close

بعد عام من الحجب.. زاوية ثالثة ومؤسسات دولية تطالب AppLogic بكشف مصير تقنياتها في مصر

طالبت زاوية ثالثة، إلى جانب مؤسسات صحفية ومنظمات مجتمع مدني دولية، شركة AppLogic Networks بالإفصاح عن مدى التزامها بتعهداتها بالانسحاب من السوق المصرية، في ظل استمرار حجب مواقع إعلامية مستقلة
Picture of زاوية ثالثة

زاوية ثالثة

تقدّمت منصة زاوية ثالثة، إلى جانب عدد من المؤسسات الصحفية ومنظمات المجتمع المدني الدولية، بمطالبة رسمية إلى شركة AppLogic Networks، تدعوها إلى تقديم إفصاح علني وموثق بشأن مدى التزامها بتعهداتها المتعلقة بالانسحاب من السوق المصرية، وذلك في ظل استمرار حجب مواقع إعلامية مستقلة داخل البلاد، من بينها موقع زاوية ثالثة، رغم إعلان الشركة إنهاء عملياتها في عدد من الدول ذات المخاطر الحقوقية المرتفعة بحلول 31 ديسمبر 2025.

الخطاب المشترك، الموجّه إلى الرئيس التنفيذي للشركة مارك دريدجر ورئيسة قسم الأخلاقيات والامتثال كارول تيت، عبّر عن قلق بالغ إزاء ما وصفه الموقعون بفشل الشركة في توفير شفافية كاملة بشأن انسحابها من مصر، وعدم اتخاذ خطوات ملموسة لمعالجة الأضرار التي لحقت بالمؤسسات الإعلامية التي استُخدمت تقنياتها في تقييد وصولها إلى الجمهور، عبر ممارسات رقابية شملت حجب المواقع والتدخل في حركة البيانات.

ويأتي هذا التحرك في سياق استمرار استهداف منصة زاوية ثالثة، حيث تعرّض موقعها للحجب داخل مصر في  فبراير 2025، قبل أن يُحجب لاحقًا نطاق بديل أنشأته لتجاوز القيود التقنية في محاولة لضمان استمرار الوصول إلى محتواها الصحفي. وبذلك، تنضم زاوية ثالثة إلى مئات المواقع الصحفية والإعلامية المحجوبة داخل البلاد، في وقت يُقدّر فيه عدد المواقع المحجوبة بما لا يقل عن 630 موقعًا حتى الآن.

وكانت AppLogic Networks قد أعلنت، ضمن حزمة إصلاحات ساهمت في رفعها من قائمة الكيانات التابعة لوزارة التجارة الأمريكية، التزامها بالانسحاب من مصر وعدد من الأنظمة غير الديمقراطية، استجابة لمخاوف تتعلق بإساءة استخدام تقنياتها، وعلى رأسها تكنولوجيا الفحص العميق للحزم، في تسهيل انتهاكات رقمية شملت حجب المواقع وتتبع المستخدمين.

وبحسب أبحاث تقنية أجرتها منظمات مجتمع مدني مستقلة، من بينها مؤسسة “مسار” المصرية، بالتعاون مع مختبر Citizen Lab، فإن تقنيات الشركة ارتبطت على مدار سنوات بأنماط واسعة من التدخل الشبكي والرقابة الرقمية التي استهدفت أكثر من 100 موقع إخباري ومنصة إعلامية مستقلة تنتقد السلطات المصرية.

ورغم إعلان الشركة انسحابها، تستمر السلطات المصرية في حجب مواقع إعلامية مستقلة، من بينها زاوية ثالثة، وهو ما دفع الموقعين إلى مطالبة الشركة بتوضيح ما إذا كانت تقنياتها لا تزال تُستخدم داخل البلاد، خاصة في ظل غياب معلومات علنية بشأن مصير الأجهزة أو البنية التحتية التقنية التي كانت قد وفرتها في السوق المصرية.

كما أشار الخطاب إلى أن تعهدات الشركة بإجراء مشاورات منتظمة مع المجتمع المدني، بما في ذلك مجموعات أوصت بها وزارة الخارجية الأمريكية، لم تُترجم إلى حوار فعلي مع المؤسسات الإعلامية المتضررة، وفي مقدمتها زاوية ثالثة. ولفت إلى أن جهود منظمة Access Now لتيسير تواصل مباشر بين الشركة ومنظمات المجتمع المدني المصرية ومنصات إعلامية مستقلة تأجلت لعدة أشهر قبل أن تُلغى في اللحظة الأخيرة من جانب الشركة، بدعوى مخاوف تتعلق بسلامة الموظفين، دون تقديم ترتيبات بديلة.

وتضمن الخطاب أيضًا تساؤلات بشأن تعهد AppLogic Networks بالتبرع بنسبة 1% من أرباحها المستقبلية لدعم منظمات تعمل في مجال حرية الإنترنت والانتصاف من الانتهاكات الرقمية، إذ لم تُنشر حتى الآن أي إفصاحات أو أدلة تشير إلى توجيه هذا الدعم إلى منصات إعلامية مستقلة متضررة من استخدام تقنياتها، من بينها زاوية ثالثة وموقع “المنصة” المصري.

وأكد الموقعون أن تحقيق الشفافية والمساءلة لا يمكن أن يقتصر على البيانات الصحفية، بل يتطلب خطوات عملية قابلة للتحقق، داعين الشركة إلى تقديم إفصاح علني بحلول 26 فبراير 2026 يتضمن أدلة موثقة على إتمام انسحابها الكامل من مصر، وتفاصيل بشأن أي أجهزة أو التزامات تعاقدية متبقية، وخططها للتواصل مع الصحفيين والمؤسسات الإعلامية المتأثرة، إلى جانب توضيح آليات الانتصاف التي تعتزم تنفيذها، بما في ذلك التبرعات المالية المعلنة.

وحذّر الخطاب من أن غياب هذه الإجراءات قد يُفسَّر على أنه محاولة لتحسين الصورة العامة دون إحداث تغييرات جوهرية، بما يقوّض التزامات الشركة المعلنة بحماية الحقوق الرقمية وحرية التعبير.

تُعد شركة AppLogic Networks، المعروفة سابقًا باسم Sandvine، من أبرز الشركات العالمية المتخصصة في تطوير تقنيات إدارة وتحليل حركة الإنترنت، وعلى رأسها أنظمة الفحص العميق للحزم (Deep Packet Inspection)، وهي أدوات تتيح لمشغلي الشبكات مراقبة البيانات المارة عبر البنية التحتية الرقمية وتحليلها والتحكم فيها. وتُستخدم هذه التقنيات في الأصل لأغراض إدارة الشبكات وتحسين جودة الخدمة والأمن السيبراني، إلا أن تقارير تقنية وحقوقية دولية وثّقت استخدامها في عدد من الدول لتقييد الوصول إلى الإنترنت، وحجب المواقع، وتعقب المستخدمين، بما في ذلك استهداف منصات إعلامية مستقلة ومحتوى صحفي ناقد. وكانت الشركة قد أعلنت في عام 2024 عن حزمة إصلاحات تضمنت التزامًا بالانسحاب من عدد من البيئات التي تنطوي على مخاطر مرتفعة على حقوق الإنسان، من بينها مصر، بحلول نهاية عام 2025، في أعقاب إدراجها سابقًا على قائمة الكيانات التابعة لوزارة التجارة الأمريكية بسبب مخاوف تتعلق بإساءة استخدام تقنياتها في ممارسات رقابية.

في 20 فبراير 2025، أعلنت زاوية ثالثة تعرض موقعها للحجب داخل مصر، بعد رصد صعوبات متكررة في الوصول إليه عبر عدد من مزودي خدمة الإنترنت، قبل أن تؤكد تحريات فنية لاحقة تنفيذ الحجب باستخدام تقنية “هجوم إعادة الضبط”، وهي آلية تقوم على قطع الاتصال بالموقع فور محاولة المستخدم الدخول إليه دون إغلاقه بشكل مباشر، ما يجعل الوصول إليه متقطعًا وغير مستقر.

وبحسب بيان أصدرته زاوية ثالثة آنذاك، بدأ الحجب فعليًا في 15 فبراير 2025، حيث واجه المستخدمون صعوبات متزايدة في الوصول إلى الموقع عبر شبكات مختلفة، من بينها شبكة فودافون، قبل أن يمتد لاحقًا إلى مزودين آخرين، بدرجات متفاوتة من الفاعلية.

بيان من زاوية ثالثة: عن الحجب، الصحافة، وحق الجمهور في المعرفة

وفي محاولة للالتفاف على الحجب، أنشأت زاوية ثالثة نطاقًا بديلًا، غير أن هذا النطاق تعرّض للحجب هو الآخر في 27 فبراير 2025، ما أكد استهداف الموقع ومنعه من الوصول إلى قرائه بأي وسيلة متاحة.

وأدانت 33 مؤسسة حقوقية وصحفية دولية وإقليمية، من بينها جامعة ماكجيل الكندية ومنصات إعلامية مثل درج ورصيف 22، هذا الإجراء، معتبرةً أنه انتهاك لحرية الصحافة وتصعيد في نهج الرقابة المفروضة على الإعلام المستقل داخل مصر.

وفي بيان لها، شددت زاوية ثالثة على أن الحجب لا يمثل نهاية لعملها الصحفي، بل بداية لمعركة أوسع عنوانها الحق في المعرفة، وحرية الصحافة، واستقلال الحقيقة عن أي محاولة لاحتكارها.

