالبهم. كما تؤكد الأمم المتحدة أن وجود حيّز مدني مفتوح وتعددي، يكفل حرية الرأي والتعبير إلى جانب حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات، يُعد شرطًا أساسيًا لتحقيق تنمية مستدامة وسلام دائم.

فيما تعرفه مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، بأنه المجال الذي يتيح للأفراد والجماعات ممارسة حقوقهم في حرية التعبير، وتكوين الجمعيات، والتجمع السلمي، والمشاركة في الشأن العام دون خوف من الانتقام أو القمع، بما يمكّنهم من مساءلة السلطات والتأثير في السياسات العامة. 

وفي السياق، عرفت مؤسسة هيومينا(منظمة حقوقية غير ربحية) في ورقة بحثية بعنوان “سنوات الحصار.. وضع الفضاء المدني في مصر خلال الفترة 2013–2025″، الفضاء المدني؛ بأنه الإطار الذي يُمكّن الأفراد والجماعات – داخل حدود الدولة أو في النفي – من المشاركة الحرة والفعّالة في الشأن العام من خلال التنظيم والتعبير والمساءلة. واعتبرت المنظمة أن هذا الفضاء لا يقتصر على بُعدٍ مكاني أو قانوني، بل يُجسّد منظومة من الضمانات التي تتيح للمجتمع أداء دوره في التأثير والمراقبة وصنع القرار.

كما ترى هيومينا أن الفضاء المدني لا يُختزل في حرية التعبير أو التظاهر فحسب، بل يشمل مجمل البنى والآليات التي تتيح للفاعلين المدنيين – أفرادا ومؤسسات – التفاعل مع السلطة والمجتمع ضمن بيئة آمنة تعددية وتخضع للمعايير الحقوقية. وتنظر المؤسسة إلى الفضاء المدني، باعتباره مؤشرًا محوريًا لمدى احترام الدولة لحقوق الإنسان، ومرآة لميزان العلاقة بين السلطات والمجتمع. وعندما يُقوّض هذا الفضاء عبر قوانين قمعية، أو قيود أمنية، أو حملات تشويه، يصبح الدفاع عنه واجبًا لا لحماية الحريات فحسب بل لضمان استمرارية العمل العام، وحفظ الكرامة، وصون المسار الديمقراطي.

من جهته يوضح مصطفى فؤاد، المدير التنفيذي لمؤسسة هيومينا لحقوق الإنسان، أن عمليات تقليص المساحات المدنية على مدى 12 سنة، من 3 يوليو 2013 وحتى 31 ديسمبر 2025،  لم تحدث دفعة واحدة، بل تمت تدريجيًا عبر سلسلة متراكمة من القرارات والسياسات التي صاغتها السلطة على امتداد السنوات، بحيث أصبح القيد والحدود المفروضة على المشاركة العامة القاعدة وليس الاستثناء.

ويشير فؤاد في حديثه ل”زاوية ثالثة” إلى أن حصار الفضاء المدني جاء على عدة مراحل بدأت بإعادة تعريف الممنوع في إطار التشريعات المختلفة، ومن ثم استخدام المسارات القضائية الطويلة لإنتاج ردع زمني واستنزاف المشاركين، فضلًا عن استخدام الإجراءات الإدارية لتفرض قيودًا يومية تقلّص من قدرة الأفراد والمجموعات على التنظيم والمشاركة المستمرة.

ويضيف أن هذا الحصار امتد إلى الفضاء الإلكتروني أيضًا من خلال سياسات الحجب والملاحقة والمراقبة التي تمس التعبير، وخصوصية التواصل، وسلامة المعلومات المتداولة. ما رفع كلفة المشاركة العامة بشكل كبير، وأحدث تغييرات جوهرية في شكل المجال العام وحدوده الفعلية، وحوّل الفضاء المدني في مصر إلى بيئة تهيمن عليها قيود تراكمية، بحيث أصبحت المشاركة العامة مرهقة ومخاطرة للمواطنين والنشطاء.

