في ظل الضغوط المعيشية المتفاقمة التي تثقل كاهل المصريين جراء الأزمة الاقتصادية، تواجه آلاف الأسر المستفيدة من برنامج “تكافل وكرامة أزمة مضاعفة بعد وقف أو تعليق صرف معاشاتها خلال الأشهر الأخيرة، بدعوى تحديث البيانات وإعادة تقييم الاستحقاق. وبينما تستمر إجراءات المراجعة دون سقف زمني واضح، تُترك هذه الأسر، الواقعة أصلًا تحت خط الفقر، في مواجهة مصير مجهول؛ إذ تمتد فترات الانتظار لأشهر، وقد تتجاوز عامًا كاملًا، ما يفاقم عجزها عن تغطية نفقات التعليم والسكن والمرافق الأساسية.
ومؤخرًا تعالت أصوات الاستغاثة والاحتجاج على مجموعات التواصل الاجتماعي الخاصة بمستفيدي معاشات تكافل وكرامة، بسبب تعليق صرف معاشات مئات المتضررين، الواقعين تحت خط الفقر الدولي، والذي يقدره البنك الدولي بنحو 3 دولارات أمريكية للفرد في اليوم، (أي نحو 142 جنيه مصري)، ولا تتجاوز دخولهم الشهرية خط الفقر القومي في مصر، البالغ 857 جنيهًا شهريًا للفرد، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام (2019/2020)، فيما تشير تقديرات غير رسمية لعام 2024 إلى ارتفاعه إلى أكثر من 1400 جنيه شهريًا بسبب التضخم.
وتحكي عايدة حسن، ربة منزل أربعينية، مستفيدة سابقة من برنامج تكافل وكرامة، أنها كانت قد تقدمت بطلب للحصول على معاش باسمها، استنادًا إلى عدم وجود دخل ثابت للأسرة التي تضم أبناءً في مراحل تعليمية مختلفة، وكان يعولها زوجها مريض الكلى قبل تدهور وضعه الصحي، وبعدما استوفت الأوراق المطلوبة وتم إدراجها ضمن المنظومة في عام 2020.
وعلى مدار خمس سنوات، كانت عايدة التي تقيم وأبنائها الثلاث وزوجها، في غرفة بشقة إيجار قديم لأسرة الزوج، مكوَّنة من غرفتين وصالة، ولا تملك مسكنًا مستقلًا ولا حيازةً زراعيةً ولا ممتلكات خاصة، وحتى ما يوجد في المسكن من أجهزة منزلية تعود ملكيتها لوالدة الزوج، تعتمد على معاش “تكافل وكرامة” لسداد نفقات تعليم الأبناء، لكن قيمة المعاش كانت تتغير تبعًا لأعمار الأبناء ومراحلهم الدراسية، ويُخصم جزءًا من المبلغ عند بلوغ كل ابنة سن الثامنة عشر أو انتقالها إلى مرحلة التعليم الجامعي، حتى أصبح الصرف مقتصرًا على الابنة الصغرى فقط.
ويُعد برنامج “تكافل وكرامة” أحد أبرز برامج الدعم النقدي المشروط في مصر، ويُشرف عليه وزارة التضامن الاجتماعي بهدف تقديم مساعدات نقدية للأسر والأفراد الأكثر احتياجًا، مع التركيز على الفئات الأكثر ضعفًا والفقر الشديد. ويعتمد البرنامج على شروط تعليمية وصحية لتعزيز التنمية المستدامة، ويغطي حاليًا نحو 4.7 مليون أسرة.
ويستهدف البرنامج نوعين من الدعم: الأول “تكافل” ويختص بالأسر الفقيرة التي لديها أطفال من سن الميلاد وحتى 26 عامًا، بما في ذلك أبناء المطلقات والأرامل والسجناء، والثاني “كرامة” ويقدم دعمًا فرديًا لكبار السن (65 عامًا فأكثر)، وذوي الإعاقة، والأيتام، والنساء المعيلات بدون أبناء، والبنات غير المتزوجات فوق 50 عامًا، وتشكل النساء حوالي 75% من رؤساء الأسر المستفيدة، فيما يمثل الرجال 25%.
