close

70% من الدوائر ملغاة والباقي مشكوك فيه.. ماذا تبقى من انتخابات البرلمان؟

دخلت انتخابات مجلس النواب المصري منعطفًا غير مسبوق بعد أن قضت المحكمة الإدارية العليا مساء السبت بإلغاء نتائج الانتخابات في 29 دائرة جديدة، ليرتفع العدد الإجمالي للدوائر المُلغاة إلى 48 من أصل 70 دائرة
Picture of رشا عمار

رشا عمار

قضت المحكمة الإدارية العليا، بمجلس الدولة في مصر، مساء السبت، بإلغاء نتائج الانتخابات في 29 دائرة جديدة، ليصل عدد الدوائر المُلغاة إلى 48 من إجمالي 70 دائرة جرت بها انتخابات المرحلة الأولى في 14 محافظة، فيما يصفه مراقبون بأنه تهديد مباشر لشرعية العملية الانتخابية برمتها. إذ تبلغ نسبة الدوائر المُلغاة بسبب الطعون وثبوت المخالفات الانتخابية حتى اللحظة نحو 70% من إجمالي الدوائر، في سابقة تاريخية للسجل البرلماني المصري.

ويرى مراقبون تحدثوا إلى زاوية ثالثة أن القرار “وضع الانتخابات برمتها على المحك، خاصة مع اتساع نطاق المحافظات التي أُلغيت نتائجها بالكامل، مثل الأقصر وسوهاج وقنا وأسيوط والوادي الجديد، إلى جانب إلغاء معظم الدوائر في محافظات أخرى كالمنيا والفيوم والبحيرة والجيزة والإسكندرية.”

التطورات المتسارعة تأتي وسط جدل واسع أُثير منذ يومي التصويت في 10 و11 نوفمبر الماضي، إذ شابت العملية الانتخابية اتهامات بالتلاعب وشراء الأصوات والتأثير على الناخبين، دفعت الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى التدخل بشكل مباشر، مطالبًا الهيئة الوطنية للانتخابات بـ”التدقيق التام” في الطعون، وعدم التردد في إلغاء الانتخابات جزئيًا أو كليًا “إذا تعذّر الوصول إلى إرادة الناخبين الحقيقية”. وأشار لاحقًا إلى أن تدخّله كان بمثابة “فيتو” اعتراضًا على ممارسات لم يكن راضيًا عنها.

وخلال يومي التصويت في المرحلة الثانية، أعلنت وزارة الداخلية ضبط عمليات واسعة لشراء الأصوات والتأثير على سير الانتخابات، في مؤشر يرسّخ المخاوف من تكرار الانتهاكات ذاتها، بينما أعادت الأحكام القضائية الأخيرة الجدل حول مصير الانتخابات ومستقبل البرلمان المقبل، في ظل دعوات متصاعدة لإعادة النظر في العملية الانتخابية برمتها بعد انكشاف حجم التجاوزات وثبوت وقائع تزوير واسعة.

ومساء الأحد، أعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات، تفاصيل إعادة الجولة الأولى من المرحلة الأولى لانتخابات مجلس النواب في 19 دائرة انتخابية، التي سبق إلغاء نتائجها بقرار من مجلس إدارة الهيئة.

وأضافت الهيئة في بيان رسمي أن جميع الاستعدادات اللوجستية والفنية المتعلقة بعملية التصويت قد اكتملت، مشيرة إلى أن الاقتراع للمصريين بالخارج سينطلق يومي الاثنين والثلاثاء، فيما ستجرى الانتخابات داخل مصر يومي الأربعاء والخميس المقبلين، وفقًا للقرار الصادر بتاريخ 18 نوفمبر الجاري.