من الدستور إلى التشريعات سنوات من تقنين القمع

سعت السلطات المصرية، في أعقاب أحداث 30 يونيو وعزل الرئيس الراحل محمد مرسي وجماعته في 3 يوليو 2013، إلى إعادة هندسة الفضاء المدني بصورة شاملة، عبر إعادة تشكيل قواعد المجال العام وآليات التحكم فيه. ففي حين كانت الدولة تعتمد تاريخيًا على قانون الطوارئ رقم 162 لسنة 1958 كأداة رئيسية لإدارة الاستثناء، اتجهت بعد 2013 إلى بناء منظومة تشريعية موسعة ودائمة، جرى تبريرها بذريعة “ضبط المجال العام”، ليتحول الاستثناء إلى قاعدة مستقرة في بنية النظام القانوني والسياسي.

في السياق، اعتبرت الورقة البحثية  الصادرة عن هيومينا، أن الدستور الصادر في 2014 تضمن مكتسبات مهمة، منها الإقرار بحق تأسيس الجمعيات بالإخطار، والتأكيد على المساواة التامة بين المواطنين، واستحداث مفوضية لمناهضة التمييز، إضافة إلى مواد تدعم حرية التعبير وتحظر الرقابة على الصحف.  لكنها في الوقت نفسه تشير إلى أن المرحلة لم تخلُ من الانتقادات، إذ رفضت لجنة الخمسين حظر المحاكمات العسكرية للمدنيين، ما أثار اعتراض المدافعين عن السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، لما اعتبره انتهاكًا لضمانات المحاكمة العادلة.

وأشارت الورقة أيضًا إلى موقف الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي وصف الدستور بأنه كُتب “بنوايا حسنة”، وهو ما مهّد الطريق لإجراء تعديلات دستورية عام 2019، أسهمت، بحسب ما اعتبرته الورقة، في تقويض ما تبقى من استقلال القضاء. كما صدر قانون تنظيم القضاء رقم 13 لسنة 2017 على ضوء هذه التعديلات، مانحًا الرئيس سلطات واسعة، من بينها صلاحيات التعيين وتشكيل المجلس الأعلى للقضاء وهيئة تنظيم الانتخابات.

وعقب 3 يوليو عام 2013، بدأت مرحلة ما أطلقت عليه الورقة البحثية بــ” “قوننة القمع”، بهدف بناء منظومة تشريعية متكاملة لفرض قيود فعلية على المشاركة العامة والحريات المدنية.وبحسب ما جاء في الورقة فإن هذه المنظومة بدأت بقانون التظاهر رقم 107 لسنة 2013، إذ حول القانون الحق الدستوري في التجمع السلمي إلى حظر فعلي، من خلال فرض قيود واسعة ومنح أجهزة الأمن سلطات غير محدودة للتفريق والاعتراض على المظاهرات، بما خلق مناخًا من الرهبة والردع الاستباقي تجاه أي تعبير عن المعارضة. تبع ذلك إصدار عدد من القوانين بهدف إتمام محاصرة الفضاء العام

ووصفت الورقة البحثية ما حدث للمنظومة القانونية باكتمال “عسكرة الإجراءات القضائية” عبر تعديل قانون الطوارئ عام 2020، الذي منح الضبطية القضائية لجميع رتب القوات المسلحة، وصولًا إلى قانون الإجراءات الجنائية الجديد عام 2025، الذي اعتبرته أثار الجدل واعتبرته المنظمات الحقوقية بمثابة هدم لسيادة القانون.

في ورقة أخرى لمؤسسة المنبر المصري بعنوان “تحليل بعض أنماط السياسات التشريعية لدولة ما بعد 30 يونيو: عن تطويع القانون لخدمة القمع السياسي”، تناولت التحولات البنيوية التي شهدها الإطار التشريعي المصري منذ عام 2013 وحتى اللحظة الراهنة. وخلصت إلى أن السلطة التشريعية اتخذت مسارًا استراتيجيًا لإعادة هيكلة المنظومة القانونية الوطنية بما يسمح بتقنين وشرعنة الممارسات القمعية والانتهاكات الحقوقية، بالتوازي مع تعزيز آليات الإفلات من العقاب.

