close

رئيس المؤسسة المصرية للنهوض بأوضاع الطفولة في حوار مع زاوية ثالثة: المدرسة لم تعد ملاذًا آمنًا للأطفال

في هذا الحوار مع زاوية ثالثة، يتحدث هاني هلال، رئيس المؤسسة المصرية للنهوض بأوضاع الطفولة، عن تكرار حالات الاعتداء الجنسي داخل المدارس المصرية، في ضوء تحقيق مدعوم بالبيانات أجرته زاوية ثالثة ورصد 75 حالة اعتداء خلال الفترة من نوفمبر 2023 حتى نوفمبر 2025 داخل المؤسسات التعليمية
Picture of شيماء حمدي

شيماء حمدي

في السنوات الأخيرة، تصاعدت القلق بشأن سلامة الأطفال داخل المدارس المصرية، بعد أن كشفت عدة تقارير عن وقوع حالات اعتداء جنسي وأعمال عنف داخل المؤسسات التعليمية، ما أثار جدلًا واسعًا حول مدى فعالية سياسات حماية الطفل المطبقة. وعلى الرغم من التأكيدات الرسمية من وزارة التربية والتعليم بأن هذه الحوادث فردية وأن المنظومة التعليمية بخير، تشير الوقائع والدراسات إلى وجود خلل بنيوي يحتاج إلى معالجة عاجلة لضمان بيئة آمنة للأطفال.

كانت “زاوية ثالثة” أجرت في ديسمبر الماضي تحقيقًا مدعومًا بالبيانات، رصدت خلاله 75 حالة اعتداء جنسي داخل المدارس المصرية خلال الفترة من نوفمبر 2023 حتى نوفمبر 2025. و فسّر السياسيون والحقوقيون هذه الأرقام على أنها مؤشر على تحول الاعتداءات من حالات فردية إلى ظاهرة متكررة، في حين نفت وزارة التربية والتعليم ذلك، مؤكدًة عبر متحدثها الرسمي أن هذه الوقائع حالات فردية، وأن المنظومة التعليمية بخير.

في سياق متصل، رفعت المؤسسة المصرية للنهوض بأوضاع الطفولة، بالتعاون مع الجمعية المصرية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، دعوى قضائية أمام محكمة القضاء الإداري، بموجب المادة 10 من لائحة قانون الطفل، اختصمت فيها وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، على خلفية تكرار حالات الاعتداء الجنسي في المدارس، للمطالبة بتفعيل الإجراءات القانونية لضمان حماية الأطفال.

في هذا الحوار، يوضح هاني هلال، رئيس المؤسسة، تفاصيل الدعوى القضائية، ونتائج تحقيق “زاوية ثالثة”، ويقدم رؤيته حول المطلوب من وزارة التربية والتعليم، ودور المجلس القومي للطفولة والأمومة، إضافة إلى معدلات العنف ضد الأطفال في المجتمع، ويرد على المطالبات بتعديل قانون الطفل لتغليظ العقوبات على الأطفال مرتكبي الجرائم، موضحًا ما يراه من منظور حماية الطفل وتطبيق سياسات تربوية وقانونية مناسبة.

 

إلى نص الحوار… 

 

المؤسسة المصرية بالتعاون مع الجمعية المصرية أقامتا دعوى قضائية بتفعيل المادة 10 من لائحة قانون الطفل ما هي تفاصيل الدعوى؟

خلال الفترة الماضية رصدنا عددًا من الحالات والانتهاكات داخل مؤسسات تعليمية مختلفة، وهذه الوقائع تشير بوضوح إلى غياب منظومة متكاملة للحماية داخل هذه المؤسسات. الواقع أن المؤسسة التعليمية في مصر ليست في أفضل حالاتها، بل يمكن وصفها، وفقًا للدراسات والأبحاث، بأنها طاردة للطفولة أكثر من كونها جاذبة لها، وهو ما يستدعي مراجعة شاملة للمنظومة التعليمية بأكملها.