ومنذ ديسمبر الماضي تفاجئت عايدة بتوقف صرف المعاش، تحت مسمى “إعادة تقييم”، ورغم تقديمها قيدًا عائليًا وإفادات مدرسية ومستندات تثبت عدم وجود دخل ثابت أو تأمين اجتماعيٍّ للزوج، إلا أن نتيجة الاستعلام الإلكتروني ما زالت تشير إلى أن الملف موقوفٌ لإعادة تقييم، الأمر الذي أدى إلى تراكم ديون على الأسرة، بسبب نفقات التعليم وارتفاع قيمة الإيجار القديم لنحو 400 جنيهًا شهريًا بخلاف فواتير المرافق، في ظل اعتماد الأسرة على دخل غير منتظم يحصل عليه الزوج المريض، عند توافر أعمال بسيطة، إلى جانب مساعدات مادية من بعض الأقارب.
“تقدمت بشكوى إلكترونية إلى موقع وزارة التضامن الاجتماعي بتاريخ 10 فبراير 2026، تحمل الرقم 2059896، مرفقة بالمستندات اللازمة، إلا أنني لم أتلقَّ ردًا حتى تاريخه، وحاولت الاستفسار من الإدارة الاجتماعية التابعة لمنطقة دار السلام في القاهرة، لكن قالت لي الموظفة أن المعاش كان مساعدة لي من الدولة وقد انتهى، ورفضوا تمكيني من تقديم تظلُّم”. تقول لـ”زاوية ثالثة”.
وتوضح أن توقف المعاش أثر بصورة مباشرة على قدرتها على الإنفاق على تعليم بناتها، إحداهن في معهد فني حكومي، والأخرى في المرحلة الإعدادية، إذ كانت تعتمد بشكل أساسي على ما كان يُصرف من دعمٍ نقديٍّ لتغطية مصروفات أساسية كالدروس والإيجار والمرافق، فضلًا عن استحالة تدبير نفقات الزواج للابنة الكبرى في ظل محدودية الموارد، مؤكدة أنها لا تعمل حاليًا وتعاني من إصابة سابقة في القدم تعوقها عن الوقوف لفترات طويلة، مطالبة المسؤولين بإعادة فحص حالتها بصورة عادلة وشفافة، كونها ما زالت تعاني أوضاعًا معيشية صعبة.
وتشترك معها في المعاناة نفسها عبير حمدي، ربة منزل خمسينية، وأم لثلاث بنات يدرسن في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية، وكان معاش تكافل وكرامة يعينها على لتغطية نفقات تعليمهن، وجانبًا من التزامات الأسرة، مثل: فواتير المياه والكهرباء والغاز، على مدار خمس سنوات، إلا أنه توقف منذ بداية العام 2026، لتزداد صعوبة ظروفهم المعيشية، لأن زوجها ضمن العمالة غير المنظمة، وتقيم مع أسرتها في شقة مستأجرة بمبلغ 1800 جنيه شهريًا.
حاولت عبير متابعة الأمر عبر مكتب الشؤون الاجتماعية التابع لمكتب شؤون كفر شكر بمحافظة القليوبية، لكن موظفي الشؤون أخبروها بأن المعاش متوقف ضمن إجراءات “إعادة التقييم”، على الرغم من تقديمها كافة المستندات المطلوبة، بما في ذلك إفادات المدارس وأوراق الجمعية الزراعية التي تثبت عدم امتلاكها أي حيازة أو ممتلكات، وأوراق التأمين الحكومي والخاص، بحسب ما تروي لـ”زاوية ثالثة”.
كذلك لم تُثمر جهودها في الحصول على دعم عبر الخط الساخن 19680، مؤكدة أنها لم تتمكن من تقديم شكوى رسمية لموقع وزارة التضامن الاجتماعي عبر الإنترنت، تحمل الرقم ( 11614498)، بعد توقف المعاش، لعدم معرفتها بإجراءات التظلم، مضيفة أن هذا التوقف أثر على قدرتها على دفع الدروس للطالبات وأعباء المنزل اليومية، وهو ما جعل الأسرة في ضائقة مالية شديدة، لاسيما مع دخول شهر رمضان.
وتتضمن شروط الاستفادة من البرنامج الحكومي أن يكون المستفيد مصري الجنسية ومقيم دائمًا في مصر، وألا يعمل في وظيفة حكومية أو يحصل على معاش آخر يزيد على الحد الأدنى. ويشترط برنامج “تكافل” متابعة الحالة الصحية للأطفال حتى سن 6 سنوات، وحضورهم المدرسي بنسبة لا تقل عن 80%، فيما يشمل برنامج “كرامة” إثبات العجز عن العمل للمعاقين والتحقق الدوري من قيد الحياة للمسنين، ويُسمح بالجمع بين النوعين في الأسرة الواحدة، مع حد أقصى لطفلين في “تكافل”.