يستكمل مصطفى فؤاد، المدير التنفيذي لـمؤسسة هيومينا لحقوق الإنسان، حديثه لـ”زاوية ثالثة”، بأن التشريعات في مصر، وعلى الاثنتي عشرة عامًا الممتدة منذ عام 2013،، استُخدمت بوصفها أداة مركزية لتضييق الفضاء المدني بشكل منهجي، واستهداف أبوابه الأساسية، وفي مقدمتها الحق في التجمع السلمي، وحرية التعبير والإعلام، والفضاء الرقمي، والعمل الأهلي والتنظيم.

ويوضح أنه بالإضافة إلى قانون التظاهر رقم 107 لسنة 2013، الذي جعل النزول إلى الشارع فعلًا محفوفًا بالمخاطر القانونية. وعلى مستوى حرية التعبير، فإن  قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، عزّز أدوات المراقبة وجمع البيانات، وفتح الباب أمام حجب المواقع استنادًا إلى مبررات فضفاضة مثل “الأمن القومي”، وأحيانًا دون إبداء أسباب واضحة، بالتوازي مع تضييق مستمر على الإعلام المستقل، ما أضعف التعددية وحدَّ من حق المواطنين في الوصول إلى المعلومات.

أما فيما يتعلق بالعمل الأهلي والتنظيم، يقول المدير التنفيذي لهيومينا، أن  قوانين الجمعيات الأهلية  قد رسخت، ولا سيما قانون 70 لسنة 2017 ثم قانون 149 لسنة 2019، منظومة رقابية وإجرائية تُقيِّد إجراءات التسجيل والتمويل وتنفيذ الأنشطة، وتُبقي القدرة التشغيلية للمنظمات مرهونة بموافقات إدارية وأمنية متكررة.

ويخلص فؤاد إلى أن المشاركة السلمية في أي عمل عام”سواء في صورة تنظيم، أو نقد، أو احتجاج” أصبحت مرتبطة بكلفة قانونية وأمنية متراكمة، الأمر الذي أدى إلى تقليص المجال العام فعليًا، ودفع قطاعات واسعة من المواطنين إلى الانسحاب من الشأن العام أو ممارسة رقابة ذاتية.

وفي هذا السياق، يؤكد أنَّه لا يمكن تحقيق استقرار سياسي أو اقتصادي مستدام في ظل منظومة تشريعية تجعل المشاركة العامة مخاطرة، وتُضيّق المجال العام، وتُعاقب النقد والتنظيم. فالاستقرار الحقيقي، وفقًا لقواعد الحكم الرشيد المتعارف عليها عالميًا، يفترض وجود مساحة آمنة للنقد والمساءلة والتنظيم، وقانون واضح يمكن التنبؤ بتطبيقه. ومن ثم، فإن تعديل هذه التشريعات المقيدة، بما يتسق مع الدستور والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، يُعد شرطًا أساسيًا لبناء ثقة المجتمع، ولإقامة اقتصاد قادر على الاستمرار والنمو.

 

نوصي للقراءة: ما بعد الطوارئ.. استثناء بنص القانون


هندسة التشريع في مصر

خلال الفترة من  3 يوليو 2013 وحتى مطلع عام 2016، غاب البرلمان عن المشهد التشريعي بصورة كاملة، وهو ما أتاح لرئيس الجمهورية، استنادًا إلى النصوص الدستورية المنظمة لحالات الضرورة، إصدار “قرارات بقوانين” دون رقابة برلمانية- بحسب ما وثقته منظمة المنبر المصري في ورقتها.

بينما استخدمت هذه الصلاحيات الاستثنائية لإصدار حزمة من التشريعات الجوهرية التي أعادت تشكيل المجال العام على نحو مقيد، وفي مقدمتها قانون التظاهر وقوانين مكافحة الإرهاب، بما حوّل التشريع من أداة لتنظيم الحقوق وضمانها إلى أداة رسمية لتقنين القيود المفروضة على حرية التعبير والتجمع والعمل العام.

