صباح يوم الرابع والعشرين من سبتمبر 2023، كان أحمد طارق يقود دراجته النارية متوجهًا إلى عمله، مرتديًا الزي البرتقالي المطبوع عليه شعار شركة “طلبات”. فجأة، ظهرت أمامه سيارة سوداء بلا لوحات، تسير بسرعة. حاول الانحراف بدراجته لتفاديها، لكنّ السيارة صدمته وقذفته أمتارًا على الإسفلت قبل أن يلوذ سائقها بالفرار.
توقف الزمن لثوانٍ. ارتطم جسده بالأرض بقوة، وهرع المارة لنجدته. كانت الدماء تسيل من قدمه اليسرى التي تهشمت بالكامل. نُقل أحمد إلى المستشفى، وخضع لـ 18 عملية جراحية بلغت تكلفتها أكثر من 800 ألف جنيه مصري (نحو 26 ألف دولار). إلا أن تلك العمليات لم تُنهِ معاناته؛ فما زال يعاني عجزًا حرمه القدرة على المشي وممارسة أي عمل.
ورغم اقتطاع الشركة مبلغًا شهريًا من راتبه، على مدار خمس سنوات، مقابل التأمين الصحي، رفضت تحمّل مسؤولية الحادث أو تغطية تكاليف علاجه. يقول أحمد: “الشركة دفعتلي 50 ألف وأنا دفعت الباقي… أول عملية كانت عاملة 68 ألف (بعد الخصم بلغت نحو 64 ألفاً و500 جنيه مصري)، بعدها عملت 18 عملية تانية ولا الشركة ولا المكتب اللي شغال فيه سأل عليَّ من ساعتها”.

لم تتوقف معاناة أحمد عند حدود العجز الجسدي، بل امتدت إلى مصدر رزقه. أجبرته الشركة على ترك العمل: “كلمتهم كتير، يقولولي اللي عندك اعمله إحنا معانا الفلوس والمحامين”.
اضطرت أسرته إلى إنفاق ما تبقى من مدخراتها، وشارك الجيران في جمع التبرعات لتغطية فواتير العلاج. يروي أحمد: “رجلي كانت مفرومة خالص، محتاجة تتبتر، فأنا وأهلي ما وافقناش، وعندي الناس كلها هنا في المنطقة لمت من بعض عشان تقف معايا”.
لكنّ صدمته جاءت حين لجأ إلى مكتب العمل لتقديم شكوى، فواجه إنكارًا من الشركة، مدعية أنه ليس من موظفيها.


يكشف هذا التحقيق عن انتهاكات تمارسها شركات توصيل في مصر بحق سائقيها، عبر تصنيفهم “عاملين مستقلين” لا موظفين. هذا التصنيف يمنح الشركات فرصة للتنصل من مسؤولياتها تجاه العمال، في ما يخص التأمينات الاجتماعية والتعويضات عن الحوادث، ويفتح الباب أمام فرض ظروف عمل قاسية من دون حماية قانونية. ويعتمد هذا النمط من التشغيل على ثغرات قانونية، مستفيدًا في الوقت نفسه من ضعف الرقابة الرسمية على ممارسات تلك الشركات.
نوصي للقراءة: لقمة العيش تحت أشعة الشمس: مخاطر بلا حماية لعمال التوصيل في مصر

هيمنة “طلبات” على السوق
تُعد شركة “طلبات” من أبرز شركات توصيل الطعام والتجارة الإلكترونية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث تعمل في الكويت والإمارات وقطر والبحرين وعُمان ومصر والأردن والعراق. وتتصدر الشركة السوق من حيث حجم العملاء والشركاء والنطاق الجغرافي؛ إذ تمتلك أكثر من ستة ملايين عميل نشط، و65 ألف شريك نشط، وتتعاون مع نحو 56 ألفاً و300 مطعم وتسعة آلاف و500 متجر، وتغطي خدماتها أكثر من 155 نوعًا من المطابخ والمنتجات. عام 2015، استحوذت الشركة الألمانية “ديليفري هيرو” على شركة “طلبات”.