بمعنى إعادة نظر جذرية تشمل كل عناصر العملية التعليمية، بدءًا من تأهيل القائمين عليها، مرورًا بالمناهج الدراسية، وصولًا إلى أوضاع المدارس نفسها من حيث المباني والتجهيزات. ما يحدث حاليًا يؤكد أن المشكلة ليست حادثة فردية، بل خلل بنيوي يحتاج إلى معالجة شاملة ومستدامة.

 الانتهاكات التي شهدناها مؤخرًا تكشف بوضوح عن عدم وجود سياسات وإجراءات حماية مطبقة فعليًا. وعندما تم تعديل قانون الطفل المصري عام 2008، كان هناك إصرار واضح على إدراج نصوص تلزم المؤسسات بتطبيق سياسات وإجراءات حماية، لكن هذه السياسات لا تعني مجرد نصوص قانونية أو لوائح مكتوبة، بل منظومة متكاملة من الإجراءات الواجب تنفيذها على أرض الواقع.

كما يجب أن تطبق هذه السياسات في جميع المؤسسات التي تتعامل مباشرة مع الأطفال، وليس فقط المدارس التابعة لوزارة التربية والتعليم. الحديث هنا يشمل المدارس، الحضانات، وأي مؤسسة تقدم خدمات للأطفال، وهو ما أكد عليه قانون الطفل المصري بشكل صريح.

الدعوى القضائية التي أقمناها تهدف إلى إلزام جهة تنفيذية بتطبيق قانون وطني قائم بالفعل، وهو قانون الطفل المصري، الذي ينص صراحة على ضرورة تطبيق سياسات وإجراءات الحماية داخل جميع المؤسسات المتعاملة مع الطفل.

تبدأ سياسات الحماية قبل تعيين العاملين، بل قبل إنشاء المؤسسة نفسها. عند بناء مدرسة، يجب مراعاة معايير الخصوصية والحماية، وتوفير وسائل مراقبة تضمن سلامة الأطفال. وعند تعيين العاملين، من المدير وحتى أصغر موظف، يجب التأكد من السجل الجنائي لكل منهم، وإجراء تقييم للحالة النفسية، وتقديم تدريب متخصص حول كيفية التعامل مع الأطفال وفقًا لمعايير الحماية المعتمدة. و الهدف هو خلق بيئة تعليمية آمنة للأطفال، تمنع وقوع الانتهاكات قبل حدوثها، وتتعامل معها بجدية في حال وقوعها، بدلًا من الاكتفاء بردود فعل متأخرة بعد وقوع الضرر.

 

أجرت زاوية ثالثة تحقيقات مدعوما بالبيانات من أرشيف الأخبار والقرارات الرسمية ورصدنا 75 واقعة اعتداء جميع هذه الحوادث وقعت داخل مرافق المدرسة وكانت للفصول الدراسية نصيب الأسد أو الأماكن البعيدة عن الكاميرات والأعين… كيف ترى ذلك؟

لا أرى أن الأمر أصبح ظاهرة، فتوصيف الأمر كـ”ظاهرة” يفترض وجود أرقام ونسب واضحة تشير إلى حجمها وانتشارها. حتى إذا تحدثنا عن 75 حالة خلال عامين، فهذا الرقم، رغم خطورته، لا يشير إحصائيًا إلى ظاهرة، لكنه في الوقت نفسه مؤشر خطير لا يجوز تجاهله.

كما يشير الأمر إلى أن طرق كشف هذه الاعتداءات تغيّرت، فلدينا اليوم وسائل إعلام ومنصات أكثر قادرة على تسليط الضوء على هذا النوع من القضايا. هذه الانتهاكات كانت موجودة منذ سنوات طويلة، لكنها لم تكن مرئية أو مطروحة بهذا الشكل. وتسليط الضوء هو ما يدفع المجتمع والمسؤولين إلى التوقف أمامها، لأن انتهاك طفل واحد وحده جريمة كبرى تستوجب التدخل الفوري.