فيما أوضحت الورقة التي انتجتها منظمة هيومينا لحقوق الإنسان، أنه مع عودة الحياة البرلمانية،أحكم النظام السياسي، بقيادة الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي وبالتنسيق مع الأجهزة الأمنية، سيطرته على الانتخابات البرلمانية في الفصلين التشريعيين لعامي 2016 و2021 عبر منظومة من الآليات، أبرزها اعتماد نظام القائمة المغلقة الذي مكّن القوائم المدعومة من الفوز بكامل المقاعد المخصصة لها، إلى جانب منع ترشح شخصيات معارضة وحبس كوادر أحزاب وحركات سياسية سعت إلى تشكيل تحالفات انتخابية. وأسفر ذلك عن برلمان يغلب عليه الطابع الموالي للسلطة التنفيذية، مع تراجع حاد في تمثيل الأصوات المعارضة الجادة.

وفي هذا السياق، برزت ظاهرة ” التصديق الجماعي”- بحسب ما تناولته منظمة هيومينا في ورقتها– وسرعة تمرير التشريعات بوصفها نمطًا حاكمًا لإدارة العملية التشريعية، حيث أقر البرلمان في يناير 2016 ما يقرب من 341 قانونًا دفعة واحدة خلال خمسة عشر يومًا فقط، معظمها كان قد صدر سابقًا بقرارات رئاسية في غياب البرلمان، دون مناقشات جوهرية أو مراجعة حقيقية. وتكرر هذا النمط في تشريعات لاحقة في ظل غياب حوار مجتمعي فعّال وتجاهل ملحوظ لاعتراضات المنظمات الحقوقية والنقابات المهنية وتوصيات الآليات الأممية.

فيما وثق المنبر المصري في ورقته،  إصدار 1695 قانونًا خلال الفترة الممتدة من عام 2013 وحتى تاريخ نشر الورقة في أغسطس 2024. وخلال هذه السنوات، أشارت الورقة إلى أن  البرلمان لم يدخر جهدًا في العصف بنصوص الدستور وأحكامه، بدءًا من تقنين عدد كبير من التشريعات المعيبة التي صدرت في ظل غياب الرقابة، وصولًا إلى اقتراح تعديل نصوص دستورية كانت، إلى حدٍّ ما، تكفل مبدأ تداول السلطة وتضمن قدرًا من استقلال القضاء في مواجهة هيمنة السلطة التنفيذية.

الجدير بالذكر أن الانتخابات البرلمانية الأخيرة، أسفرت عن إعادة إنتاج برلمان 2021، إذ لازالت تركيبة البرلمان يهيمن عليه أحزاب الموالاة، سواء عبر النظام الفردي أو من خلال القائمة الوحيدة التي خاضت السباق الانتخابي تحت مسمى “القائمة الوطنية من أجل مصر”، وهو ما أفرغ المنافسة على مقاعد القوائم من مضمونها السياسي. فقد تصدّر حزب مستقبل وطن المشهد بحصوله على 227 مقعدًا، تلاه حزب حماة الوطن بـ86 مقعدًا، ثم حزب الجبهة الوطنية، الوافد الأحدث إلى الساحة الحزبية، بحصوله على 65 مقعدًا. وفي السياق نفسه، نال حزب الشعب الجمهوري 25 مقعدًا.

من جهتها، ترى سمر الحسيني، المديرة التنفيذية لـ”لمنبر المصري لحقوق الإنسان”، أن الهدف المركزي للدولة المصرية في المرحلة الراهنة لا يقتصر على مجرد “تقنين القمع”، وإنما يتجاوز ذلك إلى إعادة هيكلة الدولة ذاتها على أسس دستورية وتشريعية جديدة، تقوم على إخضاع البنية التشريعية برمتها لهيمنة السلطة التنفيذية، وربط هذه الأخيرة بدورها ارتباطًا عضويًا بالمؤسسة العسكرية.