عام 2013، بلغ عدد المندوبين المسجلين على منصة “طلبات” في مصر قرابة 14 ألف مندوب، في حين يصل عددهم حاليًا إلى نحو 25 ألفاً، موزعين على 25 مدينة. كما تدير الشركة 12 فرعًا لمتاجر البقالة التابعة لها تحت اسم “طلبات”، بحسب تصريحات متلفزة للمديرة التنفيذية للشركة، هدير شلبي، أواخر عام 2024.
ورغم هذه القوة السوقية، شهدت الشركة في مصر احتجاجات سابقة من عمالها. ففي أبريل 2022، أضرب عدد من المندوبين رفضًا لسياسة الأجور بعد ارتفاع سعر الدولار؛ ما دفع الإدارة إلى منح مكافآت رمضانية مؤقتة شملت 250 جنيهاً أسبوعيًا لكل 45 ساعة عمل، و400 جنيه أسبوعيًا لكل ستين ساعة عمل، و600 جنيه أسبوعيًا لكل 80 ساعة عمل.
أما على مستوى السوق، فيُظهر استبيان خاص بالتحقيق، أن “طلبات” تستحوذ على الحصة الأكبر من العمالة في القطاع؛ إذ يعمل لديها 44 في المئة من المندوبين الذين شملتهم العينة، مقابل 35 في المئة لدى “مرسول”، وستة في المئة يعملون في “بريد فاست”، وأربعة في المئة لصالح “مشاوير”، واثنين في المئة لدى “ماي دليفري”، وتوزعت النسبة المتبقية على شركات أخرى مثل “بوسطة”، “جوميا مصر”، “إنستا شوب”، و”Rabbit”.
عُمال بلا حماية
لم يكن أحمد حالة استثنائية بين سائقي توصيل الطلبات؛ فالمخاطر تكاد تكون جزءاً من يومياتهم، إذ أظهر استبيان خاص بالتحقيق حول حقوق عمال التوصيل (الدليفري) في مصر -شارك فيه 130 عاملًا- أن 63 في المئة منهم تعرضوا لإصابة عمل أو حادث مروري أثناء عملهم، غير أن الشركات صرفت تعويضات لاثنين في المئة فقط. بينما شكّل حرمان السائقين من التعويض عن إصابات العمل 36 في المئة من مجموع الانتهاكات المبلغ عنها.
في شوارع القاهرة، ينطلق رامي حسن بدراجته النارية كل صباح، متسابقًا مع إشعارات التطبيق وزحام المرور. يصعد السلالم مسرعًا لتسليم الطلبات ثم يهرول عائداً إلى دراجته، ليبدأ مشوارًا جديدًا. رحلة شاقة قد تمتد إلى 12 ساعة يوميًا، مقابل أجر لا يتجاوز 28 جنيهاً للتوصيلة.
بدأ رامي بالعمل في فبراير 2024 لصالح شركة “طلبات” عبر مكتب وسيط، بعد أن أُجبر على توقيع إيصال أمانة بقيمة 20 ألف جنيه. لم يحصل على عقد عمل أو راتب ثابت، بل يُحاسب بالعمولة وفق عدد الطلبات والمسافات. ووفقًا لاستبيان خاص بالتحقيق، فإن 80 في المئة من عمال الدليفري في مصر لا يملكون عقود عمل موقعة مع الشركات، ويعتمد 77 في المئة منهم على المحاسبة بالطلب فقط، ويتلقى 17 في المئة راتبًا أسبوعيًا، مقابل ستة في المئة فقط يحصلون على راتب شهري.
وكحال غالبية زملائه، يعمل رامي من دون أي حماية قانونية أو تأمينية، باستثناء بطاقة رعاية صحية من شركة “ميديكال جروب” تتيح خصومات على بعض الخدمات الطبية، نظير “استقطاعات” شهرية من الأجر. غير أن هذه البطاقة لا تعوض غياب التأمين الصحي؛ إذ أكد 97 في المئة من العمال المشاركين في الاستبيان، أن الشركات لم تؤمّن عليهم لدى الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، في حين حصل 12 في المئة فقط من العمال المشاركين في الاستبيان على تأمين صحي.