ففي عام 2004 تقريبا كان لدينا مثال واضح  وهي قضية حضانة “نورهان” في المعادي، حيث ثبت وجود استغلال جنسي للأطفال داخل الحضانة لمدة عام كامل قبل اكتشاف أول حالة. هذه القضية كانت نقطة تحول، ودفعتنا للعمل على تعديل قانون الطفل، وهو ما تم بالفعل في عام 2008 ليشمل هذا النوع من الانتهاكات.

 

نوصي للقراءة: حين تتحول المدرسة من ملاذ آمن إلى فخ: 75 ضحية اعتداء في عامين

 

هل المشكلة في القوانين أم في تطبيقها؟

الإشكالية الأساسية ليست في القوانين. مصر لديها تشريعات كافية لحماية الأطفال، لكن المشكلة الحقيقية في غياب الالتزام بتنفيذ هذه القوانين. في كثير من الأحيان، عندما تتحدث مع موظف في جهة تنفيذية يقول لك: “لم تصلني تعليمات من الوزير”، أو “مدير الإدارة لم يبلغنا”. بينما الأصل أن صدور القانون ذاته كافٍ لبدء التنفيذ.

ما ينقصنا هو الوعي لدى القائمين على إنفاذ القانون، بدءًا من أعلى مستوى في الدولة وصولًا إلى أصغر موظف. هناك تدنٍ واضح في فهم حقوق الطفل ومفاهيم حمايته. ما زال الطفل يُعامل في كثير من الأحيان داخل الأسرة والمجتمع والمؤسسات على أنه “ملكية”، وليس إنسانًا له حقوق في مرحلة عمرية تستوجب الحماية والرعاية.

الأسرة نفسها في كثير من الحالات لا تعرف معنى التربية السليمة، ولا تفهم حقوق الطفل، ولا تمتلك الأدوات التي تمكّنها من اكتشاف ما إذا كان الطفل قد تعرض لانتهاك أم لا. المجتمع بأكمله يفتقر إلى ثقافة حقوق الطفل، وهي ثقافة أساسية لا غنى عنها لكنها غائبة.

 

وماذا عن التزامات الدولة دوليًا في هذا السياق؟

 مصر من أوائل الدول التي وقّعت على اتفاقية حقوق الطفل، وكانت من بين أول تسع دول على مستوى العالم. بل إن مدينة الإسكندرية استضافت أول مؤتمر دولي لإقرار الاتفاقية عام 1990. الاتفاقية تنص صراحة على ضرورة نشر ثقافة حقوق الطفل على نطاق واسع داخل المجتمع، لكن هذا الالتزام لم يُنفذ بالشكل المطلوب.

الأسرة نفسها لا تفهم معنى التربية السليمة، ولا تدرك ما هي حقوق الطفل، ولا تعرف كيف تحمي أبناءها، ولا كيف تميّز السلوكيات التي قد تشير إلى تعرّض الطفل لانتهاك من عدمه. كل هذا يجب أن يُدرج ضمن منظومة متكاملة نسميها “ثقافة حقوق الطفل”.


ماذا تقصدون بمنظومة ثقافة حقوق الطفل؟

هذه الثقافة يجب أن تكون موجودة في النوادي، وفي الحضانات، وفي المدارس. فدور الحضانة، وفق نصّ عليه القانون، لا يقتصر على رعاية الطفل فقط، بل يشمل أيضًا توعية الأسرة ونقل المعلومات لها. هذا الدور لا يُمارس كما ينبغي، فتظل الأسرة بلا وعي، والموظف القائم على إنفاذ القانون بلا وعي، والمسؤول الكبير في الدولة بلا وعي، وحتى البرلماني الذي يشرّع القوانين لحماية أطفالنا قد لا يكون لديه إدراك كافٍ بحقوق الطفل.