وترى في حديثه لـ”زاوية ثالثة” أنه وفقًا لهذا التصور، تصبح أي مساحات تبدو ظاهريًا “حرة” داخل المجال العام مساحات خاضعة في الواقع للقبضة الأمنية، وقابلة للإغلاق أو السحق في أي لحظة دون وجود ضمانات قانونية حقيقية أو رادع مؤسسي فعال.

وتقارن الحسيني بين هذا الوضع وما كان سائدًا في مراحل سابقة، لا سيما خلال حقبة ما قبل عام 2011، حيث كان القانون ذاته، والنصوص الدستورية تحديدًا، يشكلان ساحة صراع حقيقية يمكن من خلالها انتزاع مساحات للحريات أو كبح تغول السلطة التنفيذية. ففي تلك الفترات، لعبت المحكمة الدستورية العليا دورًا بارزًا في إصدار أحكام وُصفت بالتاريخية لصالح حرية التعبير، ومناهضة التعذيب، وتعزيز الالتزام بالمواثيق الدولية لحقوق الإنسان. أما في مرحلة ما بعد 2011، فتشير إلى أن “العقيدة الحاكمة” للدولة قد تغيرت جذريًا، بحيث اتجهت السلطة إلى سد هذه الثغرات القانونية وإعادة صياغة الإطار الدستوري والتشريعي بما يمنع نشوء أي سلطة قادرة على مراجعة أو تحدي المنظومة الأمنية والعسكرية.

وفي تفسيرها لدوافع هذا المسار، توضح الحسيني أن الدولة تتبنى قناعة راسخة مفادها أن “فتح المجال العام” كان السبب المباشر لاندلاع ثورة 25 يناير، وأن الضمانة الأساسية لمنع تكرارها تكمن في “إغلاقه” بصورة شبه كاملة. في المقابل، تؤكد أن هذه الرؤية تغفل حقيقة جوهرية، مفادها أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق عبر القمع وتفريغ المجال العام من السياسة، وإنما عبر بناء عقد اجتماعي يضمن المشاركة، والمساءلة، والتوازن بين السلطات، ويصون الحقوق والحريات بوصفها ركائز لأي دولة مستقرة وقابلة للاستمرار.

 

نوصي للقراءة: حين يحذرك من اشتراه: الاتصالات تنبه من برمجيات إسرائيلية دفعت مصر ملايين الدولارات لاستخدامها


إعادة رسم المشهد الصحفي بين التشريعات والملكية

منذ عام 2013، تعرضت الصحافة المصرية لعملية حصار وتقييد، أسفرت عن حبس عشرات الصحفيين على خلفية قضايا نشر، في سياق وصفته مراسلون بلا حدود في أحد تقاريرها بأن مصر باتت “من أكبر سجون الصحفيين في العالم”، في إشارة إلى حجم القمع الممنهج الذي يواجهه الصحفيون بسبب عملهم.

فيما تُظهر ورقة منظمة هيومينا البحثية،  أن تراجع الحريات الصحفية في مصر لم يكن نتاج ممارسات أمنية معزولة، بل حصيلة منظومة تشريعية متكاملة جرى توظيفها لإحكام السيطرة على المجال الإعلامي وتجريم أشكال واسعة من العمل الصحفي. 

أوضحت الورقة أنه في مقدمة هذه المنظومة تبرز ثلاث مواد أساسية من قانون العقوبات تتعلق بجريمة “نشر أخبار كاذبة”، وهي مواد تتسم بعمومية الصياغة وغموض المصطلحات، بما يتيح استخدامها لملاحقة أي محتوى يُعد معارضًا أو نقديًا للسلطة وفقا للمواد  80 (د)، 102 مكرر ، 188 الذين يتناولون عقوبات نشر الأخبار أو البيانات الكاذب، مع ترك تقدير “سوء القصد” للسلطات، بما يسمح بتأويل أي نقد سياسي أو تحقيق صحفي بوصفه فعلًا مجرمًا. 

