عمر البشير في مهب الريح

451


لليوم السابع على التوالي تشتعل مدن السودان بالتظاهرات الشعبية، رفضاً لتردي الأوضاع الإقتصادية والسياسية، فيما أسقطت المواجهات المباشرة بين قوات الأمن والمتظاهرين أكثر من عشرين قتيلًا بحسب مصادر المعارضة.

انطلقت تلك التظاهرات بعد الأنباء التي ترددت عن اعتزام البرلمان السودان إجراء تعديلات دستورية لتمديد حكم عمر البشير الذي يحكم السودان منذ ما يقرب من 30 عامًا، جاءت تلك الأنباء وسط حالة من الرفض والاستنكار الشعبي، لما خلفته نظام البشير من تدهور للأوضاع  السياسية ومطاردة للمعارضة السياسية ، بالإضافة الى انفصال الجنوب عن السودان مما تسبب في التدهور الإقتصادي الذي لاحق السودان وأدى إلى موجة من إرتفاع الأسعار وتدني العملة.

بدأت هذه التظاهرات يوم الأربعاء الماضي، وانطلقت من مدينة عطبرة التي تبعد عن العاصمة  من ثلاثمائة كيلو متر، وتزامنت تلك التظاهرات مع عودة الصادق المهدي، زعيم حزب الأمة الوطني المعارض، من منفاه الاختياري بالعاصمة البريطانية لندن، بعدما أجبرته السلطات المصرية بالرحيل عن أرضيها في يوليو الماضي.

غاية الوصول إلى القصر الرئاسي:

خرج مئات من الأشخاص في مسيرات احتجاجية أمس الثلاثاء في العاصمة الخرطرم وهم يرددون شعارات تطالب بإسقاط حكومة الرئيس عمر البشير.

و منعت السلطات الأمنية السودانية وصول مئات من المحتجين إلى القصر الرئاسي وتسليم مذكرة تطالب بتنحي الرئيس عمر البشير.

كماأطلقت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع على المتظاهرين أثناء محاولتهم اختراق الحواجز الأمنية للوصول إلى القصر، بالإضافة إلى قيام قوات الأمن بإعتقال عدداً منهم.

واستبقت القوات الأمنية المحتجين وانتشرت بكثافة شديدة في الطرقات المؤدية إلى القصر وسط الخرطوم، بينما أغلقت محال تجارية عدة أبوابها.


قمع المتظاهرين والمعارضة:

استخدمت  قوات الأمن القوة لتفريق المتظاهرين، فقد أطلقت الرصاص إلى جانب القنابل المسيلة للدموع مما أدى إلى سقوط قتلى ومصابيين، ومع زيادة الاضطرابات، أعلنت السلطات تعليق الدراسة في كل الجامعات وكذلك مرحلتي الأساسي والثانوي بولاية الخرطوم لأجل غير مسمى.

كما أعلنت السلطات السودانية في ولاية القضارف حالة الطوارئ وفرض حظر التجوال من السادسة مساءا وحتى السادسة صباحا، ورداً على استخدام القومة من قبل قوات الأمن قام  المحتجين بإضرام  النيران في عدد من المؤسسات الحكومية والخاصة من بينها مقر حزب الموتمر الوطني الحاكم.

كما اعتقلت السلطات الأمنية 14 من قيادات تحالف الإجماع الوطني المُعارض في السودان أثناء اجتماعهم في مدينة أم درمان، السبت الماضي، تزامنًا مع وصول الاحتجاجات إلى مدينة الأُبَيِّض، عاصمة ولاية شمال كردفان، بمشاركة المئات.

فيما أصدرت القوات المسلحة السودانية بيانًا تعهدت فيه بتأييدها للبشير،  بالإضافة إلى ذلك أضرب الأطباء عن العمل تضامناً مع الإحتجاجات في السودان.


عودة زعيم المعارضة:

يوم الأربعاء الماضي، عاد زعيم المعارضة البارز الصادق المهدي إلى السودان بعد أن أمضى نحو عام في الخارج، ودعا إلى انتقال ديمقراطي للسلطة أمام آلاف من مؤيديه الذين كانوا في استقباله.

ورحب حزب المؤتمر الوطني الحاكم بعودة المهدي، ودعاه إلى المشاركة في خوض الانتخابات المقررة عام 2020 وفي لجنة تشكيل الدستور.لكن حزب الأمة المعارض استبق وصول زعيمه معلنا عدم مشاركته في حوار مع الحكومة بشأن الانتخابات.

قالت منظمة العفو الدولية (أمنستي) إنها تلقت "تقارير موثوقا بها" تفيد بأن قوات الأمن السودانية أطلقت النار على المحتجين وقتلت 37 شخصا منهم في ملاحقتها للمتظاهرين، الذين يؤرقون البلاد.

داء هذا بالرغم من إدعاءات السلطات السودانية بإن ثمانية أشخاص فقط قتلوا في الاضطرابات، لكن زعيم المعارضة الرئيسية في السودان، صادق المهدي، قال السبت الماضي إن عدد القتلى بلغ 22 شخصا.


لماذا تدعم قطر البشير:

أعلن الأمير القطري عن  منح السودان مليار دولار لمساعدته، الأمر الذي أدى إلى حالة غضب على مواقع التواصل الإجتماعي، وعلى أثر ذلك دشن النشطاء هاشتاج " قطر تدعم البشير" لرفض الدعم القطري لكسر شوكة الاحتجاجات السودانية.

هذا وفقا لانحيازات دولة قطر التي تدعم الإسلام السياسي إينما كان، مثل ما حدث مع دعمهم لجماعة الأخوان المسلمين وقت وجودهم في سدة حكم مصر، وبالمقارنة لايزال  النظام السوداني يقدم نفسه في عباءة الإسلام السياسي، حتى بعد الانقلاب الشهير على الترابي في 1999، وإزاحته تعني صعود نظام ناقم على الإسلاميين، لاسيما وأن التاريخ الشعبي السوداني مع أنظمة الحكم الإسلامية لم يكن جيدًا، حتى الصادق المهدي المحسوب على الإسلاميين، والذي عاد لتوه ليقود المعارضة من داخل السودان، هو أقرب للمحور الإماراتي – السعودي.


لماذا انتفض السودان:

منذ الانفصال عن الجنوب فقدت السودان 75% من حقول النفط الأمر الذي تسبب في تردي الوضع الإقتصادي،  وفي عام 2009 أجرت الحكومة السودانية مسحًا للوقوف على نسبة الفقر في البلاد، وكانت النتيجة أن حوالي 46% من الشعب السوداني فقير، ويجد صعوبة بالغة في تحصيل الحاجيات الأساسية من الغذاء والدواء والماء، لكن أحدث مسح سكاني في السودان أجرته الحكومة كان عام 2014، وأظهر انخفاض نسبة الفقر إلى إلى 36%، كما تحدث عددًا من الخبراء أن الفقر في السودان وصل إلى 80%، وهي كارثة إنسانية وفشل مزرٍ للدولة السودانية.  إلى جانب تصدر السودان إلى قائمة الأكثر فساداً في العالم.

مع هذا الفشل بدأت الحكومة موجات من التقشف الاقتصادي، بدأتها برفع أسعار المحروقات عام 2013، وبدأت معها موجة احتجاجات في العاصمة السودانية الخرطوم ومدينة أم درمان، وُصفت بأنها الأوسع والأعنف منذ تولى نظام الإنقاذ مقاليد السلطة في 1989. خلفت الهبّة الاحتجاجية 86 قتيلًا وفق المصادر الرسمية (تقدر بعض اللجان غير الرسمية العدد بحوالي 200 قتيل)، فيما حذر الترابي، رفيق البشير ، من أن تتحول الاحتجاجات لثورة، لكن ذلك لم يحدث.

وفي أواخر العام 2016،  أعلنت الحكومة السودانية عن رفع الدعم عن الوقود وما ترتب عليه من زيادة في الأسعار بنسبة وصلت لـ 30%، إلى جانب الأدوية ورفع الدعم جزئيًا عن الكهرباء، نظم السودانيون للرد عليها عصيانًا مدنيًا وعددًا من التجمعات، . في العام التالي توصل الحوار الوطني الذي قاطعه طيفٌ واسع من الأحزاب والقوى إلى اتفاق بإنشاء حكومة وفاق وطني، حلّها البشير بعد أقل من عام، لتعود الجموع مرةً أخرى إلى الشارع بعد الموجة الثالثة من موجات التقشف، والتي طالت خبز المواطن السوداني.


المحكمة الدولية سيف على رقبة البشير:

أرجح المحللونَ عدم تنحي البشير بسهولة، إلى مأزق محكمة الجنايات الدوليّة المسلّط عليه، إذ صدرت بحقه مذكرات اعتقال في عامي 2009 و2010 بتُهم تتعلّق بارتكاب جرائم إبادة جماعية، وجرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، خلال النزاع في إقليم دارفور غرب البلاد.

فيما أكد بعض المحللين أن في حالة استمرار البشير في الحكم ورفض التنحي وتصاعد الأمور في السودان، فهذا يعني انحدار بلد عربيّ جديد في التنازع والتناحر، الأمر الذي يؤدي إلى تفشي الفوضى في البلاد.


تعديل الدستور كلمة السر:

رغم أن الاحتجاجات اندلعت من الأصل لأسباب اجتماعية واقتصادية ، الا أن تضافر الجهود السياسية لدعم المحتجين ، وانخراط ناشطي العمل العام والمجتمع المدني بالانتفاضة ، يرجع الى بدء البرلمان السوداني اجراءات تعديل الدستور ، لضمان بقاء البشير في السلطة ، بعد انقضاء فترتي الحكم بحسب نص الدستور ، وكان البشير بنفسه هو صاحب تعديل الدستور في عام 2005 ، واقتصار فترات الرئاسة على فترتين ، فيما اعتبر طفرة سياسية وخطوة عظيمة لتوفير تداول أمن للسلطة التي يحتكرها البشير منذ أربعون عاما.


تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك