في العدد الشهري السابع عشر من نشرة “سطور محذوفة” نرصد مشهدًا متشابكًا تتقاطع فيه قضايا الحقوق والحريات مع تحولات السياسات العامة، وتتصاعد فيه أزمات مهنية واجتماعية. بين وقائع قضائية متلاحقة، وانتقادات حقوقية لسياسات قائمة، وتحركات نقابية واحتجاجات عمالية. تتوزع تغطية هذا العدد بين ملفات العدالة الجنائية، وأوضاع المدافعين عن حقوق الإنسان، وأزمات حرية المعتقد، وصولًا إلى التحديات المهنية والعمالية، وما يرتبط بها من سياسات اقتصادية واجتماعية.

بلاغ إلى النائب العام بشأن شحنة فولاذ من الإسكندرية إلى تل أبيب ونفي رسمي
أعلنت لجنة المحامين لدعم الشعب الفلسطيني، التقدم ببلاغ إلى النائب العام برقم 1615387، بشأن ما تم تداوله عبر منصات التواصل الاجتماعي حول رسو حاوية تابعة لشركة MSC السويسرية، تحمل علم بنما، في ميناء أبو قير بالإسكندرية، يُشتبه في احتوائها على شحنات فولاذ عسكري موجهة إلى مصانع أسلحة إسرائيلية.
وبحسب البلاغ، استندت المعلومات إلى بيانات منشورة عبر منصة (MarineTraffic)، تشير إلى أن الشحنة انطلقت من ميناء سينيس في البرتغال، وتحمل فولاذًا مُصنّعًا في الهند، ومتجهًا عبر وسيط إلى شركتي( IMI Systems وElbit Systems)، المرتبطتين بصناعة الذخائر. وطالب مقدموا البلاغ بفتح تحقيق عاجل، والتحفظ على الحاوية حال ثبوت صحة المعلومات، ومنع تفريغها، مع مساءلة الوكيل الملاحي.
وفي هذا السياق، أصدرت حركة مقاطعة إسرائيل (BDS) بيانًا أكدت فيه أن المعطيات المتداولة، بحسب ما وصفته، تشير إلى مرور شحنات مواد خام تدخل في الصناعات العسكرية عبر موانئ بالمنطقة، داعية إلى الشفافية الكاملة بشأن مسارات الشحن، ومنع أي تعاملات قد تساهم في دعم الصناعات العسكرية الإسرائيلية. مشددة على ضرورة التزام الحكومات والشركات بسياسات عدم التورط في سلاسل إمداد مرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان.
في المقابل، نفت الحكومة المصرية صحة الادعاءات، مؤكدة أن الموانئ المصرية لا تُستخدم في نقل أو تمرير أي شحنات ذات طابع عسكري إلى جهات محظورة، وأن جميع السفن والبضائع تخضع لرقابة دقيقة من الجهات المختصة، وفق القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية، وشددت على أن ما أُثير يفتقر إلى الأدلة الموثقة، داعية إلى تحري الدقة وعدم الانسياق وراء معلومات غير مؤكدة.

حقوق وحريات
استدعاء النقابي محمد زهران “مرشح الغلابة” للتحقيق
استدعت نيابة أمن الدولة العليا القيادي النقابي الدكتور محمد زهران “مرشح الغلابة”، مؤسس الاتحاد الوطني المستقل للمعلمين، للتحقيق، موجهة إليه اتهامات بنشر أخبار وبيانات كاذبة داخل وخارج البلاد، وفقًا لما أعلنه المحامي الحقوقي خالد علي.
وقررت النيابة إخلاء سبيله بكفالة 10 آلاف جنيه، بعد جلسة تحقيق استمرت لساعات، دون إعلان مسبق عن تفاصيل القضية. وتعد هذه الواقعة الثانية من نوعها، إذ سبق استدعاؤه عام 2023 على خلفية اتهامات مماثلة، تزامنًا مع مشاركته في جلسات الحوار الوطني.
يشغل زهران درجة “كبير معلمين”، ويُعد من أبرز المطالبين باستقلال نقابة المعلمين وإجراء انتخاباتها، كذلك خاض انتخابات مجلس النواب 2025 قبل أن يعلن انسحابه من العمل العام.
وتطورات بقضية المحامي علي أيوب..
قررت محكمة جنح مستأنف حدائق القبة بالقاهرة، في 26 مارس 2026، تأجيل أولى جلسات نظر استئناف المحامي والحقوقي علي أيوب على الحكم الصادر بحبسه ثلاث سنوات وتغريمه 300 ألف جنيه، في قضية تتعلق باتهامه بسب وقذف وزيرة الثقافة الدكتورة جيهان زكي، إلى جلسة 2 أبريل المقبل، وذلك لتمكين الدفاع من اتخاذ إجراءات رد هيئة المحكمة.
وتقدم دفاع المتهم بطلب رسمي لرد الدائرة، مطالبًا بأجل لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، وهو ما ترتب عليه وقف السير في الدعوى الأصلية لحين الفصل في طلب الرد، وفقًا لما ينص عليه القانون.
وتعود وقائع القضية إلى اتهام علي أيوب بسب وقذف وزيرة الثقافة جيهان زكي، على خلفية نشره وثائق تتضمن اتهامات بالفساد خلال فترة إدارتها لأكاديمية الفنون بروما. وبينما دفع الدفاع بأن النشر جاء في إطار الإبلاغ عن وقائع فساد، اعتبرت المحكمة ذلك تشهيرًا متعمدًا.