عندما عملنا على تعديلات قانون الطفل بين عامي 2003 و2008، كانت هناك إرادة سياسية حقيقية تتبنى مفهوم حقوق الطفل ومفاهيم الطفولة. وكانت تلك مرحلة ذهبية في تاريخ مصر. لكن الآن ما نطالب به الآن هو إعادة ملف الطفولة إلى صدارة أولويات الإرادة السياسية.

لأننا نتحدث عما يقرب من 50% من المجتمع، أي عن المستقبل كله. إذا كنا نبني دولة جديدة وجمهورية جديدة، فمن الضروري أن نبني الأطفال أولًا، ليقودوا هذه الجمهورية بشكل سليم.

 

وفقًا لتحقيق زاوية ثالثة أغلب المعتدين على الأطفال داخل المدارس من المعلمين، ما تعليقك؟

 الإحصائيات داخل مصر وخارجها تؤكد أن نحو 80% من حالات الاستغلال الجنسي للأطفال يرتكبها القائمون على رعاية الطفل: داخل الأسرة، أو من الأقارب، أو الجيران، أو الخدم، أو السائقين، أو أي شخص موضع ثقة. الطفل بطبيعته لا يثق في الغريب، بل يثق في القريب، وهذا القريب هو القادر على الوصول للانتهاك، والاحتفاظ به كسر، وتهديد الطفل به.

هنا تكمن الكارثة، القائم على رعاية الطفل هو المفترض أن يكون مصدر الأمان الذي يلجأ إليه الطفل عند الخطر. فإذا كان الخطر نفسه يأتي من هذا المصدر، يحدث خلل نفسي شديد لدى الطفل: من يحميني؟ ومن يعتدي عليّ؟ ولهذا شدّدنا في القوانين على تغليظ العقوبات إذا كان الجاني من القائمين على رعاية الطفل، لأن الأثر النفسي يكون أعمق وأخطر.

وعند صياغة العقوبات، نصت على مضاعفة العقوبة إذا كان الجاني من القائمين على رعاية الطفل. فإذا كانت العقوبة سنة في حالة الغريب، تصبح سنتين إذا كان المعتدي من داخل دائرة الرعاية، سواء كان مدرسًا أو أحد المسؤولين عن الطفل.

 

ما تعليقك على تصريح المتحدث باسم وزارة التربية والتعليم بأن الاعتداءات ليست ظاهرة ومنظومتنا التعليمية بخير؟
مع كامل الاحترام لأي مسؤول، المنظومة التعليمية ليست بخير، بل تمر بكارثة حقيقية فيما يتعلق بحماية الطفولة. نحن عرضنا على الوزارة تدريب كل فرقها على سياسات وإجراءات حماية الطفل، خاصة بعد الكوارث التي شهدناها.

 أصدرنا مؤخرًا دليلًا خاصًا بالوحدة الاجتماعية والنفسية لتدريب القائمين على رعاية الأطفال على قضايا الاستغلال الجنسي، ومن المقرر أن يصدر رسميًا خلال أيام. كما نعمل على إعداد كتيبات إرشادية للأسر تساعدها على اكتشاف ما إذا كان الطفل يمر بأزمة مرتبطة باستغلال جنسي.

المنظومة التعليمية لا تطبق سياسات وإجراءات الحماية بالشكل المطلوب. نسبة المدارس التي تحتوي على كاميرات مراقبة في الأماكن المختلفة ضعيفة جدًا. التركيز دائمًا يكون على المدارس الخاصة والدولية، بينما المدارس الحكومية شبه غائبة عن هذه الإجراءات. حتى القرارات الوزارية التي صدرت بعد بعض الكوارث، وُجّهت للمدارس الخاصة والدولية فقط، وليس لكل مدارس مصر.

ولا يجوز تقسيم التعليم إلى دولي وياباني وبريطاني وغيره. كل هؤلاء أطفالنا داخل منظومة تعليمية واحدة، والوزير مسؤول عن توفير بيئة آمنة لهم جميعًا. هناك جهود جيدة تُبذل، لكن فيما يخص الطفولة وحمايتها، لا يزال هناك غياب واضح للوعي بمعنى حماية الطفولة، وبأهمية وجود سياسات وإجراءات واضحة وملزمة داخل المنظومة التعليمية.

