يواجه مقترح “التبرع بالجلود والأنسجة البشرية بعد الوفاة” جدلًا في مصر، إثر مطالبات برلمانية بإنشاء بنك وطني للأنسجة لتوفير بدائل علاجية لحالات الحروق الشديدة. ويهدف المقترح إلى خفض تكاليف استيراد الأنسجة من الخارج، التي تبلغ نحو مليون جنيه مصري (21 ألف دولار أمريكي) للحالة الواحدة.
ورغم إقرار قانون زراعة الأعضاء رقم 5 لسنة 2010 وتعديلاته عام 2017، واستناداً إلى المادة 61 من الدستور المصري التي تُصنف التبرع بالأعضاء والأنسجة “هبة للحياة” وتُلزم الدولة بتنظيم قواعدها، إلا أن غياب الآليات التنفيذية وبنوك الأعضاء حال دون تفعيل هذه النصوص القانونية والدستورية.
ويعزو المحامي الحقوقي مالك عدليمدير المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، هذا التعطيل إلى افتقار القانون لبنية إدارية وتقنية حقيقية رغم صدور لائحته التنفيذية عام 2011. وأوضح عدلي أن المنظومة تفتقد حتى الآن لبنوك التبرع، وسجلات موحدة للمتبرعين بعد الوفاة، وآليات واضحة للتعامل مع الجثامين وتحديد أولويات الزرع، مؤكداً عدم بناء هذه المنظومة طوال 16 عاماً منذ صدور القانون.
وذكر عدلي في تصريح لـ “زاوية ثالثة” أن التطور العلمي يفرض تطوير التشريعات المنظمة لزراعة الأعضاء لمواكبة تقنيات الحفظ والتبرع والميكنة وإدارة البيانات، بما يضمن الضبط والشفافية. وأشار إلى غياب أي وسيلة معلنة تمكن المواطن من تسجيل رغبته في التبرع بأعضائه بعد الوفاة.
ويرى عدلي أن غياب هذه الآليات يتجاوز القصور التنظيمي ليعكس فجوة بين النص القانوني والتطبيق العملي، وتأخراً مؤسسياً في ملف الحق في الصحة. واعتبر أن طرح أي نقاش تشريعي جديد يكشف عن خلل مزمن في المنظومة الصحية، متسائلاً عن أسباب تعطيل قانون قائم منذ عام 2010 حتى عام 2026 دون تطبيق فعلي أو مراجعة جادة في ملف يمس الحق في الحياة والصحة.
دفعت هذه الفجوة النائبة أميرة صابر قنديل، عضو مجلس الشيوخ، إلى التقدم باقتراح إلى وزير الصحة والسكان لتأسيس بنك وطني للأنسجة البشرية وتيسير إجراءات التبرع بها بعد الوفاة. ويهدف الاقتراح إلى الحد من الاعتماد على الاستيراد عبر إطلاق مشروع تجريبي بمستشفى متخصص وإنشاء سجل وطني للمتبرعين، بما يضمن توفير علاج منقذ للحياة ويوفر ملايين الجنيهات سنوياً.
تقول النائبة لـ “زاوية ثالثة” إن إنشاء بنك للأنسجة يمثل نموذجًا عالميًا متبعًا، مؤكدة أن التبرع بالأنسجة إجراء طبي ضروري لإنقاذ الحياة وليس ترفًا تجميليًا. وتوضح أن أغلب وفيات الحروق من الدرجة الثالثة في مصر تشمل أطفالًا تتجاوز إصاباتهم 50% من مساحة الجسم، وهي حالات تتطلب زراعة جلد بشري تصل تكلفة استيراده للحالة الواحدة إلى نحو مليون جنيه.
وتضيف أن اقتراحها يشمل الأنسجة بجميع أنواعها، مثل القرنيات وصمامات القلب، معتبرة توسيع النقاش في هذا الملف خطوة لضمان الحق في العلاج. وأكدت خلو مصر من بنوك الأنسجة رغم صدور قانون زراعة الأعضاء منذ 16 عاماً، وهو ما يستوجب إعادة فتح النقاش تشريعياً وتنفيذياً.
وتعمل النائبة حاليًا على دراسة قياس الأثر التشريعي للقانون رقم 5 لسنة 2010 لتقييم تطبيقه ورصد القصور فيه، وتحديد التعديلات المطلوبة لآليات التوثيق وإجراءات التبرع. وأشارت إلى أن غياب سجل وطني موحد للمتبرعين يمثل عقبة رئيسية تحول دون تنفيذ رغبات المتبرعين بعد الوفاة أو ربطها بالمستشفيات.
وتحمل النائبة وزارة الصحة مسؤولية غياب البنك الوطني للأنسجة، واصفة ذلك بالتقصير المؤسسي. وشددت على ضرورة خضوع البنك لإشراف ورقابة الوزارة مع إتاحة الرقابة البرلمانية لضمان الشفافية ومنع الاستغلال، مع الالتزام بحماية بيانات المتبرعين عبر تقنيات الأمن السيبراني ونظام حوكمة صارم.
الإيداع القسري.. حين يتحول العلاج النفسي إلى وسيلة للانتقام الأسري

فجوات التطبيق ووفيات الحروق
تسببت فجوات تطبيق قانون زراعة الأعضاء وغياب بنوك الأنسجة في تعثر توفير الجلد البشري لعلاج المصابين بمستشفى “أهل مصر” المتخصص في الحروق على مدار عامين. ونظرًا لعدم توفر الجلد محلياً، خاطبت رئيسة مجلس إدارة المستشفى، هبة السويدي، رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي للتنسيق مع هيئة الدواء لضمان الإفراج الجمركي عن الشحنات المستوردة ووصولها للمستشفى خلال 24 ساعة، وهو ما بدأ تنفيذه في نوفمبر الماضي.
وتُعرف زراعة الجلد، بكونها عملية جراحية علاجية وتجميلية يتم خلالها إزالة الجلد من منطقة معينة من الجسم بهدف زرعها لمرضى الحروق الشديدة، مما يساعد في بقائهم على قيد الحياة حتى ينمو جلدهم الطبيعي، فيما تستهدف عملية التبرع بالجلد، طبقة رقيقة جدًا من الطبقة العليا للجلد، من مناطق غير ظاهرة مثل الظهر أو الفخذين، دون التسبب في أي تشوه للجسم أو تأخير الدفن، على أن يتم حفظ الجلد المُتبرع به بتقنيات مثل التجميد أو الجلسرين.
تقول هبة السويدي لزاوية ثالثة، إن زراعة الجلد البشري الذي يتم التبرع به بعد الوفاة تُستخدم كحل علاجي مؤقت لمرضى الحروق الذين فقدوا مساحات واسعة من جلدهم، كإجراء منقذ للحياة، بغرض تغطية المناطق المصابة حتى تستقر حالة المريض أو يصبح الترقيع الذاتي ممكنًا، وتلعب دورًا حاسمًا في استقرار المرضى ورفع فرص نجاتهم.
وتُبيّن أن الجلد يمثل خط الدفاع الأول للجسم الذي ينظم درجة حرارته، ويمنع فقدان السوائل، ويقلل خطر العدوى، ويُعرّض فقدانه بسبب الحروق الشديدة، المريض لمخاطر قاتلة خلال فترة قصيرة، مشيرة إلى أن الترقيع الذاتي يعتمد على جلد المريض نفسه، ويصلح فقط في الحالات محدودة الحروق، بينما تصبح زراعة الجلد المتبرع به ضرورة طبية لإنقاذ حياة الأطفال الذين تجاوزت نسبة حروقهم 30%، والبالغين عند تخطي الحروق لديهم نسبة 40% من الجسد.
وتضيف: “نحن أول مستشفى في مصر يبادر باستيراد الجلد الطبيعي، من بنوك أنسجة معتمدة دوليًا في هولندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة وأستراليا، وتم حفظه ونقله في درجات حرارة تصل إلى 80 درجة مئوية تحت الصفر، وهي خطوة غير مسبوقة استهدفت إنقاذ حالات حرجة لم تكن لديها بدائل علاجية أخرى، وأجرينا 10 عمليات زراعة جلد طبيعي لحالات حرجة من الأطفال والبالغين بالمجان، تكلفة الواحدة منها تبلغ نحو مليون جنيه، وتصل إلى 3.6 ملايين جنيه”.
وتؤكد السويدي على أن إنشاء بنك وطني للجلد والأنسجة في مصر سيمثل نقلة نوعية، من خلال ضمان سرعة التدخل، وخفض التكلفة، ورفع نسب النجاة، باعتباره استثمارًا إنسانيًا طويل الأمد في إنقاذ الأرواح.