 

نوصي للقراءة: تقرير سيادي حذر من استياء شعبي.. ماذا وراء حديث الرئيس عن المخالفات الانتخابية؟


هل فشلت “الوطنية للانتخابات” في إدارة المشهد؟

يؤكد – نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية والسياسية-، الدكتور عمرو هاشم ربيع أن ما تشهده انتخابات مجلس النواب الجارية يمثل واحدة من أعقد اللحظات الانتخابية في تاريخ مصر الحديث، وأن إلغاء 48 دائرة دفعة واحدة يضع مشروعية البرلمان المقبل تحت اختبار بالغ الحساسية. ويشدد على أن “أقل ما يجب” هو إعادة الانتخابات في الدوائر الملغاة كاملة، بينما يظل “الأفضل”، من وجهة نظره، هو إعادة الانتخابات برمتها وإقرار نظام انتخابي جديد بعد أن أثبت النظام الحالي عجزه وسوء مخرجاته.

ويُحمل ربيع الهيئة الوطنية للانتخابات المسئولية الأساسية عمّا وصلت إليه العملية الانتخابية من ارتباك، موضحًا أنها “تفشل للمرة الأولى بهذا الشكل في إدارة الاستحقاق”، سواء بعدم إنفاذ القانون في تسليم محاضر الفرز للمرشحين، أو في وقوفها عاجزة أمام ممارسات بعض الأحزاب المدعومة أمنيًا، وهو ما يعيد، بحسب تعبيره، أجواء انتخابات كانت تقودها وزارة الداخلية في عهد مبارك. مشيرًا في حديثه إلى زاوية ثالثة إلى أن الهيئة تُكرر أخطاء السنوات الماضية، وتصرّ على انتخابات غير تنافسية، خصوصًا على مستوى القوائم، ما يجعل التنافس الحقيقي محصورًا في نصف المقاعد المنتخبة فقط ويمنح الإخوان فرصة للتشكيك خارجيًا.

ويضيف ربيع أن حجم الإخفاقات دفع الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى التدخل لإيقاف ما وصفه بـ”الانزلاق نحو تكرار مشاهد 2010″، معتبرًا ذلك التدخل سابقة سياسية، إذ لم يشهد النظام السياسي المصري تدخلاً رئاسيًا بهذا الشكل منذ تعديل الرئيس الأسبق حسني مبارك لنظام القوائم عام 1984.

ويؤكد أن من أخطر الظواهر التي تتجلى بقوة هذا العام بيع المقاعد علنًا داخل القوائم المطلقة، واعتباره أمرًا “مُبررًا” من بعض القيادات الحزبية تحت لافتة دعم الحزب. ويتساءل: “كيف يمكن لمرشح دفع عشرات الملايين أن يمثل الشعب بنزاهة؟ وكيف يمكن لهذا المسار أن يصنع حياة حزبية طبيعية؟”.

ويشير ربيع إلى التراجع الكبير في أعداد المرشحين مقارنة بانتخابات 2000 و2005 و2010 و2020، معتبرًا ذلك مؤشرًا على انخفاض الثقة العامة في البرلمان وقدرته على حل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. ويُبرز تفشي توريث المقاعد داخل البرلمان والقوائم، ليس كامتداد للتمثيل العائلي التقليدي، بل كمجاملة بين أفراد الأسرة الواحدة، الأمر الذي يُضعف المؤسسة التشريعية خصوصًا عند شغور المقعد لصالح بدلاء بلا خبرة.

ويشدّد على أن المال الانتخابي يستخدم هذا العام بكثافة غير مسبوقة، سواء عبر تجنب الإنفاق من الحسابات الرسمية، أو عبر توزيع الأموال والسلع التموينية في الدوائر بلا خجل، وهو ما دفع الرئيس إلى إنذار بعض الأحزاب لرفع دعايتها من الشوارع، بعد أن تقاعست الهيئة عن القيام بواجبها الرقابي.

ويلفت أستاذ العلوم السياسية إلى أن استمرار الانتخابات رغم الأحكام القضائية بإلغاء الدوائر يُنذر ببرلمان “يفتقد سندًا حقيقيًا من الشرعية”، خاصة إذا تم تمرير استمرار المجلس دون إعادة جادة للدوائر الملغاة. ويؤكد:”لا يمكن لبرلمان يقوم على الغش والتدليس وشراء الأصوات أن يتحمل مهمة تعديل الدستور أو إدارة المرحلة المقبلة. الحل الجاد يبدأ بإصلاح النظام الانتخابي نفسه، والعودة إلى نظام القائمة النسبية المغلقة كما كان عام 1984، لأنه وحده الكفيل بإحياء الحياة الحزبية وضبط المال الانتخابي ومنع القفزات الإخوانية، وصناعة برلمان يخدم الدولة لا دوائر ضيقة”.

وتجرى الانتخابات وفق نظام مختلط يجمع بين الترشح بنظام القائمة ونظام الفردي، إذ يتنافس أكثر من ألفي مرشح على 284 مقعدًا مخصصة للنظام الفردي، بينما تخوض قائمة واحدة فقط الانتخابات على مستوى الجمهورية وهي “القائمة الوطنية من أجل مصر” التي تضم 12 حزبًا من أحزاب الموالاة والمعارضة، وتسعى للفوز بـ 284 مقعدًا تمثل نصف مقاعد البرلمان البالغ عددها 568 مقعدًا، مع رجحان فوزها بالتزكية في حال حصولها على نسبة 5% من أصوات الناخبين.

 

نوصي للقراءة: ما لم يُعلن رسميًا: رسائل داخلية تكشف دور الهيئة الوطنية في فوضى انتخابات 2025

ماذا يعني حكم القضاء الإداري؟

يقول الدكتور عادل عامر، – الخبير القانوني ورئيس مركز المصريين للدراسات القانونية والسياسية-، إن حكم القضاء الإداري بإلغاء نتائج الانتخابات في 48 دائرة يشكل تحولًا كبيرًا في المشهد الانتخابي، ويضع العملية الانتخابية أمام مسارات معقدة ستحدد شكل البرلمان المقبل ومدى تمتعه بالشرعية. مشيرًا في حديثه إلى زاوية ثالثة أن حكم الإلغاء يعني عمليًا أن الانتخابات داخل هذه الدوائر “باطلة أو متوقفة إلى أن تُعاد معالجتها وفق ما قررته المحكمة”، وهو ما يجعل العملية الانتخابية الحالية “غير مكتملة على مستوى الجمهورية”.

يوضح عامر أن السيناريو الأقرب هو أن تعيد الجهة المختصة ترسيم الدوائر وفقًا لملاحظات المحكمة، ثم تُجرى الانتخابات داخل الدوائر الملغاة فقط. ويضيف: “في هذه الحالة يتشكل البرلمان جزئيًا، ثم يُستكمل لاحقًا. البرلمان يظل شرعيًا دستوريًا إذا اكتمل نصابه، لكن الجدل السياسي حوله يبقى قائمًا حتى اكتمال تشكيله”.

وبسؤاله حول احتمال إلغاء الانتخابات وإعادتها بشكل كلي، يقول عامر إن ذلك “غير مرجح” بسبب كلفته السياسية والمالية، ولا يحدث إلا إذا تبين أن العيوب التي أبطلت الدوائر تمس العملية الانتخابية برمتها. ويؤكد: “هنا تُعاد العملية بالكامل ويصبح البرلمان الجديد خاليًا من أي شبهة طعن”.

ويرى عامر أن الهيئة الوطنية للانتخابات أو الحكومة قد تلجأ للطعن أمام الإدارية العليا مع طلب وقف التنفيذ، “إذا تقبل المحكمة وقف التنفيذ تستمر العملية كما هي، وإذا ترفض يصبح الإلغاء واجب النفاذ وتستوجب إعادة الدوائر فورًا”، وفقًا لقوله.

ويؤكد عامر أن استكمال العملية الانتخابية دون تنفيذ حكم نهائي “يضع البرلمان في مأزق قانوني”، موضحًا: “عدم تنفيذ حكم واجب النفاذ يفتح الباب للطعن على تشكيل البرلمان أمام المحكمة الدستورية، وقد يصل الأمر إلى بطلان التشكيل كليًا أو جزئيًا”. وسياسيًا، يرى عامر أن البرلمان في هذه الحالة “سيتعرض لتشكيك واسع باعتبار أن انتخابه لم يشمل الدوائر الصحيحة قانونًا”.