لذلك، أقمنا هذه الدعوى القضائية لإلزام الجهات المعنية بتطبيق سياسات حماية الطفل، وإلزام المسؤولين والمتعاملين المباشرين مع الأطفال بتعلمها والتدرب عليها.

 إذا عدنا للتاريخ، سنجد أن الانتهاكات ضد الطفولة لم تحدث فقط في السنتين أو الثلاث الماضية، بل عبر سنوات طويلة. لدينا وقائع لمدرسين تحرشوا بفتيات داخل المدارس، وكانت العقوبة نقلهم إلى مدرسة أخرى ليتحرشوا بطفلة جديدة. ولدينا وقائع لمدارس قامت بقص شعر الأطفال، وتم نقلها إلى مدارس أخرى لممارسة السلوك نفسه.

 

نوصي للقراءة: عام على اختطاف القرضاوي: تواطؤ لبناني وإخفاء إماراتي

 

وفقا لتحقيق زاوية ثالثة فإن العقوبات الإدارية أكثر من الجنائية في الاعتداءات على الطلاب والطالبات في المدارس، ما تعليقك؟

 لا يوجد شيء اسمه عقوبات إدارية في هذه الحالات. هذه جرائم وجنايات ارتُكبت ضد أطفالنا، ويجب أن تُحال إلى القضاء. ما يحدث الآن هو منطق التستر، وهو نفس منطق التكتم في قضايا مثل زنا المحارم داخل الأسرة، خوفًا من “الفضيحة”. هذا المنطق نفسه موجود داخل المدارس، حيث يُغلق الموضوع داخليًا حتى لا يُفتضح الأمر في الإدارة أو المديرية أو الوزارة، بينما لا أحد يهتم بالطفل.

الطفل لا يكون على رأس الأولويات، بل يُنظر إليه كملكية، وليس كإنسان له حقوق يجب حمايتها. وعندما يرى الطفل أن من انتهكه لم يُعاقب، بل نُقل من مكان إلى آخر، فالرسالة التي تصل إليه أنه يجب أن يُنتهك ويسكت، وأن هذا هو دوره في المجتمع.

 في هذه الحالة، لن ننجح في إعادة تأهيل الطفل نفسيًا واجتماعيًا أو دمجه في المجتمع، لأن ذاكرته ستظل محتفظة بأن الجاني لم يُعاقب. أما إذا عوقب الجاني، وكان الطفل على علم بذلك وشعر بالعدالة، فهنا فقط يمكننا إعادة تأهيله وكسبه مرة أخرى للمجتمع. استمرار الإفلات من العقاب يعني أننا ندمر المستقبل كله.

على سبيل المثال أحد المدارس التي حدث فيها اعتداءات مؤخرًا، المعتدي تم فصله عن العمل لعام لنفس السبب قبل أن يعود مرة أخرى للعمل، نحن نتحدث عن شخص تم إيقافه لمدة عام كامل سابقًا بسبب ارتكابه الاعتداء نفسه، وكان الاعتداء قد وقع داخل المدرسة، ثم عاد مرة أخرى إلى المدرسة. هذا يعني أننا أمام إعادة إنتاج لجريمة داخل المؤسسة التعليمية. والسؤال هنا: من المسؤول عن ذلك؟ المسؤول هم القائمون على العملية التعليمية، وثقافة القائمين على العملية التعليمية نفسها.

نحن نتحدث عن جرائم ارتُكبت بحق أولادنا، بحق أطفال. السؤال الحقيقي: أين الإجراءات التي اتخذتها الوزارة لإعادة الإحساس بالكرامة الإنسانية لهؤلاء الأطفال؟ الكرامة الإنسانية أُهدرت داخل المؤسسة التعليمية، ولم تُتخذ إجراءات كافية وجادة للتعامل مع ذلك.