كما أشارت الورقة إلى أن هذه النصوص، إلى جانب قوانين مكافحة الإرهاب وجرائم تقنية المعلومات، تحولت إلى أدوات مركزية لتوسيع نطاق التجريم ضد الصحفيين والنشطاء، سواء بسبب محتوى أعمالهم أو نشاطهم الرقمي والمهني، ما أفضى إلى خلق بيئة من الخوف والترهيب والتراجع الحاد في ممارسة الصحافة المستقلة.

وبالتوازي مع هذا الإطار التشريعي المُحاصِر للحريات الصحفية والإعلامية، وثّقت لجنة حماية الصحفيين حبس 18 صحفيًا، إذ اعتبر تقرير اللجنة أن مصر من بين أكبر عشر دول في العالم سجنًا للصحفيين خلال عام 2024. كما وثّقت ورقة مؤسسة هيومينا لحقوق الإنسان حجب 600 موقع صحفي وحقوقي، إضافة إلى استمرار سعي السلطات لمحاصرة وسائل تجاوز الحجب، حيث جرى حجب 261 أداة ومزوّدًا لخدمات الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN).

فضلًا عن ذلك شهدت خريطة ملكية وسائل الإعلام في مصر تحولًا جذريًا بعد عام 2013. فبعد أن كانت الساحة الإعلامية تنقسم إلى إعلام حكومي، وإعلام خاص يملكه رجال أعمال، وصحف حزبية محدودة التأثير، جرت سلسلة من الاستحواذات والصفقات التي نقلت ملكية قطاع واسع من القنوات والصحف والمواقع الإلكترونية إلى شركات مرتبطة مباشرة بأجهزة أمنية أو إلى رجال أعمال مقربين من السلطة. 

وبحسب ما وثقته الورقة البحثية فقد استحوذت شركة “إعلام المصريين”، المملوكة لجهاز المخابرات العامة عبر شركة “إيجل كابيتال”، والتي استحوذت على شبكات قنوات رئيسية مثل “أون تي في” بفروعها المختلفة، وحصة كبيرة من شبكة ” سي بي سي”، وراديو النيل، وعدد من المواقع والصحف الإلكترونية، إلى جانب حصص مؤثرة في شركات إنتاج سينمائي وتلفزيوني وشركات إعلانات وتسويق ورياضية. 

كما برزت شركة ” ميديا دي”، المملوكة لرجل الأعمال طارق إسماعيل والمقربة من المخابرات الحربية، والتي تمتلك شبكة قنوات”دي إم سي” وراديو 9090 وقناة الناس الدينية، فضلًا عن حصص في مواقع إلكترونية. وإلى جانب ذلك، توجد منصات وقنوات لم يُعلن على نحو واضح عن هياكل ملكيتها، كانت في فترات سابقة مملوكة لشركات خدمات أمنية ثم انتقلت إلى رجال أعمال على صلة وثيقة بالأجهزة الأمنية.

وبحسب الورقة فقد تزامنت هذه السيطرة على ملكية وسائل الإعلام مع خطة موازية لإحكام القبضة على الإنتاج الفني والثقافي، شملت المسلسلات التلفزيونية والأفلام السينمائية، حيث تراجعت الأعمال التي تتناول قضايا الفساد أو تجاوزات الأجهزة، وحلت محلها إنتاجات تمجد مؤسسات الدولة وتقدمها باعتبارها تحترم القانون والدستور.

في السياق يرى محمد عبد السلام، المدير التنفيذي لمؤسسة حرية الفكر والتعبير، أن مسألة ملكية وسائل الإعلام في مصر تعد محورًا أساسيًا لفهم واقع الصحافة والإعلام، سواء من زاوية الحريات أو من زاوية ترسيخ مهنة الصحافة وظروف الصحفيين. 