ومن أبرز المواقع الصحفية والإخبارية المحجوبة، موقع المنصة، ومدى مصر إلى جانب عدد آخر من المواقع الإخبارية. كما طالت إجراءات الحجب منظمات حقوقية ومواقع غير حكومية، مثل المفوضية المصرية للحقوق والحريات، ومنظمة مراسلون بلا حدود، بالإضافة إلى مواقع إلكترونية تقدم خدمات لتجاوز الحجب، مثل متصفح تور (Tor Browser) ومواقع VPN وبروكسي المختلفة.

شكل حجب المواقع الإخبارية ضربة للصحفيين الذين يعملون فيها. فمع انقطاع الجمهور عن الوصول إلى هذه المنصات، تراجعت مواردها المالية بشكل حاد من إعلانات أو اشتراكات أو دعم، مما اضطر العديد منها إلى تقليص نشاطها أو الإغلاق التام. وتشير دراسة صادرة عن مؤسسة حرية الفكر والتعبير إلى أن نحو 300 من الصحفيين الشباب فقدوا وظائفهم أو تعرضوا لخفض رواتبهم خلال الأسابيع الأولى فقط من موجة الحجب (مايو – يونيو 2017)​. عدد من المؤسسات الصحفية المستقلة لم يستطع الصمود ماليًا أمام هذا الوضع، فتوقفت تمامًا عن العمل وأغلقت مواقعها، مما أدى إلى تسريح جميع صحفييها. وهناك ما لا يقل عن ستة مواقع إخبارية مستقلة أُغلقت كليًا نتيجة الخسائر الاقتصادية للحجب، وقامت بتسريح موظفيها بشكل كامل​. على سبيل المثال، موقعا “البداية” و“البديل” وهما من المنابر الصحفية المستقلة المعروفة، تعرضا للحجب في يونيو 2017؛ ولم يتمكنا من الاستمرار بعدها، إذ توقف موقع البداية عن النشر تمامًا بحلول ديسمبر 2017، فيما أعلن موقع البديل في أبريل 2018 إغلاقه بسبب استمرار الحجب الذي حال دون وصول المحتوى للجمهور​. هذه الحالات وغيرها تعني عمليًا فقدان عشرات الصحفيين لوظائفهم ومصادر دخلهم بين ليلة وضحاها.

لم يقتصر أثر حجب المواقع على المؤسسات المحجوبة وصحفييها فقط، بل امتد ليشمل قطاع الصحافة والإعلام المصري برمته. فمع تضييق الخناق على المنابر المستقلة وإسكاتها، انخفض إجمالي حجم سوق العمل الإعلامي المستقل، مما أدى إلى زيادة المعروض من الصحفيين العاطلين أو الباحثين عن عمل في مقابل تقلص عدد المؤسسات الصحفية الحرة التي كانت تستوعبهم. وقد شهدت هذه الفترة أيضًا احتكارًا متناميًا للإعلام من قبل جهات موالية للدولة أو أجهزة أمنية​، ما قلّص التنوع وأضعف المنافسة المهنية. ونتيجة لهذه العوامل مجتمعة –الحجب، والضغوط الأمنية، والأزمات المالية– دخل قطاع الصحافة في أزمة اقتصادية ومهنية حادة تجلت في تدني الأجور وانتشار البطالة المقنعة وهجرة الكفاءات.

تقول الصحفية النقابية إيمان عوف في تصريحات سابقة، إلى زاوية ثالثة إن تأثير الحجب يمتد ليشكل ضربة اقتصادية مباشرة للصحفيين والمؤسسات الإعلامية المستقلة، فحين يتم حجب موقع صحفي، يصبح الوصول إليه معقدًا، مما يقلل من حجم التفاعل والمشاهدات، ويؤثر على العائدات الإعلانية، حيث تعتمد الإعلانات بشكل أساسي على نسب المشاهدة والتفاعل، كما أن الإعلانات، باعتبارها مصدرًا أساسيًا لتمويل المواقع الصحفية، تتأثر بالحجب بشكل كبير، إذ لا يمكن لأي موقع محجوب أن يجذب الإعلانات، ما يؤدي إلى تراجع الإيرادات، وانعكاس ذلك على رواتب الصحفيين، ومع تدهور الوضع الاقتصادي لهذه المؤسسات، تصبح غير قادرة على دفع الرواتب، ما يدفعها إلى تسريح الصحفيين، وبالتالي تزداد البطالة في الوسط الصحفي، فالحرية هي الوجه الآخر للعيش الكريم، فحين يُسمح للمواقع المستقلة بالعمل بحرية دون حجب أو تضييق، فإنها تستطيع تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي للعاملين بها، وتوفر لهم حياة كريمة تتناسب مع تكاليف المعيشة المتزايدة.

Search