 في النهاية، تكون هناك إجراءات شكلية، وبعدها يستطيع صاحب المدرسة أو الشركة المالكة، من خلال القانون، أن يعيد المدرسة مرة أخرى إلى العمل، وكأن شيئًا لم يكن. نُهدئ الرأي العام في وقتها، ثم ينتهي الموضوع.

 

ما الذي كان يجب أن يحدث من وجهة نظركم، وما رأيكم في وضع المدارس الدولية والخاصة تحت الإشراف الوزارة عقب هذه الانتهاكات؟

 هناك إجراءات واجبة الاتباع. كان من الطبيعي جدًا، في مثل هذه الوقائع، أن يتم سحب ترخيص المدرسة بالكامل، وليس مجرد وضعها تحت إشراف إداري لفترة مؤقتة إلى حين انتهاء التحقيق. صاحب المدرسة التي وقع داخلها اعتداء على طفل أثبت أنه غير قادر على إدارة مؤسسة تعليمية، وبالتالي غير مؤهل لأن يحمل ترخيصًا لمؤسسة تعليمية داخل مصر.

 

 أولادنا أغلى بكثير جدًا من الاستثمار في التعليم. لا يجوز أن يكون تقييمنا للاستثمار في التعليم أعلى من قيمة الطفل. نحن نريد أن يكون الطفل هو الأغلى، وليس الاستثمار.

 

كيف ترى دور المجلس القومي للطفولة والأمومة حاليًا؟

 لا أستطيع الإجابة على السؤال بشكل مباشر، لكن دعيني أقول إن المجلس القومي للطفولة والأمومة لعب في فترات معينة أدوارًا عظيمة جدًا. صدور قانون الطفل، وضمّ المجتمع المدني في قاطرة واحدة لحماية الطفولة، كان نتاج سنوات طويلة من العمل الجاد.

المجلس القومي يمر بمراحل انتقالية عديدة خلال الفترة الماضية. نحن ناضلنا كثيرًا من أجل استقلالية المجلس عن وزارة الصحة، ونجحنا بالفعل في إخراجه من تبعية وزارة الصحة، وصدر قانون باستقلاله وتبعيته لرئاسة الجمهورية.

هذا يعني أن لدينا مجلسًا يمتلك قوة وسلطة حقيقية. لدينا مجلس يتبع رئاسة الجمهورية، وهذا يعطيه قوة وسلطة حقيقية لفرض ثقافة حقوق الطفل، وفرض سياسات وإجراءات حماية الطفل داخل كل مؤسسات الدولة. دور المجلس وفق تأسيسه أن ينسق مع كل الوزارات المعنية بالطفولة وأن يضع السياسات اللازمة. لكن، حتى الآن، أعتقد أن المجلس لم يصل بعد إلى هذا المستوى المطلوب. المجلس يحتاج لإعادة بناء علاقاته مع المجتمع المدني، لأن المجتمع المدني قادر على مساعدة المجلس في تأسيس هذه السياسات والضغط على الحكومة لتطبيقها.

 

هناك أطفال يرتكبون أعمال عنف في حق أطفال آخرين ما دفع بعض البرلمانيين للمطالبة بتعديل قانون الطفل، فما رأيك؟

الثقافة الخاصة بالطفولة تشمل حقوق الطفل، والتربية الوالدية الإيجابية. على سبيل المثال، إذا ارتكب طفل جريمة ضد طفل آخر، هل الطفل هو المسؤول الكامل عن تصرفاته؟ أم البيئة التي تربى فيها وطريقة تربيته هي التي أدت لذلك؟ إذا كانت الأسرة واعية بمفاهيم التربية الوالدية وحقوق الطفل، سينشأ طفل سوي. 