يروي رامي كيف تعرض لخصم من راتبه بسبب شكوى من عميل اتهمه بتلقي مبلغ زائد، من دون أن تفتح الشركة تحقيقًا. مثل هذه العقوبات ليست استثناء؛ إذ أوضح عمال آخرون أن الشركات غالبًا ما تلجأ إلى خصم أو خفض التقييم عند أي شكوى، حتى وإن كانت بلا دليل. من بين هؤلاء العمال “هيثم محمد”، الذي يعمل بشركة “بريد فاست”، ويقول إنه تعرض لاعتداء جسدي ولفظي من عناصر أمن أحد المجمعات السكنية بالتجمع الثالث في يوليو 2024، إلا أن الشركة عاقبته بخصم أجر ثلاثة أيام (700 جنيه) بعد شكوى العميلة، من دون تحقيق في الواقعة رغم وجود كاميرات مراقبة، وفق قوله. وطبقًا لنتائج الاستبيان، شكلت “الخصومات” غير المبررة من الأجور 54 في المئة من الانتهاكات الأبرز التي يتعرض لها العمال، في حين أفاد 13 في المئة بحرمانهم من الأجر كليًا.

رامي نفسه سبق أن عمل لدى “بريد فاست” في يناير 2024 براتب قدره أربعة آلاف جنيه، لكنّه يقول إنه اكتشف أن التأمينات الاجتماعية سُجلت على أساس ألف و700 جنيه فقط. وخلال فترة علاجه، أُجبر على العمل في أيام إجازاته الأسبوعية وحُرم من إجازاته المرضية، في مخالفة للمادة 131 من قانون العمل المصري، التي تمنح العامل إجازة تحددها الجهة الطبية المختصة، ويستحق عنها تعويض أجر وفقاً لقانون التأمينات الاجتماعية. شهادته تتفق مع ما ذكره عمال آخرون عن إجبارهم على العمل في أيام راحتهم، وتهديدهم بخصم الأجر حال رفضهم.
إلى جانب ذلك، يكشف رامي عن ممارسات مشرفيه (الكورديناتور)، الذين يفرضون على العمال شراء وتوصيل طلبات شخصية -مثل الطعام والسجائر- على نفقتهم الخاصة، مقابل إدخالهم في طلبات العمل.
وعندما اشتكى للإدارة، اضطر إلى تقديم استقالته خشية استخدام إيصال الأمانة ضده، الذي قد وقعه عند استلام العمل بقيمة 200 ألف جنيه. ووفقًا للاستبيان، فإن 48 في المئة من العمال أجبروا على توقيع إيصال أمانة أو كمبيالة، وتعرّض 18 في المئة منهم للابتزاز المباشر، فيما أفاد 27 في المئة بأن هذه التهديدات دفعتهم للتنازل عن حقوقهم.

هيثم يشارك رامي الشكوى من المحاباة في توزيع الطلبات داخل الشركة، وتفضيل بعض العمال على حساب آخرين. ويقول إن غياب الأمان الوظيفي أصبح سمة أساسية؛ إذ يتم تعيين سائقين جدد ثم تسريحهم سريعًا. بيانات الاستبيان تشير إلى تعرض 21.5 في المئة من العمال المستطلعين للفصل التعسفي.
وبالإضافة للشهادات، حصلنا على نسخة من العقود والأوراق الرسمية التي يوقع عليها العمال قبل استلام العمل في “بريد فاست”. هذه العقود تكشف طبيعة “الاقتصاد المؤقت”؛ فيُعامل السائقون كمقدمي خدمات مستقلين لا كموظفين دائمين؛ ما يحرمهم من المزايا التي يضمنها قانون العمل، مثل التأمينات الاجتماعية والصحية والإجازات.

وينص أحد العقود على أن الأجر محدد بـ18.41 جنيه للساعة، يُصرف خلال أول خمسة أيام من الشهر التالي، بعد خصم ضريبة ثلاثة في المئة، على أن يلتزم العامل بتخصيص كامل وقته للشركة، واستخدام دراجته الخاصة فقط، وتحمل المسؤولية القانونية في حال وقوع حوادث.