إخلاء سبيل أبو الفتوح تمهيدًا لإعادة محاكمته
وفي سياق متصل بتعقيدات المسار القضائي، قررت محكمة جنايات القاهرة إخلاء سبيل أحمد عبد المنعم أبو الفتوح، مع وقف نظر القضية مؤقتًا، لحين حسم النزاع القانوني حول جهة الاختصاص.
وقد شهدت القضية مسارًا إجرائيًا متشابكًا بين محاكم الطوارئ والجنايات، قبل أن تُعاد إلى نقطة البداية، بالتزامن مع إدراج والده، عبد المنعم أبو الفتوح، على قوائم الإرهاب بقرار رسمي.
ويعود أصل الأزمة إلى إحالة النيابة العامة أبو الفتوح إلى محكمة جنايات عادية لإعادة إجراءات محاكمته، رغم أن الحكم الأصلي الصادر ضده كان من محكمة أمن دولة طوارئ، والتي تخضع أحكامها لطبيعة خاصة، إذ لا يجوز الطعن عليها، ويستلزم تنفيذها تصديق الحاكم العسكري.
وفي سابقة قضائية، سمحت النيابة العامة لفريق الدفاع بإيداع طعن أمام محكمة النقض على حكم “عدم الاختصاص” الصادر من الاستئناف. وبالتزامن مع هذا المسار، تقرر بشكل عاجل تحديد جلسة 16 مارس 2026 أمام دائرة جنايات جديدة بمركز إصلاح بدر لإعادة محاكمة أبو الفتوح على الحكم الغيابي الأصلي وهي الجلسة التي انتهت بإخلاء سبيله، مما يعني عمليًا اعتبار كافة إجراءات العام الماضي وكأن لم تكن وسيتم محاكمته من جديد.
وترحيب حقوقي بالإفراج عن ٣١ معتقلًا
وفي خطوة أخرى، أفرجت النيابة العامة عن 31 متهمًا في 14 قضية “أمن دولة”، من بينهم محتجزون تجاوزوا الحد الأقصى للحبس الاحتياطي، وآخرون أمضوا سنوات طويلة دون إحالة للمحاكمة، بالإضافة إلى المدون محمد إبراهيم المعروف بـ”محمد أكسجين”، رغم تنفيذه عقوبته القانونية.
وقد رحبت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بهذا القرار، معتبرة أنه خطوة إيجابية، مع الدعوة إلى مراجعة شاملة لأوضاع المحبوسين احتياطيًا، وتفعيل توجيهات النائب العام بشأن الإفراج عن من تجاوزوا المدد القانونية.
نوصي للقراءة: اثنا عشر عامًا من الحصار: كيف أُعيد تشكيل الفضاء المدني في مصر؟
توسيع دائرة القمع واستهداف أهالي النشطاء
وفي امتداد لهذه التطورات، تتواصل الضغوط الأمنية التي تطال نشطاء ومدافعين عن حقوق الإنسان. أعلن الناشط نور خليل، المدير التنفيذي لـ”منصة اللاجئين في مصر”، محاصرة قوات أمنية منزل أسرته بمحافظة الغربية، في محاولة للقبض على شقيقه، في إجراء اعتبره وسيلة للضغط عليه بسبب نشاطه الحقوقي، قبل أن تنسحب القوات لاحقًا.
وقد أثارت الواقعة ردود فعل دولية، من جهتها،وصفت ماري لولور، مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بالمدافعين عن حقوق الإنسان، هذه الأنباء بـ “المقلقة”، معتبرة أن استهداف عائلة خليل يأتي رداً على دفاعه عن حقوق المهاجرين، وهو النشاط الذي اضطر بسببه لمغادرة البلاد سابقًا.
من جانبه يقول المحامي الحقوقي حليم حنيش المستشار القانوني في منصة اللاجئين، إن الواقعة تأتي في سياق حملة الابتزاز التي يتعرض لها العاملين في مجال حقوق الإنسان بالخارج، من خلال استهداف ذويهم والزجّ بهم في قضايا وتهديدهم، وذلك بهدف تقييد أصواتهم. ويعبّر حنيش في حديثه لـ”زاوية ثالثة” عن استيائه من النهج الذي تتبعه وزارة الداخلية، مؤكدًا أن الحديث عن الإشكاليات الحقوقية في مصر يعزّز الدولة ولا يناهضها. ويرى أن الإساءة إلى سمعة مصر لا تأتي ممن يتحدث عن الانتهاكات، بل ممن يرتكبها وينتهك حقوق المواطنين وإجراءاتها.
ويضيف أن الشخص الذي يتحدث عن هذه التجاوزات يسعى في الحقيقة إلى الدفاع عن سمعة بلده، من خلال إظهار أنه رغم وجود انتهاكات، فإن هناك حقوقيين ومحامين يعملون على نشر الوعي واتخاذ الإجراءات القانونية.
ويشير “حنيش” إلى أن الإجراءات غير المفهومة وحملات التشويه التي تنتهجها وزارة الداخلية هي التي تسيء إلى مصر، وأن “الضابط الذي يمارس التعذيب” هو من يشوّه سمعة البلاد، وليس من يتحدث عن الحقوق.
وفي السياق ذاته، كشف تقرير حديث صادر عن “منصة اللاجئين في مصر” عن تصاعد حملات رقمية ممنهجة لنشر خطاب الكراهية ضد اللاجئين خلال يناير 2026، عبر استخدام حسابات وهمية تربط وجودهم بالأزمات الاقتصادية ومعدلات الجريمة، وهو ما امتد ليشمل أيضًا المنظمات الحقوقية العاملة في هذا المجال.