عندما نرى طفلاً ارتكب جريمة، يجب أن نحاسب أسرته والقائمين على تربيته. وهذا ما نطالب به دائمًا في القضايا التي نتدخل فيها. على سبيل المثال خلال فترة من الفترات تم اتهام بعض الأطفال بحرق المجمع العلمي أو ارتكاب أعمال عنف أثناء ثورة يناير، لكننا رفضنا كل هذا الكلام و أثبتنا أن هؤلاء الأطفال استُغلوا من قبل آخرين. هؤلاء الآخرون هم من يجب أن يُحاكموا، وليس الأطفال أنفسهم. مثال آخر، أثناء تدريبي على سياسات الحماية في إحدى مدارس مدينة نصر، اكتشفنا أن طفلاً يسرق صنابير المياه باستمرار، وعند تتبع الموضوع تبين أن والده هو من يحثه على ذلك. هنا، الطفل ليس المخطئ الأساسي، بل من يجب حمايته هو الطفل نفسه من البيئة التي تربيه.

 ارتفاع معدل العنف ضد الأطفال مرتبط بشكل مباشر بضعف ثقافة حماية الطفل لدى القائمين على رعايتهم. الأطفال فئة ضعيفة غير قادرة على حماية نفسها، ومطلوب من القائمين على رعايتهم حمايتهم. للأسف، الكثير من الأسر والموظفين والمحليات والوزارات والحكومة نفسها بحاجة إلى تثقيف وتوعية في هذا المجال، وملف الطفل يجب أن يعود إلى صدارة أولويات الدولة.

تحديد سن 18 سنة للطفولة ليس مجرد اتفاقية دولية. علماء النمو وعلماء النفس والعلماء المعنيون بالتطور البشري وضعوا منحنى للنمو العقلي والجسدي والنفسي للإنسان، يبدأ من 18 سنة حتى 21 سنة، حيث يثبت استقرار النمو عند سن 21. لذلك، قبل هذا السن، الطفل غير مسؤول مسؤولية كاملة عن تصرفاته.

 ج: عالميًا، في حالة الجرائم التي يرتكبها الأطفال، يُطبق مبدأ النزول درجتين في العقوبات مقارنة بالبالغين. أقصى عقوبة للأطفال في العالم هي 15 سنة، وفي مصر أيضًا الحد الأقصى 15 سنة، حتى في حالة القتل. ولا يوجد إعدام للأطفال سوى في أربع دول في العالم. لذلك، عندما نجد برلمانيين يقترحون تغليظ العقوبات على الأطفال أو خفض سن الطفولة، فهذا مؤشر على أزمة كبيرة داخل البرلمان، ويحتاج إلى توعية حقيقية بقوانين الطفولة وحقوق الطفل المتعارف عليها دوليًا.

 

ما دور الذي كان يجب على البرلمان القيام به في البرلمان السابق وتأمل أن يقوم به في البرلمان الجديد؟

 هناك غياب واضح لدور البرلمان الرقابي على تطبيق التشريعات، حتى تلك التي أصدرها البرلمان نفسه مثل قانون الطفل 126 لسنة 2008. لو كان هناك متابعة حقيقية لتطبيق سياسات وإجراءات حماية الطفل داخل الوزارات، ولو كان هناك مساءلة جادة، لكنا قللنا الانتهاكات والعنف ضد الأطفال بشكل كبير.

 

وكيف يمكن معالجة هذا الوضع؟

البرلمان الجديد بحاجة إلى تدريب شامل على مفاهيم حقوق الإنسان وحقوق الطفل، مع الاستعانة بالأدلة الدولية. على سبيل المثال، يمكن دراسة تجربة جنوب أفريقيا في ميزانية الدولة وتوزيعها على الحقوق، بما فيها حقوق الطفل. 

البرلمان يجب أن يراقب الميزانية العامة للدولة ويحدد المخصصات لحماية الطفل. المجتمع المدني جاهز للقيام بهذا الدور، وعلينا إعادة تفعيل الدور الرقابي للبرلمان ليصبح فعليًا ويعبر عن مصالح الأطفال والمجتمع المصري.

شيماء حمدي
صحفية مصرية، تغطي الملفات السياسية والحقوقية، وتهتم بقضايا المرأة. باحثة في حرية الصحافة والإعلام والحريات الرقمية.

Search