الشركة بدورها تتحمل فقط استهلاك البنزين الناتج عن توصيل الطلبات للعملاء، بمعدل الرحلات الفعلية الناجحة، في حين لا تنص العقود على تحمل الشركة أي مصاريف صيانة أو أضرار، أو أي مسؤولية عن الحوادث التي قد يتعرض لها العامل. كما تمنح العقود الشركةَ حق إنهاء التعاقد فورًا عند أي مخالفة أو شكوى من العملاء، في حين لا يحق للعامل إنهاء العقد إلا بإشعار يوم واحد، مع التزامه بعدم العمل لدى شركات منافسة طوال مدة العقد ولمدة عام بعد انتهائه، وعدم الكشف عن أسرار الشركة لمدة خمس سنوات.
تُعد “بريد فاست” شركة ناشئة في مجال توصيل الطعام، أُسست عام 2017 على يد مصطفى أمين ومحمد حبيب وعبد الله نوفل، برأسمال بلغ 26 مليون دولار. بدأت نشاطها بتوصيل المخبوزات، قبل أن تتوسع تدريجياً لتقديم خدمات توصيل البقالة. وفي إطار هذا التوسع، أطلقت الشركة خدمة “Breadfast Now” التي تعمل كسوبر ماركت سحابي يتيح للعملاء شراء مجموعة من المنتجات المحلية.
نوصي للقراء: اللواء الذي يحكم جامعة حلوان: تجاوزات مالية بالملايين وعقودٍ مخالفةٍ للقانون

مخالفة لقانون العمل
عُرضت على المحامي الحقوقي مالك عدلي، رئيس المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، المستندات والعقود التي تجبر بعض شركات التوصيل عمالها على توقيعها؛ من بينها الوثائق الصادرة عن شركة “بريد فاست”. وأوضح عدلي أن هذه المستندات لا تُعد عقود عمل بالمعنى القانوني، وإنما هي عقود لتقديم خدمات، تُعامل العامل بوصفه “مقدم خدمة” لا موظفاً، في محاولة لإظهار طرفي العلاقة على قدم المساواة، في حين يُجرد العامل من أي حقوق عمالية. وصف عدلي هذه الصيغة بأنها “عقود استعباد”، مؤكداً “عدم الاعتداد” بها أمام القانون، لأنها لا تلتزم بأحكام قانون العمل المتعلقة بالحد الأدنى للأجور، أو معايير السلامة والصحة المهنية، أو إصابات العمل، أو تنظيم ساعات العمل وإنهاء الخدمة.
وأشار إلى أن إقرار السرية الذي تفرضه “بريد فاست” على عمالها يتضمن نصوصًا مخالفة للقانون؛ إذ إن فسخ العقد اختصاص يملكه القضاء وحده، وفقًا للمادة 148 من القانون رقم 14 لسنة 2025. كما أكد أن إجبار العمال على توقيع إيصالات أمانة يمثل وسيلة ابتزاز شائعة، لا يحكمها أي إطار قانوني واضح، داعيًا إلى تدخل تشريعي مباشر يجرّم هذه الممارسات، وإصلاحات عاجلة تضمن حقوق عمال التوصيل الرقمي، مع فرض رقابة فعلية على الشركات.
ويُفرق عدلي بين العاملين في شركات ومطاعم، فيتمتع بعضهم بعقود وتأمينات، والعاملين عبر تطبيقات التوصيل الذكية الذين يفتقرون إلى أي حماية قانونية، وغالبًا ما يُجبرون على شراء زي العمل ومعداته على نفقتهم الخاصة. وأوضح أن الغالبية لا يتعاملون مباشرة مع الشركات الكبرى، بل عبر شركات توريد عمالة وسيطة؛ ما يضاعف هشاشة وضعهم القانوني، ويمثل أحد أسوأ أشكال العمالة التي شبّهها بـ”الاتجار بالبشر” بسبب ما تنطوي عليه من استغلال وانعدام حماية.
ورغم أن قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025 قد أدخل عمال المنصات الرقمية ضمن مظلته، مانحًا إياهم حقوقًا مساوية للعاملين التقليديين مثل الحماية الاجتماعية والحد الأدنى للأجور والحق في التنظيم النقابي، فإنه لم يدخل حيز التنفيذ قبل مطلع سبتمبر 2025. وتنص مادته رقم 99 على ضرورة وجود عقد عمل مكتوب ورقياً أو إلكترونياً، مع إتاحة إثبات العلاقة بأي وسيلة؛ بما في ذلك الإثبات الإلكتروني أو الشخصي. ومع ذلك، تبقى الفجوة واسعة بين النصوص والواقع، في ظل ضعف الرقابة من جانب وزارة القوى العاملة نتيجة قلة عدد المفتشين مقارنة بضخامة سوق العمل، وفق عدلي.