“جلد سجينات” بمركز محلة دمنة بالدقهلية
تقدم المحامي بالنقض عمرو القاضي ببلاغ رسمي إلى المحامي العام الأول لنيابة استئناف المنصورة (رقم 2383 لسنة 2026)، يطالب فيه بالتحقيق العاجل في واقعة اعتداء تعرضت له سجينات بمركز شرطة محلة دمنة.
واستند البلاغ إلى استغاثة تلقتها هيئة الدفاع في 15 مارس الجاري، تفيد بقيام أحد ضباط السجن باقتحام الزنزانة حاملاً “أداة جلدية سوداء” وإجبار السجينات على الالتفاف للحائط، قبل أن يشرع في جلدهن على ظهورهن وتوجيه ضربات عشوائية كـ “عقاب جماعي” على خلفية مشاجرة وقعت بين سجينتين.
شدد البلاغ على ضرورة ندب عضو من النيابة العامة للانتقال الفوري لمقر السجن لتوثيق الإصابات وسماع أقوال الضحايا. وأكد أن الواقعة تمثل انتهاكًا صارخاً للحق في السلامة الجسدية والكرامة الإنسانية التي كفلها الدستور وقانون العقوبات.
واعتبر المحامي أن استخدام القسوة والاعتداء الجسدي على السجينات بتلك الطريقة يضع الضابط تحت طائلة القانون، مشيراً إلى وجود شبهة جنائية تتعلق بـ “استعمال القسوة” و”هتك العرض بالقوة” نتيجة طبيعة الاعتداء البدني المهين.
حبس المهندس تامر شيرين بتهمة نشر أخبار كاذبة
قررت نيابة الشؤون الاقتصادية، حبس القيادي السياسي تامر شيرين شوقي لمدة أربعة أيام على ذمة التحقيق، عقب مثوله بعد استدعاء رسمي، مواجهًا اتهامات تتعلق بـ “نشر إشاعات وأخبار كاذبة، وإثارة الرأي العام، وإهانة موظف عام”.
من جانبه، أعلن أحمد الطنطاوي، رئيس حزب “تيار الأمل” (تحت التأسيس)، تضامنه الكامل مع شوقي، واصفاً الاتهامات الموجهة إليه بأنها “متكررة ومعتادة على أسماع الشعب المصري”. وأشار في بيان عبر صفحته الرسمية على “فيسبوك” إلى أن هذه النوعية من القضايا وُجهت لعشرات الآلاف من المصريين والمصريات على مدار الـ 13 عاماً الماضية.
وأكد الطنطاوي أن تامر شيرين شوقي يمثل نموذجًا للنضال السياسي السلمي الديمقراطي، حيث عُرف بمواقفه الملتزمة بالدستور والقانون، واجتهاده الدائم في المشاركة الإيجابية دفاعًا عن حقوق المواطنين ومصالح الوطن.
نوصي للقراءة: أينما ذهبوا يلاحقهم القمع.. مصريون في الخارج تحاصرهم قنصلياتهم

تحذيرات دولية إزاء تصاعد الحملات الأمنية ضد اللاجئين

وتتلاقى هذه التطورات مع تحذيرات أممية متصاعدة، إذ أعرب سبعة من المقررين الخاصين والخبراء بالأمم المتحدة عن قلقهم البالغ إزاء تصاعد حملات الاعتقال التعسفي والترحيل القسري للاجئين والمهاجرين منذ أكتوبر 2025.
وأشار البيان إلى تنفيذ عمليات ترحيل جماعية دون تقييم فردي للحالات، بما يتعارض مع التزامات مصر الدولية، خاصة في ظل وجود حالات مسجلة لدى مفوضية اللاجئين أو في انتظار تجديد إقاماتهم.
وفي هذا الإطار، أثارت واقعة ترحيل الصحفي السوري سامر مختار قسريًا إلى سوريا جدلاً واسعًا، بعد استدراجه إلى مصلحة الجوازات بحجة إنهاء إجراءات إقامته، قبل احتجازه وترحيله دون تمكينه من وداع طفله.
وتزامن ذلك مع حملة رقمية استهدفت الصحفية إيمان عادل، والدة طفله، تضمنت خطاب كراهية وتحريض، ما دفعها إلى إغلاق حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي. وقد أدانت منظمات حقوقية هذه الحملة، معتبرة أنها تعكس تصاعدًا مقلقًا في العنف الرقمي، خاصة ضد الصحفيات.
وفي ذات السياق، طالبت منصة اللاجئين وتحالف الصحفيات بتوفير حماية قانونية فورية لإيمان عادل ومحاسبة المسؤولين عن حملات الكراهية، مع ضرورة وقف سياسات تشتيت العائلات وضمان عودة سامر مختار لم شمل أسرته. كذلك طالبت منصات التواصل الاجتماعي لاتخاذ إجراءات عاجلة لإزالة المحتوى المحرض.

حرية المعتقد
قلق متصاعد جراء توسيع اتهامات “ازدراء الأديان” بمصر
وفي سياق الحريات الدينية والفكرية، أفرجت نيابة أمن الدولة عن أربعة متهمين في قضايا تتعلق بحرية المعتقد، ضمن سلسلة من القضايا التي طالت عشرات الأشخاص بتهم مثل “ازدراء الأديان”.
ورغم الإفراج، حذرت تقارير حقوقية من تصاعد استهداف أصحاب الآراء الدينية المغايرة، في ظل فجوة واضحة بين النصوص الدستورية التي تكفل حرية المعتقد، والممارسات الفعلية.
