close

الثانية كالأولى.. إلغاء 19 دائرة لم يغير شيئًا في المشهد الانتخابي

وثّقت زاوية ثالثة توزيع رشاوى انتخابية تصل إلى 500 جنيه للصوت، وانسحاب مرشحين بعد تهديدات أمنية مباشرة، إلى جانب وقائع استخدام المال السياسي والحشود الوهمية في المرحلة الثانية من انتخابات 2025.
Picture of زاوية ثالثة

زاوية ثالثة

مع نهاية اليوم الأول من المرحلة الثانية للانتخابات البرلمانية، انتشرت على نطاق واسع مقاطع مصوّرة من دوائر مختلفة توثّق استمرار توزيع الرشاوى الانتخابية أمام اللجان، إلى جانب مشاجرات بين مؤيدي بعض المرشحين لجذب الناخبين. في مشاهد تعيد إنتاج أنماط شابت المرحلة الأولى في العملية الانتخابية. الأمر الذي دفع عددًا من المرشحين إلى مناشدة وزارة الداخلية والرئيس عبد الفتاح السيسي للتدخل ووقف ما وصفوه بـ”الفوضى” التي تهدد سير العملية الانتخابية وسلامة المشاركين فيها.

حدثت هذه الوقائع أمام اللجان الانتخابية رغم تعهدات “الهيئة الوطنية للانتخابات” الالتزام بكافة الضوابط لعدم تكرار المخالفات التي شهدتها الجولة الأولى من الانتخابات، وأدت إلى إعادتها في ١٩ دائرة”. 

وفي تصريحات صحفية  أكد القاضي أحمد بنداري، مدير الجهاز التنفيذي للهيئة الوطنية للانتخابات، على “الاطمئنان التام لالتزام الأحزاب بالتعليمات المنظمة للدعاية في المرحلة الثانية للانتخابات”، متوقعًا أن يبدو المشهد الانتخابي للأحزاب “مختلفاً خلال هذه المرحلة”، مشيرًا إلى تقديم عدد من الأحزاب كشوف صرف الدعاية الخاصة بمرشحيها.

وقبيل انطلاق التصويت، أعلن محمد فرغلي المرشح لانتخابات مجلس النواب رقم 4 عن دائرة (السيدة زينب – الدرب الأحمر – عابدين)، انسحابه من السباق الانتخابي. مؤكدًا في بيان، أن قراره جاء بعد تفكير عميق، ومراجعة دقيقة للمشهد الانتخابي. وأنه يعتذر فقط عن استكمال خوض انتخابات مجلس النواب 2025، لكنه لا يعتذر عن خدمته لأهالي الدائرة، مضيفا أنه لن يتراجع عن الوقوف إلى جوارهم ورد الجميل لهم، وشدد على أن قراره لم يكن ضعفًا ولا ترددًا بل احتراما لهم وتمسكا بمصلحتهم.

وبحسب مصدرين من حملته تحدثا إلى زاوية ثالثة، فإن انسحاب المرشّح جاء على خلفية تهديدات تلقّتها حملته عقب اجتماع جمع عدد من أفراد فريقه الانتخابي ببعض رجال الأمن داخل قسم السيدة زينب. وأوضح المصدران أن التهديدات تمحورت حول ضرورة التوقّف عن العمل لصالح فرغلي، والالتفات لدعم مرشّح حزب حماة وطن محمد شيحة، نجل القيادي بالحزب الوطني سابقًا أحمد شيحة، عضو مجلس الشعب الأسبق عن دائرة الدرب الأحمر، وأحد المتهمين في قضية موقعة الجمل قبل أن تقضي المحكمة ببراءته في حكم صدر في أكتوبر 2012. ما دفع فرغلي للانسحاب من الانتخابات رغم شعبيته خوفًا من الملاحقات الأمنية لأفراد حملته.

وبدأ الناخبون في مصر صباح اليوم الاثنين الإدلاء بأصواتهم في المرحلة الثانية من انتخابات مجلس النواب 2025، والتي تُجرى على مدار يومين في 13 محافظة. وفتحت مراكز الاقتراع أبوابها عند الساعة التاسعة صباحًا، وتشمل المرحلة محافظات: القاهرة، القليوبية، الدقهلية، الغربية، المنوفية، كفر الشيخ، الشرقية، دمياط، بورسعيد، الإسماعيلية، السويس، جنوب سيناء، وشمال سيناء.

ويتنافس في هذه المرحلة 1316 مرشحًا على النظام الفردي، إلى جانب قائمة واحدة تحت اسم “القائمة الوطنية من أجل مصر”، التي تضم عددًا من أحزاب الموالاة وأحزاب الحيز المتاح (المصري الديمقراطي- العدل- الإصلاح والتنمية).

 

نوصي بالقراءة: ما لم يُعلن رسميًا: رسائل داخلية تكشف دور الهيئة الوطنية في فوضى انتخابات 2025


مخالفات على أبواب اللجان

قبل ساعات من انطلاق المرحلة الثانية من انتخابات مجلس النواب، أصدر حزب مستقبل وطن”أكبر أحزاب الموالاة” تحذيرًا ممّا وصفه بـ”حملات ممنهجة” تستهدف الحزب ومرشحيه عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وقال الحزب إن ما يتم تداوله خلال الأيام الماضية تقف وراءه “جماعة الإخوان”، بينما يروّج له آخرون “بدوافع شخصية”، في محاولة، بحسب البيان، لإثارة الفتنة وبثّ الشائعات وزعزعة ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة ومكوناتها السياسية والمجتمعية.

وبينما رحب البيان بحرية التعبير وتعدد الآراء في إطار من النقد البنّاء، شدد في المقابل على أنه “لن يتوانى عن اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة” ضد من يروّج الشائعات أو ينشر معلومات كاذبة تمسّ الحزب أو قياداته أو مرشحيه.

في المقابل، رصدت جهاد مخاليف، إبنة المرشّح المستقل عاطف مخاليف في دائرة المطرية، وقائع توزيع رشاوى انتخابية أمام إحدى اللجان، وذلك من دون أي تدخّل من الجهات التنفيذية أو قوات الشرطة المتواجدة في محيط اللجان، بحسب ما وثّقته في مقاطع متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي.

وبحسب الشهود فإن في عدد من الدوائر والمحافظات، بدأت عمليات شراء الأصوات في محافظة بورسعيد بعد نحو ساعتين فقط من فتح اللجان. ووفق ما وثّقته فيديوهات وتسجيلات صوتية وصلت إلى زاوية ثالثة، بدأ سعر الصوت الواحد في الدائرة الأولى بمحافظة بورسعيد بـ200 جنيه ووصل إلى 500 جنيه، وذلك لصالح مرشّح حماة الوطن تامر الحمزاوي. فضلًا عن توزيع كوبونات لاستلام مواد غذائية للمرشح محمد أبوطالب المستقل.
وفي الدائرة الثانية، أفاد شهود عيان من حملات انتخابية، برصد وقائع توزيع مبالغ مالية مزيّفة من فئة 200 جنيه على الناخبين، في محاولة للتأثير على اختياراتهم. ولم تستمر هذه الوقائع طويلًا بعد انكشاف الأمر واكتشاف تزوير الأموال المتداولة.

وفي السياق نفسه، قام المرشح الحسيني محمد إبراهيم، المعروف باسم الحسيني أبو قمر، أمين حزب الجبهة الوطنية في بورسعيد والمرشّح كمستقل في الدائرة، بتوزيع مبالغ مالية على الناخبين.

وحصلت زاوية ثالثة على مقاطع مصوّرة من دائرتي السلام والنهضة توثق توزيع مبالغ مالية على الناخبين بعد مطالبتهم بتقديم بطاقاتهم الشخصية، بهدف التأثير على تصويتهم لصالح أحزاب الموالاة، وخصوصًا حزب حماة وطن والحزب الشعب الجمهوري.

 

فيديو توزيع أموال أمام اللجان الانتخابية في السلام والنهضة

 

وبعد هذه الوقائع، أعلن المرشح أحمد إسماعيل عن انسحابه من الانتخابات البرلمانية عن دائرة السلام والنهضة. وقال إسماعيل في بيان له:
“لقد تقدمت لانتخابات مجلس النواب 2025 بناءً على رغبتكم وبإرادة منفردة، واليوم أقدّم لكم اعتذاري عن استكمال العملية الانتخابية، بالرغم من كل الحب والتأييد الذي تلقيته من أهل السلام والنهضة. ولكن، لأسباب وظروف أحتفظ بها لنفسي، اتخذت هذا القرار احترامًا لنفسي ولتاريخي معكم ولبلدنا العزيزة مصر.”

 

فيديو ثاني لتوزيع أموال أمام اللجان الانتخابية في السلام والنهضة

ووفق ما وثقته زاوية ثالثة،  سجّلت دائرة دار السلام والبساتين عدة تجاوزات انتخابية مارسها إسلام قرطام مرشح حزب المحافظين وحملته الانتخابية، شملت استخدام المال السياسي، فيما تحالف قرطام مع مرشحي أحزاب الموالاة، وعلى رأسهم مرشح مستقبل وطن. في تناقض مع موقف حزبه المعارض من التحالف مع أحزاب الموالاة، وهو نفسه ما فعله المرشح إيهاب الخولي في دائرة إمبابة، حيث قدّم نفسه على أنه “مرشح الأمن”، الأمر الذي دفع النائبة نشوى الديب إلى الانسحاب من المنافسة.


نوصي بالقراءة:
معركة البرلمان: مرشحو الأمن الوطني ضد مرشحي المخابرات


لا جديد في المرحلة الثانية

من جهته، يقول كرم عبد الحليم المرشح عن الدائرة الأولى بمحافظة الإسماعيلية، إن أول ساعتين سارت العملية بشكل طبيعي، إلا أن الأمور تغيّرت سريعًا مع ظهور الرشاوى الانتخابية التي كانت تمثلها أحزاب الموالاة، وعلى رأسها حزب مستقبل وطن.