هذا الغياب التشريعي والرقابي يترك أثرًا مباشرًا في العمال. فوفق استبيان خاص بالتحقيق، فإن العمال يرون أن أسباب انتهاك حقوقهم من قبل الشركات تعود بالدرجة الأولى إلى استغلال أصحاب العمل لحاجتهم إلى الوظيفة، إضافة إلى ضعف التشريعات القانونية التي من شأنها حمايتهم، فضلًا عن محدودية وعيهم بحقوقهم القانونية، ما يجعلهم أكثر عرضة لهذه الانتهاكات.
نوصي للقراءة: 25 مليون متر مربع في يد رجل واحد.. كيف أصبح العبار شريك مصر في أرضها؟

المكاتب الوسيطة والسماسرة: ثغرة للاستغلال
تلجأ بعض شركات التوصيل إلى مكاتب وسيطة تُسجّل المندوبين على تطبيقاتها الرقمية مقابل اقتطاع نسبة من رواتبهم، تُحول عادة إلى محافظ إلكترونية شخصية، من دون توقيع عقود مباشرة مع الشركة الأم أو أي تواصل قانوني معها. بهذه الطريقة، تتحرر الشركات من أي التزامات تجاه العمال، بل وتُلزمهم المكاتب بتوقيع إيصالات أمانة تتراوح قيمتها بين عشرة آلاف و50 ألف جنيه، إضافة إلى استقطاع ثمن الزي الرسمي والصندوق والخوذة من أجورهم. عدة شهادات لعمال أوضحت أيضًا وجود سماسرة يجذبون عمالًا جددًا بوعود خادعة عن أرباح مرتفعة، مقابل عمولات عن كل عامل جديد ينضم بنظام المحاسبة بالطلب.
مثل أحمد ورامي وهيثم، يعمل غالبية مندوبي التوصيل في مصر من دون عقود أو حماية قانونية. يُظهر الاستبيان أن الحرمان من التأمينات الصحية والاجتماعية يمثل 45 في المئة من الانتهاكات، و78 في المئة يشكون غياب المظلة القانونية، في حين لا يشعر 79 في المئة بالأمان المادي أو الاجتماعي.
يتقاضى العمال أجورهم وفق نظام “الباتشات” الذي يربط الدخل بسرعة التوصيل وتقييم العملاء، ما يتيح للشركات خصومات غير مبررة. محمود يسري، أحد مندوبي طلبات، يقول إنه لا يملك عقدًا ويتقاضى أجراً بالطلب فقط، ويتحمل تكلفة الحوادث بنفسه. أما زينب محمد، التي عملت مع طلبات بين 2021 و2022، فكانت تتقاضى 12 جنيهاً للتوصيلة من دون أي تأمين. ويشير أحمد جمال، الذي عمل في مرسول ثم انتقل إلى طلبات، إلى أنه كان يدفع ثمن الطلبات الملغاة من جيبه قبل أن يتعرض لاحقًا لخصومات ورسائل تهديد من مشرفيه.
في يوليو 2025، نظّم عمال مرسول إضرابًا احتجاجًا على خفض الأجور، وزيادة عمولات الشركة إلى مئة في المئة أحيانًا، إضافة إلى نظام “الكريديت” الذي يُجبرهم على دفع ثمن الطلب نقدًا قبل استرداده لاحقاً. يقول العامل محمد بكري: “واحد قالي هات أوردر بـ 1500 جنيه، جبته، قال مش عايز حاجة، ومرسول قالت ملناش دعوة”.
لا توجد إحصاءات رسمية دقيقة لأعداد عمال التوصيل في مصر، لكنّ وزير العمل قدّرهم بالملايين، بينما يرى نقابيون أن عددهم لا يتجاوز 900 ألف، جميعهم ضمن “العمالة غير المنتظمة” بلا تأمين أو حماية.