ويوضح عبد السلام في حديثه لزاوية ثالثة، أن الإعلام المصري كان تقليديًا حكوميًا بالكامل، يُدار عبر الإذاعة والتلفزيون، ومرّت ملكيته بمراحل مختلفة عبر الزمن، بدءًا من وزارة الإرشاد القومي وصولاً إلى وزارة الإعلام، مع وجود صحف حزبية محدودة الانتشار. وأضاف أن هذا الوضع كان قائمًا لعقود متواصلة في ظل حكم السادات ومبارك، حيث كانت المنافذ الإعلامية الرسمية مهيمنة على المشهد الصحفي.

يتابع عبد السلام أن الفارق الأساسي بدأ يظهر خلال السنوات العشر الأخيرة من عهد مبارك، مع ظهور الملكية الخاصة لوسائل الإعلام على نطاق واسع، إذ بدأت القنوات الفضائية الخاصة بالظهور وامتلاكها رجال أعمال، إذ ظهرت تجارب للصحف الخاصة بالإضافة إلى مواقع إلكترونية صحفية، كانت تُطلق بسهولة نسبيًا، سواء من قبل صحفيين شباب أو مستثمرين محدودي الموارد. وأوضح أن فترة ثورة 25 يناير ساهمت في زيادة عدد القنوات والمواقع الإلكترونية، مما أعطى دفعة لانتعاش فكرة الملكية الخاصة وتوسيع رقعة التنوع الإعلامي.

يضيف أنه بدءًا من الفترة التي أعقبت 2013، بدأت الدولة في إجبار رجال الأعمال الكبار على التنازل عن ملكية الشبكات التلفزيونية، مؤكداً أن تفاصيل هذه الصفقات لم تُعرف كلها بدقة إلى الآن، بما في ذلك ما إذا كانت قد أُجريت بمقابل مالي فعلي أو صوري، لأن هذه الشركات أصبحت تابعة للجهات السيادية. مشيرًا إلى أن تغيير هيكل الملكية ترافق مع تعديلات تشريعية جعلت فتح قناة أو موقع إلكتروني جديد عملية صعبة للغاية، سواء من الناحية المالية أو القانونية، بما في ذلك شروط الترخيص، ما حدّ من قدرة الصحفيين والإعلاميين على العمل ضمن أطر قانونية مستقرة، وهو ما ساهم في عملية حصار وتقييد الصحافة.

يؤكد عبد السلام أن تقييد الصحافة لم يكن ممكنًا دون انتقال الملكية إلى أجهزة الدولة، فإن التشريعات وحدها أو الممارسات الأمنية وحدها لم تكن فاعلة في السيطرة على المشهد الصحفي والإعلامي، وهو ما استوعبته الأجهزة الأمنية فإلى جانب ترسانة التشريعات لجأت إلى الهيمنة على ملكية معظم الصحف والمواقع الخاصة ما أسهم في إتمام الحصار والسيطرة على المشهد الإعلامي والصحفي في مصر.

 

الجميع تحت الأنظار

خلال السنوات الأخيرة، امتدت حالة التضييق على المجال العام لتشمل الفضاء الرقمي، إذ أولت السلطات المصرية اهتمامًا كبيرًا بتعزيز قدراتها على مراقبة المجال العام الافتراضي، خصوصًا شبكات التواصل الاجتماعي، من خلال الاستثمار في برمجيات التجسس والمراقبة الرقمية. وتشير “المراقبة الرقمية” إلى عمليات رصد وتتبع الأنشطة الرقمية للمواطنين، سواء عبر المكالمات الهاتفية، البريد الإلكتروني، الرسائل الفورية أو تصفح الإنترنت، بهدف جمع وتحليل البيانات لفهم سلوك المستخدمين.