هل فقد البرلمان المقبل شرعيته؟

يقول -المحامي الحقوقي-، حليم حنيش لـ”زاوية ثالثة” إن البرلمان فقد شرعيته السياسية بشكل واضح، وهي، بحسب قوله، الشرعية التي كانت السلطة تسعى إليها منذ البداية. مضيفًا أن السلطة أدارت العملية الانتخابية من خلال “هندسة متعمدة” عبر قانون الانتخابات المقترح، الذي ركّز على نقطتين أساسيتين.

أولًا، تقييد نظام القوائم بطريقة تُرضي جميع الأطراف الموالية تقريبًا، بما فيها أحزاب “الحيز المتاح” التي أصبحت امتدادًا لأحزاب ما قبل 2011 مثل الوفد والتجمع، وهو ما أدى، على حد وصفه، إلى “إغلاق الباب تمامًا أمام المعارضة الحزبية والمستقلين” ضمن نظام القوائم. ويؤكد: “نصف البرلمان فاز بالتزكية لأن السلطة وأجهزتها الأمنية هي التي اختارته مسبقًا.”

ثانيًا، يشير حنيش إلى أن نظام الفردي جرى توسيع دوائره بشكل كبير، بما يقلل قدرة المرشحين المعارضين أو المستقلين على المنافسة، ويجعل السباق محصورًا بين مرشحين محسوبين على السلطة وقادرين ماليًا على الإنفاق الضخم المطلوب. متابعًا: “السلطة كانت تراهن على أن هؤلاء المرشحين قادرون على خلق زخم انتخابي يمنح العملية شرعية تصويتية، لكن هذا لم يحدث عمليًا.”

ويرى حنيش أن صراع هؤلاء المرشحين المحسوبين على الدولة هو ما أدى إلى “وصول مخالفات الانتخابات لرئيس الجمهورية نفسه”، في إشارة إلى حجم التجاوزات التي جرى الكشف عنها. ويضيف: “ما حدث في الجولة الأولى تضاعف في الجولة الثانية، والسلطة لم تحصل على الشرعية السياسية التي كانت تطمح إليها.”

ويؤكد أن الشرعية القانونية وحدها لا تعني شيئًا في ظل وقائع التزوير والمخالفات، مشيرًا إلى أن القانون نفسه لا يحمي حتى من يُبلّغون عن الانتهاكات: “التزوير مخالف للقانون، لكن يمكن أن تُحبس وأنت ذاهب لتقديم بلاغ عنه، كما حدث مع مرشح حزب المحافظين ومونيكا مجدي وغيرهما.”

ويعتبر حنيش أن حكم القضاء الإداري بإلغاء 29 دائرة في الجولة الأولى “دليل جديد على غياب الشرعية السياسية للعملية الانتخابية ككل”، مشددًا على أن نسب المشاركة المنخفضة تعزز هذا الغياب. ويؤكد: “هذا البرلمان سيكون عبئًا على السلطة في مسألة إثبات الشرعية، خصوصًا مع الحديث عن تعديل دستوري وشيك. الحل الأفضل والأكثر استقرارًا هو إعادة الانتخابات بالكامل.”\

 

نوصي للقراءة: 70 مليون للمقعد: من يشتري طريقه إلى برلمان مصر؟


ما السيناريوهات المحتملة؟

من جهته، يؤكد -المستشار السياسي والقانوني- محمود الروبي أن توجيهات الرئيس، وقرار الهيئة الوطنية للانتخابات، وحكم المحكمة الإدارية العليا بإلغاء نتائج التصويت في هذا العدد الكبير من الدوائر، تمثل جميعها واحدة من أهم اللحظات القانونية والسياسية في المشهد الانتخابي الراهن. ويرى أن هذا التطور يعكس، من جانب الدولة، حرصًا واضحًا على صون العملية الانتخابية وتثبيت معايير النزاهة، كما يعكس من جانب القضاء دوره المحوري في حماية الإرادة الشعبية. وفي المقابل، يفتح ذلك بابًا واسعًا أمام سيناريوهات متعددة ستترك أثرًا مباشرًا على تشكيل البرلمان القادم ومدى تمتّعه بغطاء شرعي كامل.

وحول السيناريوهات المحتملة يقول الروبي، إن الأقرب هو إعادة الانتخابات في الدوائر الملغاة وفق جدول زمني عاجل، وستعيد الهيئة الوطنية تنظيم العملية الانتخابية في الدوائر الملغاة، مع تعزيز الإجراءات الرقابية والضوابط لمنع تكرار المخالفات التي أدت إلى الإلغاء. ويشير إلى أن نجاح الإعادة في بيئة منضبطة ونزيهة سيمنح البرلمان المقبل شرعية قانونية وانتخابية كاملة ومستقرة.

نظرًا للعدد الكبير للدوائر الملغاة، يعتقد الروبي أن العملية قد تواجه ضغوطًا لوجستية وزمنية، وهو ما قد ينتج عنه تأخير أو تمديد للجدول الانتخابي. أي اضطراب من هذا النوع قد يؤدي إلى فراغ تمثيلي واسع داخل البرلمان إذا تم انعقاده قبل اكتمال الانتخابات في كل الدوائر، وهو وضع قد يسبب إشكالات سياسية ودستورية لاحقة.

يرى الروبي أن حجم الإلغاء قد يدفع عددًا من القوى السياسية للاعتقاد بأن هناك خللًا بنيويًا أعمق في المنظومة الانتخابية، وليس مجرد مخالفات إجرائية. البعض قد يدفع باتجاه مراجعة النظام بأكمله، سواء عبر ضبط المال السياسي، أو إعادة النظر في تقسيم الدوائر، أو استبدال النظام الانتخابي الحالي بنظام آخر. لكنه يضيف أن هذا السيناريو يظل صعب التطبيق في اللحظة الراهنة بسبب حساسية التوقيت وتشابك المسارات السياسية والدستورية.

يطرح الروبي كذلك احتمال أن تتجه الدولة إلى تعزيز الضمانات في مرحلة الإعادة وفي المرحلة الثانية من الانتخابات، بما يحول دون الانزلاق إلى أزمة تمثيل أو طعون متتالية قد تهدد استقرار البرلمان المقبل. وفي هذا الإطار، قد تُشدد الأجهزة المعنية الرقابة على الدعاية الانتخابية والمال السياسي والالتزام بضوابط العملية الانتخابية.

ومن الناحية القانونية يوضح الروبي أن إعادة الانتخابات في الدوائر التي جرى إلغاؤها بحكم قضائي نهائي تمنح البرلمان القادم سندًا قانونيًا واضحًا وصلبًا؛ فالإعادة تتم تحت إشراف القضاء ورقابة الهيئة الوطنية للانتخابات، وهو ما يضمن أن البرلمان الذي يُستكمل تشكيله بعد الإعادة سيكتسب شرعية قانونية كاملة، غير قابلة للتشكيك.

ويضيف أن ارتفاع نسب المشاركة الشعبية سيشكل عنصرًا حاسمًا في ضمان نزاهة العملية الانتخابية، إذ يعتقد أن ضعف الإقبال هو العامل الأكبر الذي يفتح الباب أمام المخالفات والانتهاكات. لذلك يدعو الروبي إلى توسيع الوعي السياسي والقانوني لدى المواطنين، والتأكيد على أهمية مجلس النواب في حياتهم اليومية، سواء في التشريع أو الرقابة أو الخدمات العامة.

كذلك يؤكد المستشار السياسي والقانوني على أن الدولة أثبتت جدية واضحة في ضبط مسار الانتخابات، وأن رفض الرئيس للمخالفات وتدخل القضاء بحسم يعكسان رغبة مؤسسية في حماية العملية الديمقراطية. ومن ثم فإن الكرة الآن، كما يقول، في ملعب المواطنين للمشاركة الفعالة، واختيار ممثليهم الحقيقيين، والتعبير عن إرادتهم بصورة تعيد الثقة للمشهد السياسي والبرلماني.