أُسست “مرسول” عام 2015 على يد السعوديينِ أيمن السند ونايف السمري، وأصبحت خلال سنوات من أبرز منصات التوصيل في مصر. في عام 2018، بلغ عدد مستخدميها أربعة ملايين مستخدم، و150 ألف مندوب توصيل، بقيمة معاملات وصلت إلى 270 مليون دولار. وتستحوذ الشركة على نحو 28 في المئة من سوق التوصيل في مصر، بواقع 1.4 مليون طلب يوميًا، ويقدَّر عدد مندوبيها بأكثر من 100 ألف، مع خطة لرفعهم إلى مليون، وفق مديرها العام أسامة حرفوش.
ولا يقتصر هذا الجدل على مصر وحدها، ففي العراق على سبيل المثال، كشف تحقيق استقصائي نشرته “أريج” في سبتمبر الماضي (2025) عن انتهاكات مشابهة يتعرض لها سائقو التوصيل هناك. وبعد شهر واحد فقط من النشر، تحركت الحكومة العراقية واتخذت جملة إجراءات لإصلاح القطاع، بما يضمن حقوق هذه الفئة ويحد من الانتهاكات بحقها. وتكشف هذه المقارنة الفارق بين تحركات دول سارعت إلى الاستجابة، وبين واقع ما يزال فيه عمال التوصيل في مصر خارج أي إطار حماية فعال.

رد وزارة العمل
رغم توجيه أسئلة تفصيلية إلى وزارة العمل المصرية بشأن الإجراءات المتخذة لحماية عمال التوصيل، وآليات الرقابة على الشركات وتلقي الشكاوى، اكتفى المستشار الإعلامي للوزارة، عبد الوهاب خضر، بالإشارة إلى حملة “سلامتك تهمنا” التي أطلقتها الوزارة في يوليو 2025.
وأوضح أن الحملة تستهدف -في مرحلتها الأولى- تقديم الحماية لعمال التوصيل بالدراجات النارية والهوائية والسيارات؛ سواء العاملين عبر التطبيقات الإلكترونية أو بشكل فردي. وتشمل الحملة تدريبهم وتوفير معدات الوقاية مجانًا بالتعاون مع القطاع الخاص والمجتمع المدني، إلى جانب خطة تفتيش ورقابة تبدأ من العاصمة الإدارية وتمتد تدريجيًا إلى باقي المحافظات، مع تخصيص خط ساخن وخدمة إلكترونية لتلقي الشكاوى والاستفسارات.
لكنّ رد الوزارة لم يتضمّن أي تفاصيل حول آليات الرقابة على شركات التوصيل أو حجم الشكاوى والإجراءات المتخذة بحق المخالفين، كما لم يوضح ما إذا كانت هناك عقوبات أو إلزامات قانونية تفرضها الوزارة لضمان حقوق العمال.
وبعد إعادة توجيه الأسئلة نفسها للمستشار الإعلامي للحصول على إيضاحات إضافية، لم نتلقَّ أي تجاوب حتى تاريخ النشر.
وبينما لا تزال قضيته ضد شركة “طلبات” منظورة في المحاكم المصرية، يبقى أحمد طارق أسيرًا لغرفته، يتكئ على عكازيه ويتأمل ساقه التي لم تعد قادرة على حمل جسده، غارقًا في قلق بشأن مستقبل مجهول. أما رامي حسن فما زال يقطع شوارع القاهرة يوميًا بدراجته من “زون” (منطقة أو مكان) إلى آخر، يعمل اثنتي عشرة ساعة في اليوم تحت ضغط “الخصومات” وخطر الحوادث. وبينما يبحث هيثم محمد عن وسيلة قانونية ترد له حقوقه في “بريد فاست”، يضطر محمد بكري إلى العمل صباحًا في تنظيف المكاتب قبل أن يبدأ يومه “عامل توصيل” في “مرسول” بأجر لا يكفي لسد حاجاته الأساسية.
ومع كل “أوردر” جديد، يسابق هؤلاء السائقون الزمن في طريق محفوف بالمخاطر، بين شبح الحوادث وتهديد الخصومات، وسعي لا ينتهي وراء دخل لا يقيهم الفقر.
أُنجز هذا التحقيق بتعاون صحفي مشترك بين زاوية ثالثة وإعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج)