close

الغاز الطبيعي في ملايين المنازل: إنجاز يوصل الخدمة وإخفاق يحصد الأرواح

116 وفاة بينهم 37 طفلًا و233 إصابة خلال عامين فقط بسبب تسرب الغاز الطبيعي داخل منازل مصرية، في ظل تأكيد 98 مواطنًا غياب الصيانة الدورية.
Picture of شيماء حمدي

شيماء حمدي

في الوقت الذي تواصل فيه الحكومة المصرية التوسع بوتيرة متسارعة في توصيل الغاز الطبيعي إلى ملايين المنازل باعتباره أحد مشروعات البنية التحتية الأكثر حيوية خلال العقد الأخير، تتصاعد في المقابل أرقام ضحايا حوادث تسرب الغاز داخل الوحدات السكنية، في مفارقة تطرح تساؤلات ملحّة حول كلفة هذا التوسع حين لا تقترن به منظومة رقابة وصيانة فعالة، فبينما تُقدَّم الخدمة باعتبارها نقلة نوعية تقلل الاعتماد على أسطوانات البوتاجاز، تكشف الوقائع المتكررة غياب إجراءات السلامة لتجنب تكرار الحوادث.

ومنذ عام 2014، بدأت الحكومة المصرية خطة  توصيل الغاز الطبيعي للمنازل بمختلف محافظات الجمهورية، بهدف تقليل الاعتماد على أسطوانات الغاز. ووفق بيانات رسمية، بلغ إجمالي عدد الوحدات السكنية التي تم توصيل الغاز إليها خلال عام 2025 نحو 572 ألف وحدة سكنية، ليصل الإجمالي منذ بدء النشاط في عام 2014 إلى نحو 15.5 مليون وحدة سكنية. ورغم أهمية هذه الخطوة، فإنها تفتح الباب للتساؤل حول مدى تأمين المواطنين من مخاطر انبعاثات وتسربات الغاز الطبيعي، الذي أُطلق عليه إعلاميًا بـــ”القاتل الصامت” نظرًا لتسببه في حصد أرواح عديدة دون سابق إنذار.

رصدت “زاوية ثالثة”  113 حالة تسرب للغاز الطبيعي أسفرت عن 349 ضحية بين قتلى ومصابين، وذلك في الفترة من يناير 2024 حتى يناير 2026. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الوقائع هي فقط التي تم نشرها، نظرًا لارتباطها بخسائر بشرية أو مادية، ما يشير إلى احتمال وقوع حوادث أخرى لم يتم رصدها أو نشرها لعدم تسجيلها خسائر ملموسة.

وقد جُمعت بيانات هذه الوقائع من أرشيف الأخبار، والبيانات الرسمية الصادرة عن النيابة العامة التي تولت التحقيق في هذه الحوادث، كذلك بحثنا في ثلاثة مواقع صحفية باستخدام كلمات بحث: “تسرب غاز” و”تسريب غاز”، وتم استبعاد جميع الأخبار التي تناولت حوادث ناتجة عن أسطوانات الغاز، والتركيز فقط على الوقائع المرتبطة بتسرب الغاز الطبيعي داخل الوحدات السكنية، إلى جانب استبعاد وقائع التسرب التي حدثت في الأماكن التجارية أو  الشوارع نتيجة أعمال الحفر أو غيرها من الأسباب.

يتتبع التحقيق حوادث تسرب الغاز الطبيعي في مصر داخل الوحدات السكنية خلال الفترة من يناير 2024 حتى يناير 2026، في ظل عدم وجود إحصائيات رسمية عن عدد الوقائع، وتحليل أسباب تلك الوقائع المتكررة، ورصد أوجه القصور في منظومة المراقبة والصيانة، إضافة إلى فحص مسؤولية الجهات الحكومية وشركات الغاز عن حماية المواطنين من مخاطر جسيمة، مع غياب خطة شاملة لتوفير السلامة للمواطنين.

وتنوعت الوقائع بين حالات اختناق أدت إلى إصابات أو وفيات أو كلاهما معًا، وحرائق، بالإضافة إلى تضرر بعض العقارات كليًا أو جزئيًا نتيجة انفجار ماسورة الغاز. كذلك وجود ممارسات غير قانونية يقوم بها بعض العاملين في شركات الغاز، تتمثل في تنفيذ أعمال توصيل لبعض الأجهزة، وفك وتركيب مواسير الغاز داخل الوحدات السكنية، دون علم الشركات التابعين لها، وذلك بعد إيهام المواطنين بأنهم سيقومون بإبلاغ الشركة رسميًا نيابةً عنهم.