تساهم الحروق في حوالي 180,000 وفاة سنويًا حول العالم، معظمهم في الدول المنخفضة والمتوسطة الدخل مثل: مصر، ويعاني نسبة كبيرة من الأطفال الناجين من إعاقات مؤقتة أو دائمة، ويعد السمط بالسوائل الساخنة السبب الرئيسي لحروق الأطفال، ومعظمها تحدث داخل المنازل، بينما ترتبط إصابات البالغين بالحرائق، الحروق الكهربائية، والحوادث الصناعية، وتتضاعف عوامل الخطر، في ظل الفقر، الازدحام السكاني، وعدم الوعي بالإسعافات الأولية، حسب منظمة الصحة العالمية.
وتُظهر بيانات رسمية صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، أن عدد حوادث الحريق في مصر خلال عام 2025 قد بلغ 51,029 حادثة، بارتفاع 8.7% عن 46,925 حادثة في 2024، وأسفرت تلك الحوادث عن 180 متوفى في 2025 عام ، بانخفاض 22.4% عن 232 في 2024، وخلّفت 738 مصاب في 2025، بانخفاض 11.2% عن 831 في 2024، بينما كانت أبرز المسببات لتلك الحوادث أعقاب السجائر، أعواد الكبريت، بنسبة 31.3%، والماس الكهربائي بنسبة 17.9%، وتُقدّر مستشفى “أهل مصر”، أن هناك 250,000 حالة حروق سنويًا في مصر، وأكثر من 37% منهم يفقدون حياتهم في أول 6 ساعات بسبب نقص الرعاية المتخصصة والتغطية الجلدية، قد ترتفع النسبة إلى حوالي 60% بعد أيام بسبب العدوى والجفاف وسوء التغذية.
ورغم ذلك يصطدم المصابون بأزمة نقص أعداد أسرة الرعايات المركزة لأقسام الحروق في مصر، والتي كانت تبلغ أعدادها 72 سريرًا فقط في 2022، قبل أن تعلن وزارة الصحة والسكان، في 2023 زيادة أعدادها إلى 140 سريرَا، وزيادة أعداد الأسرة في أقسام الداخلي من 518 سريرًا إلى 555 سريرًا، إضافة إلى قلة المستشفيات والمراكز الحكومية المتخصصة في علاج الحروق، إذ توجد 6 مستشفيات و51 مركزًا ووحدة للحروق في محافظات مصر.
بدوره يرى حسين عثمان، استشاري إدارة المستشفيات في مصر، أن هناك فجوة كبيرة بين الاحتياجات الفعلية لمرضى الحروق وتوافر الجلد البشري والأنسجة، وهي أزمة تمتد إلى ملف التبرع بالأعضاء بشكل عام، باعتباره أحد أهم الملفات الصحية المنسية رغم تأثيره المباشر على فرص إنقاذ الأرواح.
وفي ظل غياب آليات للتبرع المحلي، تتزامن الأزمة مع ما يصفه بضعف الثقافة المجتمعية المرتبطة بالتبرع بالأعضاء، نتيجة سوء فهم طبي وعلمي لطبيعة الإجراء، إذ يتخوف الكثيرون من بتشويه الجثمان أو المساس بكرامة المتوفى وأوضح عثمان، رغم كون التبرع بالجلد لا يشمل سوى الطبقة السطحية فقط، مع بقاء أربع طبقات أخرى تحمي الجسم، كما يمكن لجلد متبرع واحد أن ينقذ حياة عدة مصابين بالحروق الشديدة.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “غياب بنك وطني للأنسجة انعكس على فرص بقاء مرضى الحروق على قيد الحياة، صحيح أنه لا توجد أرقام دقيقة لعدد الوفيات المرتبطة بنقص الجلد، لكن الإحصاءات تشير إلى تسجيل نحو 250 ألف إصابة حروق سنويًا في مصر، وعندما تتجاوز نسبة الحروق 30 بالمئة من الجسم تبدأ فرص النجاة في التراجع، بينما يمكن لزراعة الجلد أن ترفع نسب البقاء على قيد الحياة إلى أكثر من 60 بالمئة”.