وثقت ورقة منظمة هيومينا لحقوق الإنسان، قيام وزارة الداخلية على ممارسة محدودة لشراء تطبيقات ومعدات إلكترونية من القطاع الخاص، تهدف إلى تتبع أنشطة المستخدمين على الإنترنت، سواء فيما يتعلق بتبادل المعلومات والرأي في المجال العام أو في المحادثات والرسائل الخاصة. كما وثقت الورقة استخدام السلطات المصرية لتقنيات وبرمجيات مراقبة متقدمة، من بينها نظام “سرييرب” المقدم من شركة فرنسية  بدعم من دولة الإمارات العربية المتحدة، والتي سمحت للسلطات بتتبع المكالمات الهاتفية، الرسائل النصية والبريد الإلكتروني، ومراقبة النشاط على الشبكات الاجتماعية. بالإضافة إلى اختراق هواتف معارضين سياسيين بارزين داخل مصر وخارجها، كما حدث مع المعارض المصري أحمد الطنطاوي، عضو البرلمان السابق والمرشح الرئاسي، الذي جرى استهداف هاتفه برسائل تحمل روابط للتجسس خلال حملة تحضيره للترشح.

في السياق المؤسسي، رصدت الورقة دور النيابة العامة بمتابعة وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي منذ مايو 2018، وفقًا للتعليمات الصادرة عن النائب العام السابق، نبيل صادق، تعليمات لرؤساء النيابات العامة لمتابعة ما يُنشر من أخبار أو بيانات أو إشاعات “قد تكدّر الأمن العام أو تُلحق الضرر بالمصلحة العامة”، باستخدام مصطلحات مثل “النيل من أمن الوطن” و”إلقاء الرعب في نفوس أفراد المجتمع”، ما وصفته الورقة بأنه  يوسّع صلاحيات المراقبة لتشمل أي نشاط رقمي على الإنترنت.

كما أشارت الورقة إلى اللجنة الخاصة التابعة للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام المختصة بمتابعة صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، بهدف رصد التوجهات والأفكار السائدة لدى مختلف الفئات الاجتماعية والتغيرات التي تطرأ عليها، لتكون جزءًا من منظومة الدولة الواسعة للرقابة والتحكم في الفضاء الرقمي .

في ورقة بعنوان” التحول الرقمي في النيابة العامة.. مدخل للمراقبة الجماعية على الإنترنت” لمؤسسة حرية الفكر والتعبير، أوضحت أن دور النيابة العامة لم يعد مقتصر على تلقي البلاغات والشكاوى من الأفراد، بل أصبحت تمارس دورًا استباقيًا في رصد الجرائم والمخالفات وتعقّبها، بما يشمل إجراء تحريات أولية كان من المفترض أن تظل من صميم اختصاصات جهاز الشرطة بوصفه جهة تتبع السلطة التنفيذية.

ويترتب على ذلك، وفقًا لما جاء في الورقة،  أن عمل وحدة الرصد والتحليل لا يقتصر أثره على المساس بخصوصية مستخدمي الإنترنت وحرية الفكر والتعبير فحسب، بل يتعارض كذلك مع مبدأ الفصل بين السلطات الذي كرسه الدستور المصري، إذ باتت النيابة العامة تضطلع بمهام تُعد أصلًا من اختصاص الجهاز الشرطي، والذي يفترض أن يباشرها في إطار حالات محددة وبضوابط واضحة، لا على نحو جماعي أو واسع النطاق.

على مدار الاثنتي عشرة سنة من القيود المتراكمة على الفضاء المدني في مصر، تشكل مسار متكامل لإعادة هندسة المجال العام على نحو يفرغه من مضمونه السياسي والحقوقي، ويعيد تعريف المشاركة بوصفها امتيازًا مُقيدًا لا حقًا أصيلًا. وفي الوقت نفسه، تضافرت التشريعات المُقيدة، والممارسات الأمنية، والتحولات في ملكية الإعلام، وتوسيع أدوات المراقبة الرقمية، لتكون منظومة تُحكم السيطرة على التعبير والتنظيم والنقد.

وتكشف هذه المنظومة أن الدولة عملت على إنتاج بنية قانونية ومؤسسية أثرت سلبًا على الفضاء المدني، حيث تآكلت الثقة في جدوى العمل العام، وانتشرت أنماط الرقابة الذاتية والخوف من العقاب، ليصبح السؤال: هل من منفذ؟

Search