ويستند التحقيق إلى شهادات مواطنين متضررين، وتسجيلات صوتية لبعض هؤلاء العمال، إضافة إلى إفادات عاملين في خدمة العملاء أكدوا عدم صحة هذا الإجراء ومخالفته للوائح المعمول بها داخل الشركات وفقًا لتسجيلات صوتية حصلت عليها زاوية ثالثة.

 

نوصي للقراءة: “أهلًا رمضان” تعِد بالتخفيض.. والسلة الغذائية تقول غير ذلك


القاتل الصامت داخل البيوت

خلال الفترة من يناير 2024 حتى يناير 2026 رصدنا 113 واقعة تسرب للغاز الطبيعي داخل الوحدات السكنية في عدد من المحافظات المختلفة. وسجل شهر يناير 2026 وحده 17 حالة، مقارنة بـ 11 حالة في يناير 2024 ويناير 2025، وشهري يناير وديسمبر وهما شهور فصل الشتاء كان لهما نصيب الأسد من الحوادث التي وقعت خلال آخر عامين.

 

 وعلى مستوى السنوات، وقعت 55 حالة في عام 2025  بالمقارنة بـ” 41″ حالة في عام 2024، ما يشير إلى تزايد عدد الوقائع بالتزامن مع التوسع في وصول الغاز إلى المناطق المختلفة، دون وجود مؤشرات على إجراء أعمال صيانة دورية من قبل شركات الغاز للحد من هذه الحوادث.

وعلى مستوى المحافظات جاءت محافظة الجيزة الأكثر تسجيلًا للحوادث، إذ شهدت وحدها 31 واقعة خلال العامين الأخيرين، تلتها القاهرة في المرتبة الثانية بـ 20 واقعة، ثم بني سويف بـ 14 واقعة. في المقابل، سجلت محافظات أسوان وأسيوط ودمياط وقنا أدنى معدلات الوقائع، وهي المحافظات التي يتم العمل عليها والمخطط لها التوسع في توصيل الغاز الطبيعي والخدمات المرتبطة به.

 

وشهدت مناطق تكرار حوادث تسرب الغاز بشكل لافت على فترات، من بينها مدينة بني سويف الجديدة التي تشهد توسعًا في توصيل الغاز الطبيعي إلى الوحدات السكنية منذ العام 2016. إذ سجلت المدينة وحدها 13 حادثة من إجمالي 14 على مستوى محافظة بني سويف، دون الإعلان عن تدخل رسمي لدراسة أسباب تكرار هذه الحوادث، أو آليات السيطرة عليها ومنع تكرارها. 

وعن نوع الضرر الذي تسببت فيه وقائع تسرب الغاز، فقد تصدرت حوادث الاختناق النسبة الأعلى بـ “98” حادثة تسببت في وقوع قتلى أو مصابين أو كلاهما، بينما جاءت الحرائق والانفجارات وتضرر العقار في المرتبة الثانية بإجمالي 13 واقعة، بينما وثقت حالتين تسرب فقط دون وقع أي ضرر مادي أو بشري.

 

 

أسفرت وقائع الاختناق والحرائق الناتجة عن تسرب الغاز خلال الفترة التي يغطيها التحقيق عن 116 حالة وفاة، من بينهم 37 طفلًا، إضافة إلى 233 حالة إصابة، من بينهم 52 طفلاً، وفق ما ورد في البيانات الموثقة في الفترة التي يرصدها ويحللها التحقيق.

مع تكرار وقائع تسرب الغاز، تقدمت الدكتورة سارة النحاس، عضو لجنة الصحة بمجلس النواب في يناير الماضي، بطلب إحاطة إلى رئيس مجلس النواب لتوجيهه إلى رئيس الوزراء ووزير البترول، بشأن تكرار حوادث تسرب الغاز في المنازل. وأوضحت أن هذه الحوادث ناتجة عن تسرب غاز أول أكسيد الكربون من أجهزة ومحركات تفتقر إلى التهوية المناسبة، خاصة في الأماكن المغلقة، وهو غاز عديم اللون والرائحة يمكن أن يسبب أضرارًا صحية خطيرة تصل إلى الوفاة خلال دقائق.

وشددت النائبة على أن تكرار هذه الحوادث يعود إلى غياب الرقابة والصيانة الدورية من شركات الغاز، سواء فيما يتعلق بصيانة شبكات التغذية المنزلية أو وضع آليات تحذيرية للكشف المبكر عن التسريب والأعطال، مؤكدة أن توفير هذه الإجراءات أساسي لضمان سلامة المواطنين ومنع تكرار الحوادث المأساوية.

كذلك تقدم النائب عمرو درويش عضو تنسيقية شباب الأحزاب والسياسين، بطلب إحاطة للبرلمان عن تكرار وقائع تسرب الغاز، ففي منشور له صفحته الخاصة بالفيسبوك، أشاد بجهود الدولة في تقديم خدمات توصيل الغاز الطبيعي للمواطنين، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة الانتباه إلى المخاطر عندما تتحول هذه الخدمة إلى تهديد للحياة. وأضاف أن تركيب أجهزة ذاتية الإغلاق تعتمد على استشعار الخطر أصبح أمرًا ضروريًا يجب على شركات الغاز أخذه بعين الاعتبار لضمان سلامة المستهلكين.

 

نوصي للقراءة: رئيس المؤسسة المصرية للنهوض بأوضاع الطفولة في حوار مع زاوية ثالثة: المدرسة لم تعد ملاذًا آمنًا للأطفال

الصيانة الدورية

وبينما كشفت بيانات الوقائع التي جُمعت من أرشيف الأخبار والبيانات الرسمية وتحليلها عن تكرار حوادث تسرب الغاز، أتاح استبيان أجرته “زاوية ثالثة” التعرف أكثر في الأسباب المحتملة، إذ أكد المشاركون في الاستبيان غياب أي أعمال صيانة دورية من قبل شركات الغاز، ما يعزز الشكوك حول ارتباط هذه الحوادث بشكل مباشر بـ” إهمال الصيانة والرقابة”، في ظل اهتمام الحكومة المصرية بالتوسع في إدخال الغاز الطبيعي إلى الوحدات السكنية.

وجُمعت بيانات الاستبيان من 110 مواطنين، تم اختيارهم عبر نشر الاستطلاع على عدد من مواقع التواصل الاجتماعي، وشملت العينة رجالاً ونساءً بمختلف الأعمار والخلفيات والوظائف والمناطق السكنية والجغرافية، لضمان التنوع الجغرافي. 

جاءت المشاركة في الاستبيان من 15 محافظة، وهي (الإسماعيلية، أسوان، الإسكندرية، الجيزة، الدقهلية، السويس، الشرقية، الغربية، الفيوم، القاهرة، القليوبية، المنوفية، المنيا، بورسعيد، دمياط). وسجل 94 مشاركًا مدة اشتراك أكثر من 3 سنوات. بينما كان 12 مشاركًا قد اشتركوا في الخدمة لمدة من 1 إلى 3 سنوات، و4 مشاركين فقط كانت مدة اشتراكهم أقل من سنة. فيما أكد 98 مشاركًا أنهم لم يتلقوا خدمة الصيانة الدورية من شركة الغاز المتعاقدة طوال فترة التعاقد.

 

وتناقض نتائج الاستبيان ما أوردته رئاسة مجلس الوزراء في منشورها على صفحتها الرسمية بتاريخ 10 فبراير 2022، مؤكدة على تطبيق كافة إجراءات الأمن والسلامة، ضمن خطة الدولة للتوسع بتوصيل الغاز الطبيعي للمنازل بمختلف المحافظات.

وتشمل هذه المعايير توجيه العملاء بتعليمات التشغيل والطوارئ ووضعها على العداد بشكل دائم، وإعداد جداول صيانة دورية لجميع مكونات الشبكة تحت إشراف الشركة القابضة للغاز “إيجاس”، وتقديم خدمة الطوارئ على مدار 24 ساعة طوال أيام الأسبوع، مع الالتزام الكامل بإجراءات السلامة والصحة المهنية. إلا أن نتائج الاستبيان كشفت عن غياب الصيانة الدورية وعدم تطبيق هذه المعايير بشكل فعلي لدى شركات الغاز، ما يعكس فجوة بين السياسات الرسمية والواقع الميداني- بحسب منشور رئاسة الوزراء.