 

صراع تجاوز حجم البرلمان!

يرى أكرم إسماعيل، – العضو المؤسس بحزب العيش والحرية (تحت التأسيس)-، أن الوضع الراهن بعد إلغاء نتائج 48 دائرة من أصل 70 دائرة في المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية يعكس حالة من الخلل العميق داخل النظام الانتخابي والسياسي في مصر. مشيرًا إلى أن الشرعية في أي برلمان في مصر لم تستمد تاريخيًا من الشعب بشكل حقيقي، بل غالبًا ما كانت متأثرة بصراعات داخلية في أجنحة النظام، وما يجري حاليًا ليس استثناءً. مضيفًا: “هناك صراع كبير داخل النظام، وهذه الخلافات تؤثر بشكل مباشر على قدرة الأجهزة المسؤولة على إدارة العملية الانتخابية بسلاسة ونجاح”.

وحول تأثير هذه الأزمة على البرلمان القادم، يشير إسماعيل إلى أن البرلمان المقبل حتى لو استمر، سيكون محدود الفاعلية، لأن المشهد السياسي الحالي أكبر من حجم البرلمان ذاته، ويكشف عن ضعف النظام الراهن في احتواء العملية الانتخابية وإدارتها بشكل متماسك. وقال: “البرلمان ليس له وزن حقيقي في العملية، وما يحدث أكبر منه بكثير”.

ويلفت إلى أن الصراعات الحالية بين مؤسسات الدولة المعنية بالانتخابات، بما في ذلك الهيئة العامة للانتخابات والمحاكم الإدارية، أظهرت تناقضات كبيرة في إدارة العملية الانتخابية، وأعادت إلى الواجهة ضعف المنظومة السياسية في مصر. موضحًا أن هذا يضع الرأي العام أمام تساؤلات مشروعة حول قدرة النظام على إتمام الانتخابات بشكل نزيه وفعال.

كذلك يؤكد على أن الأزمة الراهنة ليست مجرد مسألة برلمانية، بل تعكس صراعات أوسع داخل النظام السياسي، تجعل أي تقييم للبرلمان المقبل مرتبطًا بفهم أعمق للتحديات التي تواجه إدارة الدولة نفسها.

وكانت  الهيئة الوطنية للانتخابات ألغت نتائج انتخابات مجلس النواب في 19 دائرة فردية من بين 70 دائرة أجريت فيها الانتخابات خلال المرحلة الأولى، وذلك بعد رصد ما وصفته الهيئة بـ”عيوب جوهرية” مست نزاهة عمليتي الاقتراع والفرز. 

وجاء القرار، الذي أعلنه رئيس الهيئة المستشار حازم بدوي في مؤتمر صحفي، ليشمل دوائر شهدت خروقات انتخابية واسعة أو تضاربًا في محاضر الحصر العددي أخلّ بسلامة العملية الانتخابية.

الوقائع التي استدعت الإبطال شملت خروقات دعائية أمام اللجان، وعدم تسليم محاضر الحصر للمرشحين أو مندوبيهم، فضلًا عن تفاوت ملحوظ بين أرقام اللجان الفرعية والعامة، وهي مخالفات اعتبرتها الهيئة كفيلة بإهدار سلامة النتيجة في الدوائر الملغاة،  في المقابل أكد المستشار أحمد بنداري، مدير الجهاز التنفيذي للهيئة الوطنية للانتخابات في تصريحات له أن الهيئة لم ترصد وجود وقائع رشوة مالية لأي مرشح، إلا أن التحقيقات مستمرة في شأن المخالفات المرصودة في الدوائر الـ19، وسيتم الإعلان عن نتائجها فور الانتهاء منها.

بص وبناءً على المادة 54 من قانون مباشرة الحقوق السياسية، صدر قرار الإلغاء الكامل للانتخابات الفردية في هذه الدوائر، وتحديد موعد جديد للاقتراع مطلع ديسمبر المقبل داخل مصر وخارجها.