ويضيف عبد الحليم في حديثه إلى زاوية ثالثة أن التجاوزات تحوّلت إلى حوادث عنف وبلطجة، حيث تشاجر بعض المرشحين فيما بينهم على النفوذ وحشد الناخبين.

ويشير المرشح إلى ضعف الإقبال على التصويت، معتبرًا أن هذا يعكس تأثير المناخ السياسي السائد،معتبراً أن العملية الانتخابية غير صحية وتفتقر إلى أساس انتخابي صحيح.

وعن تدخل الجهات التنفيذية للحد من المخالفات، يقول عبد الحليم إنه لم يلاحظ أي تدخل فعّال، مشيرًا إلى وجود تقاعس أدى إلى ظهور المشهد الانتخابي بهذا الشكل السيئ.

وبالمقارنة بين المرحلتين، يوضح المرشح:”لم يحصل أي تحسن؛ بل على العكس، تحولت المساعدات الانتخابية من كراتين إلى أموال نقدية، واستُبدلت الزحام أمام اللجان بوجود بلطجية للمرشحين على مسافة من اللجنة، وهو أسوأ من المرحلة الأولى.”

من جهتها، توضح مونيكا مجدي المرشحة المستقلة على دائرة شبرا لـ”زاوية ثالثة”، أن المشهد الانتخابي “لم يسجل أي تغيير”، مؤكدة أنها رصدت حشودًا وهمية أمام بعض اللجان بعد أن تم جمع بطاقات الرقم القومي من المواطنين، جرى تنظيمها لصالح عدد من المرشحين. كما رصدت بعض المخالفات مثل توزيع الأموال على الناخبين.

في السياق تقول مريم فاروق، المتحدثة باسم تحالف الطريق الحر، إن المرحلة الأولى للانتخابات شهدت إقبالًا من الناخبين على عكس المرحلة الأولى، مؤكدة أن اللجان افتتحت جميعها تقريبًا في نفس التوقيت دون أي تأخير.

وتوضح فاروق لـ”زاوية ثالثة”  أن الرشاوى الانتخابية ما زالت موجودة وانتشرت بشكل فج أمام بعض اللجان في محافظات القاهرة بشكل عام، وفي السويس أيضًا، خاصة بين مرشحي التحالف الوطني ( أحزاب الموالاة). وأضافت أن هناك حشدًا كبيرًا للناخبين لصالح بعض المرشحين أمام اللجان.

تشير فاروق إلى أن الاختلاف بين المرحلة الأولى والثانية تمثل فقط في زيادة عدد الناخبين أمام اللجان، واختفاء انتشار الدعاية الانتخابية لبعض الأحزاب أمام المقرات الانتخابية، بينما استمرت ظاهرة شراء الأصوات.

في المقابل، أكدت وزارة الداخلية أنها رصدت خلال الساعات الماضية تداول عدد من مقاطع الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، ادعى ناشروها وجود مخالفات أمام بعض اللجان الانتخابية، رغم أن المقاطع المتداولة لا تُظهر أي مخالفات في مضمونها، ولم يتقدم أصحابها ببلاغات رسمية تثبت ما يروجون له.

وشددت الوزارة في بيان لها،  على أنها ستتخذ الإجراءات القانونية الحاسمة ضد مروّجي هذه الادعاءات، مؤكدة في الوقت نفسه دعوتها للمواطنين إلى الإبلاغ عن أي تجاوزات حقيقية تقع خارج مقار اللجان الانتخابية، حتى يجري فحصها والتعامل معها وفق القانون.

فيما رصدت غرفة عمليات الهيئة الوطنية للانتخابات عددًا من المخالفات منذ فتح اللجان في التاسعة صباحًا وحتى منتصف اليوم،تتمثل في قيام أحد المرشحين بافتعال واقعة وتصويرها وبثها مباشرة، وقد تم تحرير محضر بشأن الحادثة. 

كذلك سجلت الهيئة مخالفات تتعلق بتوزيع أموال على الناخبين لتوجيههم للتصويت لمرشح بعينه، وكانت محافظة الغربية من أكثر المحافظات التي تضررت من هذه الممارسات. فيما أعلنت الهيئة عن تحرير محضر ضد أحد الناخبين بعد قيامه بتصوير بطاقة التصويت، مؤكدة الهيئة منع أي شكل من أشكال التصوير داخل اللجان.

وبينما تُجرى المرحلة الثانية من انتخابات مجلس النواب في سياق قرار غير مسبوق بإلغاء نتائج 19 دائرة في الجولة الأولى بسبب “خروق مؤثرة” شملت الدعاية أمام مقار اللجان وعدم تسليم محاضر الفرز للمرشحين، يؤكد عدد من المرشحين أن الخروقات الجوهرية لا تزال مستمرة خلال المرحلة الحالية.

ورغم أن قرار الإلغاء جاء استجابة لتوجيه مباشر من الرئيس عبد الفتاح السيسي بضرورة ضمان أعلى درجات الشفافية في العملية الانتخابية، فإن الوقائع المسجلة على الأرض تشير إلى استمرار ممارسات من شأنها التأثير على نزاهة الانتخابات ونتائجها.

Search