وقالت المبادرة المصرية في بيان، إن “حملة أمنية غير مسبوقة” طالت نحو 52 شخصًا، من بينهم لادينيون وملحدون وأصحاب آراء دينية نقدية من خلفيات إسلامية ومسيحية، واجهوا اتهامات بـ”ازدراء الأديان” و”الانضمام لجماعة أُسست على خلاف القانون”، وتسببت في حبس العشرات احتياطيًا وتأييد أحكام بالسجن ضد آخرين مثل “أغسطينوس سمعان”، واستمرار احتجاز المدون شريف جابر.
وموتى البهائيين يبحثون عن “مقبرة”
وفي السياق ذاته، انتقد تقرير أممي حرمان البهائيين في مصر من حق دفن موتاهم، نتيجة رفض تخصيص مقابر جديدة، وهو ما يضعهم أمام أزمات إنسانية متكررة. كاشفًا عن نمط من “إنكار الحقوق” يمتد من الحياة إلى الممات.
وأشار التقرير إلى أن البهائيين يواجهون عجزًا حاداً في أماكن الدفن نتيجة رفض المحافظات تخصيص أراض جديدة وتجاهل طلباتهم بانتظام، استنادًا إلى فتاوى دينية من الأزهر وأحكام قضائية في الإسكندرية وبورسعيد (2021-2022) تذرعت بأن منحهم هذا الحق قد يزيد “الفرقة والانقسام”، مما حصر المجتمع البهائي في مقبرة وحيدة مكتظة بالقاهرة لا تلبي احتياجاتهم ولا تتوافق مع شعائرهم التي تمنع نقل الجثمان لأكثر من ساعة.
وكشف تقرير لـ”زاوية ثالثة” بعنوان” نصوص تَعِد بالحرية وممارسات تُقيدها: الوجه المزدوج لحرية المعتقد في مصر”، عن تصاعد حاد في استهداف الأفراد على خلفية قناعاتهم المغايرة، في حملة شملت الاختفاء القسري والضغط النفسي والوصم الاجتماعي، وصولاً إلى تسجيل حالة وفاة داخل السجن في يناير 2026
نوصي للقراءة: نصوص تَعِد بالحرية وممارسات تُقيدها: الوجه المزدوج لحرية المعتقد في مصر

المدافعين عن حقوق الإنسان
هدى عبد المنعم ودائرة القمع التي لا تنتهي
وتتجلى هذه الإشكاليات بشكل أكثر حدة في أوضاع المدافعين عن حقوق الإنسان. فقد طالبت منظمات حقوقية بالإفراج الفوري عن المحامية هدى عبد المنعم، بعد تدهور حالتها الصحية داخل محبسها، في ظل إصابتها بأمراض خطيرة، ورفض طلبات إعفائها من حضور الجلسات.
أعرب التحالف الإقليمي للمدافعات عن حقوق الإنسان و11 منظمة حقوقية عن استنكارهم البالغ لتدهور الحالة الصحية للمحامية والمدافعة عن حقوق الإنسان، هدى عبد المنعم، في محبسها بمركز تأهيل العاشر من رمضان.
وأكد البيان أن عبد المنعم والبالغة من العمر 67 عامًا باتت طريحة الفراش منذ مطلع مارس 2026، نتيجة آلام حادة في الركبة وفشل كامل في الكلية اليسرى، بالإضافة إلى إصابتها بجلطات وانسداد رئوي ونوبات قلبية سابقة. ورغم وضعها الحرج ومشقة النقل، رفضت “دائرة الإرهاب” بمجمع سجون بدر طلبها بالإعفاء من حضور الجلسات والاكتفاء بتمثيل محاميها وزوجها لها.
هدى عبد المنعم محامية وحقوقية شغلت سابقًا عضوية المجلس القومي لحقوق الإنسان، ألقت قوات الأمن القبض عليها في نوفمبر 2018 على خلفية نشاطها الحقوقي، وأُدرج اسمها في القضية رقم 1552 لسنة 2018 أمن دولة عليا، المعروفة إعلاميًا بـ”قضية التنسيقية المصرية للحقوق والحريات”، ومنذ ذلك التاريخ، استمر حبسها الاحتياطي لأكثر من أربع سنوات، حتى 5 مارس 2023، ورغم انتهاء مدة العقوبة في 31 أكتوبر 2023، لم يتم الإفراج عنها، إذ فوجئت بإعادة توجيه نفس الاتهامات لها في قضية جديدة حملت رقم 730 لسنة 2020، وفي 18 نوفمبر 2024، فوجئت أسرتها مجددًا بعرضها على نيابة أمن الدولة العليا على ذمة قضية ثالثة، هي القضية رقم 800 لسنة 2019، بتهم مطابقة لتلك التي وُجهت إليها سابقًا.
مطالب حقوقية بإخلاء سبيل جلال البحيري بعد 8 سنوات من الحبس
في تطور متصل بملف الحريات، كشفت مؤسسة حرية الفكر والتعبير عن إحالة الشاعر جلال البحيري إلى المحاكمة الجنائية في قضيتين جديدتين، مع استمرار حبسه للعام الثامن على التوالي منذ القبض عليه في مارس 2018.
ويواجه البحيري اتهامات متكررة تتعلق بالانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة، وهي ذات الاتهامات التي سبق احتجازه على خلفيتها.
وأوضحت المؤسسة أن إجراءات الإحالة شابها تعثر في تمكين هيئة الدفاع من الاطلاع على أوراق القضية أو تحديد مواعيد الجلسات، نتيجة تأخر إرسال الملفات، معتبرة أن استمرار حبس البحيري يمثل انتهاكًا للضمانات القانونية، خاصة بعد تجاوزه مدد الحبس الاحتياطي المنصوص عليها.