وتصدّرت إمبابة بمحافظة الجيزة قائمة الدوائر الملغاة، وهي الدائرة التي أعلنت فيها النائبة السابقة نشوى الديب انسحابها من السباق بعد وقت قصير من بدء التصويت، احتجاجًا على ما وصفته غياب ضمانات النزاهة ووجود مرشح للأمن في الدائرة. كما أُلغيت نتائج أربع دوائر في محافظة قنا، وسبع دوائر في محافظة سوهاج جنوب الصعيد، فضلًا عن دائرتين في محافظة الفيوم، ودائرة واحدة في محافظة أسيوط، ودائرة في محافظة الإسكندرية، إلى جانب ثلاث دوائر في محافظة البحيرة.

هذه الخطوة جاءت بعد أن دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي، الهيئة الوطنية للانتخابات إلى التدقيق في الأحداث التي شهدتها بعض الدوائر التي جرت فيها منافسة على المقاعد الفردية خلال المرحلة الأولى، وإلغاء نتائج هذه المرحلة “كليًا أو جزئيًا” إذا تعذّر “الوصول إلى إرادة الناخبين الحقيقية”، وذلك قبل يوم واحد من إعلان النتائج الرسمية. وطالب السيسي الهيئة بألا تتردد في اتخاذ القرار المناسب، سواء بإلغاء المرحلة بالكامل أو إلغاء نتائج دائرة أو أكثر على أن تُعاد الانتخابات فيها لاحقًا، مؤكدًا أن سلامة العملية الانتخابية تأتي في المقام الأول.

وشهدت المرحلة الأولى عددًا من الأزمات التي وثقت عبر مقاطع مصورة ونُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، جاء من بينها انسحاب النائبة السابقة نشوى الديب من دائرة إمبابة بعد ساعة من فتح باب الاقتراع، احتجاجًا على ما وصفته بـ”غياب النزاهة والشفافية وحسم المقاعد مسبقًا لمرشح الأمن”. بالإضافة إلى أزمة أخرى في دائرة المنتزه بالإسكندرية، بعدما استغاث المرشح عن حزب الإصلاح والنهضة أحمد فتحي عبد الكريم بالرئيس عقب اكتشاف فتح عدد من صناديق الاقتراع داخل لجنة مدرسـة مصطفى مشرفة وتفريغها من استمارات التصويت قبل موعد الفرز، في واقعة اعتبرها دليلًا على احتمال التلاعب في الصناديق.

في ضوء هذه التطورات، يبدو أن البرلمان المقبل يواجه تحديات جسيمة في استعادة شرعيته السياسية والقانونية، وسط استمرار المخالفات والانتهاكات التي شهدتها المرحلة الأولى من الانتخابات. فإلغاء نتائج 48 دائرة من أصل 70 يعكس هشاشة النظام الانتخابي الحالي، ويضع مستقبل المجلس تحت علامات استفهام كبيرة، سواء على صعيد الثقة الشعبية أو قدرة البرلمان على أداء مهامه التشريعية والإشرافية.

ويشير خبراء  إلى أن الحل الأكثر جدية واستقرارًا يكمن في إعادة الانتخابات في الدوائر الملغاة، مع تعزيز الرقابة وتطبيق ضوابط صارمة لمنع تكرار الانتهاكات، وربما مراجعة النظام الانتخابي نفسه لضمان نزاهة المنافسة الانتخابية. وفي غياب هذه الإجراءات، سيظل البرلمان القادم مجرد هيئة محدودة الفاعلية، تواجه انتقادات واسعة حول مصداقيتها وشرعيتها، ما يجعل المهمة الأساسية لأي حكومة أو مجلس لاحق هي استعادة ثقة المواطنين وإصلاح منظومة الانتخابات بالكامل لضمان تمثيل حقيقي وفعّال للشعب المصري.

رشا عمار
صحفية مصرية، عملت في عدة مواقع إخبارية مصرية وعربية، وتهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية.

Search