في ظل تكرار الوقائع، أكد 100 مشارك في الاستبيان على أهمية تركيب كاشف لتسريب الغاز من قبل شركات الغاز، إلى جانب تنفيذ الصيانة الدورية والفحص الفني المنتظم للشبكات والأجهزة، لضمان الكشف المبكر عن أي تسريب أو عطل، وتفادي تكرار الوقائع ووقوع إصابات أو وفيات.

 

تعليقًا على نتائج الاستبيان ترى الدكتورة سارة النحاس عضو مجلس النواب عن حزب مستقبل وطن، في حديثها لـ”زاوية ثالثة” أن هناك مسؤولية واضحة على شركات الغاز، فزيادة حالات التسريب تعكس خللاً في منظومة الصيانة والمتابعة، وليست مجرد وقائع فردية. 

وتشير النحاس إلى نتائج الاستبيان، التي أكد فيها 98 مواطن عدم إجراء أي صيانة منذ التركيب، تشكل دليلًا قويًا يحمّل الشركات مسؤولية مباشرة عن التقصير. وتضيف 

في السياق ذاته، يعلق إبراهيم عز الدين الباحث في ملف الحق في السكن، بأن المعايير والممارسات الدولية المستقرة تؤكد أن سلامة مرافق الغاز في المساكن ليست مسألة تقنية ثانوية، بل التزام قانوني وحقوقي يقع على عاتق شركات الإسكان والإنشاء والجهات المسؤولة عن إدارة المباني. 

ويضيف في حديثه لـ” زاوية ثالثة” أن الحق في السكن الملائم، نصت عليه المادة (11) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفسرته اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في تعليقها العام رقم (4)، يقتضي أن يوفر المسكن الحماية من المخاطر الهيكلية والبيئية التي تهدد صحة وحياة السكان، ومن بينها مخاطر تسرب الغاز والانفجارات والاختناق بأول أكسيد الكربون. 

ويشير عز الدين إلى أمثلة عملية من دول مثل المملكة المتحدة وكندا وعدد من دول الاتحاد الأوروبي، إذ تلتزم الشركات بإجراء فحوصات دورية إلزامية، غالبًا سنوية، لشبكات الغاز والأجهزة المتصلة بها، على أن تتم هذه الفحوصات بواسطة فنيين معتمدين وفق معايير واضحة، مع توثيق نتائجها وإلزام الجهات المسؤولة بمعالجة أي خلل يتم رصده قبل السماح باستمرار الإشغال.

ويتابع بأن المعايير الفنية المعتمدة، مثل كود الغاز الصادر عن الرابطة الوطنية للحماية من الحرائق (NFPA) ومعايير المنظمة الدولية للتوحيد القياسي (ISO)، تشدد على ضرورة الالتزام بتصميمات هندسية آمنة لشبكات الغاز، تشمل استخدام مواد مقاومة للتآكل والضغط، وضمان التهوية الكافية، والفصل بين شبكات الغاز وباقي المرافق الحيوية داخل المبنى. 

وإلى جانب ذلك، تعتبر الصيانة الوقائية المنتظمة واستبدال الأجزاء المتهالكة قبل تعطلها، وتركيب أجهزة كشف تسرب الغاز وأول أكسيد الكربون داخل الوحدات السكنية، من المتطلبات الأساسية المعترف بها دوليًا للحد من الحوادث المحتملة، يقول عز الدين.

ويوضح الباحث في ملف الحق في السكن أن هذه الالتزامات لا تقتصر على الجوانب الفنية فقط، بل تمتد إلى ضمان الشفافية وإخطار السكان بنتائج الفحوصات ومخاطر الاستخدام غير الآمن، وتوفير تعليمات واضحة للتعامل مع حالات الطوارئ، بما يعزز قدرة الأفراد على حماية أنفسهم. 

ويختتم عز الدين حديثه بأن أي إخلال بهذه الالتزامات، سواء من خلال غياب الفحص الدوري أو ضعف الرقابة أو الاكتفاء بالتدخل بعد وقوع الحوادث، لا يمثل قصورًا إداريًا فحسب، بل يشكل مساسًا جوهريًا بالحق في السكن الملائم، وإخفاقًا في الوفاء بالواجبات المترتبة على الشركات والدولة في حماية الحق في الصحة والحياة داخل المسكن.