كذلك انتقدت المنظمة ما وصفته بتدهور ظروف الاحتجاز، وإعادة تدوير الاتهامات في قضايا جديدة استنادًا إلى تحريات غير مدعومة بأدلة مادية، معتبرة أن ذلك يعكس نمطًا يستهدف تقييد حرية التعبير والإبداع الفني.
تحفظات حقوقية على “الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان”
رحبت أربع منظمات حقوقية بإعلان الحكومة المصرية إعداد استراتيجية وطنية جديدة لحقوق الإنسان، معربةً في الوقت ذاته عن قلقها من تكرار أوجه القصور التي شابت الاستراتيجية السابقة (2021–2026). وأشارت المنظمات، في بيان مشترك، إلى أن المزاعم الرسمية بشأن تحقيق “تقدم ملموس” تتعارض مع تقارير أممية رصدت استمرار الإفلات من العقاب، والتوسع في استخدام تشريعات مكافحة الإرهاب لتقييد المعارضة، إلى جانب استمرار الانتقادات المتعلقة بالإفراط في الحبس الاحتياطي.
وفي هذا السياق، شددت المنظمات على أن مصداقية أي استراتيجية حقوقية لا تُقاس بإصدار الوثائق، بل بمدى تحقيق نتائج قابلة للقياس، منتقدة غياب مؤشرات الأداء والجداول الزمنية في التجربة السابقة، وهو ما أسهم في اتساع الفجوة بين التعهدات والتطبيق. فيما أبدت تحفظها على إسناد إعداد الاستراتيجية إلى وزارة الخارجية، معتبرة أن الإصلاح الحقيقي يجب أن ينطلق من داخل منظومة العدالة الجنائية، عبر ضمان الرقابة المستقلة على أماكن الاحتجاز ووقف ممارسات “التدوير”.
يأتي ذلك بالتزامن مع توجيه رئاسي ببدء إعداد الاستراتيجية الجديدة، على أن تدخل حيز التنفيذ عقب انتهاء العمل بالنسخة الحالية. وفي تقييمها، ترى لبنى درويش، الباحثة بالمبادرة المصرية، في حديث لـ”زاوية ثالثة” أن قيمة الاستراتيجيات الحقوقية تكمن في وجود “خطة تنفيذية وأدوات للمحاسبة” لا في مجرد إصدارها، معتبرة أن غياب هذه العناصر يحولها إلى “وثائق دعائية” بدلاً من سياسات فعالة؛ فرغم تحقيق مكاسب محدودة كتمكين النساء في القضاء، إلا أنها تُقابَل بتراجع مستمر في الحريات الأساسية.
وتتفق معها المحامية الحقوقية سوزان ندا، واصفة الاستراتيجية بأنها “حبر على ورق” لعدم ترجمتها لخطوات عملية، مشيرة إلى أن غياب التشارك مع المجتمع المدني في صياغة قوانين كـ”الإجراءات الجنائية” يعكس تجاهلاً للأصوات المهنية التي ترى في الحبس الاحتياطي الحالي “عقوبة مقنعة” تفتقر للتحقيق الجاد.
وفي المقابل، أعلنت منظمات حقوقية عزمها إعداد “استراتيجية ظل” مستقلة، تتضمن معايير واضحة وقابلة للقياس، بهدف توفير أداة موضوعية لتقييم جدية الإصلاحات ومدى انعكاسها على أرض الواقع، بما يعزز سيادة القانون ويحسن أوضاع الحقوق والحريات.
وقف نشاط الشبكة المصرية لحقوق الإنسان
أعلنت مؤسسة الشبكة المصرية لحقوق الإنسان، الجمعة، عن وقف نشاطها الحقوقي وذلك لظروف خارجة عن إرادتها، دون توضيح أسباب
وقالت في بيان إن القرار يأتي في ظل تحديات حالت دون استمرار المؤسسة في أداء رسالتها على النحو الذي يحقق أهدافها في دعم وتعزيز حقوق الإنسان
نوصي للقراءة: ماذا تغيّر بعد 4 أعوام من إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان؟

حقوق العمال
استمرار حبس أطباء اعترضوا على إلغاء “التكليف“
بالتوازي مع ذلك، تتصاعد الأزمات داخل عدد من القطاعات المهنية. فقد أثار قرار وزارة الصحة تعديل نظام “تكليف” خريجي المهن الطبية ليصبح “حسب الاحتياج” جدلاً واسعًا، خاصة بعد تقليص نسب القبول بشكل كبير.
وأدانت قوى سياسية ونقابية القبض على عدد من الأطباء والصيادلة على خلفية اعتراضهم على القرار، معتبرة ذلك انتهاكًا للحق في العمل النقابي والتعبير السلمي.
وكانت نيابة أمن الدولة قررت في 24 مارس تجديد حبس طبيبي الأسنان محمد أسامة ومصطفى عرابي، والصيدلي إيهاب سامح لمدة 15 يومًا، على ذمة القضية رقم 945 لسنة 2026 حصر أمن دولة عليا، بتهم الانضمام إلى جماعة غير قانونية ونشر أخبار كاذبة.
ويأتي ذلك بعد قرار سابق بحبسهم في 9 مارس، وسط إدانات من قوى سياسية وحقوقية ونقابية اعتبرت أن استهداف أطباء وصيادلة على خلفية معارضتهم السلمية لقرار تعديل نظام التكليف يمثل انتهاكًا للحق في العمل النقابي والتعبير، وامتدادًا لاستخدام اتهامات “فضفاضة” في قضايا الرأي.
وتصاعدت الأزمة عقب تطبيق نظام “التكليف حسب الاحتياج” بدلًا من التعيين الشامل، ما أدى إلى تقليص نسب القبول بشكل كبير، وأثار غضبًا واسعًا بين الخريجين، خاصة مع تطبيق القرار بأثر رجعي وتأخر صدور حركة التكليف.
وفي موازاة ذلك، تحركت نقابات مهنية للطعن على القرار قضائيًا، بينما تقدم عدد من النواب بطلبات إحاطة، مطالبين بوضع معايير شفافة وعادلة للتكليف، وضمان حقوق الخريجين، وربط سياسات التعليم باحتياجات سوق العمل.
وتعقيبًا، يؤكد المحامي الحقوقي مالك عدلي، مدير المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أن التعامل الأمني مع الأزمات المهنية لا يمثل حلًا، بل قد يفاقمها، معتبرًا أن تحركات عدد من خريجي الصيدلة وطب الأسنان للطعن على القرار الإداري لوزير الصحة ومطالبتهم بحقوقهم المهنية، تندرج ضمن نطاق حرية التعبير والحق في التنظيم والعمل النقابي واللجوء إلى القضاء.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “اللجوء إلى الحبس الاحتياطي في مثل هذه القضايا يترك أثرًا سلبيًا على المناخ النقابي وحرية التعبير داخل القطاعات المهنية، ويبعث برسائل تخويف قد تعرقل النقاش العام حول السياسات الصحية، في وقت تحتاج فيه المنظومة إلى حوار مفتوح حول أزماتها”.
نوصي للقراءة: فائض خريجين أم فشل تخطيط؟ تقليص التكليف يفتح أزمة جديدة في المنظومة الصحية
عمال سمنود: تأخر الرواتب وانقطاع التأمين الصحي
وفي الإطار ذاته، تجددت الاحتجاجات العمالية داخل شركة سمنود للنسيج، حيث دخل العمال في إضراب مفتوح احتجاجًا على تأخر الرواتب وانقطاع التأمين الصحي، وسط اتهامات للإدارة بسوء الإدارة والتضييق.
وكشف عمال تحدثوا إلى “زاوية ثالثة” عن أزمة إنسانية متفاقمة جراء انقطاع خدمات التأمين الصحي عن نحو 600 عامل وعاملة منذ يناير الماضي، نتيجة تقاعس الإدارة عن توريد اشتراكات التأمينات رغم خصمها من الأجور، مما حرم أصحاب الأمراض المزمنة من أدويتهم الشهرية. وتزامن هذا التضييق مع تعزيزات أمنية بمحيط المصنع ومداهمات ليلية لمنازل المحرضين على الإضراب.
و400 عامل يواجهون الفصل التعسفي في مصر للألومنيوم
كذلك تصاعدت الأزمة في شركة مصر للألومنيوم بنجع حمادي، بعد فصل نحو 400 عامل، في خطوة وصفتها منظمات حقوقية بأنها فصل تعسفي جماعي، مع استخدام وسائل ضغط لإجبار العمال على ترك العمل.
وفي السياق، أكدت المفوضية المصرية للحقوق والحريات، أن حرمان العمال من وسيلة الوصول لمقر عملهم يمثل صورة من صور “الفصل المقنع” والدفع القسري لترك العمل، ما يعد مخالفة صريحة للضمانات التي أقرها قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025.
وشددت على أن هذه الممارسات تنتهك التزامات مصر الدولية بموجب اتفاقيات منظمة العمل (87، 98، 111) التي تحظر الأفعال الانتقامية ضد العمال بسبب حق التنظيم أو الإضراب، وتمنع التمييز غير المبرر في الحقوق والخدمات بين العاملين الذين يؤدون مهاماً متماثلة
نوصي للقراءة: وبريات سمنود: رواتب لا تُصرف كاملة.. علاج متوقف.. وساعات عمل مرشحة للزيادة

السياسات العامة والجدل المجتمعي
وعلى صعيد السياسات العامة، أثار قرار تعليق الخدمات الحكومية عن الممتنعين عن سداد النفقة جدلاً واسعًا، بين من يراه وسيلة لضمان تنفيذ الأحكام القضائية، ومن يعتبره توسعًا في العقوبات الإدارية قد يمس الحقوق الأساسية.
ويعتبر المحامي الحقوقي والمرشح الرئاسي السابق، خالد علي، أن القرار الأخير يكرّس لفلسفة عقابية آخذة في التوسع داخل التشريع المصري منذ سنوات، كذلك يُثير نقاشًا واسعًا لا يتعلق فقط بجدواه، بل بطبيعته القانونية وآثاره الاجتماعية والسياسية، ومدى ترسيخه لنمط من العقوبات الإدارية التي تتجاوز الإطار التقليدي لتنفيذ الأحكام القضائية.
ويبين أن القرار لم يصدر في فراغ تشريعي، إذ يستند إلى تعديل سابق على قانون العقوبات المصري بموجب القانون رقم 6 لسنة 2020، الذي عدّل المادة 293 الخاصة بجريمة الامتناع عن سداد النفقة، وشدد العقوبة وأجاز وقف بعض الخدمات الحكومية عن الممتنع عن السداد كوسيلة ضغط لتنفيذ الحكم.
نوصي للقراءة: النفقة مقابل الخدمات: هل تدفع الدولة الآباء للسداد أم تدفعهم خارج سوق العمل؟
14 قرار بنزع ملكية 253.4 فدان، مملوكين لـ 1690 مواطن
أصدر مجلس الوزراء قرارين يعتبران مشروع امتداد الخط الثاني لمترو الأنفاق من شبرا الخيمة حتى الطريق الدائري، ومشروع محور السكة الحديد بشارع الجزائر في القاهرة، من أعمال المنفعة العامة، ما يستلزم نزع ملكية نحو 55 فدانًا لأراضٍ وعقارات مملوكة لمواطنين، ضمن خطط تطوير النقل وربط المترو بمشروعات أتوبيس سريع.
بيانات ديوان العمران تشير إلى أن نحو 51% من نزع الملكية عام 2025 كان لصالح الطرق والكباري، شملت 14 قرارًا لـ 253.4 فدانًا مملوكة لـ 1690 مواطنًا.
في المقابل، تتصاعد التوترات في حي المنيل القديمة حيث لجأ السكان للقضاء اعتراضًا على ما وصفوه بإزالات غير منظمة، فيما أكدت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية دعمها لحق السكن الآمن ورفضها الإجراءات القسرية دون ضمان التعويض وإعادة التوطين.
دراسة دولية صادرة عن مرصد ديسكا وجمعية تقاطع أشارت إلى أن فجوة الأجور بين النساء والرجال تُضعف وصول النساء للسكن الملائم، مؤكدة أن التفاوت الاقتصادي يمثل عائقًا هيكليًا أمام تمتعهن بحقوقهن الحضرية.
ترام الرمل بين التطوير والهدم: هل تخسر الإسكندرية ذاكرتها التراثية؟
يثير مشروع تطوير ترام الإسكندرية جدلاً واسعًا، في ظل مخاوف من طمس طابعه التراثي وإزالة أشجار تاريخية، إلى جانب تساؤلات حول الجدوى الاقتصادية وشبهات إهدار المال العام.
من جهته، حرر المحامي بالنقض محمد فتوح محضرًا بشأن واقعة إتلاف مال عام بمحطتي فيكتوريا والسيوف.
ويوضح “فتوح” أن الدعوى تستند إلى الطعن ببطلان قرار رئيس مجلس الوزراء الصادر عام 2021 بشأن مشروع تطوير ترام الرمل، باعتبار أن المرفق مدرج ضمن التراث الحضاري للمدينة ويتجاوز عمره 160 عامًا، ما يخضعه للحماية الدستورية وفق المادة 50 من الدستور، إلى جانب أحكام قانون حماية التراث رقم 144 لسنة 2006.
ويكشف لـ”زاوية ثالثة”، أن أوجه الطعن تشمل أربعة محاور رئيسية: المساس بالقيمة التراثية، وعدم كفاية التعويضات المرصودة منذ عام 2021 في ظل التضخم، وغياب دراسة بيئية واضحة بشأن قطع الأشجار المعمرة بمحاذاة خط الترام، فضلًا عن الأثر الاجتماعي الناتج عن وقف المرفق بالتزامن مع تطوير خط أبو قير، مما تسبب في ضغط مروري واقتصادي على المواطنين.
ويرى “فتوح” أن طرح أصول الترام في مزايدة بقيمة 176 مليون جنيه يُمثّل، بخسًا للتثمين وينطوي على شبهة إهدار للمال العام، فضلًا عن وجود عوار قانوني يتعلق بجهة الولاية على المرفق، مؤكدًا أن أعمال الفك ما زالت مستمرة رغم نظر الدعوى.
من جانبه ينتقد يحيى شوكت، مدير مرصد العمران، آليات اتخاذ القرار، معتبرًا أنها تكشف عن حاجة ملحّة لإعادة تفعيل المجالس المحلية الشعبية المنتخبة، ووضع آليات تضمن مشاركة السكان في قرارات تطوير العمران. ويشير إلى أن غياب هذه المشاركة يؤدي إلى حلول قد لا تعكس احتياجات السكان بشكل كافٍ.
ويضيف أن إشراك المواطنين من خلال جلسات نقاشية كان من شأنه أن يفضي إلى بدائل تطوير أكثر توازنًا، تراعي أبعادًا متعددة، من بينها رفع كفاءة الخدمة والحفاظ على الطابع التراثي، بما يحقق مصلحة السكان بشكل أفضل مقارنة بالحلول الجاري تنفيذها حاليًا.
نوصي للقراءة: ترام الإسكندرية.. التطوير أسرع من أحكام القضاء

الصحة والعدالة الاجتماعية
وفي ملف العدالة الاجتماعية، أصدرت محكمة القضاء الإداري حكمًا بإلزام التأمين الصحي بتوفير مضخة إنسولين لطفلة مريضة، في خطوة اعتُبرت انتصارًا لحق المرضى في العلاج.
ويأتي ذلك في سياق مطالبات متكررة بوفير مضخات الإنسولين للأطفال مرضى السكري ومستلزماتها ضمن منظومة التأمين الصحي، بما يكفل حصول جميع الأطفال المرضى عليها دون تمييز.
في المقابل، لا تزال تحديات منظومة التأمين الصحي قائمة، خاصة مع شكاوى من نقص الأدوية والخدمات، ما يضطر المرضى لتحمل أعباء إضافية.
وفي هذا السياق، كشفت أربعة طلبات إحاطة موجهة إلى وزارات الصحة والمالية ورئيس هيئة التمويل بالتأمين الصحي الشامل، تقدّم النائب أحمد فرغلي، عضو مجلس النواب عن محافظة بورسعيد، في مارس من العام الجاري عن معاناة المرضى بسبب صرف الهيئة لأدوية أرخص بدلاً من الأدوية الأصلية الحيوية،
التشريعات الاقتصادية والضريبية
وفي الجانب الاقتصادي، أقر مجلس النواب تعديلات على قانون الضريبة العقارية، تضمنت رفع حد الإعفاء إلى 8 ملايين جنيه، بما يعفي شريحة واسعة من المواطنين، مع استمرار الانتقادات المرتبطة بضعف كفاءة التحصيل ومحدودية الأثر الفعلي للضريبة.
وترى سلمى حسين، الباحثة الاقتصادية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية والاجتماعية، أن الضريبة العقارية، من أكثر الضرائب عدالة وأقلها ضررًا على النشاط الاقتصادي، باعتبارها ضريبة على الثروة وليست على الإنتاج أو العمل، تُستخدم في العديد من الدول كأداة للحد من المضاربة العقارية وتخزين الثروة في العقارات، وتشجيع طرح الوحدات المغلقة في سوق الإيجار، لكنها تنتقد محدودية التصاعدية في التعديلات، معتبرة أنها لا تعالج الفجوة بين صغار الملاك ومتعددي الملكيات.
وتوضح أن الضريبة العقارية، رغم عدالتها النظرية، تظل بلا تأثير حقيقي حتى الآن بسبب ضعف حصيلتها، مشيرة إلى أن القانون ينص على تخصيص ربع الحصيلة للمحليات، وهو ما لا يُطبق فعليًا، ما يفرغ الضريبة من بعدها التنموي والخدمي
تقول: “الضريبة العقارية يجب أن تُفهم بوصفها ضريبة على الثروة، من يملك أكثر عليه أن يسهم أكثر في تمويل الخدمات العامة التي يستفيد منها”، مشددة على أن تحقيق العدالة لا يتوقف عند فرض الضريبة، بل يرتبط بكيفية توزيع حصيلتها، وشفافية الإعفاءات، وضمان عودة العائد إلى المواطنين في صورة خدمات محلية ملموسة”.
نوصي للقراءة: فوضى السوق العقاري في مصر: شركات تبيع وحدات على أراضٍ غير مسجلة باسمها

ثغرات في منظومة العدالة والحماية: العنف ضد المرأة في تزايد مستمر
بالتزامن مع يوم المرأة العالمي، تتجدد في مصر موجات الشهادات التي تروي فيها نساء تجاربهن مع العنف والاعتداءات الجنسية، في سياق يعكس استمرار ثغرات في منظومة العدالة والحماية.
وتشير عريضة صادرة عن منظمات نسوية إلى أن تكرار هذه الشهادات، من وقائع الاعتداءات الجماعية في ميدان التحرير إلى قضايا “فيرمونت” واتهامات “أحمد بسام”، يكشف محدودية مسارات المساءلة والإنصاف.
وتلفت العريضة إلى أن الشكاوى غالبًا ما تُقابل بالتشكيك وإلقاء عبء الإثبات على الناجيات، ما يحول الشهادات إلى أداة للمطالبة بالعدالة، داعية إلى إصلاحات قانونية ومسارات بديلة للمحاسبة، مع تعزيز التضامن المجتمعي وتحويل هذه الموجات إلى مطالب سياسية وتشريعية واضحة.
من جهتها طالبت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية النيابة العامة باستخدام سلطاتها في استئناف حكم البراءة الصادر لصالح المتهم بالتعرض لمريم شوقي في القضية المعروفة إعلامياً بـ”قضية فتاة الأتوبيس”، إذ قضت محكمة جنح المقطم ببراءته في 24 مارس، رغم إثبات التحقيقات والتحريات تكرار تعرضه لها على مدار عدة أيام، معتبرة هذا الحكم تقويضًا لحقوق النساء والفتيات في المساحات الآمنة جسديًا ونفسيًا في الفضاء العام.
بالتزامن مع انعقاد الدورة السبعين للجنة أوضاع المرأة بالأمم المتحدة، أطلقت منظمات مجتمع مدني نسوية وحقوقية ومبادرات مصرية بيانًا حول ما وصفته بـ”النفاذ المبتور للعدالة الجندرية” للنساء، مشيرة إلى تحديات ممتدة على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
ورصد البيان ارتفاعًا غير مسبوق في معدلات قتل النساء داخل المجالين الخاص والعام، مقابل تعثر تشريعي في توفير الحماية الكافية والحد من الإفلات من العقاب، خاصة في جرائم العنف الأسري.
قرار حضانات العاملات بين الترحيب والتحفظات
رحّبت لجنة المرأة بنقابة الصحفيين بقرار وزير العمل تنظيم إنشاء دور حضانة داخل أماكن العمل، والذي يُلزم المنشآت التي تضم 100 عاملة فأكثر بتوفير حضانة داخلية أو التعاقد مع أخرى، مع إتاحة حلول مشتركة للمنشآت الأصغر، بما يهدف إلى دعم استقرار بيئة العمل للنساء.
ورغم الترحيب، أثارت الخطوة انتقادات تتعلق بآليات التطبيق وتوزيع التكلفة. إذ تؤكد أميمة عماد، الباحثة بمؤسسة المرأة الجديدة، أن القرار لا يزال يُحمّل العاملات جزءًا من تكلفة الخدمة، رغم كونه التزامًا قانونيًا على صاحب العمل، مشيرة إلى أن غموض النص بشأن آلية الخصم، سواء من الأجر الأساسي أو الشامل، قد يؤدي إلى استقطاعات مؤثرة، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية الحالية.
وفي الوقت ذاته، تعتبر “أميمة” أن القرار يتضمن جوانب إيجابية مقارنة بالتشريعات السابقة، من بينها زيادة عدد الأطفال المستفيدين وخفض نسب المساهمة، ما قد يخفف أعباء التنقل ويحسّن إنتاجية النساء. لكنها لفتت إلى استمرار إشكاليات جوهرية، أبرزها قصر الخدمة على النساء بما يعزز التمييز في سوق العمل، إلى جانب غياب آليات رقابة فعالة لضمان التنفيذ.