ويشير إلى أن عددًا من دول العالم تطبق أنظمة قانونية تتيح الحصول على الأنسجة من المتوفين تلقائيًا، بينما تعتمد دول أخرى على الوصية المسبقة، وفي الحالتين يتم حفظ الأنسجة بطرق علمية تتيح الاستفادة منها في إنقاذ المرضى، وعلى رأسها الجلد، مضيفًا أن استيراد الجلد البشري يمثل عبئًا اقتصاديًا واستنزافًا للعملة الصعبة، وفي المقابل سيسهم تفعيل التبرع المحلي وإنشاء بنك وطني للأعضاء والأنسجة في توفير الموارد المالية وإنقاذ آلاف من مصابي الحروق سنويًا.

تحركات رسمية متأخرة
في أعقاب حالة الجدل المجتمعي الذي أثاره المقترح البرلماني، للنائبة بإنشاء بنك وطني للأنسجة، أفادت صحف محلية، أن وزارة الصحة تخطط منذ أكثر من عامين لإنشاء بنك للأعضاء والأنسجة ضمن مشروع تطوير معهد ناصر ومدينة النيل الطبية، يشمل قواعد بيانات وبنية تنظيمية متكاملة لبنوك الأنسجة مثل القرنية والجلد، وتسجيل المتبرعين إلكترونيًا، ووضع بروتوكولات طبية دقيقة لضمان الشفافية والرقابة.
وحول ذلك توجهت “زاوية ثالثة” بالسؤال للدكتور حسام عبد الغفار، المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة، والذي أكد أن الوزارة لم تُعلن عن إنشاء بنك للأنسجة والجلود بشكل مستقل، وأن تصريحاته المتلفزة التي تداولتها وسائل الإعلام انصبت على مشروع تطوير معهد ناصر، بينما أي مكون يتعلق بالأنسجة أو زراعة الأعضاء يندرج ضمن الجدول الزمني العام لمشروعات التطوير الجارية داخل المعهد، ضمن خطة مستقبلية أشمل تستهدف إنشاء أكبر مركز لزراعة الأعضاء على مستوى الشرق الأوسط، في مدينة النيل الطبية.
ويشدد المتحدث باسم وزارة الصحة على أن أي مشروع صحي يرتبط بالعنصر البشري قبل البنية التحتية، وأن تنفيذ أي منظومة جديدة يستلزم توافر كوادر قادرة على أداء الوصف الوظيفي للمشروع، وهذا الأمر جزء أصيل من التخطيط لأي توسع مستقبلي تقوم به وزارة الصحة.
ويضيف أن الوزارة وقعت خلال الأسابيع الماضية، بروتوكول تعاون مع وزارة الصحة الإسبانية، نظرًا لكون إسبانيا الدولة الأولى عالميًا في زراعة الأعضاء من المتوفين، لافتًا إلى أن هذا التعاون يشمل بناء القدرات وتطوير المنظومة المرتبطة بعمليات زراعة الأعضاء، في إطار دعم الجهود الوطنية لتطوير هذا الملف بشكل مستدام.
وبسؤاله عن أسباب تأخر تفعيل مسار زراعة الأنسجة رغم صدور قانون زراعة الأعضاء منذ أكثر من 15 عامًا، أجاب بأن “الملف لم يحظَ بالزخم الكافي إلا مؤخرًا، والوزارة تعمل على هذا المسار منذ نحو عامين، قبل تصاعد الجدل البرلماني والإعلامي الأخير”.
ختامًا يمكن القول إن الجدل المجتمعي الدائر حول التبرع بالجلود والأنسجة، يكشف عن أزمة أعمق تتجاوز سوء الفهم المجتمعي، لتطال فجوة مزمنة بين التشريع والتطبيق في ملف يمس الحق في الحياة مباشرة. فبين قانون قائم منذ 16 عامًا، وتجارب طبية محدودة تُنقذ الأرواح بجهود استثنائية، يظل غياب بنك وطني للأنسجة بمثابة الدليل على التأخر المؤسسي وتكلفته الإنسانية والاقتصادية.
ومع تصاعد أعداد إصابات ووفيات الحروق، لم يعد السؤال الذي يجب طرحه حول جدوى إنشاء بنك للأنسجة، بل حول كلفة استمرار غيابه، وتظهر حاجة ماسة للانتقال إلى منظومة شفافة ومحكومة تضمن سرعة التدخل وعدالة الوصول للعلاج، أو الإبقاء على واقع يُهدر الأرواح ويستنزف الموارد، فالأمر لم يعد يحتمل مزيدًا من التأجيل.
أزمة بنج الأسنان تعود للواجهة… احتكار الإنتاج يكشف خللًا بنيويًا في سوق الدواء المصري