من جهته، يقول المهندس أحمد يحيى، استشاري إدارة السلامة والصحة المهنية والبيئة، إن تشريعات السلامة الدولية تحدد أنواع المخاطر المحتملة وطرق الوقاية منها من خلال تحليلها وتقييمها، مشيرًا إلى أن المسؤولية القانونية عن هذه المخاطر تقع على عاتق الشركات المنتجة والمنفذة.

ويضيف أن ذلك يفرض على الشركات والمقاولين المسؤولين عن توصيل الغاز للمنازل الالتزام بهذه التشريعات، سواء عبر نشرات التوعية أو من خلال المتابعة الميدانية الدورية للمنازل، حتى بعد مرور فترة على التوصيل، للتأكد من الالتزام بالتعليمات وفهم السكان لإجراءات السلامة، للحد من المخاطر المحتملة. ويؤكد أن الشركات ملزمة بذلك التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا.

 

نوصي للقراءة: حين يحذرك من اشتراه: الاتصالات تنبه من برمجيات إسرائيلية دفعت مصر ملايين الدولارات لاستخدامها

وجه آخر لانعدام الرقابة

لم تتوقف أزمات تسرب الغاز عند مرحلة انعدام الصيانة الدورية من الشركة وحسب، بل تمثلت أيضًا في بطئ الاستجابة أحيانَا، ما يدفع بعض المواطنين إلى البحث عن بدائل ما خلق مسارات موازية للإبلاغ عن الأعطال من قنوات رسمية إلى مسارات شخصية غير خاضعة للرقابة.

 وأظهرت نتائج الاستبيان أن 60 مشاركًا، لم يختبروا تجربة الاستجابة من شركات الغاز، بينما أشار 25 مشاركًا إلى أن الاستجابة تحدث خلال ساعات، بينما ذكر 21 مشاركًا أن الاستجابة تستغرق من يوم إلى يومين، فيما رأى 4 مشاركين أن الاستجابة تستغرق أكثر من ذلك. 

 

تقول فاطمة عبد الرازق (اسم مستعار)، مواطنة مصرية من محافظة القليوبية، إنها تلجأ عند حدوث أي مشكلة متعلقة بالغاز الطبيعي إلى أحد العمال التابعين لشركة الغاز، والذي تعرّفت عليه من خلال جيرانها، إذ أنه سريع الاستجابة.

وتوضح فاطمة في حديثها لـ”زاوية ثالثة” أنه يعمل بإحدى شركات الغاز، ويعرّف نفسه للسكان باعتباره حلقة الوصل بينهم وبين الشركة، ويتولى تلقي البلاغات منهم مباشرة، على أن يقوم هو بإبلاغ الشركة لاحقًا، دون أن يضطر المواطنون للتواصل مع خدمة العملاء.

وتتابع: “العامل يزور العميل لأول مرة بعد اتصاله بالشركة، ثم يمنحه رقم هاتفه، بحيث يتم التواصل معه مباشرة في المرات اللاحقة دون الرجوع إلى الشركة”.

وفي محاولة صحفية للتحقق من صحة هذا الادعاء، تواصلت معدّة التحقيق مع العامل على أنها مواطنة قاطنة بأحد أحياء محافظة القليوبية، وترغب في فك مواسير الغاز بسبب أعمال تكسير وإصلاح في حوائط الحمام والمطبخ، فأكد العامل أنه يستطيع الحضور مباشرة دون الحاجة إلى التواصل مع الشركة، وأن الاتصال به يكفي، على أن يتولى هو إبلاغ الشركة.

من جهتنا، تواصلنا مع خدمة عملاء ثلاثة شركات مختلفة للتحقق من صحة ادعاءات العامل، لكن جميعهم أكدوا أن الإبلاغ عن فك وتركيب مواسير الغاز (فك الديكور)، أو عن أي أعطال فنية، يتم حصريًا من خلال التواصل المباشر مع الشركة، مشددًا على أن ادعاء بعض العمال أنهم حلقة وصل بين المواطن والشركة “غير صحيح”، ويقع ضمن محاولات النصب.

تعقيبًا، تقول سارة النحاس عضو مجلس النواب، إن قيام بعض عمال شركات الغاز بأعمال تركيب أو فك خارج الإطار الرسمي يعد إجراءً غير قانوني وخطير، ويستوجب تشديد الرقابة والمساءلة على الشركات، وتجريم أي تدخل فني خارج القنوات المعتمدة حرصًا على سلامة المواطنين. مشددة على ضرورة أن يتأكد الأهل من شخصية الفني وطبيعة عمله، والحصول على تصريح رسمي من الشركة التابعة لها قبل السماح له بالدخول.

وعن المسؤولية القانونية الواقعة على الشركات جراء وقائع تسرب الغاز، يقول حمدي خلف، المحامي بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إن تحديد المسؤولية في حوادث الغاز لا يمكن أن يستند إلى سبب واحد أو ظروف موحدة، مشددًا على ضرورة دراسة كل واقعة على حدة، لتحديد ما إذا كان الحادث ناتجًا عن سوء استخدام من جانب المتعاقد، أم عن إهمال من شركة الغاز.

ويعتبر خلف تأكيد أكثر من 90 مشارك في الاستبيان على عدم تلقيهم  خدمة الصيانة الدورية،  بالمخالفة صريحة لشروط التعاقد بما يضع الشركات أمام المسؤولية المدنية في حال تضرر المتعاقد.

ويوضح خلف أن المسؤولية القانونية على الشركات تنقسم إلى شقين رئيسيين: المسؤولية المدنية، وتعني إلزام المتسبب بتعويض المتضرر عن الخسائر المادية، طالما لم تقع خسائر بشرية.  والمسؤولية الجنائية، ويتم اللجوء إليها عند وقوع وفيات أو إصابات بشرية.

وحول إجراءات التحقيق، يلفت إلى أن كل حادث يتضمن وفاة يخضع لتحقيق من قبل النيابة العامة، ويشمل ذلك العرض على الطب الشرعي، وانتداب جهات فنية مختصة لإعداد تقرير يحدد ما إذا كانت هناك شبهة جنائية أو إهمال. ويعتمد توجيه الاتهام للشركة من عدمه على ما يرد في التقرير الفني، وكذلك على ما إذا كان المجني عليه أو ذووهم قد اتهموا الشركة صراحة في التحقيقات.

ويؤكد أن التعويضات في حالة “المسؤولية المدنية” لا تُصرف تلقائيًا، بل يتعين على صاحب الحق المدني رفع دعوى قضائية للمطالبة بها. وكذلك المسؤولية الجنائية يتوجب على الأسر خلال التحقيق اتهام الشركات في حالة عدم وجود إهمال، وهذا لم يحدث نتيجة غياب الوعي القانوني واعتبار هذه الحوادث” قضاء وقدر” ما يؤدي إلى ضياع حقوق عدد كبير من المتضررين، رغم وجود مسؤولية قانونية وجنائية أحيانًا يمكن مساءلة الشركة المتعاقدة عنها.

تظهر الوقائع التي تم رصدها وتجميعها، شهادات المواطنين، والاستبيان،والمتخصصين أن التوسع السريع في توصيل الغاز الطبيعي للمنازل لم يقترن بالرقابة الكافية أو الصيانة الدورية، ما يعرض المواطنين لمخاطر حقيقية تهدد حياتهم وصحتهم. وتكشف الممارسات غير الرسمية لبعض العمال، عن تباطؤ بعض الشركات عن الاستجابة السريعة،  بالإضافة إلى ضعف المنظومة القائمة لحماية المستهلك، في حين تؤكد التشريعات والمعايير الدولية أن سلامة المرافق الغازية على أنها التزام قانوني وأخلاقي على الشركات والدولة. والسؤال الآن هل ستنتبه الدولة إلى أزمة تزايد حالات تسرب الغاز وغياب الصيانة الدورية، حتى لا يصبح الأمر مهددًا لحياتهم أم سيظل  “القاتل الصامت” حاضرًا داخل البيوت، دون أولوية للسلامة والرقابة.

شيماء حمدي
صحفية مصرية، تغطي الملفات السياسية والحقوقية، وتهتم بقضايا المرأة. باحثة في حرية الصحافة والإعلام والحريات الرقمية.

Search