ويحصل المستفيدون على مساعدات نقدية شهرية تصل إلى متوسط 900 جنيه للأسرة، مع حد أدنى 700 جنيه، وزيادة بنسبة 25% اعتبارًا من أبريل 2025 مستمرة في 2026، كما تُصرف منحة إضافية بقيمة 400 جنيه بمناسبة رمضان وعيد الفطر 2026 لنحو 5.2 مليون أسرة، ويتم الصرف عبر بطاقات ذكية في مكاتب البريد والصرافات الآلية ونقاط البيع.
وعلى مدار عامين كانت أسرة أحمد عباس، المقيمة في قسم ثاني الرمل بالإسكندرية، تتلقى معاش تكافل وكرامة، وتحرص على تقديم الأوراق المطلوبة باستمرار ضمن إجراءات التتبع والتحديث التي تطلبها الوزارة، ولكن في شهر مارس 2025، توقف فجأة صرف المعاش بسبب إعادة التقييم، دون تلقي أي معلومات واضحة من الجهات المعنية، ورغم تقديمه لعدة استفسارات وشكوى إلكترونية لبرنامج تكافل وكرامة، في 23 إبريل العام الماضي، تحمل الرقم 1818409، مرفقة بجميع المستندات المطلوبة، لا يزال صرف المعاش معلقًا.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “أنا من العمالة غير المنتظمة، ولا أمتلك أنا أو زوجتي أي ممتلكات أو أصول، وكنا نعتمد على المعاش البالغة قيمته 700 جنيه في تغطية جزء من إيجار السكن البالغ 1500 جنيه، ولدي طفلين، أحدهما في الصف الإعدادي والآخر في المرحلة الابتدائية، وتوقف المعاش أثر بشكل مباشر على حياتنا المعيشية وأصبحنا نعاني ضغوطًا مالية شديدة”.
وعلى مدار العام الماضي كان أحمد يتردد على مديرية التضامن الاجتماعي في منطقة رمل ثاني بالإسكندرية، للاستعلام عن المعاش المتوقف، لكنهم كانوا يقابلونه دائمًا بإجابات مثل “لا توجد أي أخبار” أو “لا معلومات متوفرة”، ورغم تقديم الأوراق والمستندات المطلوبة، فإن كل محاولاته للحصول على المعاش قوبلت بالرفض، بحسب ما يؤكد.
وتبرز أزمة الأسر المتضررة من تعليق صرف معاشات تكافل وكرامة، كقضية إنسانية واجتماعية ملحة، تعكس التحديات التي تواجه برامج الحماية الاجتماعية وتعرقل وصول الدعم النقدي للفئات الأكثر احتياجًا، في وقت تعلن فيه الحكومة عن توسيع شبكة الأمان الاجتماعي وزيادة مخصصات الدعم بنسبة 17% عن العام السابق، ضمن حزمة حماية اجتماعية جديدة بتكلفة 40.3 مليار جنيه حتى يونيو 2026، تشمل دعمًا نقديًا إضافيًا قبل رمضان، بالإضافة إلى برامج أخرى للصحة، التعليم، والتمكين الاقتصادي، بميزانية كلية في العام المالي 2025-2026، تبلغ 742.6 مليار جنيه، منها 54 مليار للدعم النقدي.
وتضم الحزمة الجديدة التي أعلنت عنها الحكومة المصرية عدة مسارات رئيسية، من بينها منح استثنائية بمناسبة رمضان وعيد الفطر، تصل إلى 400 جنيه لأسر البطاقات التموينية و300 جنيه لمستفيدي معاش الطفل والرائدات الريفيات، مع استهداف 10 ملايين أسرة تموينية و5.2 مليون أسرة تكافل وكرامة، بتكلفة إجمالية 12 مليار جنيه، كما تشمل الحزمة خدمات صحية للأطفال والحوامل وذوي الإعاقة، ومشاريع تنموية مثل برامج الادخار الرقمي والتسويق ودعم المشروعات الصغيرة، بالإضافة إلى مساندة فئات خاصة كالعمالة غير المنتظمة والأطفال في دور الرعاية وكبار السن والمعاقين.
بالإضافة إلى ذلك، تشمل برامج دعم إضافية مثل برنامج “الإطعام” لتوفير وجبات يومية لأكثر من 500 ألف شخص شهريًا، وبرنامج “مودة” لتأهيل الشباب قبل الزواج، ومحو الأمية لمستفيدي تكافل، وتوفير بطاقات وخدمات متكاملة لذوي الإعاقة، إضافة إلى تطوير الحضانات الوطنية التي تخدم نحو 1.7 مليون طفل. وأُدخل قانون الضمان الاجتماعي رقم 12 لسنة 2025 لضمان حق الدعم، إلى جانب شراكات مع البنك الدولي ويونيسف لتعزيز برامج الحماية الاجتماعية.
نوصي للقراءة: معاشات منهوبة باسم القانون: أطفال ذوو الإعاقة ضحايا الولاية في مصر

تعليق الصرف معاناة للأسر
يشرح الدكتور عادل عامر، مدير مركز المصريين للدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أن تعليق صرف معاشات تكافل وكرامة، تحت مسمى إعادة التقييم وتحديث البيانات، يرتبط بإجراءٍ دوريّ تنظيميّ تقوم به وزارة التضامن الاجتماعي لمراجعة بيانات المستفيدين، والتحقق من استمرار انطباق شروط الاستحقاق عليهم وفقاً للقانون، موضحًا لـ”زاوية ثالثة”، أن إعادة التقييم تتضمن مراجعة الدخل، والحالة الاجتماعية، والممتلكات، وبيانات العمل أو التأمين، وذلك عبر آليات الربط الإلكتروني بالرقم القومي، وخلال هذه المرحلة قد يظهر على النظام وصف معلّق، بما يعني أن الملف قيد المراجعة أو في انتظار مستندات أو قرارٍ إداريّ، ولا يعني ذلك بالضرورة إلغاءَ المعاش إلغاءًا نهائيًّا.
ويُبيّن أنه من أبرز الأسباب القانونية لتعليق الصرف، عدم تحديث البيانات عند طلب الجهة المختصة، أو ظهور دخلٍ جديد، أو وظيفةٍ حكومية، أو معاش آخر، أو سجل تجاري، أو حيازة زراعية، أو ملكية عقار أو سيارة أو ميراث مسجل، إذ تعتبر هذه المؤشرات دلالة على قدرة مالية تتجاوز الحد المقرر قانونا للاستحقاق، مشيرًا إلى وجود أخطاء إدارية شائعة في بعض الحالات، مثل تشابه الأسماء، أو تسجيل رقم قومي بصورة خاطئة، أو أخطاء في الربط مع قواعد بيانات التأمينات أو المرور، وهو ما يؤدي إلى تعليق إداري لا يستند إلى سبب قانوني موضوعي.
يقول: “طول مدة التعليق في بعض الملفات يعود إلى أسباب ضغط الملفات، ونقص الموظفين، وبطء إجراءات الفحص، والمراجعات المركزية، ومشكلات تقنية في النظام، وهذه الإشكاليات تظهر بوجه خاص في ملفات الأرامل والمرأة المعيلة وكبار السن”.
ويؤكد أن الموقف القانوني واضح في هذا الشأن، إذ لا يجوز وقف المعاش لمن يثبت استحقاقه دون سبب معلن، ويحق للمستفيد معرفة سبب الوقف وتقديم تظلم رسمي لإعادة الفحص، واستئناف الصرف إذا ثبت استمرار الاستحقاق، ناصحًا المتضررين من وقف صرف المعاشات، بضرورة التوجه إلى الوحدة الاجتماعية المختصة مصحوبًا بالمستندات المطلوبة، وتقديم التظلم عبر القنوات الرسمية، ومتابعة الطلب برقم محدد، وفي حال عدم الاستجابة يمكن تصعيد الشكوى إلى الجهات المعنية.
ويرى عامر أن عملية إعادة التقييم قد تؤدي فعليًا إلى انخفاض العدد في حال ثبوت تجاوز بعض الحالات للحد المالي المقرر، نتيجة ظهور دخل أو ممتلكات جديدة، وهو ما يقتضي الاستبعاد وفقًا لنصوص القانون، مؤكدًا أن ذلك لا يعني بالضرورة وجود سياسة مقصودة للإقصاء، بل تطبيقًا لمعايير الاستحقاق المعلنة، مع الإقرار بإمكانية وقوع أخطاء إدارية تستوجب المعالجة السريعة.
ويشير إلى أن معاش “تكافل وكرامة” يمثل دعمًا نقديًا موجهًا للأسر الواقعة تحت خط الفقر المحلي، لا سيما الأرامل والمطلقات وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة بلا دخل ثابت، إلا أنه ليس ضمانًا دائمًا، إذ يخضع للتحديث المستمر وفق تغير البيانات والدخل وعدد أفراد الأسرة، مشددًا على أن تعليق الصرف لفترات طويلة يسبب معاناة حقيقية للأسر التي تعتمد عليه في تلبية احتياجات أساسية كالإيجار والتعليم، ما يستوجب سرعة البت في الملفات المعلقة، وضمان الشفافية في الإجراءات، وتمكين المستحقين من حقوقهم القانونية كاملة.
من جانبه، ينتقد الدكتور محمد فواز، رئيس مجلس التحالف المدني لحقوق الإنسان ورئيس مجلس إدارة منظمة العفو المصرية، آلية وقف صرف المعاشات تحت مسمى إعادة التقييم، معتبرًا أن تعليق الصرف لأكثر من شهر يمثل خطأً إداريًا تتحمله الحكومة، متسائلًا عن مبرر إعادة التقييم لمن سبق بحث حالته ميدانيًا وثبت استحقاقه ومطالبة المواطن بتقديم مستندات دورية لإثبات فقره، ما لم يطرأ على حالته تغييرا جوهريا.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “لا يوجد قرارًا معلنا يقضي بقصر الاستفادة من المعاش على مدة زمنية محددة، معتبرا أن استبعاد مستفيدين بحجة مرور مدة زمنية دون سند قانوني يمثل قرارًا خاطئًا، وفكرة استبعاد مستفيدين لإدخال آخرين غير منطقية، لأن قيمة المعاشات المحدودة لا تكوّن ثروة ولا تنقل المستفيد من دائرة الاحتياج”.
ويندد بالأداء الإداري لبعض موظفي الشؤون الاجتماعية مع المواطنين، والذي يعتقد أنه يحتاج إلى إعادة تأهيل وتدريب، لضمان معاملة إنسانية تحفظ كرامة المستفيدين، وتسريع فحص الطلبات وعدم تعطيلها داخل الإدارات، مؤكدًا على أن أي قرارات تتعلق بوقف أو إعادة تقييم المعاشات يجب أن تكون أكثر وضوحًا وشفافية، مع إعلان معايير محددة تضمن مساواة بين المواطنين، باعتبار ذلك حق أصيل يرتبط بمبادئ حقوق الإنسان.
ويرى أن ملف معاشات تكافل وكرامة يرتبط بسياق اقتصادي واجتماعي أوسع، مشيرًا إلى أن معدلات التضخم شهدت تراجعًا مؤخرًا، وهو ما اعتبره مؤشرًا إيجابيًا، لكنه لا ينفي استمرار معاناة قطاعًا واسعًا من المواطنين تحت خط الفقر، وفي المقابل يرى صعوبة إضافة زيادات كبيرة في مخصصات الدعم، لكون الموازنة العامة تواجه ضغوطًا كبيرة، في ظل أعدادًا ضخمة من المستفيدين من برامج الحماية الاجتماعية والمعاشات واستفادة نحو 65 مليونًا من المواطنين من منظومة التموين.
ويضيف: “المخصصات الحالية، سواء في برامج الدعم النقدي أو العيني، تظل غير كافية لتغطية احتياجات الأسر الفقيرة، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وأعباء التعليم والعلاج، وما يحصل عليه المواطن من سلع تموينية أو مبالغ نقدية لا يغطي احتياجات شهر كامل”، داعيًا إلى التوسع في بدائل إنتاجية تخفف العبء عن الموازنة، من خلال مشروعات صغيرة توفر دخلًا مستدامًا للأسر المستحقة، بدلا من الاكتفاء بالدعم النقدي.
وسبق أن أعلنت وزيرة التضامن الإجتماعي، مايا مرسي، في مايو 2025، حصول الوزارة على اعتمادات مالية بقيمة 53 مليار و632 مليون جنيه للعام المالي 2025-2026، مقارنة بـ 39 مليار و445 مليون جنيه للعام المالي 2024-2025، بما يمثل زيادة تصل إلى 14 مليار و186 مليون جنيه.
وأوضحت الوزيرة وقتئذٍ أن زيادة الاعتمادات شملت مساعدات الدعم النقدي في إطار برنامج “تكافل وكرامة” بمبلغ 11 مليار جنيه، كما تم رفع اعتمادات بند معاش الطفل بمبلغ 77 مليون جنيه، مشيرة إلى أن نحو 87% من إجمالي موازنة الديوان موجهة لتغطية متطلبات الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية، لحماية الفئات الأكثر احتياجًا.
نوصي للقراءة: ارتفاع الأسعار يلتهم المعاشات.. كيف يصمد المتقاعدون في رمضان؟

فجوة بين خط الفقر وقيمة الدعم
بدوره يوضح محمد رمضان، الباحث في ملف العدالة الاقتصادية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن هناك نوعين من الدعم الحكومي، يتمثلان في برامج الحماية الاجتماعية النقدية، مثل “تكافل وكرامة” والمعاشات، وبرامج الدعم الغذائي، مثل دعم الخبز والسلع التموينية، ولكل منهما هدف مختلف؛ إذ أنه يعد برنامجا للدعم النقدي المشروط، ويرتبط باستيفاء شروط محددة، كما أنه مصمم ليكون له “خطة خروج” حتى لا يستمر المستفيد في البرنامج إلى ما لا نهاية، مضيفًا أن الهدف الأساسي من هذا النوع من البرامج ليس القضاء على الفقر أو خفض نسبته مباشرة، وإنما تمكين الفقراء من الاستمرار داخل سوق العمل وتقليل تعرضهم للجوع والعوز الشديد، بما يسمح لهم لاحقًا بتحسين أوضاعهم عبر العمل وتراكم الدخل.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “المشكلة لا تكمن في مبدأ التقييم أو وجود آلية للتخارج في حد ذاتها، بل في غياب المعايير الواضحة والمعلنة التي تحكم هذا التخارج؛ فالبرنامج، رغم مرور نحو عشر سنوات على إطلاقه، يفتقر إلى بيانات منشورة بشكل كافٍ حول نتائجه، كما لا توجد معايير معلنة تحدد متى ولماذا يخرج المستفيد من البرنامج، وهو ما يخلق حالة من الارتباك والاستياء بين المواطنين، خاصة مع وقف الصرف دون توضيح الأسباب”.
ويعتقد الباحث أن نقص الشفافية في ما يتعلق بتقييم البرنامج يمثل إشكالية جوهرية، إذ لا تتوافر بيانات واضحة حول أثر التحويلات النقدية على مستويات الاستهلاك، أو ما إذا كانت قد ساهمت في تقريب الأسر من خط الفقر أو تحسين أوضاعها المعيشية، معتبرًا أن غياب هذه البيانات يجعل النقاش العام حول كفاءة البرنامج وفعاليته نقاشًا منقوصًا.
وفيما يتعلق ببرامج الدعم الغذائي، يؤكد أنها تمثل نسبة محدودة من إجمالي المصروفات العامة، مشيرًا إلى أن مخصصات دعم الخبز والسلع التموينية، رغم كونها أكبر برامج الدعم، تظل محدودة مقارنة ببنود إنفاق أخرى مثل فوائد الدين، ورغم ذلك يعتبر أن هذه البرامج، رغم ما يشوبها من مشكلات، تظل ذات كفاءة نسبية في منع تدهور شرائح من المواطنين إلى ما دون خط الفقر، منتقدًا الحديث عن استبدال الدعم العيني بالدعم النقدي، والذي يأتي يرى أنه ضمن سياق تمرير أعباء التقشف إلى المواطنين، لا سيما الفئات الأكثر هشاشة، محذرًا من أن تقليص الدعم الغذائي قد يترتب عليه آثار اجتماعية وصحية خطيرة على المدى الطويل.
ويٌبيّن أن صانعي السياسات فضلوا خلال السنوات الماضية توسيع عدد الأسر المستفيدة من البرنامج، بدلًا من زيادة قيمة التحويلات النقدية نفسها، وهو ما انعكس على انخفاض متوسط الدعم المقدم للأسرة الواحدة، معتبرً أن وقف الصرف لبعض المستفيدين قد يكون أحيانًا جزءًا من آلية إدارة ميزانية محدودة، عبر إخراج بعض الأسر لإدخال أخرى، في ظل غياب زيادة كافية في التمويل.
ويٌشدد الباحث في العدالة الاقتصادية على أن تقليص الفجوة بين خط الفقر الفعلي وقيمة الدعم يتطلب أمرين متوازيين: زيادة الإنفاق على برامج الحماية الاجتماعية، وتحسين كفاءة قواعد البيانات وآليات الاستهداف، عبر تنقيح البيانات ميدانيا والاستفادة من الأدوات التكنولوجية لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، مؤكدًا على أن زيادة الإنفاق، قد تحقق أثرًا إيجابيًا على المدى القصير، حتى في ظل وجود مشكلات هيكلية، لكن الأثر سيكون أكبر إذا تزامنت مع إصلاحات مؤسسية تعزز الحوكمة والشفافية، بما يحقق استجابة آنية للأزمة، إلى جانب معالجة استراتيجية طويلة المدى.
وكان وزير المالية أحمد كجوك، قد أعلن في فبراير الجاري، عن زيادة معاشات برنامج “تكافل وكرامة” بنسبة 25% بشكل دائم، اعتبارًا من شهر إبريل المقبل، موضحًا أن حزم الحماية الاجتماعية تستهدف جميع الفئات المجتمعية، وتنقسم إلى جزئين: الأول يستمر حتى نهاية العام المالي الحالي، والثاني يبدأ تطبيقه في يوليو المقبل.
وأوضح الوزير أن نحو 10 ملايين أسرة على بطاقات التموين ستستفيد من دعم نقدي إضافي، حيث يحصل كل فرد على بطاقة واحدة على 125 جنيهًا، بينما تصل قيمة الدعم لمن يمتلك بطاقة تضم فردين إلى 250 جنيهًا.
نوصي للقراءة: مصر: رفع الدعم يعمق الفجوة بين الأجور والأسعار

تحركات برلمانية
في فبراير الجاري، تقدم النائب البرلماني سمير البيومي، بمقترح برلماني يطالب برفع قيمة الدعم النقدي المقدم للأسر المستفيدة من برنامج “تكافل وكرامة”، معتبرًا أن الزيادة الحالية البالغة 400 جنيه لا تكفي لمواجهة الأعباء المعيشية المتصاعدة، وأن الظروف الاقتصادية الراهنة وارتفاع معدلات التضخم وزيادة أسعار السلع الأساسية تفرض إعادة النظر في قيمة المبالغ المقررة حاليًا.
ويعزي “البيومي” في حديثه لـ”زاوية ثالثة”، تعليق بعض ملفات مستفيدي برنامج “تكافل وكرامة” على النظام الالكتروني، إلى انتظار نتائج التحريات التي تجريها مكاتب الشؤون الاجتماعية للتأكد من مدى أحقية المستفيد، موضحًا أن هذه الإجراءات قد تستغرق وقتًا، خاصة في حال وجود بيانات تشير إلى دخل إضافي غير مثبت سابقًا، مثل: وجود مشروع صغير أو عمل لأحد أفراد الأسرة بالخارج أو الحصول على معاش آخر، لافتًا إلى أن التحريات، رغم أهميتها، قد لا تكون دقيقة في جميع الحالات، وهناك احتمال لوقوع أخطاء فردية في بعض التقارير، وهو ما يتطلب إعادة الفحص والتأكد قبل اتخاذ قرار نهائي بحرمان الأسرة من الدعم.
ويربط بين وقف أو تعليق صرف معاش تكافل وكرامة لبعض الحالات، وبين ظهور بيانات جديدة على النظام الإلكتروني تفيد بامتلاك المستفيد أصولًا أو مصادر دخل تتعارض مع شروط الاستحقاق، مثل امتلاك سيارة أو نشاط تجاري أو الحصول على قرض أو ترخيص محل، وكون بعض المواطنين وقعوا ضحية لاستغلال من آخرين قاموا بالحصول على قروض أو تراخيص أو سيارات باسمهم، ما أدى إلى تسجيل تلك الممتلكات على النظام باعتبارها ملكًا لهم، وبالتالي إيقاف المعاش لحين التحقق من صحة البيانات.
يقول: “شروط الحصول على تكافل وكرامة تتضمن ضوابط محددة، في مقدمتها عدم وجود دخل ثابت أو أي أصل يدر دخلًا إضافيًا، إضافة إلى معايير تتعلق بمستوى الإنفاق واستهلاك المرافق، وأي تغيير يطرأ على حالة المستفيد ويخالف هذه الضوابط يؤدي إلى وقف الصرف بشكل فوري إلى حين إجراء التحريات اللازمة”.
ويوضح أن برنامج تكافل وكرامة يستهدف في الأساس الفئات الأكثر احتياجا ومعدومي الدخل، وأن الدولة تمنح الأولوية للأسر التي لا تمتلك أي مصدر دخل على الإطلاق، في ظل محدودية الموارد المتاحة.
ويضيف أن نسب الفقر وفق المعايير الدولية قد تشير إلى شريحة واسعة من المواطنين، إلا أن تطبيق تلك المعايير بحذافيرها يتجاوز قدرات الموازنة العامة، ما يدفع الدولة إلى توجيه الدعم إلى الفئات الأشد احتياجا وفقا لمعايير محلية تتناسب مع الإمكانيات المتاحة.
ويؤكد البيومي أن زيادة 400 جنيه التي تم إقرارها في شهر رمضان غير كافية في ظل ارتفاع الأسعار، مؤكدًا أنه طالب بزيادة أكبر تتناسب مع الأعباء المعيشية، خاصة للأسر التي تضم أكثر من فرد وتعتمد بشكل أساسي على هذا الدعم، داعيًا لتحقيق التوازن بين ضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الفعليين ومنع أي تلاعب أو استغلال، مع سرعة حسم الملفات المعلقة لضمان عدم تضرر الأسر المستحقة من طول إجراءات الفحص والتحري.
بدوره تقدم النائب أمين مسعود، عضو مجلس النواب، بطلب إحاطة لزيادة معاش برنامج “تكافل وكرامة” لدعم الأسر الأولى بالرعاية، مؤكدًا أن حماية مصالح هذه الأسر ليست رفاهية، بل واجب وحق أصيل يستوجب تحركًا عاجلًا من الدولة.
وفيما يتعلق بشكاوى بعض المواطنين من استمرار تعليق صرف المعاشات لفترات طويلةً دون حسم، يقول لـ”زاوية ثالثة”: “هناك حالات ما زالت قيد إعادة دراسة الأحوال ولم يصدر بشأنها قرار نهائي حتى الآن”، مطالباً بسرعة الانتهاء من إجراءات الفحص وإعلان النتائج بشفافية، مُبديًا في الوقت ذاته تحفظه على وقف صرف الأموال عن بعض الحالات التي ثبت حصولها على معاشات أخرى محدودة كالإعانات الشهرية التي يصرفها بيت الزكاة والصدقات المصري، بإشراف شيخ الأزهر، ضمن(برنامج سند) ومعاشات للأسر الأولى بالرعاية، الأرامل، المطلقات، وذوي الإعاقة وغير القادرين، والتي تتراوح قيمتها بين 700 إلى 1100 جنيه، متسائلاً عن جدوى إيقاف الدعم في حال كان إجمالي ما تحصل عليه الأسرة لا يتجاوز ألف جنيه شهرياً، وهو مبلغ – على حد وصفه – لم يعد كافياً لتغطية الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية في ظل ارتفاع الأسعار وتكاليف السكن.
ويعتقد النائب أن الملف يتطلب إعادة نظر شاملة، كون قيمة المعاشات ظلت ثابتةً لسنوات رغم ما شهدته الدولة من متغيرات اقتصادية حادةً، من بينها تداعيات جائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، وارتفاع معدلات التضخم، إلى جانب قرارات تحرير سعر الصرف التي انعكست على مستويات الأسعار في الأسواق، وفي المقابل هذه الزيادات المتتالية في تكاليف المعيشة لم يقابلها تعديل يتناسب مع قيمة الدعم المقدم ضمن البرنامج، الأمر الذي جعل المعاشات الحالية لا تتماشى مع الأعباء المعيشية الراهنة.
ويرى النائب ضرورة حدوث تحرك حكومي لمراجعة قيمة معاشات “تكافل وكرامة” باعتبارها تمس الفئات الأكثر احتياجًا والأسر الأولى بالرعاية، خاصةً في ظل الارتفاعات الأخيرة في القيم الإيجارية، ولا سيما بعد التعديلات المرتبطة بقانون الإيجار القديم، وهو ما ألقى بأعباء إضافيةً على كاهل محدودي الدخل، مشددًا على ضرورة تعزيز مظلة الحماية الاجتماعية لتشمل الفئات غير المغطاة بالكامل، مشيراً إلى أن البرامج الحالية لا تصل إلى جميع المستحقين بنسبة 100%، وأن هناك حالات تعرض عليه لا تستفيد من أي دعم رغم احتياجها.
ويتعهد مسعود بأن طلب الإحاطة المقدم منه سيتضمن مناقشةً شاملةً لأوضاع المستفيدين، وقيم المعاشات، وحالات تعليق الصرف، وذلك خلال جلسات مجلس النواب المرتقبة، بهدف الوصول إلى حلول تضمن حماية الفئات الأكثر احتياجاً وصون حقها في السكن والحياة الكريمة.
يمكن القول إن أزمة الأسر المتضررة من تعليق صرف معاشات تكافل وكرامة بسبب إعادة التقييم، تسلط الضوء على الحاجة الملحة لتعزيز الشفافية والكفاءة في برامج الحماية الاجتماعية، وضمان استمرارية الدعم للمستحقين دون تأخير أو تعقيدات إدارية، بما يعكس مبادئ العدالة الاجتماعية.
ومع استمرار النقاش البرلماني والمبادرات الشعبية لمراجعة قيمة الدعم النقدي، تظل الأولوية لتوفير آليات واضحة لإعادة التقييم، وتفعيل القنوات الرسمية للتظلمات، إلى جانب التركيز على الإصلاح المؤسسي وتحسين قواعد البيانات، لضمان أن يصل الدعم إلى مستحقيه بشكل فعال ومستدام، بما يحمي كرامتهم ويخفف من أعباء الفقر والاحتياجات الأساسية.